السبت، 29 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟

للمتخصصين


استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟ 


قبل الجواب لابد أن نبين أن حقيقة الفعل الشركي أو المقالة البدعية ماهية واحدة لا تتجزأ ولا تختلف باختلاف الفاعلين؛ فصرف العبادة لغير الله شرك أكبر، ولا تختلف هذه الحقيقة باختلاف المعينين 


وأما كيف لا يكون مشركا مع تحقق الوصف الشركي في الفعل الصادر من المعين؟ 


فأظهر ما يبين إمكان الانفكاك بين وصف القول بالكفر  والحكم على قائله هو حال الإكراه، فالمكره على التلفظ بكلمة الكفر يقصد النطق بعينه، وتحققت حقيقة الكفر في القول، والشرع يصف نفس القول بأنه كفر: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ}، ثم يستثني حال المكره من الحكم لا من وصف القول، فإذا صح تصور الانفكاك في الإكراه وهو مانع صح تصوره في غيره من الموانع. 


ومعنى قيام حقيقة الشرك في المعين هنا هو تحقق وصف الشرك في الفعل الصادر من المعين من حيث ماهيته، لا من حيث الحكم على الشخص المعين. 


والسؤال الذي هو حقيقة البحث: هل قولنا: هذا الفعل شرك يوجب تسمية الفاعل مشركا شرعا؟

والمعين الذي نبحث فيه هو من ثبت له أصل الإسلام، وليس النفي في كل  معين، فقد تقوم حقيقة الشرك بمعين ويكون مشركا وقد لا يكون مشركا ..


ولكي نجيب على هذا السؤال

لابد أن نفهم كيف كيفت الشريعة هذه الحقائق إذا قامت بمعين: هل بمجرد قيام حقيقة الشرك في معين يكون قد قام به سبب موجب لتسميته مشركا على أي حال، أو يكون سببا مقتضيا بحيث لا يسمى مشركا إلا بعد إقامة الحجة، لكونه سببا لا يوجب الاسم وحده؟ 


نعم، إذا نظرنا في لغة العرب وجدنا أن من قام به الفعل اشتق له منه اسم فاعل؛ فمن قامت به الحركة سمي متحركا،

لكن في الشرع اختلف الأمر من جهة كون الأسماء تترتب عليها أحكام دنيوية وأخروية، فلا ينزل الاسم المترتب عليه أحكام شرعية على المعين حتى تتحقق شروطه وتنتفي موانعه المعتبرة في الباب. 


فإن قيل: هل إقامة الحجة شرط في الاسم أو في الحكم؟ 


قيل: إن أريد بالاسم مجرد الوصف المشتق من الفعل، فهذه مسألة لغوية والخلاف فيها لفظي، وإن أريد به الاسم الشرعي الذي يترتب عليه حكم الكفر أو الفسق، فالنزاع في تنزيله على المعين. 


والذي تدل عليه الأدلة أنه يمتنع تنزيل اسم الشرك على المعين في مقام الحكم إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. 


ومن ذلك حديث ذات أنواط، فقد خرج جماعة من الصحابة إلى حنين وهم حديثو عهد بإسلام، فمروا بشجرة كان المشركون يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مثلها يتبركون بها، فأنكر عليهم  وشبه قولهم بقول قوم موسى: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة}. 


فلم يقع من الصحابة هنا فعل تعبدي عند الشجرة؛ فهم لم يعكفوا عندها ولم يعلّقوا أسلحتهم، وإنما صدر منهم طلب وسؤال بأن يجعل لهم مثل ما للمشركين، فهو طلب يتضمن الإذن بمعنى شركي، 

ومن الدليل على أن المطلوب من جنس ابشرك الأكبر لا الأصغر قوله :( ويعكفون عندها)، والعكوف في لغة العرب فعل تعبدي وليس مجرد الجلوس، كما أن التشبيه الصريح من النبي بطلب بني إسرائيل يدل على شدة مشابهة مطلوبهم لما وقع فيه أولئك من طلب اتخاذ إله أو معبود، وإنما منع من ثبوت اسم الفاعل وحكمه كونهم حديثي عهد، فكان الجهل متعلقا بحكم الفعل الشرعي، لا بحقيقة ما طلبوه من حيث التصور..

فهم لم يباشروا الفعل الذي كان عليه المشركون، وإنما صدر منهم طلب يطلبون فيه إنشاء مثل ما يفعله المشركون، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعهم فيها.

فالحديث شاهد على أن صدور القول أو الفعل المتضمن لتحويز معنى شركي لا يستلزم بذاته ثبوت الاسم الحكمي على فاعله؛ لأنه سبب مقتض لا موجب. 


فإن قيل: أليس هناك تناقض عندما تثبت قيام حقيقة الشرك في المعين ثم تنفي عنه أن يكون مشركا؟ 


قيل: لا؛ لأن التناقض يقع لو قلنا: هذا الفعل ليس شركا لكن الفاعل مشرك، أو قلنا: هذا الفعل شرك، والفاعل لم يفعل الشرك. 

أما قولنا: هذا الفعل شرك والفاعل ليس مشركا فلا تناقض فيه؛ لانفكاك الجهة. 

فالحكم على الفعل بالشرك من جهة تحقق ماهية الشرك فيه، وعدم الحكم على الفاعل بأنه مشرك من جهة عدم استيفاء شروط الاسم الشرعي في المعين 

ونظيره أن يقال: القول كفري، وقائله المعين قد لا يحكم بكفره.

وهذا لا يعني أن القول صار غير كفري او انتفت حقبقة الكفر قي المعين من حبث الفعل. 


وأما ما يرد من إطلاق بعض النصوص اسم الشرك أو المشركين على أقوام قبل بلوغ الرسالة، فليس ذلك نقضا لأصل التفريق؛ لأن الكلام في تنزيل الأسماء الشرعية على المعين بعد قيام موجب الإسلام في حقه، وهي مسألة تختلف باختلاف حال المخاطَب وبلوغ الرسالة وقيام الحجة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_29.html


الخميس، 27 أغسطس 2026

إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

 إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

لا ريب أن إنكار علو الله بالتأويل مقالة بدعة معلظة، وقد تواترت نصوص أئمة السلف على إطلاق الكفر على منكري العلو
وهي في أصلها واردة في الحكم على المقالة وأهلها من حيث الجملة، وورد عنهم تكفير عيني لمن تبين لهم حاله بخصوصه.

إلا أن تحرير محل البحث ينعقد قي السؤال الآتي: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل، وإنما حمله على ذلك ظنه أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا تأويل العلو تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل؟

وبطبيعة الحال البحث هنا بمعزل تام عن رؤوس المتكلمين ودعاتهم المنظرين الذي،يحرمون الايطستدلال بالواي في الإلهيات والنبوات كبشر المريسي والجويني والرازي وأمثالهم من دعاة الكلام المنظرين، وإنما البحث في حق شراح الحديث ممن غلب علبهم جانب الاتباع وتقديم الاحتجاج بالكتاب والسنة إلا أنه شابت أفهامهم بعض الشبهات الكلامية المتوارثة ظنا منهم أنها دل عليها الوحي...

للإجابة على السؤال: يجب الإقرار ابتداء بأن مساحة الإعذار في مسألة العلو ونحوها أضيق بكثير من مساحة الإعذار في مسائل الإرجاء مع اشتراك المسألتين في أصل الظهور؛ لكن امتازمت مسالة العلو بتكاثر الأدلة وتنوعها والتي منها الفطرة ..

نعم
الأصل في تحقيق المناط واحد في كل الأبواب ومطرد، لكن سعة تطبيقه تضيق جدا في مسألة العلو خصوصا والمسائل الظاهرة عموما
ولذا فإن تمثيل بعض العلماء كابن تيمية بمن نشأ في البادية أو كان حديث عهد بإسلام لم يكن على سبيل الحصر الحقيقي للموانع
وإنما سيق لبيان تضييق دائرة الإعذار في المسائل الواضحة قي نفسها لا إغلاق باب الإعذار بالكلية على من سواهم

وأما الجواب عن سؤال: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل؟
فنعم، يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية بناء على ظن أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه، كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا التأويل تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل، ومن غير أن يتبين له أصلا كلاميا مخالفا للوحي، ولم تبلغه الحجة على وجه تقوم به عليه، وليس من رؤوس المقالة والمنظرين لها.
فهذا يعذر في خطئه، ولا يلزم من وقوعه في هذه المقالة أن يُحكم عليه بأنه مبتدع ....

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: (ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه).
فمن ينفي العلو متؤولا ظانا منه أنه يطلب الحق من جهة الرسول معتقدا أن هذا هو اعتقاده -وإن كان ظنه لا يوافق نفس الأمر-: يعذر ولا يستحق التبديع العيني فضلا عن التكفير؛ إذ ليس كل من نفى العلو بالتأويل ينطلق من عقليات قدمها على النص الشرعي.
قال ابن تيمية في منهاج السنة: (أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها. وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين).
وهذا بخلاف من يؤول من غير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما من جهة تقديم العقل الكلامي كالجويني..

وأما الدعوى القائمة على أن المسألة إذا كانت أدلتها ظاهرة، فلا حاجة لإقامة حجة إضافية على الظهور؛ لأن الظهور نفسه يغني عن اشتراط قيام الحجة؛ فهي دعوى مردودة؛ لأن الظهور والخفاء عند المحققين كابن تيمية وغيره ليسا وصفين ذاتيين لازمين للمسألة نفسها بمعزل عن حال الناظر فيها وبيئته، وإنما هما أمران نسبيان إضافيان يختلفان باختلاف بيئة المعين وعصره وما بلغه من العلم، فقد تكون المسألة في غاية الظهور عند طالب علم صغير نشأ في بيئة سنية محضة، وتكون خفية أو محل اشتباه عند عالم متبحر في الفنون الشرعية لكنه نشأ في بيئة كلامية ورث فيها هذا التأويل عن مشايخه دون نظر مستقل.

وكثيرا ما أمثل على نقض مسألة الظهور بمسألة إرجاع الضمير في حديث الصورة إلى الله
فقد كان أمرا ظاهرا في القرون الثلاثة، حتى قال الإمام أحمد. لما قيل له: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته؛ أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وفي رواية قال عنه مبتدع
ومع ذلك أرجع ابن خزيمة الضمير لآدم؛ موافقا بذلك قول الجهمية
فلو كان مجرد الظهور موجبا للتبديع وكافيا لإسقاط شرط قيام الحجة، للزم من ذلك تبديع ابن خزيمة مباشرة بلا نظر، وهذا ما لم يفعله أحد من أئمة أهل السنة، وبقي ابن خزيمة إماما معدودا من أئمة السنة وحفاظ الحديث.

وذكرت ابن خزيمة هنا ليكون شاهدا على أن الوقوع في نتيجة قول الجهمية لا يستلزم التبديع الفوري بمجرد الظهور

ولو طرد معيار الظهور يغني عن الحجة للزم منه هدم قول ابن تيمية الذي يحكي فيه ما عليه السلف والأئمة في قوله: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة"
فإن كانت بدعة الإرجاء ظاهرة بحيث تغني عن قيام الحجة، فكيف بقي هؤلاء الفقهاء والعباد معدودين من أهل السنة عند ابن تيمية نفسه ومن يحكي عنهم من السلف؟

إذن لابد من التفريق بين ظهور الدليل نفسه، كوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة وتواترها وبين ظهور الدليل عند المعين بحيث نسأل: هل بلغه هذا الدليل على وجه يقطع عذره، أو نشأ في بيئة أخفت عنه وجه الدلالة وأوهمته أن منطلق التأويل هو الكتاب والسنة؟

والحكم على المعيّن لا يتعلّق بمجرد ظهور المسألة في نفسها، وإنما بتحقيق قيام الحجة المعتبرة في حقه، مع النظر في موانع الحكم، ومن ذلك مدى بلوغه الدليل وفهمه وقيام موجب العلم عليه.

ولذا عندما نناقش الإعذار  في مسألة العلو نناقشه من هذا الجانب، وليس من جانب الدفاع عن إنكار العلو، ولا من جانب الدفاع عن الأشعرية، وإنما هو من جانب تقرير ضابط الحكم على لمعين
فكون إنكار العلو كفرا وبدعة مغلظة لا يعني بالضرورة أن منكر العلو بالتأويل كافر، والأشكال في إثبات التلازم ...
ولذا قال ابن تيمية في عدم تكفير من ينكر العلو ممن يقدم العقل على النقل قي الاستدلال: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم).
هذا فيمن أول من غير جهة الرسول لكن لا على وجه التكذيب والعناد، فانتفى عنه التكفير إلا أنه مستحق للتبديع العيني .
وهذا بخلاف شراح الحديث كالنووي وابن حجر، فالحق أنهم ليسوا من أهل البدع؛ لأن أصل منهجهم هو الاستدلال بالكتاب والسنة والتعظيم للأثر، وإنما وقعت لهم الهفوة تقليدا فبما ظن ه أنه م أفق للكتاب والسنة

فإن قيل: ألا يعارض ما تقدم إطلاقات أئمة السلف أن من أنكر العلو فهو كافر

قيل: لا تعارض، فنصوص السلف جارية على منهج القرآن والسنة في الوعيد العام والتكفير المطلق للنوع، قال ابن تيمية (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ، وإن كان مخطئا ...)

فإن قيل: ما توجيه قول الدارمي لما قال عن مسألة العلو : (وظَاهِرُ القرآنِ وباطِنُهُ كُلُّه يَدُلُّ على ذلك، لا لبس فيه ولا تأول، إلا لِمُتَأَوِّلٍ جَاحِدٍ، يُكَابِرُ الحُجَّةَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ)

قيل: كلام الدارمي في سياق رده على رؤوس الجهمية كبشر المريسي ممن تبين له مكابرتهم وعنادهم، فالدارمي يصف هنا نوعا مخصوصا من المتأولين، وهو المتأول الجاحد المكابر للحجة مع العلم بها، فلا يصح نقل وصفه هذا إلى كل من وقع في التأويل دون تحقق وصف الجحود والمكابرة في حقه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 26 أغسطس 2026

الرد على #عبد_الله_الخليفي في نفي اجتماع وصف صاحب سنة والوقوع في بدعة

 الرد على #عبد_الله_الخليفي

(لولا  شفقتي على أتباعه الصغار وحبي في الله لإخواني في سوريا والجزائر ما اشتغلت بالرد عليه، فلا يعرف بشيء في فنون العلم الشرعي)

أرسل إليّ أحد أتباع عبد الله الخليفي مقطعا له في الرد على مقالي الأخير حول إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة، وقد بدعني فيه، وأما تكفيري فمحل بحث عنده، فيمكن أن يكفرني بعد البحث عينا..
جرأة غريبة!!
والخليفي فيما يظهر أنه لا يحسن فهم المقالات التي تكشف غلوه، فضلا عن أن يحسن فهم إطلاقات السلف ومناطات كلامهم، ومن لا بضاعة له في أصول الفقه ومقاصد الشريعة كيف له أن يفهم حقيقة الإطلاق ومقييداته ابشرعية؟!!

المقال الذي يرد عليه الخليفي بينتُ فيه بوضوح أن وصف صاحب سنة قد يجتمع في كلام المتقدمين مع إثبات مخالفة بدعية في الشخص المعين، ونصصت بصريح العبارة أن هذا لا يعني التسوية بين جميع البدع، ولا أن كل مبتدع يسمى سنيا.

فما الذي أفهمه الخليفي أتباعه ومحبيه؟
أفهمهم أني أسوي بين البدع كلها، حيث يقول: "قد يجتمعان: يكون الإنسان مرجئا ومن أهل السنة، شيعيا ومن أهل السنة، وعلى قياسه قدريا ومن أهل السنة، وأشعريا ومن أهل السنة"،
ويقول واصفًا مقالي: "أقام هذا المقال على قياس بشر المريسي، وهو أن الخلاف في القدر والإيمان ومسائل التفضيل كالخلاف في مسائل الصفات".

مع أني قلت في المقال بصريح العبارة: "فالآثار حجة على أصل إمكان الجمع بين إطلاق صاحب سنة ووجود بدعة في المعين، وليست حجة على التسوية بين جميع أنواع البدع في هذا الحكم، ولا على كل معين"

فلا أدري ما الذي اضطره لهذا الخلط؟ والعجيب أنه مع طعنه في الدكاترة بأنهم أصحاب مذكرات، وتبديعه لي، وتلميحه بأني ربما أُكفَّر، لم يستطع أن ينقض محل الدعوى، وإنما ناقش دعوى أخرى لم أقل بها أصلا في هذا المقال.

وحتى أوضح للقارئ الكريم ولأتباعه، أقول: محل النزاع ليس: هل كل مرجئ سني؟ وهل كل أشعري سني؟ وهل كل من وقع في مخالفة أصل فإنه بطلق عليه صاحب سنة؟ ولا محل النزاع في التسوية بين بدعة إرجاء الفقهاء وبدعة الأشاعرة، هذا كله من تخبطاته

وإنما محل النزاع: هل دل كلام أئمة السلف واستعمالاتهم على أن الشخص المعين قد يوصف بأنه صاحب سنة مع إثبات مخالفة بدعية فيه؟ أو لابد أن تجتمع فيه خصال السنة كلها حتى يوصف بأنه صاحب سنة؟!!

فأتى الخليفي بدعاوى أخرى وأصبح يرد عليها، وهي التي أشار إليها بسؤاله الاستنكاري: متى يكون الإنسان مرجئا مبتدعا، ومتى يكون مرجئا سنيا؟
فكأن الفكرة التي يريد إيصالها لأتباعه أني أقول: كل من وقع في بدعة فهو سني، وأن بدع الجهمية والمرجئة والقدرية والأشاعرة في رتبة واحد،. وأنا لا أقول بهذا.

ما هي الدعوى محل البحث ؟

الدعوى التي أقول بها: وصف صاحب سنة عند المتقدمين قد يثبت للشخص مع وجود مخالفة بدعية فيه، فلا يلزم من ثبوت المخالفة نفي وصف السنة عنه من كل وجه.

فإذا أراد المعترض إبطال هذه الدعوى، فعليه أن يجيب عن الآثار على محل دلالتها، لا أن يرد على قاعدة أوسع لم أدّعها.

ومن قال: قد يوجد في السني بدعة جزئية لا تخرجه عن كونه صاحب سنة: لا يلزمه أن يقول: كل مبتدع سني.

(تنبيه: الأصل من أصول أهل السنة لا يجب أن يكون كليا أو بابا كاملا. وإنما قد يكون جزئية بعينها باعتبار اشتهار المخالفة فيها)

ومن قال: قد يجتمع في المعين وصف السنة ووصف المخالفة من جهتين مختلفتين: لا يلزمه القول بتساوي السنة والبدعة في المعين من كل وجه، ولا تساوي البدع في أنفسها.

وأما قوله: متى يكون الإنسان مرجئا مبتدعا ويكون مرجئا سنيا؟
فجوابه:
مقالات مرجئة الفقهاء مقالات تخالف أصول أهل السنة وإن كانت أخف من مقالات المتكلمين، ومع ذلك ليس كل من ثبتت فيه مقالة من مقالات إرجاء الفقهاء يكون مرجئا بمعنى مبتدع، وإنما قد يكون مرجئا بمعنى وقع في بدعة الإرجاء، ولا يلزم من الوقوع: الإخراج من دائرة أهل السنة.
وهذه ليست دعوى مستحدثة، فابن تيمية يقول عن المرجئة: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة، حتى تغلّظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة"

فإن كان هذا الكلام مقبولا عند المعترض، فقد انتهى أصل النزاع، وإن أراد رده، فعليه أن يرد كلام ابن تيمية نفسه ويجعل الخصومة معه؛ لأن كلامه يتضمن: طوائف دخلت في قول المرجئة، وليست مجرد موافقة عابرة، ومع ذلك كانوا يعدون من أهل السنة، ثم تغلّظ الأمر عليهم على مراتب، مع العلم أن شيخ الإسلام يُبدّع فرقة المرجئة كفرقة قائمة بذاتها.

فتبين أن الدخول في بعض قول طائفة بدعية كالمرجئة لا يستلزم مباشرة سلب وصف السنة عنه من كل وجه.

إلا أن #الخليفي له رأي آخر، حيث يقول: "أما أمثال أبي حنيفة وأصحابه فهؤلاء لا يُقال فيهم إرجاء، بل هم المرجئة الذين أصلا يُقاس عليهم".
وإقحامه لأبي حنيفة وأصحابه في هذا الموضع لا يغير محل النزاع؛ لأن البحث ليس في الحكم التفصيلي على أبي حنيفة الذي نعتقد سنيته، وإنما في القاعدة التي يقررها الخليفي: هل مجرد الدخول في قول المرجئة يستلزم خروج المعين من السنة؟
وكلام ابن تيمية صريح في أن طوائف من أهل الفقه دخلوا في قول المرجئة مع بقائهم معدودين من أهل السنة.

ومادام أن ابن تيمية يعد طوائف من أهل الفقه ممن أخذوا بمذهب مرجئة الفقهاء من أهل السنة، فننتظر من #الخليفي وجماعنه أن يعلنوها صراحة أن ابن تيمية مبتدع؛ لأنه يدافع عن المبتدعة، كما بدعني وبدع غيري، وقد قال هو بنفسه: "أما مسألة أنك دخلت في حيّز الابتداع، هذه ما فيها نقاش... أنت خرجت من السنة، هذه لا نقاش فيها"، فليُطبّق هذا الإلزام على ابن تيمية نفسه إن كان مطردا عنده.

مناقشة الآثار الثلاثة

الأثر الأول: قلت في مقالي السابق: قال أبو داود السجستاني في ورقاء بن عمر: "صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء". وهذا من أوضح الآثار؛ إذ جمع أبو داود في وصف واحد بين إثبات كونه صاحب سنة والإخبار عن وجود الإرجاء فيه، فلم يقل: "ليس بسلفي، بل هو مرجئ"، ولا: "ليس بسلفي لكنه كذا وكذا".
وقد نقله غير واحد من العلماء...

قال الخليفي معترضا: فلو فرضنا أن هذه الرواية ثابتة، فيكون ورقاء قد وقع في موافقة المرجئة في بعض مقالتهم.

والرد عليه:إن ما فرضه جوابا هو نفسه محل النزاع!
فلم أقل: "ورقاء من المرجئة من كل وجه"، ولم أقل: "كل المرجئة من أهل السنة"، وإنما استدللت بقول أبي داود لأثبت إمكان اجتماع الوصفين في الشخص المعين.
فقول الخليفي "قد وقع في موافقة المرجئة في بعض مقالتهم" إقرار.منه بأن وقوع ورقاء في بعض مقالات المرجئة لم يمنع أبا داود من وصفه بأنه صاحب سنة، وهذا عين المطلوب.

وكون أبي داود جمع بين "صاحب سنة" و"فيه إرجاء" لا يعني أن أبا داود جعل الإرجاء من السنة، ولا أن كل مرجئ سني، وإنما يعني أن وجود هذه المخالفة لم يمنعه من إطلاق وصف صاحب سنة عليه، والتفريق بين "فيه إرجاء" و"هو مرجئ" هو عين التفريق بين الوقوع في المقالة والانتساب التصنيفي إلى الطائفة.

أما قول الخليفي إن الإرجاء عدة مقالات (إخراج العمل من مسمى الإيمان، وعدم الزيادة والنقصان وعدم الاستثناء): فصحيح، لكن لما كان الإرجاء جنسا تحته صور متعددة، فقول أبي داود "فيه إرجاء" لا يحدد وحده أي مقالة، ولا درجتها، لكن يبقى أن في الرجل نسبة إلى مقالة من مقالات الإرجاء المبتدعة، وأن أبا داود مع إثباته هذه النسبة لم يمنعه ذلك من وصفه بأنه صاحب سنة، وهذا هو القدر الذي يهمنا في أصل الاستدلال.

وأما استدلاله بأثر مسعر بن كدام أن الإمام أحمد قال: "أرجو أن لا يكونوا مرجئة"، ولم يقل: "هو مرجئ" فهذا يدل على التفريق نفسه، فالرجل يقول قول أهل السنة في الإيمان إلا أنه خالف في الاستثناء، فهل جعله أحمد مرجئا مباشرة؟
لم يفعل، وإنما قال بصيغة الرجاء المتحفظة، وهذا يدل على أن الموافقة الجزئية لمقالة طائفة لا تستلزم بمجردها الانتساب إليها.

ومن أخطر ما في رده قوله: "من قال كذا فهو جهمي، وجهمي تساوي كافر"، وقوله: "مرجئ تساوي مبتدع، كقولك يهودي ونصراني تساوي كافر".

والرد عليه من وجهين:

الوجه الأول: عبارات السلف في التغليظ على الجهمية لها سياقاتها، وليس كل من وافق الجهمية في مسألة واحدة فهو جهمي من كل وجه؛ إذ لا يلزم من الاشتراك في وصف جزئي الاشتراك في جميع الأوصاف المقومة للماهية أو الطائفة.
فإذا قال السلف: "من قال كذا فهو جهمي"، فهذا يحتمل أن يكون حكما على المقالة بأنها من مقالات الجهمية، أو حكمًا على قائلها بحسب حاله بأنه دخل في مسمى الجهمية في هذا الباب بعينه؛ لكن لا يجوز نقل هذا إلى قاعدة كلية لم يقل بها أحد: "من وافق الجهمية في أي جزئية فهو جهمي، وجهمي تساوي كافر".

الوجه الثاني، وهو الفيصل في هذا القياس: قياسه مرجئ بـيهودي ونصراني قياس فاسد من أصله؛ لأن الكفر الذي يلزم من وصف يهودي أو نصراني قائم.على نصوص قطعية مجمع عليها في تكفير أصحاب هذين الوصفين، فلا يحتاج إطلاقهما إلى نظر أو تفصيل، أما لفظ مرجئ فهو وصف اجتهادي، لا نص قطعي فيه بالتكفير، بل ولا بالتبديع الشامل بذاته، وتندرج تحته صور متفاوتة الحكم، فقياس ما لا نص قطعي فيه ولا إجماع على ما اجتمعت الأمة على تكفير أصحابه: قياس مع الفارق المؤثر.

وأما قوله: "من قال كذا وكذا فهو مرجئ، والمرجئ مبتدع" فخطأ ظاهر؛ لأن مدلول مرجئ ليس واحدا في كلام جميع السلف، فألفاظ الأئمة ليست قوالب رياضية ثابتة لا تتغير دلالتها بالسياق.

الأثر الثاني: قلت: نقل ابن الجنيد عن يحيى بن معين في بيان اصطلاح أبي نعيم الفضل بن دكين: "إذا أثنى على رجل فقال: هو جيد، فهو شيعي، وإذا قال عنه: كان مرجئًا، فهو صاحب سنة لا بأس به". وهذا الأثر يدل على أن كون الرجل عند أبي نعيم فيه إرجاء لم يكن مانعا من إبقائه في دائرة صاحب السنة.

قال الخليفي: إن أبا نعيم شيعي معروف، وإنه يُطلق مرجئ على من قدم عثمان على علي.

والرد عليه: أثر أبي نعيم لا يصح إسقاطه بمجرد القول إن أبا نعيم كان شيعيا، ولا بمجرد حمله على نوع من الإرجاء غير مشهور، فالذهبي لم يفهم من كلمة مرجئ إلا المعنى العقدي المعروف، ولذا علق عليه بقوله: ( هذا قول دال على أن يحيى كان يميل الى الارجاء، وهو خير من القدر بكثير). [ميزان الاعتدال (٣/ ٣٤٩)].
ولا شك أن حمل كلام ابن معين على أن مقصوده بالمرجئ من وقع في الإرجاء أولى من حمله على أن ابن معين كان بميل إلى الإرجاء
ومع أن الذهبي يحتمل هذا الاحتمال إلا أنه لم يخرج ابن معين من دائرة أهل السنة.
وعلى كل حال لا يلزم من كلام ابن معين أن يكون مائلا إلى الإرجاء؛ إذ الكلام محتمل، وقد ذكر ابن الوزير احتمالًا آخر في تفسيره.
فقد استدرك في إيثار الحق ص 368  على الذهبي بقوله:( قلت وَهُوَ يحْتَمل ان ابْن معِين يَعْنِي أَن الْفضل كَانَ يُسَمِّي الرَّجَاء ارجاء تحاملا على أهل السّنة أَو عدم معرفَة بِالْفرقِ بَينهمَا كَمَا هُوَ عمل كثير من الْمُتَأَخِّرين)

الأثر الثالث: قلت: قال العجلي في الحكم بن عتيبة: "كان صاحب سنة وأتباع"، ثم قال: "وكان فيه تشيع". فهذا شاهد آخر على إمكان اجتماع وصف صاحب سنة مع إثبات مخالفة معينة في الشخص نفسه.

قال الخليفي: إن التشيع اليسير (تقديم علي على عثمان) كان شائعا في زمن الحكم بن عتيبة في الكوفة، فتُسومح معهم فيه.

والرد عليه: كون لتشيع مراتب صحيحا، لكن الذي لا يستطيع الخليفي دفعه أن العجلي جمع في ترجمة الرجل الواحد بين وصفه بصاحب السنة وإثبات التشيع فيه، وهذا هو أصل الاستدلال، وهو باق على التقديرين: فإن قال الخليفي: إن التشيع المذكور هنا كان مما يُتسامح فيه، أو لم يكن مانعا من إطلاق وصف السنة في ذلك السياق، فهذا لا يهدم الاستدلال، بل يثبت أن وصف صاحب سنة لا يستلزم انتفاء كل مخالفة أو نسبة عقدية عن المعين.
وإن قال: بل كان بدعة، لكنه من البدع الخفيفة، فقد أقر بأن وجود المخالفة البدعية لا يستلزم في كل صورة سلب وصف السنة عن المعين.

وأما قول الإمام أحمد: «هذا الآن شديد»، فلا يدل بمجرده على أن كل من قال بهذه المقالة يُبدّع عينا على كل حال، وإنما يدل على اشتداد حكم هذه المقالة في ذلك السياق، ولا يصح جعله ناقضا لأصل إمكان اجتماع وصف السنة مع وجود مخالفة معينة في المعين.

ومما سبق يتضح أنه ليس النزاع في أن كل مبتدع سني، ولا في أن كل بدعة لا تؤثر، وإنما النزاع في دعوى التلازم: هل كل من ثبتت فيه مخالفة بدعية لزمه أن يسلب عنه وصف صاحب سنة؟
والآثار المذكورة تدل على عدم هذا التلازم، فمن أراد نقضها فعليه أن يثبت أن المخالفات المذكورة لم تكن بدعا في حق أولئك الأعيان، أو أن وصف صاحب سنة في تلك النصوص لم يكن يراد به الوصف العقدي محل النزاع.
أما مجرد القول بأن البدع متفاوتة، أو أن الموافقة الجزئية لا تستلزم الانتساب إلى الطائفة، فلا ينقض أصل الدعوى.

فإن قيل: فهمنا هذا في موافقة فبعض مقالات بدعتي الإرجاء واتشيع القديم، فكيف بالموافقة في بعض مقالات الأشاعرة؟

قيل: مناط تبديع المعين ليس مجرد الوقوع في المخالفة، ولا في ظهور المخالفة أو عدم ظهورها؛ لأن الظهور وعدم الظهور أمر نسبي، وإنما في مناط تبديع المعين الذي ثبت له أصل السنة وينطلق فيما يظن أنه موافقة للكتاب والسنة لا خلافها لابد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهذا عام لم يقصره أحد من المحققين على المخففة دون المغلظة.
وابن تيمية نفسه طبّقها في مسألة إنكار صفة العجب في قصة القاضي شريح، فلم يُخرجه من الإمامة رغم أن إنكار الصفة من جنس ما تبنى عليه بدعة التعطيل المغلظة.
وطبق ابن تيمية هذه الآلية نفسها على ابن خزيمة رغم موافقته للجهمية في إرجاع الضمير إلى آدم في حديث الصورة، بل مع تنصيص الإمام أحمد وإسحاق على أن من أرجع الضمير إلى آدم فهو مبتدع، فلم يُخرجه شيخ الإسلام من زمرة أهل السنة

فالمعيار الحقيقي إذن ليس هل المسألة مغلظة أو مخففة؟ بمعزل عن كل اعتبار، مع أن غلظة المسألة نفسها ترفع سقف ما يقبل كعذر، فلا يُقبل فيها من ضروب التأويل ما يُقبل في غيرها مما هو أخف منها.

فإن قيل: هل تسوي في العذر بين إنكار العلو وعدم زيادة الإيمان ونقصانه؟
قيل: لا أسوي بينهما، فوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة، وتواترها، أعظم من وضوح مسألة الزيادة والنقصان، لكن ذلك لا يجعلنا نلغي الإعذار بالكلية، وإنما يجعل شروط العذر أضيق، فإنكار العلو عند متأخري الأشاعرة قائم على أصل كلامي وهو تقديم القواطع العقلية على ظواهر النصوص، وهذا الأصل بعينه هو علة التبديع المباشرة، لا مجرد النتيجة، لكن بقيد أن يعلم المعين أنه ينطلق منه.

فالذي غلظ فهمه على الخليفي وأتباعه أن تجويز اجتماع الوصفين في إرجاء الفقهاء لا يستلزم تجويزه بنفس السهولة في إنكار العلو، لا لتناقض في الأصل، وإنما لتفاوت تحقق الشروط والموانع المعتبرة بين البابين.

وقد تناقض الخليفي مع نفسه، فالموطن الذي ينقض فيه الخليفي أصل موقفه بيده، ولم يتنبه له: قوله في ختام كلامه : "ألفاظ التعديل منها ألفاظ تطلق ومنها ألفاظ تقيد... فقد يقول إنسان: فلان من فقهاء الحديث، يقصد أنه ليس من أهل الرأي، ولا يقصد تفكيك عقيدته"

والكلام يطول، وهناك ملحوظات أخرى على مقطعه الصوتي ...

كتب الدكتور أحمد محمد الصادق النجار 

الاثنين، 24 أغسطس 2026

إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة

إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة 


١- قال أبو داود السجستاني في ورقاء بن عمر: «صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء».

وهذا من أوضح الآثار؛ إذ جمع أبو داود في وصف واحد بين إثبات كونه صاحب سنة والإخبار عن وجود الإرجاء فيه. 

فوجود هذه المخالفة لم يمنع من أصل إطلاق وصف صاحب سنة، ولم يقل: ليس بسلفي بل هو مرجئ، أو ليس بسلفي لكنه كذا وكذا 


٢- وسئل الإمام أحمد عن ورقاء فقال: «ثقة، صاحب سنة»، فلما قيل له: «كان مرجئا؟» قال: «لا أدري».

فلم يُدفع الإمام أحمد إلى التراجع عن أصل وصفه بأنه صاحب سنة لما قيل له: كان مرجئا؛ وإنما توقف في ثبوت المخالفة نفسها. 


٣- نقل ابن الجنيد عن يحيى بن معين في بيان اصطلاح أبي نعيم الفضل بن دكين: «إذا أثنى على رجل فقال: هو جيد، فهو شيعي، وإذا قال عنه: كان مرجئا، فهو صاحب سنة لا بأس به».

وهذا الأثر يدل على أن كون الرجل عند أبي نعيم فيه إرجاء لم يكن مانعا من إبقائه في دائرة صاحب السنة. 


ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أن أبا نعيم يجعل إرجاء الفقهاء من السنة، وإنما المقصود أن وجود هذه المخالفة بعينها لم يكن قادحا عنده في إطلاق أصل وصف السنة على كل معين. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».

يعني وقع في الإرجاء ومع ذلك لا يعد المعين منهم إلا من أهل السنة

فهل أصبح ابن تيمية مميعا عندهم؟!!!

مع العلم أن ابن تيمية يبدع المرجئة كفرقة، فلا يكفي أن تكون فرقة المرجئة مبتدعة لأن ينزل التبديع على كل معين منتسب إليها.. 


٤- قال العجلي في الحكم بن عتيبة: «كان صاحب سنة وأتباع»، ثم قال: «وكان فيه تشيع».

فهذا شاهد آخر على إمكان اجتماع وصف صاحب سنة مع إثبات مخالفة معينة في الشخص نفسه، والتشيع هنا ليس هو الرفض. 


فهذه الآثار، بمجموعها، تقوي أن إطلاق صاحب سنة عند المتقدمين لم يكن لازما منه استجماع الموصوف لكل خصال السنة في جميع أبواب الاعتقاد بحيث تنتفي عنه كل مخالفة.

وليس المقصود من هذه الآثار تعميم الحكم على كل مخالف، وإنما المقصود إثبات أن وصف صاحب سنة عند المتقدمين لم يكن يستلزم دائما الانتفاء التام لكل مخالفة في كل معين، فالآثار حجة على أصل إمكان الجمع بين إطلاق صاحب سنة ووجود بدعة قي المعين، وليست حجة على التسوية بين جميع أنواع البدع في هذا الحكم ولا على كل معين. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 23 أغسطس 2026

وقفة مع قول البربهاري: (ولا يحل لرجل أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، فلا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها)

وقفة مع قول البربهاري: (ولا يحل لرجل أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، فلا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها)

ظاهر كلام البربهاري أنه يتحدث عن إطلاق وصف صاحب سنة على الشخص المعين، لا عن الحكم على جنس الأقوال والأفعال والأفراد.
فالمعنى: لا يُطلق على كل شخص معين وصف صاحب سنة بإطلاق ولا يشهد لمعين بذلك حتى يُتأكد من اجتماع خصال السنة كلها فيه، أي أصول السنة وقواعد الاعتقاد
فلو سُئلنا عن زيد بعينه وخالد بعينه فعلى كلام البربهاري لا نطلق عليهما وصف صاحب سنة ولا نشهد لهما بذلك حتى نتأكد من اجتماع خصال السنة فيهما، وإلا لم نطلق عليهما هذا الوصف.

وهذا النص ليس من جنس إطلاقات الأئمة كأحمد وابن المديني والثوري وغيرهم، الذين يقولون: «السنة كذا، ومن ترك منها خصلة لم يكن من أهلها»، ويقولون: «من فعل كذا فهو مبتدع».
لماذا؟
لأن هذه من عبارات الحكم العام على الأوصاف والأفعال، وقد تتناول المعين عند تحقق شروط تنزيل الحكم عليه، لكنها لا تعني تنزيل الحكم على كل معين بعينه، ولا نفي إطلاق الاسم على كل شخص بعينه حتى يستجمع خصال السنة كلها، كما فعل البربهاري.
فقد قرر الأئمة إمكانية اجتماع السنة والبدعة في رجل واحد إذا كان أصله على السنة وتأوّل في بعض المسائل أو قلد فيها.

وهذا فارق دقيق بين كلام السلف وكلام البربهاري لا يتفطن له من لا يدقق،
فظاهر كلام البربهاري رحمه الله أنه ينفي عمن لم تجتمع فيه أصول السنة كلها أن يقال عنه صاحب سنة، لكنه لم يقترح وصفه بلقب آخر كمبتدع أو خارجي أو قدري أو مرجئ بحسب ما وقع فيه من مخالفة، وإنما اقتصر على نفي وصف صاحب سنة عنه، أي ينفي عنه أن يكون سنيا على وجه الإطلاق، من غير أن يضيف: هو مبتدع أو هو خارجي أو هو مرجئ، فلم يقل: ليس بسني لكنه قدري مثلا، ولم يقل: كل من لم تجتمع فيه خصال السنة فهو مبتدع أو يوصف بالبدعة التي خالف بها أصول أهل السنة.

وبهذا يظهر الفرق المنهجي المهم بين كلام البربهاري وبين من يقول عن المعين ابتداء: «ليس بسني، بل هو مرجئ».

وحتى نفهم كلام البربهاري نسأل سؤالا: هل نفي وصف السني على وجه الإطلاق نفي لكونه سنيا في بعض الأبواب دون بعض؟ بمعنى: هل يمكن أن يقال: سني فيما وافق فيه أهل السنة، ومبتدع فيما خالف فيه؟

الذي فهمه الشيخ عبد العزيز الراجحي من كلام البربهاري أن النفي منصب على الإطلاق، وهو لا ينافي التبعيض.
أي أنه حمل كلام البربهاري على نفي أن يكون صاحب سنة على وجه الإطلاق، مع إمكان أن يقال عنه هو سني فيما وافق فيه أهل السنة، ومبتدع فيما وافق فيه أهل البدعة.
ولما سُئل الشيخ العثيمين عن ابن حجر والنووي قال: من خالف السلف في صفات الله لا يعطى الاسم المطلق وإنما يقيد يقال هم أهل السنة والجماعة في طريقتهم الفقهية مثلا، أما في طريقتهم البدعية فلا يقال من أهل السنة والجماعة
https://youtu.be/m0RQH_CE1fw?si=Md7xSIklILwggei4

وعليه، فكلام البربهاري تقعيد لمنع تنزيل وصف المدح بإطلاق على كل معين إلا باستجماع الخصال كلها، لكنه ليس تقعيدا لإثبات وصف الذم المقابل (البدعة) بإطلاق ومباشرة.

وقول الشيخين مبني على أن نفي وصف السنة المطلق عن المعين لا يلزم منه بالضرورة إثبات وصف البدعة المطلق عليه؛ لأنه ليس لازمًا من مجرد نفي أحدهما إثبات الآخر ما لم يثبت أن التقسيم بينهما حاصر، بحيث لا توجد واسطة بينهما.

وهنا يمكن أن نقول: كلام البربهاري يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون مراده التشديد في إطلاق اسم صاحب سنة على كل معين، بحيث لا يطلق عليه هذا الوصف المطلق ولا يشهد به على كل معين إلا بعد استجماع خصال السنة كلها دون أن يستلزم ذلك الحكم عليه بالضد، وإنما هناك واسطة، كما قرره الراجحي في شرحه، والعثيمين عندما تكلم عن النووي وابن حجر، وكذلك اللجنة الدائمة.

الثاني: أن يكون صاحب سنة عنده وصفا في مقابلة صاحب بدعة، بحيث يكون التقابل بينهما مقصودا  وحينئذ يكون نفي الأول عن المعين إثباتا للثاني؛ لأن كلامه تقعيد للحكم على كل معين، وليس كلاما عن جنس الأقوال والأفراد.
بمعنى أن بكون مقصوده من نفي أن يكون صاحب سنة إثبات أنه صاحب بدعة، فهو إما أن يكون سنيا وإما أن يكون مبتدعا. ولا واسطة بينهما.

الإيرادات التي ترد على الاحتمالين:

يرد على الاحتمال الأول أن إثبات واسطة بين إطلاقي صاحب سنة وصاحب بدعة لا يُعرف عن السلف من جهة التسمية؛ فمن نفوا عنه السنة عينا أثبتوا له البدعة مباشرة.
ويمكن دفع هذا الإيراد بحمل القول بأنه مبتدع من وجه على مجرد الوقوع في البدعة، لا على إسقاط أصل السنة أو الحكم بالفسق الاعتقادي.

وأما الاحتمال الثاني فصحيح أن التقابل بين السني والمبتدع تقابل ضدين من جهة التسمية، بحيث إنهما لا يجتمعان في معين واحد، فالمعين إما أن بكون سنيا وإما أن يكون مبتدعا
إلا أنه لا يسلم للبربهاري أن إثبات كون المعين مبتدعا يكون بمجرد عدم استجماعه خصال السنة كلها أو بمجرد مخالفة لأصل؛ لأن هذا المعنى يخالف طريقة أهل السنة كأحمد وغيره في المعين الذي ثبت له أصل السنة الاستدلالي، فالأئمة عذروا جملة من المعينين الذين ثبت لهم أصل السنة الاستدلالي وكانوا جهالا لم تقم عليهم الحجة فيما وقعوا فيه من بدعة تخالف أصلا من أصول أهل السنة ولم يطلقوا عليهم وصف البدعة بمجرد وقوعهم في المخالفة.
فإذا حمل كلام البربهاري على أن مجرد عدم استجماع خصال السنة يوجب تبديع كل معين من غير اعتبار للعلم والقصد وقيام الحجة وسائر الفروق التي قررها السلف في تنزيل الأحكام على الأعيان، فهذا الحمل يرد عليه إشكال قوي؛ لأنه لا ينسجم مع ما ثبت عن أحمد وغيره من التفريق بين أحوال المعيّنين وعدم تبديع الجاهل أو غير المتأهل لمجرد وقوعه في المقالة المخالفة إذا ثبت له أصل السنة الاستدلالي.

يؤيد ذلك:
قال أحمد بن منيع البغوي: «من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم». فلم يصفه بالبدعة، وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه.

وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يسأل عمن وقف؟ قال أبي: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».

فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف:
الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلَّم ولا يُبدَّع.
الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليداً، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع.
الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظِّرا لمقالته، فهذا جهمي. ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال؛ إذ لا بد في تكفيره عينا من توفر الشروط وانتفاء الموانع.

كتب الدكتور أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_23.html

الخميس، 20 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة تعقبي على الشيخ #محمد_بن_هادي بحسب ما نقلت عنه في المقال، إذ لم يجد وقتا لسماع مقطع الشيخ محمد المعنون ب بمن هو السلفي؟ والذي مدته تقر،يبا 25دقيقة

 استشكل بعض الإخوة تعقبي على الشيخ #محمد_بن_هادي بحسب ما نقلت عنه في المقال، إذ لم يجد وقتا لسماع مقطع الشيخ محمد المعنون ب بمن هو السلفي؟ والذي مدته تقر،يبا 25دقيقة 


وخلاصة الاستشكال: إذا كان قول الإمام أحمد: «من ترك منها خصلة لم يكن من أهلها»، لا يعني عندي أن مقصود الإمام أحمد كل معين وقع في مخالفة خصلة من خصال السنة يُحكم عليه بمجرد ذلك بأنه مبتدع خارج عن أهل السنة؛ فلماذا جعلت قول الشيخ محمد بن هادي: «السلفي هو من استجمع خصال السنة» محمولا على هذا المعنى؟ وما القرينة التي نقلت كلامه من باب بيان حقيقة السلفية وتمييز أهل السنة عن أهل البدع من حيث الجنس والوصف العام إلى باب تنزيل الحكم على كل معين؟ 


وجوابي: 

أن الأخ لو سمع المقطع لاتضح له أن الشيخ #ابن_هادي لا يتكلم عن جنس وأوصاف عامة وإطلاق في التعيين، وإنما يتكلم عن تحقيق المناط عند التنزيل على المعين

يعني يتكلم عن كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة، كمن وقع في بدعة الإرجاء أو القدر، هل نسميه سلفيا؟ وهل نعتبره سنيا؟ 


فالشيخ ابن هادي يدور مقطعه على عدم إمكانية اجتماع الوصف بالسنية أو السلفية مع مخالفة أصل في معين واحد...

والسلفي والسني يصدقان على شيء واحد، فنفي كون المعين سلفيا هو نفي لكونه سني، كما هو معلوم وقرره الشيخ ابن هادي في مقطعه... 

يقول الشيخ محمد بن هادي:( المرء لا يقال فيه من أهل السنة إلا إذا اجتمعت فبه خصال السنة جميعا)

ويقول وهو يتكلم عن معينين:(فالذي صار بيننا وبينهم وارتفع الأمر إلى أشياخ البلاد الكبار مع هؤلاء إنما هو مسألة السمع والطاعة وهم فيه على مذهب الخوارج ولكنهم في باب الأسماء والصفات مستقيمين على الجادة فهل يقال عن هؤلاء سلفيين؟! ما يمكن أن يقال..

اعكس المسألة إذا جئت إلى مسألة السمع والطاعة ووجدت الأبواب الأخرى فيها خلل عنده لا يمكن أن يكون سلفيا مهما كان) 


فكانت الفكرة التي يدعو إليها الشيخ ابن هادي ألا نسمي المخالف المعين بالسلفي ولا بالسني، وإنما نسميه بنوع البدعة التي وقع فيها، فيقال مرجئ وقدري

لأن اسما السني والسلفي لا يتحققان في المعين إلا إذا استجمع خصال السنة كلها

يقول الشيخ ابن هادي:(ما المانع أن تقول فيه عالم لكنه خارجي، فقيه لكنه رافضي، مفسر له ناصبي)

ويقول:(يماشي أهل البدع. أخلاقه أهل البدع أصفياؤه أهل البدع .. ما يمكن أن يكون ، والله ما يمكن أن يكون سلفيا) 


فهو لا يتكلم عن مطلق المعين. وإنما يتكلم عن كل معين....وأنه لا يمكن أن يجتمع وصف السني بوقوع مخالفة لأصل من أصول أهل السنة.. 


وكلامه هذا يختلف عن جنس إطلاقات السلف المقصود بها بيان الجنس والوصف العام ومطلق المعينين...

فإطلاقات أحمد وسفيان وابن المديني هي وضع قاعدة لبيان الحكم المطلق، ثم عند التنزيل على المعينين راعوا الشروط والموانع .

ولذا قد يجتمع عند الإمام أحمد الوصف بالسنية والوقوع في الإرجاء مثلا، وهذا ينفيه ابن هادي..!!! 


فكلام الشيخ محمد بن هادي هو في وضع قاعدة في التنزيل نفسه، بمعنى أن نفي السلفية عن كل من خالف في خصلة هو صلب ما يقرره، لا نتيجة عارضة يحتمل تقييدها... 


فالشيخ #ابن_هادي يتكلم عن تحقيق مناط نفي السلفية ونفي السنية في كل معين، 

فهو يضع قاعدة في التنزيل على كل معين، وأما السلف فوضعوا قاعدة لبيان الحكم المطلق سواء في لنوع أو في العين، ولماجاؤوا للمعينبن راعوا موانع التنزيل، ولم يقترحوا الفكرة التي اقترحها الشيخ ابن هادي، فشتان بين الموقفين.. 


والغريب أن الشيخ #ابن_هادي له مقطع يذكر فيه أن #التبديع لابد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فلا أدري ما محل التبديع عنده الذي يشترط فيه توفر الشروط وانتفاءالموانع؟ 


وهذا يفتح ثلاثة احتمالات:


الاحتمال الأول: أن يكون هناك تراجع فعلي عن هذا القول الذي يشترط في التبديع إقامة الحجة؛ لأن العبرة بالمتأخر. 


الاحتمال الثاني: أن يكون الموضعان في مقامين مختلفين، فمقطع من هو السلفي في مقام هل يسمى سلفيا أولا، ومقطع الشروط والموانع في هل يُبدَّع أو لا، فيكون عند الشيخ فرق بين نفي التسمية بالسلفية والسنية وإثبات التبديع، وهذا خطأ ظاهر، فنفي التسمية بالسلفية والسنية إثبات للتبديع. 


الاحتمال الثالث: أن يكون هذا تناقضا في كلامه، لم يتنبه له. 


نعم، أوافق الشيخ أن مخالطة الحزبيين كان له أثر سيء على كثير من الشباب السلفي حتى اختلطت عندهم المفاهيم...وهذا يستدعي التحذير من مماشاة أهل البدع لغير مصلحة شرعية من غير أن نغير قواعد أهل السنة. 


وفقني الله وإياه لما يحب ويرضى 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

ما صحة عبارة (فلان وافق الخوارج لكنه ليس خارجيا مبتدعا) (وافق فلان الأشاعرة لكنه ليس أشعريا مبتدعا) ؟

 فقه كلام السلف في التبديع


ما صحة عبارة (فلان وافق الخوارج لكنه ليس خارجيا مبتدعا) (وافق فلان الأشاعرة لكنه ليس أشعريا مبتدعا) ؟ 


لا نستطيع الحكم بصحة العبارة أو عدم صحتها إلا بعد النظر في حقيقة الموافقة 

فالموافقة لفظ مجمل لا يجوز تنزيله على حكم واحد حتى يُنظر في متعلَّق الموافقة نفسها، لا في مجرد وقوعها. 

تنقسم الموافقة إلى أربعة أقسام بحسب اختلاف هذا المتعلَّق:

1-الموافقة في المنظومة الاستدلالية ذاتها على وجه يتحقق فيها علم المعين بمخالفتها للكتاب والسنة بحيث يكون تعطيل النص عند التعارض وتقديم العقل عليه هو أصل طريقته في التلقي، لا مجرد نتيجة عرضت له في مسألة بعينها.

فهذا يكون مبتدعا، ويدخل في ذلك الجويني والرازي والآمدي ووو 


2-الموافقة التفصيلية في جملة المذهب، بأن يأخذ المعين بمذهبهم على وجه التفصيل والاطراد، بحيث تتسق عنده جميع فروع المذهب اتساق من يتبنى المنظومة كاملة، فهذا أيضا يكون مبتدعا عينا، فلا بتصور الانفكاك بين الأخذ،بجميع فروع المذهب العقدي المبتده واطراد المنظومة الاستدلالية البدعية، لكن يمكن إدراك الانفكاك في الأخذ ببعض فروع المذهب وعدم الاطراد. 


3-الموافقة الجزئية في مذهبهم غير المطردة 

كأن يوافق في تأويل جملة من الصفات لا على سبيل الموافقة الكلية لهم في المذهب

وهذا القسم بين احتمالين في حكم المعين:

الأول: أن ينطلق من نفس المنظومة البدعية مع علمه أنه يقدّم الدليل العقلي أو الذوقي على الدليل الشرعي، فهذا مبتدع؛ لتحقق العلة وهي علمه بمخالفة مصدر تلقيه للكتاب والسنة، وإن قلّت مسائله الموافقة.

الثاني: أن ينطلق مما ظنه موافقا للدليل الشرعي نفسه، فلا يكون منطلقه في ظنه من العقل أو الذوق أصلا، وإنما ينطلق من تعظيم النص والاعتماد عليه، فهذا لا يُبدَّع مباشرة؛ لتخلف العلة، وإن وافقت نتيجته نتيجة أهل الكلام، ولو انتسب إلى الأشعرية

فالحكم على الفرقة بالبدعة لا يستلزم تنزيل حكمها على كل معين وافقها في بعض أقوالها أو انتسب إليها

وكون المخالف متبعا للنص في ظنه لا يمنع من وصف القول بالخطأ أو البدعة، وإنما يمنع من التسرع في تنزيل حكم التبديع على عينه قبل النظر في حاله وقيام الحجة وانتفاء الموانع. 


4- الموافقة في مسألة واحدة عن نظر في دليل شرعي بعينه كحال ابن خزيمة في حديث الصورة؛ فموافقته لم تصدر عن تقديم كلامي، ولا عن اطراد مذهبي، وإنما عن فهم ظنه هو مقتضى النص، وهذا لا يستلزم تبديع المعين بمجرد هذه الموافقة، وإنما ينظر في حاله، وما قامت عليه الحجة فيه، وما يعترض ذلك من الشبه والموانع. 


وبهذا يمكن أن نفهم لماذا لم يبدع الأئمة ابن خزيمة، ولم يبدع علماؤنا النووي وابن حجر ولا كثيرا من شراح الحديث والمفسرين...

فهؤلاء العلماء وقعت منهم موافقات غير مطردة لأهل الكلام إلاأنها صدرت عن تعظيم النص الشرعي لا عن تقديم علم الكلام عليه، فتخلفت علة التبديع المباشر وإن قامت صورة الموافقة. 


وقياس هذا على البدع المخففة أولى، فإذا كان هذا التفصيل جاريا في البدع المغلظة كتأويل الصفات، فهو في البدع المخففة كإرجاء الفقهاءأولى بالجريان

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة». 


فتأمل قوله: «دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة»، وقوله: «ما كانوا يعدون إلا من أهل السنة»،


فإن قيل: ما ذكرته من تفصيل منقوض بالواقفة واللفظية فهم ليسوا في الأصل جهمية؛ لكن لما وافقوا الجهمية؛ حكم عليهم أئمة السلف بأنهم جهمية، ولم يكتفوا بمجرد قولهم: إنهم وافقوا الجهمية

قال الإمام أحمد: «الجهمية على ثلاث ضروب: فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله، وتقف، وفرقة قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ فهم عندي في المقالة واحد».

وقال: «الواقفة واللفظية؛ جهمية».

 ومن حيث التعيين؛ قال الإمام أحمد في يعقوب بن شيبة لما وقف: «مبتدع صاحب هوى». 


والجواب عن هذا الإيراد من أوجه: 


الوجه الأول: مسألة خلق القرآن وقعت في زمن المحنة، وهي مسألة ثنائية الطرفين لا تحتمل توسطا حقيقيا، فالقرآن إما مخلوق وإما غير مخلوق، وكان الوقف نفسه ينظر إليه من أئمة السنة كموقف تحايلي مراوغ يخفي وراءه الموافقة الباطنة على قول الجهمية مع تجنب التصريح، ولهذا غلّظ أحمد فيه تغليظا خاصا، فجاءت إطلاقاتهم على وجه التحذير. 


الوجه الثاني: كما وردت عن السلف روايات أطلقوا فيها القول يأن الواقفة جهمية جاءت أيضا عنهم روايات بالاستفصال، وبوجود نصوص الاستفصال نفسها عند الأئمة تكون هي الحاكمة على المطلق


قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم". 

فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه.

وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". 


فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف:

الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع.

الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع.

الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي


وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم". 

فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره. 


فإطلاقات الأئمة كقولهم"الواقفة جهمية"، "شر من الجهمية"، إنما تحمل ابتداء على الصنف الثالث وهو المتكلم المنظِّر، لا على كل من وقف بإطلاق؛ لأن هذا هو الغالب على من كان يخاصم في هذه المسألة بالذات في تلك الحقبة، فجرى الإطلاق مجرى الغالب، لا لأن الاستفصال ساقط الاعتبار.


الوحه الثالث: من بدعه الأئمة بعينه كيعقوب بن شيبة والكرابيسي وغيرهما فمحمول على أنه تبين حاله عندهم وقيام الحجة عليه، كما قال ابن تيمية:( وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد عام حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيانةالصادرة عن ابرسول، إنما يثبت حكمها في نظيرها) مجموع الفتاوى (28/213) 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا] وبقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] على مشروعية #الاحتفال_بالمولد_النبوي، والتعلق بزمان ظهوره صلى الله عليه وسلم

 مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا]  وبقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] على مشروعية #الاحتفال_بالمولد_النبوي، والتعلق بزمان ظهوره صلى الله عليه وسلم 


مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا]  

أولا: لم يفهم هذا الفهم أحد من السلف 

فقد دارت أقوال السلف والمفسرين على أن المفروح به في هذه الآية هو الإسلام والإيمان واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولم تدل الآية على أن المفروح به يوم مولده صلى الله عليه وسلم والتعلق بزمن ظهوره

فالمفروح به في الآية بالنظر إلى سياقها هو كون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين 

ولما كان هذان من فضل الله ورحمته بهم حُق لهم أن يفرحوا بهما...

فالله فرع الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته على قوله تعالى: ((يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين)) مما يدل على أن الفضل والرحمة المفروح بهما هو مجموع ما ذكره الله في قوله [قد جاءتكم موعظة من ربكم] الآية

ولو كانت الآية دليلا على الاحتفال بمولده والتعلق بزمن ظهوره لم يغب ذلك على الصحابة والتابعين وأهل القرون الثلاثة، بل لم يغب على أكثر العلماء ...

ثم إن عدم احتفالهم يدل على أنه فهم محدث لا تدل عليه الآية

إذ كيف تدل عليه وهم لم يفهموه؟!!! 


وبهذا يتبين لنا بوضوح أن حمل الآية على الفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم مخالف لفهم السلف وعملهم...

وتكفي هذه المعارضة لإبطال هذا الاحتجاج...

نعم 

نفرح بيوم مولده لكن من غير أن نعظم هذا الزمن لذاته ونحتفل به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعظمه لذاته ولا احتفل به. 


ثانيا: هو فهم غريب عن الشريعة؛ لأننا إذا نظرنا لمجموع نصوص الشريعة وجدنا أنها تعلق رحمة الناس بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته، ولم تعلق ذلك بيوم مولده، قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }[الأنبياء (107)]

وقال تعالى[ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم] الآية

فالنبي صلى الله عليه وسلم رحمة للناس بإرساله لهم وبما تضمنته بعثته من صلاحهم في الدنيا والآخرة. 

فالفرح به فرح من جهة كونه سببا في الفضل والرحمة

ولا علاقة لذلك بتعظيم الزمن الذي ولد فيه لذاته. 


وأما قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الآية : (فضل الله العلم ، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) 

فلو صح 

فالمقصود به أنه رحمة بإرسال الله له، لا بيوم مولده، ولذا استدل بالآية التي فيها التنصيص على الإرسال. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار 


مناقشة استدلال من جوز #الاحتفال_بالمولد بقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] 


الآية أمرت أمرا مطلقا بالتذكير بنعم الله ووعظهم بالأيام السالفة

إلا أن هذا التذكير يجب أن يكون خاليا من البدع في نفس التذكير وموضوعه. 


هل دلت الآية على جواز الاحتفال بالمولد؟ 


الآية دلت على الأمر بالتذكير بإطلاق 

ولم تدل على خصوص الأمر بالتذكير بالسيرة والمولد في يوم مولده صلى الله عليه وسلم 

فلا نعتمد في مشروعية التذكير بالسيرة في خصوص يوم مولده صلى الله عليه وسلم على الدلالة المطلقة للآية

لماذا؟

لأن غاية ما تفيد الآية هو السكوت عن هذا التخصيص، وهو التذكير بالسيرة في يوم المولد،  ولا يكفي مجرد تناولها له الدلالة على مشروعيته بخصوصه

وعليه فيشترط لمشروعيته ألا يصادمه ترك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة؛ لأن تركهم دليل على أن هذه الصورة غير مقصودة لله من الآية 


فالصحابة هم أعلم الناس بمراد الله ورسوله صلى اله عليه وسلم

ومع ذلك لم يحتفلوا مع أنهم يقرؤون هذه الآية، ويعلمون التعليل في قوله صلى الله علبه وسلم:(ذاك يوم ولدت فيه)

ويقرؤون قوله تعالى[ فبذلك فليفرحوا ] 

فدليل الترك هنا أقوى من سكوت الآية ومجرد تناول النصوص المطلقة لهذا التخصيص. 


وأما تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بنجاة موسى في يوم عاشوراء 

فهذا ورد فيه دليل خاص من النبي صلى الله عليه وسلم 

ولم نعتمد في تخصيص يوم عاشوراء على ما أطلقته الآية

ولا يصح هنا القياس؛ لمصادمته الدليل. 


والخلاصة أن تخصيص التذكير بشهر بيع الأول أو بيوم مولده قدر زائد على ما أطلقته الآية، فالآية أطلقت زمن التذكير ولم تقيده بوقت مخصوص

فتخصيص التذكير بالسيرة في يوم مولده ليس مقصودا لله في الآية ولا تدل عليه... 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار



الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

هل كل من خالف في باب من أبواب السنة انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، ولا يكون سلفيا؟

 هل كل من خالف في باب من أبواب السنة انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، ولا يكون سلفيا؟

سمعت مقطعًا للشيخ محمد بن هادي يتكلم فيه عن مسألة: من هو السلفي؟

وقد أحسن الشيخ في التحذير ممن يحصر وصف السلفي في الموافقة في بعض أبواب أصول السنة، كأن يوافق في باب الأسماء والصفات والإلهية، ولو خالف في أصل السمع والطاعة، أو العكس.

فمجرد كونه لم يحرف الصفات لا يعني أنه إذا ضل في باب السمع والطاعة لا يمكن بحال أن يكون مبتدعا؛ إذ لو تصور هؤلاء أن الخوارج الأوائل والمعتزلة الأوائل لم يحرفوا الصفات، ولم يشركوا في العبادة، لظهر لهم بطلان هذا المسلك في حصر اسم المبتدع في الموافقة في باب دون باب.

إلا أن الشيخ محمد بن هادي وقع -فيما يظهر- في زلة خطيرة، يترتب على طردها إخراج عدد كبير من التابعين وغيرهم ممن وقع منهم مخالفة لمنهج السلف في بعض المسائل، كما يترتب عليها إخراج كثير من المفسرين وشراح الحديث والفقهاء من دائرة أهل السنة والجماعة من أمثال ابن حجر وغيره..!!!

هذه الزلة هي الإطلاق في أن السلفي هو من استجمع خصال السنة كلها، وأما من خالف في باب من أبوابها انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، أو غير ذلك، ولا يكون سلفيا..!

واستدل على ذلك بإطلاقات من كلام السلف، كقولهم: «من جالس القدري فهو قدري»، وبقول الإمام أحمد في الحارث المحاسبي، واحتج كذلك بمسلك ابن حجر في التقريب في الجمع بين التوثيق والوصف بالبدعة، كقوله: ثقة مرجئ أو ثقة قدري.

ولا بأس بالتنبيه هنا من باب الشيء بالشيء يذكر: أن الحكم بإخراج الرجل المعين من دائرة أهل السنة والجماعة بناء على مثل هذه الإطلاقات هو المسلك الذي سار عليه محمد بن شمس وأتباعه، إلا أنهم طردوه وزادوا عليه وغلوا فيه.

ما وجه الخطأ عند الشيخ محمد بن هادي؟

الشيخ بهذا التأصيل لم يراع الفرق بين المعين الذي ثبت له أصل السنة، والمعين الذي لم يثبت له أصل السنة، فعاملهم معاملة واحدة في إطلاق الوصف الذي تضمنته المخالفة، ونفي السلفية عنهم.

بينما الأئمة لم يعاملوا كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة معاملة واحدة، ولا أطلقوا تبديع كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة، أو وافق أهل البدع في باب، وإنما فرقوا بين الأعيان بعدة اعتبارات، من أعظمها: ثبوت أصل السنة في المعين من عدمه، فمن ثبت له أصل السنة والتزم أصول أهلها، ثم وقع في مخالفة محتملة للشبهة أو خفاء الدليل عليه، لم يكن مجرد وقوعه فيها موجبا للحكم عليه بالبدعة حتى تنظر حاله، وتقوم عليه الحجة فيما كان من هذا القبيل، وتنتفي الموانع المعتبرة.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى في مواضع متعددة، ومن ذلك قوله في قصة القاضي شريح رحمه الله، بعد أن ذكر إنكاره قراءة: {بَلْ عَجِبْتُ}، وقوله إن الله لا يعجب: «فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة».

فالقاضي شريح أنكر صفة من صفات الله تعالى، وأنكر قراءة ثابتة، ومع ذلك لم يسلب عنه اسم الإمامة، ولم يجعل بمجرد هذه المخالفة من أهل البدع، مع أن سبب إنكاره قائم على خطأ في الفهم والقياس، فقد روى عبد الرزاق بسنده عن أبي وائل قال: قرأها شريح: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}، وقال شريح: «إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم».

ومن الاعتبارات التي ينبغي مراعاتها في الحكم على المعيّن: حال البيئة التي نشأ فيها، ومدى شيوع المقالة فيها؛ فإن شيوع القول وانتشاره قد يكون له أثر في تقدير قيام الحجة، وفهم موجب المخالفة، وتمييز المتأول من المعاند

وقد نقل عن قتادة القول بالقدر، ومع ذلك بالغ الإمام أحمد في الثناء عليه، وذكر علمه وفقهه وتفسيره، مما يدل على أن مجرد نسبة الرجل إلى مخالفة في باب من أبواب الاعتقاد لا تسوغ إطلاق التبديع، ولا جعل النظر في جميع منزلته العلمية والدينية ساقطا.
وقتادة مع وقوعه في بدعة القدر لم يثبت تراجعه، قال الإمام أحمد:(وكان هشام الدستوائي وقتادة وسعيد يقولون بالقدر ويكلموني من أصحاب الحسن)
‏وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: (سمعت أبي يقول : سمعت أحمد بن حنبل وذكر قتادة فأطنب في ذكره ، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك ، وجعل يقول : عالم بتفسير القرآن وباختلاف العلماء ، ووصفه بالحفظ والفقه ، وقال : قلما تجد من يتقدمه أما المثل فلعل).

وهذا يبين لنا أن مجرد وقوع العالم في مخالفة لما عليه أهل السنة في مسألة من مسائل الاعتقاد لا يستلزم  بمجرده إخراجه من دائرة أهل السنة، ولا إطلاق التبديع، ولا سيما إذا كان أصل طريقته قائما على اتباع الكتاب والسنة وتعظيمهما ولو في ظنه.

ولو طردنا مسلك الشيخ محمد لبدعنا أكثر أهل الكوفة من التابعين وأكثر أهل البصرة من التابعين، قال الإمام أحمد:( لو فتشت أهل البصرة لوجدت ثلثهم قدرية) ولبدعنا أيضا أبا حنيفة وابن حجر ونحوهما ممن ثبت لهم أصل السنة بالتزامهم في الجملة أصول أهل السنة، ولزومهم الاحتجاج بالكتاب والسنة أصلا ومنهجا.

وهذا بخلاف من عدل عن مصدر التلقي جملة، وأقام مذهبه على أصول مناقضة لأصول أهل السنة مع علمه بالمخالفة، كالجهمية والمعتزلة؛ فهؤلاء يصح الحكم عليهم بالبدعة من حيث الأصل، لقيام أصل البدعة في طريقتهم ومذهبهم.

أما إطلاق القول بأن «من خالف في باب من أبواب السنة سُمّي باسم مخالفته» والاحتجاج على ذلك بإطلاقات من أقوال السلف من غير تفصيل، فهو إطلاق يصطدم بأصول الشريعة وقواعدها؛ إذ إن كل جزئية من فعل السلف أو قولهم لم يصرح فيها بالتقييد بالشروط والموانع يجب بمقتضى قواعد الشريعة أن تُفهم في ضوء تلك الشروط والموانع والقواعد الكلية، إذ لا ينفك فقه السلف عن قواعد الشرع العامة.

ومن هنا فإن تحويل الوصف الكلي بالبدعة إلى حكم قطعي على كل معين بمجرد تحقق سبب من أسباب الوصف هو إسقاط لهذا الأصل، وهو عين ما نحذر منه في مسألة الأسماء والأحكام؛ إذ ليس كل اسم شرعي أو حكم شرعي ينزل على المعين بمجرد وجود سببه، بل لا بد من اعتبار شروطه وموانعه فبمن ثبت له أصل السنة.

وقد نبّه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن البدع ليست على درجة واحدة، بل منها البدع المغلظة ومنها البدع المخففة، ولا يصح التسوية بينها في الحكم على الطوائف والأعيان، حيث قال:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».

فتأمل قوله: «دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة»، وقوله: «ما كانوا يُعدون إلا من أهل السنة»، فإنه يبين أن مجرد موافقة الشخص لطائفة في أصل من أصول بدعتها التي من جنيدي بدعة الإرجاء لا يلزم منه أن يأخذ جميع أحكام تلك الطائفة، ولا أن يحكم عليه بحكمها المطلق.

وبهذا يظهر وجه الخطأ في الاستدلال بإطلاقات السلف على تنزيل الاسم والحكم على كل معين، فإطلاقات السلف في التحذير من أهل البدع، وتشديدهم في المخالطة والمجالسة، والحكم على من جالس أهل البدع بأوصافهم، ينبغي أن تفهم في سياقها العلمي، وأنها كلام في الأوصاف والأجناس والتمييز بين الطوائف، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوصف قد تحقق في كل معين بكل أحكامه وآثاره، كما ينبغي أن يراعى أن كثيرا من تلك الإطلاقات قيلت في عصر كانت فيه السنة وأهلها في قوة، وكان من شأن أئمة السنة في ذلك العصر شدة التحذير من البدع، والمبالغة في الزجر عنها، وسد ذرائع انتشارها، والتحذير من مخالطة أهلها؛ صيانة للسنة وحسما لمادة البدعة.

فوقوع الرجل في بدعة تميزت بها طائفة من الطوائف لا يعني بالضرورة أن يأخذ حكم تلك الطائفة من غير تمييز بين البدعة المغلظة والبدعة المخففة، ولا بين علم المعين بالمخالفة وعدم علمه.

فبدعة إرجاء الفقهاء بدعة في أصل كلي من أصول الاعتقاد، وقد بدع السلف المرجئة، ولم يمنع ذلك من دخول طوائف من أهل الفقه والعبادة في بعض أقوالهم مع بقائهم معدودين في أهل السنة.

وعليه، فكلمة مرجئ لا تساوي دائما كلمة مبتدع في الحكم على المعين؛ فقد يوصف الرجل بأنه مرجئ باعتبار موافقته في مسألة الإيمان، مع كونه من أهل السنة باعتبار أصوله العامة ومنهجه في التلقي والاتباع.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك: أبو حنيفة رحمه الله؛ فقد وصفه غير واحد من أهل العلم بالإرجاء، ومع ذلك لم يكن هذا الوصف عند أئمة السنة لازما للحكم عليه بأنه مبتدع خارج عن أهل السنة والجماعة.

وكذلك غيره ممن نسب إلى بعض المقالات أو وقع في بعض المخالفات، فإن تنزيل القاعدة المذكورة على إطلاقها يقتضي أن كل من لم يستجمع خصال السنة كلها لا يكون من أهل السنة، وهذا لازم لا يستقيم مع صنيع أئمة السلف، ولا مع واقع تصانيفهم وأحكامهم على الأعيان.

وعلى كل حال
فمن الخطأ المنهجي أن يجعل كل من خالف في جزئية من مسائل السنة خارجا عن أهل السنة بإطلاق، كما أنه من الخطأ أن يُجعل كل من وافق في بعض الأبواب سلفيا بإطلاق، بل لا بد من تحقيق المناط في المعين، والنظر في مجموع أصوله، ومراعاة الشروط والموانع...

وهذا هو الذي ينبغي أن يُراعى عند الكلام في مسألة: من هو السلفي؟

كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 16 أغسطس 2026

هل تعد دورة المسجد النبوي من الاحتفال بالمولد؟

 هل تعد دورة المسجد النبوي من الاحتفال بالمولد؟ 


استشكل بعض الإخوة الدورة المعلن عنها في المسجد النبوي والتي عنونت بالدورة العلمية الأولى في السيرة النبوية وموعدها من 5-22ربيع الأول

ألا يعد هذا من الاحتفال بالمولد النبوي؟ 


وقبل الجواب عن هذا الاستشكال نسأل أسئلة يتضح بها البيان وهي:

هل هذه الدورة  تقام على أنها مظهر من مظاهر الاحتفال بالمولد وتعظيم الشهر أو هو نشاط تعليمي وقع في هذا التوقيت لأسباب إدارية لا علاقة لها بتعظيم الزمن نفسه؟

هل صرحت الجهة المنظمة بأنها لإحياء ذكرى المولد؟ هل اختير الشهر لخصوصية المولد أو لجدول دراسي؟ 


مجرد وقوع نشاط تعليمي في هذا الشهر لا يدل بذاته على تعظيم الشهر أو إحيائه

ولا يكفي الاشتراك في الزمن والموضوع لإثبات اتحاد الحكم؛ إذ لا بد من ثبوت القصد الذي به ينتقل النشاط من كونه درسا في السيرة إلى كونه احتفالا بذكرى المولد.

فتنظيم دورات ومحاضرات عن السيرة في شهر ربيع الأول له صورتان مختلفتان تماما في الحكم، وخلط الصوفية بينهما هو أصل الإشكال في استدلالهم: 


الصورة الأولى: أن تضع مؤسسة تعليمية أو مركز دعوي خطة سنوية لتغطية موضوعات متنوعة (فقه، عقيدة، سيرة، تفسير...) فتقع موضوعات السيرة ضمن هذه الخطة في ربيع الأول لمجرد كونه ترتيبا إداريا..فهنا لا يوجد قصد لتعظيم الشهر ذاته بشعيرة أو عيد أو معنى ديني مخصوص أو اتخاذه مناسبة دينية  

لاسيما وأن القائمين على هذه الدورات يرون بدعية الاحتفال بالمولد النبوي، فكيف يقال إنهم خصصوا هذا الوقت تعظيما للشهر وإحياء لذكرى المولد؟!! 


الصورة الثانية: أن يُقصد الشهر بعينه، فتُقام فيه المحاضرات والدورات بقصد إحياء ذكرى الميلاد، وتتكرر سنويا بنفس الشهر لنفس القصد، ويصر على وقوعها فيه تحديدا؛ لأن معناها مرتبط بكونه شهر المولد. 

فهذه الصورة هي الممنوعة والتي تدخل في البدعة في الدين؛ لأن خصوصية الشهر أصبحت سببا مقصودا لإنشاء النشاط، لا مجرد ظرف لوقوعه.

فإذا أُنشئ النشاط ابتداء لاتخاذ ذكرى المولد مناسبة دينية مخصوصة في زمن معين، فهنا انتقل من مجرد درس في السيرة إلى إنشاء مناسبة لها وصف ديني مستقل 


وهذا يختلف عن نشاط تعليمي مستقل عن مناسبة المولد، وإن وافق وقوعه شهر ربيع الأول دون أن يقصد به أصلا إحياء ذكرى المولد أو تخصيص الشهر بالتعظيم. 


ومن القرائن المهمة في معرفة القصد: هل كان اختيار الشهر لخصوصه سببا مقصودا في إنشاء النشاط، أو أن اختياره مجرد ظرف تنظيمي؟ 


إن كان الجواب نعم يمكن نقله عن زمنه، بحيث إنه لا فرق أن تقام دورة السيرة في ربيع الأول أو في أي شهر آخر كان ذلك قرينة قوية على أن اختيار الشهر تنظيمي لا مقصود لخصوصه، ولا علاقة له بتعظيم الشهر لذاته.. 


وإن كان الجواب لا، بحيث يكون الشهر متعينا مقصودا؛ لأن المقصود إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم في شهر بعينه، فلا معنى لنقله عن هذا الشهر

فهذا هو عين ما بني عليه حكم المنع؛ لأن خصوصية الشهر أصبحت سببا مقصودا لإنشاء النشاط وتكراره لا ظرفا عارضا. 


وبتطبيق هذا الضابط على الدورة العلمية: لم يظهر من إعلان الدورة اسم يُضيفها إلى المولد أو الاحتفال، ولا اقترنت بمظاهر احتفالية، وإنما جاءت بصيغة الدورة العلمية المتخصصة ضمن برنامج تعليمي، فهذه القرائن الظاهرة ترجّح كونها من الصورة الأولى. 


فإن قيل: حتى لو لم يسموها مولدا، لماذا اختاروا السيرة تحديدا في ربيع الأول؟

قيل: اختيار موضوع السيرة في شهر ربيع الأول من الأفعال المحتملة ولا يثبت وحده قصد الاحتفال بالمولد، كما أن اختيار موضوع فقهي في شهر معين لا يجعله شعيرة لذلك الشهر؛ وإنما العبرة بسبب التخصيص والقرائن الدالة على القصد. 


فلو ثبت أن اختيار السيرة كان بسبب كون ربيع الأول شهر المولد، وأن المقصود من ذلك إحياء ذكرى المولد واتخاذ الشهر مناسبة دينية مخصوصة دخل ذلك في الصورة الثانية محل المنع. 


فإن قيل: ما الفرق بين هذه الدورة وما أنكرته على د  #سعيد_الكملي ما سئل عن #الاحتفال_بالمولد، فقال: (نقول: ما موضوع الاحتفال؟ وبأي شيء يُحتفل؟

فإذا كان الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم بأن تُدرس سيرته، ويُذكَّر بأيامه، ... فهذا احتفال حسن.

وأما إذا كان الاحتفال مشتملًا على ما يسخطه صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يُحتفل بالنبي صلى الله عليه وسلم بما يبغضه). 


قيل:  الفرق واضح، فكلام الكملي منصب على تجويز الاحتفال عبر تحسين محتواه، فجعل تدريس السيرة من باب إحياء ذكرى المولد وتخصيص الشهر بالتعظيم ...

فهو يجعل الاحتفال بذكرى المولد أصلا ثابتا، ثم يبحث في محتواه: هل هو حسن أم سيئ؟

أما دورة المسجد النبوي فلا يظهر من عنوانها أو إعلانها أو وصفها ما يدل على أن المقصود منها إحياء ذكرى المولد، وإنما هي دورة علمية، ونشاط تعليمي شهر ربيع الاول ظرف له. 


وفي الرد على د. #سعيد_الكملي أقول:

محل المنع في الاحتفال بالمولد ليس نوع المادة المقدمة فيه، وإنما إنشاء مناسبة دينية مرتبطة بذكرى المولد وتخصيص زمن لها باعتبارها مناسبة مخصوصة

ويكون التكرار السنوي من القرائن الدالة على هذا القصد. 


فالاحتفال بالمولد ليس مجرد نشاط يقع في هذا الشهر، وإنما هو نشاط أُنشئ ابتداء لإحياء ذكرى المولد واتخاذها مناسبة دينية مخصوصة،. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 13 أغسطس 2026

الفهم الصحيح لكلام الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز في تبديع المعين يقول الشيخ ابن باز:( الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع هذا هو الأصل، من فعل البدعة يقال له: مبتدع، لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم ومتى تاب لا يسمى مبتدعً

 الفهم الصحيح لكلام الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز في تبديع المعين

يقول الشيخ ابن باز:( الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع هذا هو الأصل، من فعل البدعة يقال له: مبتدع، لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم ومتى تاب لا يسمى مبتدعًا، وإذا أصر يسمى مبتدعًا على حسب بدعته، كالذي يصر على الاحتفال بالمولد أو الموالد الأخرى يسمى مبتدع حتى يتوب)

تحليل كلام الشيخ:
قول الشيخ «الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع»
كلمة" الأصل" لها دلالة دقيقة عند العلماء؛ إذ هي بيان لتسمية فاعل البدعة من حيث تجريد الفعل عن العوارض، وهو وصف مبدئي مرتبط بالفعل ذاته، لا حكم شرعي نهائي على عين الفاعل.

فالشيخ يقرر أن الأصل في فاعل البدعة أن يوصف بكونه مبتدعا من حيث صدور البدعة منه، لكنه لا يسوي في تنزيل هذا الوصف على كل معين؛ وإنما يعتبر حال الشخص
ولهذا أتبع الشيخ كلامه مباشرة بقوله: «لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم، ومتى تاب لا يسمى مبتدعًا، وإذا أصرّ يسمى مبتدعًا على حسب بدعته».

فلا تعارض بين القولين، فالأول باعتبار الحكم المطلق المجرد عن العوارض، والثاني باعتبار الحكم على المعين عند وجود العوارض كالجهل.

فالشيخ لا يجعل مجرد وقوع الشخص في البدعة كافيا في جميع الأحوال للحكم عليه بأنه مبتدع؛ بل اعتبر الجهل عارضا مؤثرا، وذكر التعليم، ثم جعل الإصرار بعد ذلك موجبا لبقاء وصف التبديع.

وهذا التفريق هو بعينه الأصل الكبير الذي قررناه سابقا: أن الحكم المطلق يتناول حكم النوع وفردا غير معين ممن تحقق فيه الموجب، وأن تنزيله على كل معين قدر زائد يحتاج تحقق المناط.

وقول الشيخ "يُسمى مبتدعًا على حسب بدعته" يحمل إشارة مهمة إلى تفاوت مراتب البدعة في الحكم والأحكام.

فتبيّن أن التسمية النهائية بـ«مبتدع» عند الشيخ لا تقع على المعين الجاهل إلا بعد استيفاء التعليم، فإما رجوع فسقوط الاسم، وإما إصرار فثبوته.

ومما يستفاد من كلام الشيخ أن الاحتفال بالمولد وإن كان من البدع العملية إلا أن من أصر عليه بعد البيان والتعليم بما يزيل عنه الشبهة فإنه يكون مبتدعا.

فمناط تبديع المعين في البدع الأصولية والفرعية واحد، وهو: العلم بحقيقة مخالفته للصدر التلقي والاستمرار على البدعة بعد البيان المزيل للشبهة المناسبة لباب التبديع.

ونزيد سؤالا على تقرير الشيخ الإمام: هل يشترط الاقتناع؟

الجواب: الاقتناع باطنا بصحة موقف المخالف له ليس شرطا لثبوت التبديع بعد البيان، وإنما الذي،يشترط الفهم بمعنى: أن يدرك مضمون البيان ويعقل ما يقال له، ويعلم أن موقفه بحسب هذا البيان مخالف للنص.
ويتحقق الفهم المعتبر بأمرين اثنين:
١. بلوغ البيان إليه بلغة يفهمها ومستوى يناسب عقله.
٢. إدراكه أن موقفه بحسب هذا البيان مخالف للنص الشرعي ومذهب السلف، بصرف النظر عن تصديقه الباطن.

لماذا لا نشترط الاقتناع؟
لأن الاقتناع حالة باطنة غير منضبطة في المعين، كاتباع الهوى لا يصح أن يكون مناطا لتبديع المعين؛ لعدم انضباطه في المعين ولخفائه.

ولو جعلنا الاقتناع شرطا في تبديع المعين لأمكن لكل مصر على بدعته مهما بلغ البيان من الوضوح أن يدعي انه فهم الحجة لكنه لم يقتنع بها، فيعطل بهذا الادعاء المجرد كل إمكان لثبوت التبديع عليه، مهما بلغ إصراره وعناده.

والفرق الجوهري بين الاقتناع والفهم: الاقتناع تصديق قلبي بصحة الحجة، وهذا لا سبيل لاشتراطه لخفائه وقابليته للادعاء الكاذب المعطل للحكم بالكلية، أما الفهم فهو إدراك عقلي لمضمون الدعوى ومحل الخلاف.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

هل كان احتجاجنا بأن أول من أحدث الاحتفال بالمولد هم الفاطميون مسوقا ابتداء لمنع التشبه بهم؟

 هل كان احتجاجنا بأن أول من أحدث الاحتفال بالمولد هم الفاطميون مسوقا ابتداء لمنع التشبه بهم؟

هكذا فهم بعض الأشاعرة والمتصوفة، فاحتاج مني أن أبين لهم: 


ذِكر أن أول من احتفل بالمولد هم الدولة العبيدية في هذا السياق

إنما سيق ابتداء لإثبات وصف الإحداث، وأما التشبه فليس هو الغلة لأصلية من ذكر هذه الحجة وإنما هو تبع لها ولازم عنها. 


فبيان تاريخ أول ظهور الاحتفال بالمولد إنما هو قرينة تاريخية على تأخر هذا الاحتفال عن القرون الثلاثة المفضلة؛ إذ محل الاعتبار في باب المحدثات الدينية هو: هل ثبت هذا الفعل عن النبي صلىاللهعليهوسلم، أو عن أصحابه، أو عن القرون المفضلة، أو ظهر بعدهم بوصفه؟ 


وعليه، فالعبرة في أصل الاستدلال ليست بكون أول من أحدث المولد فاطميا باطنيا أو غير فاطمي، وإنما العبرة بعدم ثبوت هذه الهيئة التشريعية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون المفضلة، مع ظهورها بعد ذلك بوصفها هيئة دينية مخصوصة. 


أما الاعتراض القائم على أن أول من احتفل به من أهل السنة في مقابل الشيعة هو الملك المظفر كوكبري

فهذا لا ينقض أصل الاستدلال؛ لأن البعد الزمني عن القرون المفضلة إلى القرن السابع الهجري تقريبا ثابت ومتحقق سواء كان أول من فعله فاطميا باطنيا أو غير فاطمي، وكلا الاحتمالين متأخر عن العصور التي وقع اعتبارها في التمييز بين ما هو من الدين وما أُحدث فيه. 


ومع ذلك يجب أن يفهم هؤلاء أمرا وهو: أن ثبوت الإحداث لا يعني بمجرده أن كل ما لم يُفعل في القرون المفضلة يكون محرما؛ فهذه مرحلة أخرى من البحث لا بد من تحريرها.

فلا تقل: الهاتف محدث والسيارة محدثة وو 


إذ بعد ثبوت وصف الإحداث، ينظر في الفعل المحدث نفسه: هل هو من جنس العادات والوسائل والتنظيمات، أو هو من جنس العبادات والتشريعات؟ 


فإن كان من قبيل العادات المحضة أو الوسائل التنظيمية لم يكن مجرد عدم ثبوته عن القرون المفضلة كافيا للحكم بالتحريم؛ لأن الأصل في العادات والوسائل الإباحة، ولأن العبرة فيها بتحقق المقصود المشروع. 


ولهذا فإن ما أحدثه الفاطميون من تنظيم السُّماط لتوزيع الطعام في رمضان لا يعد إنشاء لحكم شرعي جديد؛ إذ لم ينشئوا أصل الإطعام، فمن فطر صائما له أجر خاص، وإنما استحدثوا صيغة تنظيمية لتنفيذ ما هو مشروع ثابت بأصل الشرع. 

فلو نُقلت هذه الموائد إلى غير رمضان، أو تغير شكلها الإداري والتنظيمي لم يتغير بذلك أصل الحكم؛ لأن المتغير هو الوسيلة والصورة، وأما أصل الإطعام فثابت بدليله، كما قررناه سابقا في مكبر الصوت والمسبحة. 


أما الاحتفال بالمولد، فليس هو مجرد وسيلة تنظيمية لتنفيذ عبادة ثابتة، ولا مجرد صورة عارضة لتحقيق معنى مشروع؛ وإنما هو إنشاء هيئة دينية مخصوصة، قوامها اجتماع مخصوص وأعمال وأذكار مخصوصة في وقت سنوي مخصوص ومعظم لذاته، مع قصد إحياء المناسبة الدينية في ذلك التاريخ بعينه على وجه يتكرر ويقصد به الأجر. 


وهذا النوع ثبوت الإحداث فيه يكفي لأن يكون قرينة على المنع والتحريم. 


فنحن لسنا أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها حتى لا يكون الإحداث قرينة على التحريم، وإنما نحن أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان معظم لذاته مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص. 


فإذا ثبت ذلك، انتقل الفعل من دائرة العادات والوسائل إلى دائرة التشريع وما يُقصد به التدين، وحينئذٍ يكون عدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون المفضلة ذا دلالة؛ لأن باب التشريع مبناه على التوقيف، ولا يكفي فيه مجرد وجود معنى حسن أو مقصد مشروع، بل لا بد من ثبوت أصل التخصيص وكيفيته وقصده.


وباختصار

الاستدلال بأصل الفاطميين في مسألة المولد ليس المراد منه ابتداء إثبات حرمة التشبه بهم، وإنما المراد إثبات تأخر ظهور هذه الهيئة الدينية وإحداثها. 


ثم يُبحث بعد ذلك في طبيعة هذا المحدث: أهو من قبيل الوسائل والعادات التي لا تستلزم إنشاء تشريع جديد، أم من قبيل الهيئات الدينية التي تستوجب إثبات تشريع جديد؟

فإن ثبت أنه من الثاني، كان وصف الإحداث وصفا مؤثرا في الحكم. 


وهنا لابد من تصريح مهم وهو:

أن الاحتفال بالمولد  ليس عادة محضة ولا وسيلة لتنفيذ عبادة ثابتة، وإنما هو تخصيص ديني لزمان معظم لذاته وهيئة وقصد، فيكون من جنس ما لا يثبت إلا بدليل شرعي.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الاثنين، 10 أغسطس 2026

حين يقاس #الاحتفال_بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة

حين يقاس الاحتفال بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة

آخر ما وصل إليه بعض الأشاعرة في آخركتاباتهم هذه الأيام هو تكييف الاحتفال بالمولد بأنه أداة تنظيمية كالمسبحة ومكبر الصوت!!!

في كل موسم يعود فيه الجدل حول الاحتفال بالمولد النبوي، تتكرر حجة واحدة بصياغات مختلفة وهي: الاحتفال وسيلة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتذكير بسيرته، والوسائل لها أحكام المقاصد.

وهي حجة تبدو للوهلة الأولى متماسكة وقوية، لكنها عند الفحص تكشف عن خلط أصولي دقيق بين نوعين مختلفين من الوسائل، كما سيأتي بيانه.

فحين يُستعمل مكبر الصوت لنقل الأذان أو الدعوة إلى الله، فإن هذه الآلات لا تحمل في ذاتها أي صورة تعبدية أو تشريعا مستقلا، وإنما هي مجرد ناقل لمحتوى عبادة قائمة أصلا دون أن تُغيّر في هيئتها الشرعية شيئا، فالأذان في الأصل هو مشروع وقائم، ومكبر الصوت آلة جامدة تنقل فقط
ولذلك وسع الشارع في استعمال الآلات في العبادات، كما وسع في عدِّ التسبيح بالحصى والنوى والمسبحة؛ لأن المقصود وهو الذكر: ثابت، والمتغير إنما هو الأداة، فهل الاحتفال بالمولد من هذا الجنس؟!!!
الجواب: لا،
أما الاحتفال بالمولد فهو أمر مختلف جوهريا عن المسبحة ومكبر الصوت؛ لأن الاحتفال بالمولد ليس أداة تنقل عبادة قائمة، وإنما هو في ذاته صورة تشريعية جديدة، مهما حاول المجوِّزون إبعاده عن هذا التكييف. وكيف لا يكون صورة تشريعية جديدة، وهو اجتماع سنوي مؤقت، مرتبط بتعظيم يوم له مراسمه وهيئاته المتكررة من قراءة وإنشاد ووعظ، ويقام بقصد طلب الأجر من الله؟

وقد يحاول بعض المجوِّزين تلافي هذا الخلط بإعادة تعريف الاحتفال بالمولد نفسه، فيصفونه بأنه أداة اجتماعية تنظيمية لا عبادة في ذاته، ثم يقيسونه على المسبحة وخطوط تنظيم الصفوف، بل وعلى البث المباشر والمراكز الدعوية.
لكن هذا لا يعدو أن يكون تغييرا في الاسم دون تغيير في الحقيقة؛ والعبرة في الأصول بالحقائق والمعاني لا بمجرد الألفاظ والمباني.

ومحك التمييز بين النوعين بسيط: هل يُقصَد الزمن ذاته بأن يُخص هذا اليوم بعينه بالتعظيم والتمييز عن سائر الأيام، أو أن التوقيت مجرد ظرف عملي عارض لا نظر فيه إلى ذات اليوم؟
وهل تقبل الوسيلة الاستبدال والنقل عن زمنها المقصود لذاته وهيئتها دون أن يفوت المعنى المقصود منها؟

يعني المسبحة يستعاض عنها بالأصابع دون ان يفوت شيء من مقصود الذكر؛ لأن القصد متعلق بالعدّ لا بالأداة، ولا يوجد فيها أصلا قصدٌ لزمن يُخص بالتعظيم. وخط الصف يُستعاض عنه بتوجيه شفهي؛ لأن القصد متعلق باستقامة الصف لا بوجود الخط بذاته.

أما الاحتفال بالمولد فلا يقبل أهله نقله عن تاريخه السنوي المحدد المقصود لذاته دون شعور بفوات المعنى؛ لأن تعلقه بذلك التاريخ في نفسه هو الذي يمنحه خصوصيته عندهم.
وهذا هو عين معنى العيد، فهو  أمر يتكرر دوريا مقترنا بزمان معين يُعظَّم ويقصد لذاته بالتكرار، لا مجرد نشاط اجتماعي عارض يمكن إقامته في أي وقت.

وبناء عليه: فقياس الاحتفال بالمولد على المسبحة ومكبر الصوت قياس مع الفارق المؤثر؛ لأن الآلة في البابين الأولين لا تحمل قصدا بذاتها لزمن يُخص بالتعظيم، بخلاف التوقيت السنوي في المولد الذي هو نفسه محل القصد والتعظيم عند من يحتفل به.

فالإحداث ليس في أصل الذكر أو المدح أو قراءة السيرة، فهذه كلها عبادات مشروعة في نفسها، وإنما في اتخاذ توقيت سنوي معين محلا للتخصيص والتعظيم لذاته، وهذا ما يحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيته.
وبهذا يبطل تكييفهم ويظهر عوره..

وثمة حجة أخرى للمجوِّزين، وهي أن الذكر عبادة مطلقة، ويجوز للمرء أن يخصص لها وقتا يتناسب مع حاله من غير أن يعتقد فبه فضلا خاصا، مستدلين بحديث: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، ثم يُقاس على ذلك تخصيص يوم المولد بالاحتفال.

لكن هذا القياس يغفل أيضا فارقا جوهريا وهو: أن يخصص الفرد لنفسه وقتا لورده الشخصي بما يناسب حاله من غير أن يقصد بذلك الزمن نفسه تعظيما أو تمييزا عن سائر الأزمنة، أمر يختلف تماما عن إنشاء تشريع جماعي عام للأمة بيوم معظم لذاته سنوي له اسمه ومراسمه وهيئاته المتكررة، يتوارثه الناس جيلا بعد جيل حتى يصير في الوعي العام شعيرة مستقرة.
فالأول تخصيص فردي لا ينشئ معلما دينيا عاما وليس،فيه شيذدء من معنى التشريع، والثاني إنشاء لصورة تعبدية جماعية تتكرر على وجه مخصوص وهذا تشريع.

ويستدل المجوِّزون أيضا بأن الأمة تفرح بيوم الجمعة، مع أنه يوم وفاة آدم عليه السلام، وتصوم عاشوراء احتفاء بنجاة موسى عليه السلام، مع أن في ذلك اليوم أحداثا أخرى، فكذلك يصح الفرح بالمولد.

إلا أن هذه المقارنة بعيدة من جهة الدليل؛ فتخصيص الجمعة بالفضل وتخصيص عاشوراء بالصوم كلاهما ثبت بدليل شرعي يحدد اليوم نفسه والعبادة نفسها، بما يعني أن الشارع نفسه هو الذي قصد تعظيم ذلك الزمن بعينه وشرع له عبادة موقوتة.
أما المولد فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصص هذا اليوم بهيئة احتفالية معينة، ولا ثبت ذلك عن أهل القرون المفضلة.
وإنما الذي ثبت في النصوص هو صيام يوم الاثنين، وهو دليل على مشروعية الصيام في ذلك اليوم تحديدا، لا على مشروعية تعظيم اليوم بذاته بكل صورة يُراد إلحاقها به.

فارتباط الاحتفال بالمولد  بتوقيت سنوي معظم لذاته يُقصد بالتكرار والتعظيم: يخرجه عن حكم الأداة القابلة للاستبدال، ويدخله في حكم الصورة التعبدية التي تحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيتها، ولا يكتفى في مشروعيتها بالنصوص المطلقة؛ إذ ليس النزاع في أصل المحبة، ولا في أصل الذكر، ولا في أصل قراءة السيرة، وإنما النزاع في إنشاء هيئة دينية مخصوصة مرتبطة بزمان معين مقصود لذاته.

وقد يقال: إن اختيار هذا اليوم ليس تعظيما شرعيا له،ولا قصدا للزمن لذاته، وإنما هو مجرد استحضار لحدث تاريخي.

وجوابه: أن مجرد كون المناسبة تاريخية لا يفسر وحده تخصيص يوم بعينه بتكرار ممارسة دينية مخصوصة فيه؛ إذ الكلام ليس في استحضار الحادثة أو التذكير بها، وإنما في تحويل تاريخها إلى موعد سنوي يتكرر فيه اجتماع ديني على هيئة مخصوصة، ويُقصد إقامته طلبًا للأجر.

أما إذا قيل: بل لا بد من إقامة هذا الاجتماع في هذا اليوم تحديدا دون غيره؛ لأن فواته يفوّت المولد نفسه، فقد ثبت أن للتاريخ أثرا مقصودا في إنشاء المناسبة، وأن اليوم ليس مجرد وعاء زمني عارض للفعل، وإنما هو عنصر أساسي.
وهنا يظهر الفرق بين استحضار حادثة تاريخية وبين تخصيص زمن بها على وجه ديني متكرر.

وليس معنى هذا أن كل تذكير بحدث تاريخي في يوم وقوعه يصبح بدعة؛ فمحل الكلام هو أن يتحول هذا التذكير إلى مناسبة دينية سنوية ذات هيئة، وتصبح لها مظاهر ثابتة وتكرار معلوم.

فإذا قيل: إننا لا نتعبد باليوم، وإنما نتعبد بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته، قلنا: هذا يعيدنا إلى أصل الإشكال؛ فلماذا جُمعت هذه العبادات في هذا اليوم على وجه التكرار السنوي دون غيره؟
إن قيل: لأن هذا اليوم يذكّر بالمولد، قلنا: فقد صار ارتباط الزمان بالحدث سببا في تخصيصه.
وإن قيل: إن هذا الارتباط لا أثر له في الحكم، وأن المقصود هو الذكر والسيرة، قلنا: إذن لا معنى لإلزام الناس بهذا التاريخ، ويصبح نقل الاجتماع إلى يوم آخر لا يغيّر شيئا من المقصود.
فإن كان النقل لا يضر، عاد المولد إلى مجرد مجلس سيرة أو ذكر يمكن إقامته في أي وقت.
وإن كان النقل يغيّر حقيقة المناسبة ويُفوّت المقصود من إقامتها، فقد ثبت أن التوقيت عنصر مقصود في هذه الممارسة، ولم يعد مجرد ظرف عارض.

ومن هنا فالنزاع ليس في حق الناس في تذكر مولد النبي صلى اللهعليهوسلم، ولا في مشروعية قراءة سيرته، وإنما في إضفاء خصوصية دينية على زمن معين وتكرار اجتماع على هيئة مخصوصة، من غير دليل يثبت هذه الخصوصية وهذه الهيئة.

فإن قلت: كثير من الناس يفعلها على وجه العادة؟
قيل: العادة الجماعية المتوارثة إذا استقرت على هيئة مخصوصة وتكرار سنوي معلوم، فإنها تنشئ في الوعي العام شعيرة دينية مستقلة، ولو نُفي عنها التعظيم اللفظي صراحة؛ لأن العبرة بالفعل المتكرر والهيئة الثابتة لا بمجرد الدعوى.
فحين يمارس المجتمع فعلا بمواصفات الشعيرة، لكنه يُسميه عادة هروبا من الإلزام بدليل، فهذا لا يغيّر طبيعة الفعل، وإنما يضفي عليه اسما مغايرا للحقيقته، كما لو سمّى أحدهم الصلاة الجماعية المتكررة في مواقيت ثابتة لقاء اجتماعيا لينفي عنها صفة العبادة؛ فالاسم لا يُغيّر الوصف.


فهل نحن أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها، أو أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص؟
فإن كانت الأولى فهي من العادات، وإن كانت الثانية فلا يكفي تسميتها عادة؛ لأن محل البحث حينئذ هو مشروعية هذا التخصيص الديني المتكرر.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_10.html

الأحد، 9 أغسطس 2026

دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني على الحاكم وإثارة الفتنة

 اقرأ بصبر وتأمل وتجرد


دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني وإثارة الفتنة


سمعت مقطعا للشي #عبد_العزيز_الطريفي يذكر فيه أن إثبات التلازم بين #الإنكار_العلني حال الغيبة وإثارة الفتنة العامة هو قصور في الفهم، وقرر أن هذا التلازم ينتفي إذا بيّن المنكِر أن الخروج والفتنة العامة محرمان.


وقد تأثر بهذا التقرير بعض طلبة العلم، وظنوا أن مجرد بيان حرمة الخروج كاف في إزالة المفسدة المترتبة على الإنكار العلني، حتى أصبح من الممكن بناء على هذا الفهم : أن يصعد خطيب على المنبر، فيوجه النقد إلى الحاكم في غيبته ويسميه ويشحن الناس عاطفيا، ويغذي مشاعر الغضب عليه، ثم يقول في خاتمة كلامه: «ولا يجوز الخروج عليه، ولا إثارة الفوضى».


والأخطر من ذلك أن هناك من يقرر أنه لا تلازم أصلا بين نقد الحاكم في غيبته وشحن الناس وبين الخروج أو الفتنة العامة، ولو لم يبيّن للناس حرمة الخروج، كما هو ظاهر في الخطابات المتأثرة بالفكر #القطبي و #السروري.


وهذا كله يتطلب منا أن نضع هذا التقرير تحت الميزان الشرعي، لننظر في مدى صحته ودقته.

ولا بد ابتداء من بيان أن لفظ «الإنكار العلني» يطلق على معان متباينة مختلفة الحكم، فهو إلى #الاشتراك_اللفظي أقرب.

فمن إطلاقاته:

1- إنكار الفعل المنكر نفسه من غير ذكر الحاكم ولا تعيينه, فهذا يسمى بـ«الإنكار العلني».

2- الإنكار على الحاكم في حضوره، بحيث يواجه بالإنكار مباشرة، وهذه لها أحكامها وقيودها, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».


3- الإنكار على الحاكم في غيبته مع تسميته والطعن فيه وذكر مثالبه أمام العامة, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».

4- ذكر الحاكم وتسميته عند بيان منكر صدر منه، من غير أن يتضمن الخطاب طعنا فيه أو تأليبا عليه، فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».


وكما يلاحظ القارئ الكريم أن هذه الصور ليست شيئا واحدا، ومن الخطأ المنهجي أن ينقل أحد كلام عالم يجوز فيها الإنكار العلني إذا صدر المنكر علنا، ككلام الألباني أو ابن عثيمين، ثم يحمل كلامهما على الصورة التي يريد هو إثباتها.


فقد يكون العالم الذي قال بجواز بعض صور الإنكار العلني يتحدث عن إنكار المنكر في نفسه، أو عن إنكار المنكر على الوالي بحضرته، أو عن بيان حكم شرعي عام لا يتعلق بتشهير الوالي أمام العامة، بينما ينزل الناقل كلامه على خطاب جماهيري في غيبة الحاكم، يتضمن تسميته وشحن العامة ضده.

وهذا من التدليس العلمي الذي لا يصدر إلا من جاهل أو صاحب هوى


وبعد بيان الاشتراك الواقع في لفظ «الإنكار العلني»: نخلص إلى دفع إشكال متوهم في قولنا بالتلازم :

لا نقول إن الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة استلزاما حتميا، كاستلزام المحدَث للمحدِث, وإنما نقول بالتلازم الغالبي بالنظر إلى مجموع الوقائع عبر التاريخ


وهذه نقطة لا بد من تحريرها؛ لأن كثيرا من الاعتراضات على هذا القول إنما نشأت من تصور أن القائل بالتلازم يدعي أن كل واقعة من الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا لا بد أن تنتهي إلى فتنة عامة, وهذا ليس هو محل النزاع.

فنحن لا نقول: «كل إنكار علني على الحاكم بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة حتما»,

وإنما نقول: «إن الإنكار العلني على الحاكم في حال غيبته بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا هو من الأسباب الرئيسة التي تفضي غالبا إلى تهييج النفوس وإثارة الفتنة، وهذا هو التلازم الغالبي الذي يراعى في أبواب المآلات.


ولهذا فإن وجود واقعة أو عدة وقائع لم تترتب فيها الفتنة العامة على الإنكار العلني لا يبطل أصل القول بالتلازم الغالبي؛ لأن القضايا الغالبية لا تنتقض بمجرد وجود بعض الصور التي تخلف فيها المآل.


كما أننا لسنا نقول/ إنه السبب الوحيد الذي ينتج المسبب, وإنما نقول: هو أحد أسباب.

ومن أقوى ما يدل على خطورة التشهير ما جاء عن عبد الله بن عكيم أنه قال «لا أعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان». فقيل له: أوأعنت عليه؟ فقال: «كنت أعد ذكر مساويه عونا على دمه».


وهذا الأثر وإن كان في سياق فتنة عثمان رضي الله عنه، إلا أنه شاهد مهم في الباب؛ لأنه يبين أن ذكر مساوي الحاكم لا ينظر إليه دائما باعتباره بيان منكر، وإنما يتحول إلى عامل إعانة على ما يترتب عليه من الفتنة.


ولا يعني ذلك أننا نخرج الإنكار العلني حال الغيبة الذي يكتفى فيه بذكر اسمه من غير تحريض ولا طعن من الحكم وهو المنع؛ إلا أن إفضاءه إلى الفتنة العامة أخف, وقد بينت ذلك فيما سبق. 


أما دعوى #الطريفي أن بيان حرمة الخروج يلغي بالضرورة مفسدة التشهير, فهذا لا يكفي في نفي مفسدة الفتنة العامة؛ لأن النفوس قد شحنت، والمشاعر قد تكون أثيرت، وصورة الحاكم في نفوس السامعين قد تغيرت، والناس قد خرجوا من المجلس وهم أشد غضبا عليه.

ومن هنا فالعاقل لا ينتظر حتى يصل الخطاب إلى التصريح بالخروج حتى يحكم بأن هناك خطرا على استقرار الناس, فكما أن سد باب الفتنة يكون قبل وقوعها، فإن اعتبار أسبابها ومقدماتها يكون قبل أن تصل إلى نهايتها.


فإن قيل: هل يعني ذلك تحريم بيان منكرات الحاكم مطلقًا؟ وهل يلزم من منع التشهير وجوب السكوت عن بيان الظلم؟


قيل: لا, فلا يلزم من القول بمنع صورة معينة من الإنكار العلني أن يقال بتحريم بيان المنكرات في كل حال, ولا يلزم من سد باب التشهير أن يفتح باب السكوت المطلق عن الظلم, فالنصوص الشرعية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابتة، وإنما الكلام في كيفية الإنكار، ومحله، ومن يخاطَب به، وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 3 أغسطس 2026

خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته

 خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته، ولا لكثرة مصنفاته وشروحه وتحقيقاته العلمية، كما أننا لا ننفي تأثر النووي بالمذهب #الأشعري في الجملة، ولا انتسابه إلى المتكلمين.

وإنما محل الخلاف هو المنهجية التي ساروا عليها في تبديع #النووي وابن حجر ووو، وفهمهم لإطلاقات #السلف، وطريقتهم في التعامل مع قضايا الأعيان.

فعندما يقول كبيرهم: إن الكلام في النووي وابن حجر وغيرهما من المسائل الظنية الاجتهادية، ثم يستنكر إنكارنا عليهم، فإنه لم يدرك حقيقة محل النزاع.

وللأسف، استطاعوا التأثير في عدد من الشباب صغار السن، ممن لم تتضح لهم حقيقة الخلاف، ولم يدرسوا طريقة العلماء في تخريج المناط وتهذيبه وتحقيقه.

وقد لاحظت أن أغلبهم من #سوريا ، مع أن فيها علماء وطلبة علم !!.

ولنقف وقفة مختصرة نبين فيها أصل الإشكال، ونتكلم عن حكم المقلد بين التبديع المباشر واشتراط إقامة الحجة

روى عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف، فقال: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».

هنا لا بد من تحرير أصل مهم:
المناط الذي ينطلق منه السلف في التبديع المباشر هو: علم المعيَّن بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، مع التزامه بذلك طواعية.

فمن يؤول صفة الاستواء -مثلا- وهو يعلم أن تأويله مبني على تقديم العقل على الشرع، وإبعاد النصوص عن الاحتجاج بها في باب الإلهيات، ثم يلتزم هذا الأصل مختارا؛ فهذا هو الذي يبدعه السلف مباشرة من غير اشتراط إقامة الحجة.
وإقامة الحجة عليه في هذه الحال تكون في باب التكفير، لا مجرد التبديع.

ولهذا المناط أمارتان ظاهرتان غالبا:

الأولى: ممارسة علم الكلام والدفاع عنه.

فمن مارس علم الكلام، وجادل عنه، واستدل له، كانت هذه أمارة على علمه بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، وهذا مما يصرح به عدد من أئمة المتكلمين، كالجويني، والآمدي، والقاضي عبد الجبار، وغيرهم.

الثانية: التقليد المحض، مع عدم ممارسة علم الكلام أو المجادلة عنه.

فهذه تدل بدلالة عكسية على انتفاء المناط السابق غالبا؛ لأن من لم يمارس النظر الكلامي ولا الاستدلال له، يغلب على الظن جهله بحقيقة مخالفته للكتاب والسنة، فتكون هذه أمارة على انتفاء العلم الموجب للتبديع المباشر.

وعليه، فالمقلد لا يُبدَّع بمجرد التقليد، وإن انتسب ظاهرا إلى مذهب كلامي؛ لانتفاء مناط التبديع في حقه.

وأتبه هنا إلى أنه إنما عُلِّق الحكم بالأمارة لغلبة اقترانها بالعلة، لا لأنها هي المعتبرة بذاتها.

ومن هنا يُفهم كلام الإمام أحمد: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم». فجعل مناط عدم التبديع المباشر كون الشخص غير معروف بعلم الكلام من جهة كونه أمارة وليس علة، ويدخل في ذلك غالب العوام والمقلدة.

نعم، قد توجد حالات نادرة تنفك فيها الأمارة عن العلة؛ كعامي لا يعرف بعلم الكلام ولا يمارس الجدل، لكنه ثبت أنه يعلم أن مذهبه يعارض النصوص، ومع ذلك يلتزمه راضيا مختارا،  فحينئذ يكون الحكم متعلقا بالعلة لا بمجرد الأمارة.

سؤال: هل يُبدَّع المقلد المنتسب إلى مذهب كلامي؟

والجواب أن المقلدين على نوعين:

النوع الأول: أن يأخذ الشخص بمقالة كلامية، وهو يظن أنه إنما يستند فيها إلى نص شرعي أو إجماع، لا إلى معارضة النصوص بالعقل، كما هو حال كثير من شراح الحديث، ومنهم النووي.

بمعنى أنه يؤول الصفة، فإذا سُئل: لم أولتها؟ قال: لأن هذا مقتضى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فهو يعتمد في ظنه على فهمه للنص، لا على أصل عقلي مجرد.
ومع أن هذا الفهم غير صحيح، ولا يوافق فهم السلف، وهو باطل قطعا وضلال إلا أن الكلام هنا في تبديع المعيَّن.

فهذا النوع لم ينتقض عنده أصل السنية؛ لأن مناطه هو الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع، بحسب اعتقاد المكلف وظنه.
فمن ظن أن تأويله موافق للنص، وهو في الحقيقة مخالف له، لم يخرج بهذا الظن عن دائرة من يعتبر في حقه مانع الجهل؛ لأن خطأه وقع في تطبيق المنهج، لا في أصل المنهج.

النوع الثاني: أن يأخذ الشخص ولو تقليدا بالمنظومة الكلامية الاستدلالية، مع علمه بأنها تقدم قواعد النظر العقلي على ظاهر النصوص.
فهذا لا يعذر بمجرد التقليد؛ لأن علة العذر بالتقليد هي ظن موافقة النص، أما هذا الصنف فهو يعلم أن منهجه يقدم العقل على النص، ثم يلتزم ذلك مختارا، وإن كان ناقلا عن غيره.
وهذه هي الحالة النادرة التي تنفك فيها الأمارة عن العلة.

فإن قيل: إذا كان الشخص داعية إلى البدعة، يقررها ويدعو إليها، فكيف يُجعل مقلدا معذورا؟

قيل: ليس كل داعية إلى البدعة يلزم أن يكون عالما بالأصل الكلامي الذي بنيت عليه البدعة، فقد يكون داعية إلى ما يعتقد أنه هو مقتضى الكتاب والسنة، وينقل ما تلقاه عن شيوخه، ويحتج بالنصوص، وهو يظن أن الحق معه، من غير أن يدرك أن هذا الفهم مبني في أصله على قواعد كلامية تخالف منهج السلف.
فمجرد الدعوة إلى بدعته لا تستلزم تحقق مناط التبديع الذي قررناه، وهو العلم بحقيقة مخالفة المنهج للكتاب والسنة والإجماع، مع الالتزام بذلك طواعية، وإنما تكون الدعوة أمارة على ذلك إذا اقترنت بممارسة أصول علم الكلام، والانتصار لها.

يقول بعضهم مستنكرا: إن اشتراط إقامة الحجة يلزم منه ألا نبدع أحدًا.

وهذا اعتراض ناشئ عن تصور غير دقيق لمعنى الحجة.

فعندنا رجلان:

الأول: يعلم أن منهجه مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ويلتزمه مختارا؛ فهذا نبيعه ولا نشترط قيه إقامة الحجة، وإقامة الحجة عليه تعني تكفيرة لا مجرد تبديعه.

والثاني: لا يعلم أن منهجه مخالف، بل يظن أنه منطلق من الكتاب والسنة؛ فهذا تقوم عليه الحجة بمعنى بيان خطأ ظنه، وإيضاح أن منهجه مخالف لما عليه السلف. وهذه هي الحجة التي نشترطها قبل تبديعه.

ولا يلزم من هذا الاشتراط تعطيل باب التبديع؛ لأن غاية ما يستثنى به هو المقلد الجاهل الذي يظن أنه مستند إلى النص، وهو صنف محدود، لا يشمل عامة أهل البدع المستقرين على مناهجهم والعارفين بأصولها.

وعليه، فإن دعوى أن اشتراط إقامة الحجة يؤدي إلى عدم تبديع أحد، دعوى مبالغ فيها، وهي من المغالطات التي يكثر تردادها عند محمد بن شمس الدين، ومن وافقه أو تأثر به.

كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 1 أغسطس 2026

هل قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر ينفي اشتراط إقامة الحجة في التبديع؟

 #قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر" 


يقول بعضهم: إن الرازيين حكما على الواقف جهلا بالتبديع دون أن يشترطا إقامة حجة، فدل هذا على أن التبديع لا يُشترط فيه إقامة الحجة أصلا.


وهذا فيه خلل من وجهين: 


الوجه الأول: لو سلمنا أن المراد من قولهما "ومن وقف فيه جهلا بُدِّع وعُلِّم" هو أن مجرد الوقف في القرآن مع الجهل يوجب التبديع بلا قيد ولا تفصيل لكان هذا مخالفا لصريح كلام الإمام أحمد بن حنبل وأحمد البغوي. 


قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم". 

فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه. 


وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". 

فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف: 


الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع. 


الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي، ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال.


وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم". 

فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره. 


ويظهر من مجموع هذه النصوص أن الجاهل الذي لا أهلية له للنظر لا يُبدَّع، وإنما يُعلَّم، كما يظهر من كلام الإمام أحمد أن المقلد يُبيَّن له أولا، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


فإذا حُمل كلام الرازيين على إطلاقه بحيث يشمل كل جاهل ولو كان ممن لا يعقل كالنساء والصبيان لزم التعارض بين أقوال السلف، والمنهجية الصحيحة تقتضي إثبات كلام السلف على وجه لا يكون فيه تعارض ولا تناقض ما أمكن . 


الوجه الثاني: كلام الرازيين هنا مجمل من جهة أنه لم يفصّل في حال الواقف: هل هو ممن لا يعقل أو ممن يعقل ويمارس علم الكلام؟ 


ولا يصح حمله على كل جاهل، بل يجب تفسيره في ضوء النصوص الأخرى 


وقد يقال: إن قولهما: "علم" منفردا أليق بالصنف الثاني الذي نص أحمد على أنه "يُجاوَب حتى يرجع"، أي: يحتاج بيانا يسبق حكما عليه، لكن حمل جملة الرازيين بكاملها على هذا الصنف يصطدم بإشكالين: 


الأول: أن نفي التكفير "ولم يُكفَّر" لا معنى له إلا في حق من يُتوهَّم في حقه التكفير أصلا، والمقلد الجاهل المتعلق بشبهة لم يرد في حقه عند أحمد أي تلميح لتوهم كفر، بخلاف الصنف الثالث الذي حكم عليه أحمد بـ"فهو جهمي"، فهذا وحده الذي يستدعي تبادر التكفير إلى الذهن


الثاني: أن وصفه بالتبديع من غير بيان قبله يصادم صراحة نص أحمد "يُجاوَب حتى يرجع"، الذي يجعل التبديع معلقا على مرحلة سابقة من البيان وعدم الرجوع، بينما ظاهر كلام الرازيين تقديم الحكم بالتبديع، ثم ذكر التعليم بعده، وهذا لا ينسجم مع كلام الإمام أحمد. 


والذي،يترجح لي هو حمل كلامهما على الصنف الثالث عند الإمام أحمد، وهو: من قال بالوقف مؤسسا لمذهبه على منظومة استدلالية كلامية، منظرا لها، مجادلا عنها. وهذا يستقيم معه ترتيب "بُدِّع وعُلِّم" استقامة تامة: 


- الوصف ب"بُدِّع" قبل إقامة الحجة: لأنه تبنى منهجا كلاميا استدلاليا يخالف طريقة السلف في الاستدلال.

- الوصف ب"عُلِّم": وهذا تعليم لاحق للحكم لا سابق له، غرضه استصلاحه ودعوته للرجوع بعد أن استقر تبديعه.

-الاحتراز ب "ولم يُكفَّر": لأن إلحاق مسلكه من جهة النوع بمسلك الجهمية يستدعي توهم تكفيره، فاحتاج الرازيان إلى التنصيص على دفع هذا التوهم؛ إذ تكفيره عينا موقوف على إقامة الحجة التفصيلية. 


وبهذا يستقيم الجمع بين نص الرازيين وسائر نصوص السلف على وجه واحد متسق لا تعارض فيه ولا تناقض. 


فإن قيل: الإمام أحمد جاءت عنه روايات في الواقفة لم يستفصل فيها وأطلق، قال الخلال في السنة: (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ الْمُخَرِّمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ: الْوَاقِفَةُ؟، قَالَ:«هُمْ شَرٌّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، اسْتَتَرُوا بِالْوَقْفِ»).

وقال أيضا: «مَنْ شَكَّ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ وَقَفَ فَهُوَ كَافِرٌ»).


قيل: هذه الإطلاقات لا تنقض ما تقدم، وإنما هي تندرج تحت أصل مقرر في فهم كلام السلف، وهو أن تناول الإطلاق للأفراد إنما هو تناول لا على سبيل التعيين؛ فالحكم المطلق، كقول أحمد "من وقف في القرآن فهو كافر" ، إنما يتناول حكم النوع، ويتناول فردا غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، لا كل من صدر منه الوقف على أي حال كان. 

أما تنزيل هذا الإطلاق على كل معيّن، فهو قدر زائد على مجرد دلالة اللفظ، ولا يثبت بمجرد اندراجه تحت العموم، بل لا بد فيه من تحقق مناط الحكم في حقه، وتوفر شروطه، وانتفاء موانعه، كما هو مطرد في نظائره من نصوص الوعد والوعيد. 


ومن الشواهد العملية على ذلك أن الإمام أحمد اعتبر جهل المعتصم مؤثرا في الحكم عليه، ففي المحنة قال الإمام أحمد:(كان أبو إسحاق لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم ولا يدري..) وقال:(قد جعلت أبا إسحاق في حل..) وكانت مسامحته للمعتصم قبل ندمه، فقد سامحه بعد أن خرج منه... 

وسامح كل من حضر وحللهم إلا أحمد بن أبي دراد ومن كان مثله..واستغفر لهم ولو كانوا مرتدين لم يجز له الاستغفار لهم... 


ويؤكد ما سبق أن عدم تنزيل الحكم المطلق على المعين إلا بعد قيام موجبه هو محل إجماع، فقد حكى ابن أبي عاصم في كتاب السنة ما اتفق أهل العلم على نسبته للسنة وذكر أمورا إلى أن قال:(ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل ان تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه)

فهذا الاتفاق المحكي متعلق بفرد بعينه ولا ينفي ما يحكيه أئمة السلف بأن من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لأنه محكي لبيان الحكم بإطلاق، كما تقدم توضيح ذلك. 


فالإطلاقات الواردة عن الإمام أحمد هي أحكام على النوع، أو على فرد غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، وليست أحكامًا على كل معيّن اتصف بمجرد الوصف. ومن حملها على ظاهرها في جميع الأعيان، وأعرض عن الروايات المفسرة والتطبيقات العملية للإمام أحمد، فقد اقتصر على بعض كلامه دون بعض، مع أن المنهج الصحيح في فهم كلام الأئمة هو جمع نصوصهم ورد مجملها إلى مفسرها، ومطلقها إلى مقيدها، لا إعمال بعضها وإهمال بعضها الآخر. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار