السبت، 26 مارس 2016

مسألة حمل المجمل على المبين في كلام الناس

مسألة حمل
المجمل على المبين
في كلام الناس


الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فإن هذه المسألة من المسائل التي كثر فيها الجدل في هذا العصر؛ حتى جُعلت من مسائل الولاء والبراء.
وهذا من وضع المسائل في غير موضعها الذي ينافي العدل.
والمراد بالمجمل عند الأصوليين: ما لا يكفي الأخذ به وحده.
وله إطلاق عام, وهو: ما يحتاج إلى تقييد.
والمبين عند الأصوليين: ما كان واضحا بغيره.
وله إطلاق عام, وهو: كل مقيَّد.
قال الزركشي في البحر المحيط في أصول الفقه (3/ 43): (( قال القفال الشاشي: ويجوز أن يسمى العام مجملا, والخاص مفسرا على معنى أن العام جملة؛ إذ ليس لفظه مقصورا على شيء مخصوص بعينه, والخاص مفسر أي: فيه بيان ما قصد بتلك الجملة التي هي العموم.
 وقال أبو عبد الله الزبيري البصري من أصحابنا: اعلم أن الفقهاء قد استجازوا العبارة عن العموم باسم المجمل وإن كانت حقيقته المفتقر إلى ما يبينه ))
ومحل الكلام, هو: الإطلاق العام, لا الخاص.
وقد اختلفت أقوال المعاصرين فيها بين مثبت على الإطلاق, ونافٍ على الإطلاق, ومفصل.
والصواب هو: التفصيل؛ فيفرق بين الاستعمال والحمل, فليس كل حمل حسن يسوغ للمستعمل مطلق الاستعمال.
والفرق بين الاستعمال والحمل:
الاستعمال: إطلاق اللفظ, وإرادة المعنى, وهو من صفات المتكلم.
والحمل, هو: اعتقاد السامع مرادَ المتكلم.
فإذا جئنا لمقام الاستعمال فالواجب على المستعمل أن يستعمل الألفاظ في موضعها, فيجمل في موطن الإجمال, ويبين في موطن البيان, وليس له أن يجمل في مقام يستدعي البيان.
وإجماله في مقام البيان خطأ, وتترتب عليه مفاسد.
ولذا يُخطَّأ فيه.
يدل على هذا: قوله تعالى: [يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا]
فلما كانت كلمة "راعنا" محتملة, وفيها إجمال, أمر الله أن نستعمل كلمة أخرى مبينة وواضحة, لا احتمال فيها.
كما أن الله قد أمر أهل العلم بالبيان, وهو مستلزم لكل كلام مبيَّن وواضح, قال تعالى: [وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ].
وقال ابن القيم:
فعليك بالتفصيل والتمييز فالإ    طلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ       أذهان والآراء كل زمان   
وأما مقام الحمل؛ فالواجب أن يحمل كلام الرجل على مراده وأصوله, وهذا أصلٌ, فإن كان سنيا فيحمل كلامه المجمل- سواء تضمن باطلا أو لا- على المبين -سواء كان المبين متصلا بالمجمل أو منفصلا-, وتراعى أصوله السنية, ويحسن الظن به.
وإن كان مبتدعا فيحمل كلامه أيضا على أصوله المبتدعة, ومفصل كلامه المبتدع.
فمتى ما ظهر لنا مراد المتكلم, أو لم يظهر لنا ما يخالف ظاهر كلامه: وجب حمل كلامه على ظاهره.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين (3/ 108): (( وعند هذا يقال: إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام, أو لم يظهر قصد يخالف كلامه, وجب حمل كلامه على ظاهره )).
بل ذكر العلماء أن القصد إذا خالف العبارة؛ فالعبرة بالقصد والنية.
وهذا مقتضى العدل والرحمة, وهما من مقاصد الشريعة.
وسبب إعمالها في باب الحمل: أن الإجمال والبيان من جملة دلالات الألفاظ, وهذه الدلالات قد استعملها العرب قبل نزول القرآن, وبها فهموا كلامهم.
ولا تنافي بين الإجمال والتفصيل, وهذا أمر مهم.
ولا وجه لمن حصر استعمال دلالات الألفاظ في كلام الله دون كلام الناس إلا من جهة واحدة وهي: أن إطلاق الله وإجماله في موطنه مراد وحق, فالله سبحانه لا يغيب عليه شيء, وعلمه سبحانه أزلي, بخلاف إطلاق العبد فقد يكون غير مراد في موطنه, ولا يكون حقا, وإنما غلبه السهو أو الجهل أو النسيان, ونحو ذلك.
لكن هذه الجهة لا تدل على حصر إعمال دلالات الألفاظ في كلام الله دون كلام الناس؛ لأن إعمال ذلك في كلام الناس ليس باعثه أن إجماله حق ومراد, وإنما باعثه العدل والرحمة, وحمل كلامه على مراده.
فتبين أن قولنا بالحمل؛ بناء على هذه المقاصد: ليس من باب تنزيل كلام غير المعصوم منزلة كلام المعصوم.
ولا يدخل تحت الإجمال: القول الصريح في الباطل الذي لا يقبل تقييدا ولا احتمالا, فهذا لا ينطبق على مسألتنا, بحلاف الكلام الذي يحتمل التقييد, أو فيه عدة احتمالات, كأن يطلق في موطن ويقيد في موطن آخر, أو يعمم في موطن, ويخصص في موطن آخر, وهكذا.
فلو أن إنسانا قال: استوى الله على عرشه بمعنى: استولى, ثم في موطن آخر قال: استوى بمعنى: علا, فهنا لا مجال لحمل المجمل على المبين؛ لأنهما قولان متنافيان, ولا يحتملان التقييد.
وهذا بخلاف الكلام الذي يقبل التقييد, أو يحتمل عدة احتمالات, فهذا من العدل أن يفسر كلامه بكلامه, وإلا كان تجنيا عليه, وكذبا عليه؛ إذ فسر كلامه بغير مراده.
قال ابن تيمية في الجواب الصحيح (4/ 44): (( فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا وتعرف ما عادته يعينه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر فإذا عرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده
 وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضا وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه وتبديلا لمقاصده وكذبا عليه
 فهذا أصل من ضل في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم ))

وحمل المجمل على المبين هو ما درج عليه الأئمة, ومن ذلك:
قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (287): ((  وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم و ما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبييحة ))
وقال في منهاج السنة النبوية (5/ 266): (( وأبو أسماعيل لم يرد هذا فإنه قد صرح في غير موضع من كتبه بتكفير هؤلاء الجهمية الحلولية الذين يقولون إن الله بذاته في كل مكان وإنما يشير إلى ما يختص به بعض الناس ))
وقال في الاستقامة (1/ 92): (( ...الجنيد رضي الله عنه التوحيد إفراد القدم من الحدث
 قلت: هذا الكلام فيه إجمال والمحق يحمله محملا حسنا وغير المحق يدخل فيه أشياء ))
وقال ابن القيم في مدارج السالكين (3/ 521): ((  والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها أحدهما أعظم الباطل ويريد بها الآخر محض الحق والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه ))
وقد أجاب الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله تعالى- في شريط بعنوان"التوحيد يا عباد الله"السؤال رقم( 6 ) على سؤال:هل يحمل المجمل على المفصل في كلام الناس؟أم هو خاصٌ بالكتاب والسنة؟ نرجو التوضيح ـ حفظكم الله ـ؟
فأجاب الشيخ:"الأصل إن حمل المجمل على المفصل ,الأصل في نصوص الشرع من الكتاب والسنة، لكن مع هذا؛نحمل كلام العلماء، مجمله على مفصله، ولا يُقَوَّل العلماء قولا مجملاً، حتى يُرْجَع إلى التفصيل من كلامهم، حتى يرجع إلى التفصيل من كلامهم، إذا كان لهم قول مجمل، وقول مفصّل، نرجع إلى المفصل, ولا نأخذ المجمل"
و سُئل الشيخ عبد المحسن العباد في درس "سنن أبي داود"في المسجد النبوي ليلة 26 / صفر/ 1423ﻫ: إذا وُجد للعالم كلام مجمل في موضع، في قضية ما، وقد يكون هذا الكلام المجمل، ظاهره يدل على أمر خطأ، ووُجِد له كلام آخر، في موضع آخر، مفصل في نفس القضية، موافق لمنهج السلف، فهل يُحمل المجمل من كلام العالم على الموضع المفصل؟ فأجاب الشيخ: "نعم، يُحمل على المفصل، ما دامه شيئًا موهمًا، فالشيء الواضح الجلي هو المعتبر".
إلى غير ذلك.
فإن قيل: نحن مأمورون بالأخذ بالظاهر سواء كان مجملا أو مفصلا؟
قيل: مأمورون بالأخذ بالظاهر إذا لم يعارضه ظاهر آخر, فالمجمل ظاهر, والمبين ظاهر؛ وإعمالا للعدل وإحسان الظن أخذنا بالظاهر المبين دون المجمل.
كما أن الأخذ بالظاهر المأمورين به هو في مقابل الأخذ بالباطن, والتشقيق على ما في القلوب, فهو أخذٌ بالظاهر الذي لا معارض له من ظاهر آخر.
فإن قيل: لماذا لا يقال: له قولان؟
قيل: يقال له قولان: إذا كانا متنافيين في مسألة واحدة, فالقولان متى تنافيا وجب أن يكون أحدهما حقا, والآخر باطلا؛ لأن الحق واحد لا يتعدد.

والخلاصة: الكلام الذي يحمل على غيره: ما يقبل التقييد, أو يحتمل عدة احتمالات.
وهذا الحمل لا ينافي تخطئة الاستعمال.
ويخلط بعضهم بين الاستعمال والحمل, فيستدل بالتخطئة في الاستعمال على عدم جواز الحمل.
وهو خلط ظاهر.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار

16-6-1437هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق