الثلاثاء، 19 مايو 2026

حقيقة #الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته عند #السبكي وابن حجر الهيتمي وأمثالهما والرد على الشيخ فيصل قزار


سمعت كثيرًا من المحاضرة الأخيرة التي ألقاها الشيخ #فيصل_قزار حول مسألة العذر بالجهل، فوجدت أنه لم يُحسن التأصيل في مواضع كثيرة منها، ولا وفِّق في تنزيل الأحكام على محالِّها، بل وقع في اضطراب ظاهر في تحرير محل النزاع، مع كثرة الأغاليط والتناقضات.

ومن كثرة ما اشتملت عليه المحاضرة من الأخطاء يصعب استقصاؤها جميعًا، غير أن أكثر ما بدا أنه أقلق الشيخ فيصل هو إلزامه في مسألة العذر بالجهل بأقوال تقي الدين السبكي، وابن حجر الهيتمي وأمثالهما ممن لم يُكفِّرهم العلماء، مع تقريرهم لما هو من الشرك الصريح في باب الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته.

ولهذا حاول جاهدًا أن يصوّر الاستغاثة التي يثبتها هؤلاء بأنها من جنس التوسل أو طلب الدعاء من الميت، وأن غاية ما يقال فيها: إنها من باب الشرك الخفي أو الشرك الأصغر، لا من الشرك الأكبر الصريح.

وهذا التصوير غير صحيح؛ فإن الذين أجازوا الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته، أو بالأولياء والصالحين بعد موتهم، إنما أجازوا دعاءهم وطلب الحاجات منهم حقيقةً، لا مجرد التوسل بهم أو طلب دعائهم.
وإن جعلوا من معاني الاستغاثة: التوسل والاستشفاع..قال السبكي الأب في شفاء السقام ((314) : ( فصار لفظ الاستغاثة بالنبي له معنيان: أحدهما أن يكون مستغاثا, والثاني أن يكون مستغاثا به)

وقد صرح بذلك ابن الحاج (ت 737هـ) في آداب الزيارة بقوله: “ثم يتوسل بالأنبياء عليهم السلام إلى الله في قضاء حوائجه ويستغيث بهم، ويطلب منهم الحوائج...” إلى آخر كلامه، الذي صرّح فيه بطلب الحاجات من النبي ﷺ والاستغاثة به بعد وفاته.

وكذلك أجاز السبكي في شفاء السقيم الاستغاثة بهذا المعنى، وذكر أنها على جهة التسبب والشفاعة لا على جهة الخلق والاستقلال، وتبعه على ذلك ابن حجر الهيتمي وغيره.
ولعل الشيخ فيصل بن قزاز لم يفهم قولهم على جهة التسبب..

ومعنى قولهم: إن الاستغاثة بالنبي ﷺ إنما هي “على جهة التسبب والشفاعة”: أن المستغيث يطلب من النبي ﷺ أن يكون واسطة في تحصيل الغوث من الله تعالى، حتى يجعلوا الطلب من المخلوق طلبًا من الله في المعنى.

وقد صرّح ابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم (٦٢٤): بقوله ( ...والمستغاث به في الحقيقة هو الله, والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بينه وبين المستغيث, فهو سبحانه مستغاث به والغوث منه خلقا وإيجادا, والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاث والغوث منه سببا وكسبا)

فهؤلاء جعلوا الطلب من الميت وسيلة في الطلب من الله, وكأنهم يجعلون نفس الطلب من الميت طلباً من الله.

وقد أداهم ذلك إلى رجاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة به من كل مكروب, وعلى وجه الرجاء والخوف
حتى قال ابن حجر الهيتمي في المنح المكية ( قد رجوناك معشر محبيك وخدامك أيها النبي الكريم ..للأمور الخطيرة العظيمة من الذنوب)

وقال عند شرح قول البوصيري في همزيته: (أناديك نداء ملهوف أي مضطر متحسر  محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه ) المنج المكية (654)

ولا ريب أن هذا من جنس ما حكاه الله عن المشركين الأولين، الذين كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق المدبر، وإنما اتخذوا معبوداتهم وسائل وشفعاء، كما قال تعالى:﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾،
وقال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

ولهذا قال سليمان بن سحمان في الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص: 464): (وأما قوله: (قال السبكي، والقسطلاني في "المواهب اللدنية" والسمهودي في "تاريخ المدينة" وابن حجر في "الجوهر المنظم": إن الاستغاثة به -عليه الصلاة والسلام- وبغيره من الأنبياء والصالحين إنما هي بمعنى التوسل بجاههم، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يجعل له الغوث ممن هو أعلى منه، فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بين المستغيث وبين المستغاث به الحقيقي، فالغوث منه تعالى إنما يكون خلقاً وإيجاداً، والغوث من النبي تسبباً وكسباً .
فالجواب أن يقال: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسول إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم، ويستغيثون بهم ويعبدونهم، وهذا هو دأب عبدة الصالحين والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم،...)

مع التنبيه إلى أني ممن أعذر بالجهل المعتبر، ولست ممن يكفر السبكي أو ابن حجر ...

لكن على كل حال
الشيخ فيصل لشدة خصومتة مع الشيخ الريس انغلق عليه باب تحرير المسائل وحسن الاستنباط

ومن عجيب ما ذكره في محاضرته أنه يخشى الردة على من وضع شروطا وقيودا في إقامة الحجة زائدة، كاشتراط أن الذي يقوم بالحجة عالم أو لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه....!!!

هدانا الله وإياهم
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/05/blog-post_19.html


السبت، 16 مايو 2026

محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟

 ما أجمل مناقشة مسائل العلم بالعلم !


محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض

والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟


والجواب باختصار: لا؛ لأن هذا احتمال طارئ على العقد, وليس جزءا من ماهية العقد, فالأصل أن العقد تحقق فيه شرط التقابض, ثم فرض بعد ذلك شك في حصول تأخير في التقابض...

هذه هي صورة المسألة, والشريعة تلغي الشك الطارئ بالاستصحاب ولا توجب التوقف..


وليس الشك في تحقق شرط التقابض هنا كالشك في التماثل في الربويات التي من جنس واحد؛ لأن التقابض شرط في صحة العقد وليس هو من ماهية العقد ولا هو علة الربا, بخلاف الجهل بالتماثل فهو جهل بوجود علة الربا نفسها, فافترق البابان.


ثم أقول:

إن الاحتجاج بقاعدة: "لا يجوز للعبد أن يُقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه" لإيجاب التوقف على الناس في معاملة 2000 دولار

إنما يستقيم لو فرض عدم وجود أصل شرعي يرجع إليه الناس في الإقدام على هذه المعاملة 

أما مع وجود أصل الاستصحاب في باب البيوع عند عدم وجود مانع معتبر فلا يستقيم استعمال هذه القاعدة ولا جعلها موجبة للتوقف...

وذلك لأن القاعدة إنما قيدت الإقدام على الفعل بالعلم بحكم الله, والعلم بجكم الله ليس مقتصرا على النص الجزئي فقط, وإنما حكم الله قد يعلم بالنص الشرعي الجزئي, كما قد يعلم بدليل كلي أو باستصحاب أصل شرعي ؛ إذ الاستصحاب من الأدلة الشرعية المعتبرة.

وعليه، فالإقدام على هذه المعاملة بناءً على استصحاب أصل الحل في البيوع: إقدام مستند إلى دليل شرعي، ولا يُعدل عنه إلا بمعتبر شرعي, أما مجرد الشكوك والاحتمالات فلا تُعد ناقلة عن الأصل وإن كانت في بيع صرف؛ لأن الشريعة ألغت اعتبار الشك المجرد ولم تجعله معارضًا للأصول المستقرة. 


فإن قيل: استصحاب الحل في معاملة 2000 دولار يعارضه وجود شك واحتمال في عدم تحقق شرط الصرف وهو التقابض, وعقد الصرف وإن كان يدخل في مطلق البيع إلا أن له شروطا خاصة

قيل: أن هذا الاحتمال ما دام باقياً في دائرة الشك غير المتيقن فإنه لا يصلح مانعًا من استصحاب أصل الحل؛ لأن الاستصحاب يعمل به في المحل الذي دخله احتمال طارئ مع بقاء الأصل السابق، ولم يقم هنا دليل معتبر يرفع ذلك الأصل. ومن ثم يبقى الاعتماد على الاستصحاب صحيحًا.

ولا يصح الانتقال من وجود احتمال في تحقق الشرط إلى إسقاط أصل الحل دون إقامة دليل أو قرينة راجحة يثبت اختلال الشرط فعلا؛ إذ لو صح ذلك لصار التعويل على مجرد فرض الاحتمالات في نقض الأصول الشرعية, وهذا باطل

ولو كان مجرد فرض الاحتمالات مؤثرا على حكم المعاملة لتعطلت أكثر المعاملات لأنها لا تخلو معاملة من وجود احتمال يمنع منها.


فإن قلت: سأعمل بالاحتياط وأتوقف ولن أستصحب الأصل؛ سدا لذريعة الربا

قيل: يسوغ لك التوقف في حق نفسك, أو تمتنع عن إعطاء حكم على ذات معاملة 2000 دولار لم يكتمل تصورك لها, لكن ليس لك إيجاب التوقف على عموم الناس؛ لوجود اشتباه عندك, فهذا تضييق ظاهر ترده أصول الشريعة وقواعدها

كما أن حالة الاشتباه إنما نشأت لعدم اكتمال تصور المعاملة, فإذا كانت صورة العقد غير مكتملة التصور فكيف يتم تصور حالة الاشتباه تصورا تاما, فادعاء هذا تناقض ظاهر

ثم إن حالة الاشتباه مبنية على فرض التأخر, وهذا غير موجود في واقع المعاملة, فإذا لم يثبت التأخر فلا اشتباه مؤثرا أصلا, ويبقى العقد على أصله وهو الصحة.

كتب د أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 8 مايو 2026

كيف تعرف الإخواني من غيره؟

 


[ سئل الشيخ الألباني عن سلمان العودة، فقال: هو ليس إخواننا، لكن منهجه منهج الإخوان المسلمين 

https://youtu.be/Xq3aqyAhDzU?si=T5_M9cehjYAG8S44

     ] انتهى كلامه 


وهنا يتبادر سؤال: كيف لا يكون إخوانيا ويكون على منهج الإخوان؟


أقول مجيبا على السؤالين:


الوصف بالإخوانية ليس مقصورًا على من دخل في تنظيم الإخوان، وبايع المرشد العام، ووالى وعادى لأجل الجماعة؛ فهذه مناطات الوصف الخاص، فالإخواني بالإطلاق الخاص هو من كان كذلك. 


لكن هناك إطلاقًا عامًا أوسع، ونظير ذلك الوصف بالجهمية. 


فالوصف بالجهمية له إطلاق خاص على من جمع بين نفي الصفات جميعها، والقول بالجبر الخالص، والقول بالإرجاء الغالي. 


وله أيضًا إطلاق عام؛ فيُطلق على كل من تبنى دليل حدوث الأجسام، 

فيُوصف المعتزلي بأنه جهمي من هذا الوجه، ويُوصف الأشعري بأنه جهمي من هذا الوجه، ويُوصف الماتريدي بذلك أيضًا، وإن لم يأخذوا حكم الجهمية من كل وجه. 


وكذلك الخارجي والمرجئ والقدري بالإطلاق الخاص غير الخارجي والمرجئ والقدري بالإطلاق العام 


وهكذا الحال في الوصف بالإخوانية؛ فالإطلاق العام يدخل فيه كل من تبنى الفكرة وشاركهم في مناط هذا الإطلاق، وإن لم يدخل في التنظيم، ولم يأخذ حكمهم من كل وجه. 


فما مناط الإطلاق العام للإخوانية؟ 


يطلق وصف الإخوانية على كل من يجعل الوصول إلى الحكم والانشغال بالعمل السياسي أصلًا تُبنى عليه الأولويات بإطلاق، حتى يُقدَّم الولاء السياسي والحركي على الولاء العقدي والمنهجي. 


ولأجل ذلك تغلب الرؤية السياسية على التصحيح العقدي، والتميز المنهجي، والوضوح في مسائل الاعتقاد والانحرافات الفكرية. 


فتجد عند هؤلاء أن الولاء ابتداء يكون على النظر السياسي والتكتل الحركي، وأما العقيدة فهي الوسيلة الخادمة، فكثيرا ما يُهون منها ... 


وباختصار فالإخواني بالإطلاق العام: من جعل الوصول إلى الحكم والتمكين السياسي أصلا في دعوته، حتى يصبح الولاء لهذا المشروع السياسي مقدما بإطلاق على الولاء العقدي والتمايز المنهجي

فالكلام فيمن يجعل السياسة أصلًا حاكمًا على العقيدة والمنهج 


ومن هنا نفهم تعاطف كثير من الرموز الدينية مع إيرااان، حيث يُهوَّنون من الانحراف العقدي لأجل الاشتراك في مشروع سياسي أو موقف مرحلي. 

ولا أتكلم هنا عن عوام الناس... 


تنبيه مهم:

ليس كل من اهتم بالسياسة يُوصف بالإخوانية، وإنما العبرة بالغلبة والأولويات. 


فإذا كان الأصل عند الشخص هو التصحيح العقدي، والتميز المنهجي، وكانت السياسة وسيلة خادمة لذلك، لم يصح وصفه بالإخوانية، لا بالمعنى الخاص ولا بالمعنى العام. 


أما إذا كانت السياسة، والوصول إلى الحكم، والعمل الحركي، هي الأصل الذي تُرتب عليه المواقف والتحالفات والأولويات، صح وصفه بالإخوانية بالمعنى العام، وإن لم يكن منتميًا تنظيميًا إلى جماعة الإخوان المسلمين. 


وكما صح توسع الأئمة في إطلاق الجهمية بالمعنى العام على من لم يكن جهميًا بالمعنى الخاص، صح ذلك أيضًا في إطلاق الإخوانية من أهله؛ لبيان خطورة الأصل الذي ضلوا فيه، وتحذير الناس من الوقوع فيه. 


وأنبه إلى أنه يجب أن يكون هذا التوسع منضبطًا بصحة تحقق المناط، لا برمي الناس بما لا يعتقدونه، ولا بنسبة الأقوال والمناهج إليهم بغير بينة وعدل. 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 7 مايو 2026

اقرأ بصبر وإنصاف هل أخطأ الإخوان المسلمون حين لم يعتنوا بتصحيح العقيدة؟

 

الشبهة التي علقت في أذهان بعض الشباب عند الكلام عن جماعة الإخوان المسلمين: أنهم جماعة سياسية وليست فرقة عقدية؛ بمعنى أنهم جماعة تُعنى بالشأن السياسي والوصول إلى سدة الحكم، وليست جماعة تبنت أصولًا عقدية مخصوصة.

وفلسفة هؤلاء أن المعركة لما كانت متجهة إلى الكافر الأصلي، وإلى العلمنة وإقصاء الشريعة؛ لم يكن للإخوان مجال للاشتغال بتصحيح المعتقد في الصف الداخلي، ولا بإعمال باب الولاء والبراء في مسائل البدع والانحرافات العقدية.

فيتفق هؤلاء معنا أن جماعة الإخوان لم تعتن بالتمييز العقدي ولا راعت الولاء والبراء على البدع في أصول الدين إلا أنهم يسوغون ذلك لهم ويعتذرون للإخوان بحجة الدفاع عن أصل الإسلام، والسعي إلى إعادة تحكيم الشريعة ...

فالمقدمات التي انطلق منها هؤلاء في الاعتذار للإخوان وتبرير منهجهم ترجع إلى مقدمتين:

الأولى: أن المرحلة التي وُجد فيها الإخوان لم تكن تسمح بالاشتغال بتصحيح العقيدة.

الثانية: أن مصلحة مواجهة العدو الخارجي مقدمة على التمييز العقدي الداخلي وإعمال باب الولاء والبراء وإعمال باب الأسماء والأحكام.

ولهذا يطالب هؤلاء السلفيين بأن يراعوا في حكمهم على جماعة الإخوان: المقاصد والظروف والملابسات التي نشأت فيها الجماعة.

لكن حتى لا يُظلم القوم، فقد عرض العلماء — قديمًا وحديثًا — منهج الإخوان على أصول الشريعة وقواعدها، ونظروا في طريقتهم بميزان الوحي ومنهج الأنبياء والسلف، فنتج عن ذلك أمور:

أولًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها وطريقة الأنبياء مع أقوامهم أن تصحيح العقيدة هو أصل مواجهة الباطل ولا يصح أن يكون أمرا مؤجلا...

فالأنبياء عليهم السلام لم يبدؤوا بمواجهة الأنظمة السياسية ولا القوى المهيمنة قبل تصحيح التوحيد.

كما أن النبي لم يؤسس تجمعًا عامًا يضم المشرك والموحد بدعوى الاتحاد ضد قريش، وإنما تحمل الأذى في سبيل تصحيح المعتقد ومحاربة الشرك.

وبهذا يتبين أن أصل الفكرة التي انطلقت منها الجماعة — وهي تجميع المتناقضات العقدية تحت راية واحدة بدعوى مواجهة العدو الخارجي في زمن يمكن معه تصحيح المعتقد — هو نفسه مخالف لطريقة الأنبياء وهدي الشريعة.

ثانيا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن الانحراف العقدي نفسه هو أعظم أسباب تسلط الأعداء
فالقرآن كثيرا ما يربط بين فساد العقائد وبين حلول الذل والهزيمة والتفرق، كما قال تعالى:{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات}
فكيف يصح تأجيل ما هو في نفسه سببٌ لتسلط العدو؟!

ثالثًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن جمع الفرق المتناقضة عقديًا ليس هو الاعتصام بحبل الله ولا يحقق الوحدة المطلوبة شرعا، وبالتالي لن يترتب عليه هزيمة العدو، ولا نصر الله لأوليائه...

ولهذا كان الإمام أحمد يحذر من الجهمية زمن الفتن، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقاتل التتار، ومع ذلك يرد على الاتحادية والباطنية والصوفية المنحرفة، ولم يُذب الفوارق العقدية بحجة مواجهة العدو الخارجي.

رابعا: النظر إلى المآلات والعاقبة أمر دلت عليه أصول الشريعة وقواعدها
ومن نظر إلى ما آل إليه حال جماعة الإخوان المسلمين التي قدمت الوحدة الحركية على تصحيح العقيدة
وجد أنهم انتهوا إلى: التميع العقدي، وتقديس التنظيم على حساب صحة لمعتقد، والغلو في الجماعة، والتنازلات الفكرية
حتى أنهم تركوا تحكيم الشريعة لما وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان، بل حكموا دساتير فيها أمور كفرية، كما فعل مرسي في مصر..

وعليه
فالسلفيون لما يظلموا الإخوان حين حكموا عليهم بالضلال والانحراف؛ لأنهم انطلقوا في حكمهم من أصول الشريعة وقواعدها والتي اقتضت هذا الحكم...

ونحن  إذ نحذر من الإخوان المسلمين ونبين ضلالهم لا يعني ذلك أننا نحكم على كل فرد منهم بأنه من أهل النار....

ومع تحذيرنا كلما استجد أمر تمدح فيه هذه الجماعة يؤسفنا حال من يدافع عن الإخوان ممن غاب عنه كون  السلف كانوا يفرقون بين التعاون المشروع وبين التمييع العقدي وتأسيس مشروع عليه

فأهل السنة لا يمنعون التعاون مع المخالف في أمرٍ مشروع إذا دعت إليه الحاجة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بهذا التعاون
لكن من دون تزكية البدع أو إسقاط التحذير بالكلية، ومن دون إلغاء أحكام التفسيق والتبديع بإطلاق....

فهناك فرق بين التعاون الجزئي المقيد وبين بناء مشروع إصلاحي كامل على تذويب الفوارق العقدية وإلغاء باب الأسماء والأحكام.

وأخيرا
إن سألتني عن أهم الفوارق بين السلفيين بحق وبين السروريين والإخوان

لكان جوابي: أن السرورية والإخوانية جعلت إقامة الإسلام مساوية للوصول إلى الحكم وإسقاط الأنظمة المسلمة القائمة.

أما السلفيون بحق فيرون أن إقامة الإسلام تبدأ بـ: تصحيح التوحيد، وتصحيح العبادة. وتربية الناس على السنة..وهم في غاية البعد عن سفك الدماء وبث الفوضى في البلدان المسلمة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار