الجمعة، 20 فبراير 2026

صلاة المرأة التراويح في المسجد

 صلاة المرأة التراويح في المسجد

يظن بعض النساء أن صلاتهن في المسجد أعظم أجرا من صلاتهن في البيت, وهذا خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن)  أي أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد

وذلك أن المرأة في الشريعة خصها الله بمزيد الاستتار والاحتجاب, فكلما كانت المرأة أشد التزاما بالاستتار والاحتجاب عن الرجال كانت أقرب إلى تحقيق مقصود الله سبحانه

ولذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاتهن في البيوت أفضل لهن حتى من شهود الجمعة والجماعة إلا العيد ,  وحتى من شهود الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسجد النبوي, مع أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة, فقال صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن) أي خير لهن من الصلاة في المسجد, وإذا ثبت هذه الخيرية في الفرض ففي النفل من باب أولى

واستثنيت صلاة العيد؛ لأن صلاة العيد لا تصلى في البيت, فإذا لم يحضرن النساء العيد في المصلى فاتتهن الصلاة .. بخلاف بقية الصلوات التي يمكن أداؤها في البيت, فعدم حضورهن المسجد لن يترتب عليه فوات هذه الصلوات....

وقوله صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن) يقتضي أن شهود النساء للجماعة في المسجد مباح لكنه لا يرتقي إلى كونه مستحبا أو أكثر أجرا, والإباحة مقيدة بأمن الفتنة, أما مع وجودها فإنه يصبح الحكم محرما...وعند خشية الفتنة يكون الحكم هو الكراهة..

وأما قول عائشة -رضي الله عنها-: "لو أدرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل قلت لعمرة: أو منعن؟ قالت: نعم". فلا يدل على منع النساء مطلقا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ما أحدث النساء فلم ينتف الجواز مطلقا, ولأن الإحداث المقتضي للمنع لم يحدث من كل النساء وإنما حدث من بعضهن..

أقوال المذاهب الفقهية:

اتفق الفقهاء إلى أن المرأة التي يخشى منها الفتنة أنه يحرم على الخروج إلى المسجد للصلاة

وأما من عداها فـ:

ذهبت الحنفية إلى الكراهة ؛ لأنه لا يؤمن الفتنة من خروجهن, واختلفوا هل يستثنى من ذلك العجوز؟ وهل تشمل الكراهة كل الصلوات.. انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (1/ 380)

وذهبت مالك إلى أن خروجهن جائز وتركه أحب, قال  ابن رشد: تلخيص هذا الباب على تحقيق القول فيه عندي أن النساء أربع: عجوز قد انقطعت حاجة الرجل منها؛ فهي كالرجل في ذلك، ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجل منها بالجملة، فهذه تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد كما قال في الرواية، وشابة من الشواب؛ فهذه تخرج إلى المسجد في الفرض وفي جنائز أهلها وقرابتها، وشابة فارهة في الشباب والنجابة؛ فهذه الاختيار لها أن لا تخرج أصلا. انظر: لوامع الدرر في هتك استار المختصر (2/ 494)

وذهبت الشافعية إلى أنه إن كانت شابة أو كبيرة يشتهى مثلها كره لها الحضور وإن كانت عجوزاً لا تشتهى لم يكره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن الخروج إلا عجوزاً في منقلها. انظر المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (1/ 177)

وذهبت الحنابلة إلى الجواز وعدم الكراهة. انظر: المبدع في شرح المقنع (2/ 67)

والخلاصة أن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من الصلاة في المسجد لا سيما النوافل كالتراويح مع بقاء أصل الجواز إذا أمنت الفتنة وتقيدت بالضوابط الشرعية.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 11 فبراير 2026

هل فخر الدين الرازي مجدد للدين؟

 هل فخر الدين الرازي مجدد للدين؟ 


المراد بتجديد الدين هو إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأخذ بمقتضاهما، بحيث يُعيد المجدد ما اندثر من هدي الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. فالتجديد لا يكون إلا بعد الدروس والانطماس، وليس المقصود بالتجديد تغيير الشريعة أو إحداث منهج جديد في الاستدلال لم يكن عليه سلف الأمة. 


وهنا يثور التساؤل يدور عليه التجديد: ما موقف الرازي من الدليل النقلي؟ 


يرى فخر الدين الرازي أنه لا يوجد دليل نقلي مستقل بجميع مقدماته، بل لابد من مقدمة عقلية لإثبات صحة النقل، وإلا لزم الدور. يقول في الأربعين في أصول الدين (2/595):"أما القسم الثاني، وهو الدليل الذي يكون نقليًا بجميع مقدماته، فهذا محال؛ لأن الاستدلال بالكتاب والسنة موقوف على العلم بصدق الرسول، وهذا العلم لا يُستفاد من الأدلة النقلية." 


فهو لا يُسلّم بوجود دليل نقلي يخلو من مقدمة عقلية. وبناءً على ذلك، منع الاستدلال بالنقل فيما تتوقف صحة النقل عليه، كإثبات وجود الصانع أو صدق الرسول ﷺ، قائلاً في معالم أصول الدين (22):"كل مقدمة لا يمكن إثبات النقل إلا بعد ثبوتها، فإنه لا يمكن إثباتها بالنقل." 


ويرى أن الدليل النقلي لا يفيد اليقين؛ لتوقف الاستدلال به على عشرة أمور إلا أن هذا ليس على إطلاقه عند الرازي وإنما يستثني من ذلك إذا احتفت بالدليل قرائن قطعية 

فيقول في الأربعين(2/598):"هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمورٌ عُرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي هذه الاحتمالات، وعلى هذا التقرير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن مفيدة لليقين." 


غير أن هذا الاستثناء مقيد عنده بما لا يعارض الدليل العقلي، أما إذا تعارض النقل والعقل، فالنقل عنده من المتشابهات، لا يفيد القطع، ويُؤوَّل أو يُفوَّض.

وهذا مسلك خطير سلكه الرازي تبعًا لمتأخري الأشاعرة والمعتزلة، إذ جعلوا إثبات الصانع بالعقل وحده، ورتبوا على ذلك تقديم العقل عند التعارض مع النقل، وهو ما قننه الرازي بقانونه الكلي المشهور:"إذا تعارض العقل والنقل قُدِّم العقل." 


فكيف بعد هذا يُعد الرازي مجددًا للدين، وهو من اعتمد منهجًا محدثًا في الاستدلال يخالف طريقة الصحابة ومن تبعهم بإحسان؟

بل كان كثير التناقض والاضطراب في أقواله، كما قال ابن تيمية في منهاج السنة (5/270):"متناقض في عامة ما يقوله، يقرر هنا شيئًا ثم ينقضه في موضع آخر." 


ثم إن الرازي انشغل بعلم الكلام والفلسفة، حتى قال عنه ابن الصلاح:"أخبرني القطب الطوعاني مرتين، أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى."(شذرات الذهب 7/41) 


كما تضمنت بعض كتبه انحرافات عظيمة، بل ألّف كتابًا في السحر وعبادة الكواكب ثم تاب منه، وقد قال الذهبي في السير (21/500):"وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم، وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر." 


فمن خلال هذا كله، يتبيّن أن فخر الدين الرازي ليس من المجددين للدين، إذ لم يكن تجديده إحياءً للسنة والعمل بها، بل كان في مجالات الكلام والفلسفة، وهي أبعد ما تكون عن منهج التجديد الشرعي. 


✍️ كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار