الأحد، 13 سبتمبر 2026

هل #الأشاعرة هم #السواد_الأعظم؟ #المؤتمر_الدولي_الثاني_للهوية_الدينية_الليبية الذي تقيمه #الجامعة_الأسمرية، يشترك ويتقاطع كثيرا مع توصيات #مؤتمر_الشيشان.

 هل #الأشاعرة هم #السواد_الأعظم؟

#المؤتمر_الدولي_الثاني_للهوية_الدينية_الليبية الذي تقيمه #الجامعة_الأسمرية، يشترك ويتقاطع كثيرا مع توصيات #مؤتمر_الشيشان.

وقد صُدر بيان مؤتمر الشيشان بهذه الجملة: "أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا وتزكية."

ومن المستضافين في مؤتمر الجامعة الأسمرية بزليتن الدكتور جمال فاروق الدقاق، وقد قال في كلمة ألقاها في قاعة المؤتمر، بحسب المقطع المتداول: "أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم، وهذا المذهب يتكون من مدرستين: مدرسة الأشاعرة، ومدرسة الماتريدية، وهما يشكلان معا مذهب أهل السنة والجماعة."

ولم يكتفِ بهذا، فقد وصف أهل الحديث بأنهم مجسمة، وزعم في سابقة تاريخية تدل على قلة فهم أنهم لم يلقبوا بأهل السنة إلا في القرن السابع أو الثاني عشر، وأن اللقب قبل ذلك لم يكن إلا للأشاعرة. هكذا زعم، مع أن لقب أهل الحديث وربطه بالسنة والجماعة ثابت في مدونات السلف منذ القرنين الثاني والثالث الهجريين قبل استقرار المذهب الأشعري.

وكأن الهدف من هذا المؤتمر هو نفسه الهدف الذي انعقد عليه مؤتمر الشيشان، وهو: إخراج أهل الحديث السلفيين من دائرة أهل السنة والجماعة، وإلحاق وصف التجسيم بهم تنفيرا عنهم، لما رأوا تأثر العالم بمعتقدهم الذي يشع نورا وهدى.

وللرد على الأزهري د. جمال، أقول:

هل ينطبق على الأشاعرة والماتريدية الوصف النبوي "السواد الأعظم"؟

أولا: ليس المقصود بالسواد الأعظم - الذي هو علامة على أهل السنة وعلامة على الحق - الكثرة العددية ولا مطلق الجماعة، كما يتخيل د. جمال وغيره؛ إذ إن النصوص الواردة في لزوم الجماعة والتمسك بالسنة تدل على أن الاعتبار ليس بالعدد وحده، وإنما بالحق الذي تجتمع عليه الجماعة.
ويتضح هذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق."؛ إذ،جعل من أعظم أوصافهم في وقت من الاوقات: القلة.

وإنما المقصود بالسواد الأعظم  من حيث العدد: جماعة الصحابة والتابعين، ومن حيث الوصف: ما وافق الكتاب والسنة وإجماع السلف.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى."

قال نعيم بن حماد شارحت: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ.

وقال إسحاق بن راهويه: لو سألت الجهال: من السواد الأعظم؟ لقالوا: جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فقد ترك الجماعة.

وقد ذكر العلماء أن الإمام أحمد في زمن المحنة كان يمثل السواد الأعظم وحده، لتمسكه بالسنة حين أجاب كثيرون غيره.

فتبين أن السواد الأعظم هو جماعة الصحابة ومن أخذ بمنهجهم وفهمهم وسار على طريقتهم ولو كان واحدا، لا كما فهمه د. جمال الأزهري!!.

وبهذا يظهر أن المقدمة التي بنى عليها أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية - وهي تفسير "السواد الأعظم" بكثرة العدد - مقدمة باطلة، وما بُني على باطل فهو باطل.

ثانيا: لو أخذنا بمنطق د. جمال نفسه، لانقلب عليه الأمر؛ فقد نقل ابن عساكر نفسه - وهو من كبار المدافعين عن الأشعري - هذه الحقيقة وهي أن الأشاعرة ليسوا الأكثر عددا في سياق اعتراض عليه، حيث قال في كتابه تبيين كذب المفتري: "فإن قيل: إن الجم الغفير في سائر الأزمان، وأكثر العامة في جميع البلدان لا يقتدون بالأشعري ولا يقلدونه، ولا يرون مذهبه، وهم السواد الأعظم، وسبيلهم السبيل الأقوم..."

فكيف يكونون هم أهل السنة وقد انتفى عنهم وصف السواد الأعظم على فهم الأزهري؟!

ثالثا:  كيف يكونون هم أهل السنة والجماعة دون غيرهم، وقد تأخر ظهور المذهب الأشعري إلى القرن الرابع الهجري، فخلت منه القرون الثلاثة المفضلة؟ ومذهب الأشاعرة ليس امتدادا لمذهب السلف، بل مخالف له في مسائل أصلية، كصفة العلو مثلا، كما تبيّنه الآثار التي أوردها الذهبي وابن القيم وغيرهما، وهي مخالفة واضحة لأئمة القرون الثلاثة وأئمة المذاهب الفقهية. بل لم يخلُ عصر من العصور من مخالف لهم، فكيف يكونون هم السواد الأعظم بإطلاق؟!

وقد ذكر ابن المبرد في كتابه جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر أكثر من أربعمائة عالم بين محدث وفقيه وعابد وإمام، كلهم مجانبون للأشاعرة ومخالفون لهم.
كما سمى اللالكائي جماعة من أهل الحديث ممن ليسوا على مذهب الاشاعرة والماتريدية في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة, وذكر بسنده عن قتيبة أنه قال: «إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد , وعبد الرحمن بن مهدي , وأحمد بن محمد بن حنبل , وإسحاق بن راهويه - وذكر قوما آخرين - فإنه على السنة , ومن خالف هؤلاء فاعلم أنه مبتدع»

وسمى الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث أئنة الأثر ممن ليسوا على اعتقاد الأشاعرة: محمد بن إدريس الشافعي، وسعيد بن جبير والزهري، والشعبي والتيمي ومن بعدهم، كالليث بن سعد والأوزاعي والثوري وسفيان بن عيينة الهلالي، وحماد بن سلمة وحماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وأيوب وابن عوف ونظرائهم.
ومن بعدهم مثل يزيد بن هارون، وعبد الرزاق وجرير بن عبد الحميد، ومن بعدهم محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري، وأبي داود السجستاني وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم وابنه ومحمد بن مسلم بن واره، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة الذي كان يدعى إمام الأئمة، والمقري كان إمام الأئمة في عصره ووقته، وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل البستي، وجدي من قبل أبي أبو سعيد يحيى بن منصور الزاهد الهروي...
وكذا البخاري رحمه الله القائل: « لقيتُ أكثرَ من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر: لقيتُهم كَرَّات، قرنا بعد قرن، ثم قرنا بعد قرن...فما رأيتُ أحدا منهم يختلف في هذه الأشياء: ... »
وما ذكره من معتقد هو خلاف ما عليه مذهب الأشاعرة،
والسؤال الفاصل هنا: من أحق بوصف أهل السنة،ط والجماعة؛ أهو الموافق لأهل الحديث في عقائدهم أم المخالف لهم؟!!

وأخيرا نبه ابن تيمية على أن أهل الحديث لا يراد بهم أهل الرواية والصنعة الحديثية فقط، بل كل من حفظ السنة وفهمها واتبعها ظاهرا وباطنا في جميع أبواب الدين.
وأزيد فأقول: ولا يدخل فيها متأخرو الاشاعرة الذين يحرمون الاستدلال بالكتاب والسنة في باي الإلهيات والنبوات.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 12 سبتمبر 2026

حتى يدرك الشعب الليبي وحكومته أبعاد خطر #المؤتمر_الدولي_الثاني_للهوية_الدينية_الليبية الذي تقيمه #الجامعة_الأسمرية، يجدر بنا أن نسلط الضوء على عقائد ومناهج من تفتح لهم المنصات وتقدم لهم الدعوات، ولنبدأ بـ عزيز الكبيطي إدريس الحسني.

 خطر عظيم على المعتقد في ليبيا

حتى يدرك الشعب الليبي وحكومته أبعاد خطر #المؤتمر_الدولي_الثاني_للهوية_الدينية_الليبية الذي تقيمه #الجامعة_الأسمرية، يجدر بنا أن نسلط الضوء على عقائد ومناهج من تفتح لهم المنصات وتقدم لهم الدعوات، ولنبدأ بـ عزيز الكبيطي إدريس الحسني. 


يتبنى #عزيز_الكبيطي منهجا في #التصوف_الباطني، ويكتب مؤصلا لطرح يقوم على دعاوى #الفيض_الإشراقي والاتصال الغيبي والحلول، وهذا ما يتضح من خلال قراءة في مؤلفاته: 

يصف الكبيطي نفسه بأنه شيخ #المنهج_المحمدي المباشر ووارث سر النبي صلى الله عليه وسلم، ويقر بتقسيم الدين إلى ظاهر وباطن، وحقيقة وشريعة، مدعيا تلقيا مباشر من الحضرة المحمدية عبر أحوال باطنية لا يدركها مريدوه، كما ورد في كتابه المنهج النبوي ص56. 

وفي كتابه آداب المريدين ص149، يرتفع بدعواه إلى حد ادعاء #العصمة من أن يتمثل به الشيطان. وفي الكتاب نفسه، ص151، يذكر أن عالم الأرواح مفتوح له ممكن بالسر من الروح وأمرها. 

وفي انزلاق عقدي خطير ينضح كلامه بمفاهيم #الحلول والتجلي، حيث يقول: (فيعتبر الشيخ مظهرا لسيدنا رسول الله ومظهرا لله ، وهذا المظهر يشبه المرآة التي تنعكس فيها التجليات والانوار، فقد ياخذ الشيخ صورة اخد مشايخ البرزخ أو الأولياء الاحياء أو صورة سيدنا رسول الله ) كما في آداب المريدين 151 

كما يقرر مسألة #الفناء الصوفي الذي تذاب فيه صفات المريد لتتلاشى في ذات شيخه، مقابل تنمية أوصاف الشيخ في المريد. 

ويعتقد #الكبيطي أن للرسول صلى الله عليه وسلم سرا ينفث في روح ولي مجدد للدين كل ثلاثة قرون كما في كتابه المنهج النبوي، ص 9-10، 

ويرى في نفسه مجدد هذا العصر الحامل لهذا السر من ولادته! لذا وضع لمريديه كتابه المنهج النبوي معتبرا أن من ظفر بصحبته فقد حاز الخير العظيم الذي يصح الافتخار به. 

ويرى أن تجديد الدين لا يتم عبر الطرق التقليدية بل عبر المنهج؛ لأن الطرق بزعمه لا ترتبط بالسر مباشرة، وإنما الذي يختص بالسر والإذن بالجهر هو المنهج الباطني الذي يدعو إليه. 

ويزعم أن روح الحي قادرة على الاجتماع والالتقاء بشيخه المتوفى في عالم #البرزخ ببركة وسر المنهج كما في كتابه المنهج النبوي، ص 34 

ويبرر عدم معالجته للمصابين بتلبس الجن بأن مهامه الباطنية والإرشادية سامية وأكبر من مجرد محاربة #الجن، ويوجه مريديه للقيام بهذه المهام كما في كتابه المنهج النبوي، ص 54. 

وفي كتابه المنهج النبوي ص106 يرى أن للشيخ اتصالا باطنيا مباشرا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا يمكن أن يكون الشيخ شيخا دون اتصال بالحضرة المحمدية، وأن ما يأتي به الشيخ من توجيهات ومعارف ما هو إلا فيض من #الحضرة_المحمدية

ويعتبر الشيخ هو الناقل من #عين_الغيب إلى عين الشهود 

ويصرح في كتابه آداب المريدين، ص 144 بأن أهل الله غير منفصلين عن الله، وأن التوجه إليهم يجب أن يكون بإحضار معية الله لهم، كما أن الحضور مع المشايخ هو حضور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم 

إن ما ذكر أعلاه ليس إلا غيضا من فيض، ونزرا يسيرا مما احتوته هذه الكتب التي طالعتها بنفسي، ولم أستطع إكمال القراءة لفظاظتها وانحرافها عن محكمات الدين. 

وللإخوة في #المغرب فهارس تفصيلية تبين تهافت هذا الطرح وخروجه عن جادة أهل السنة والجماعة، بل وعن جادة ما عليه أهل الإسلام، وسأنقل لكم بعضها في التعليقات. 


وأخيرا أقول: 

إن استضافة أمثال هؤلاء عبر المنصات الأكاديمية الرسمية ليست مجرد نشاط علمي عابر، وإنما هي اختراق فكري وعقدي ناعم يمسّ مرجعية البلاد، ويهدد أمنها #الفكري، ويسعى لإحلال المفاهيم الإشراقية والباطنية المنحرفة محل العقيدة الصافية التي أجمعت عليها الأمة، مما يستوجب على المسؤولين وأهل العلم والغيرة وقف هذه التجاوزات والرد عليها، وحماية الناشئة من الشبهات #الباطنية المغلفة بمسوح #التصوف. 


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

مسألة #النقد_الأجنبي 2000 دولار

 مسألة #النقد_الأجنبي 2000 دولار

هذا سؤال من أحد الإخوة:

بالله الفتوى هذه اليوم صدرت، بالله لو تقرأها ،انا كنت واخذ بفتوتك بالجواز 

لو تكرمت بارك الله فيك فإذا غيرت فتوتك فذكرني ونبهني جزاك الله خيرا 


بارك الله فيك 

لم تتغير فتواي، فأنا أقول بالجواز، والآن أقدم للانتفاع بهذه المعاملة

وأما الفتوى التي سألت عنها، فهذا رأيي فيها: 


تحليل فقهي لفتوى تحريم التعامل بمبلغ 2000 دولار الصادق من مجلس البحوث (مدارسة فقهية) 


لقد صدرت فتوى تمنع التعامل بمبلغ 2000 دولار، منطلقة في حكمها من أن تحديد السعر عند الحجز المبدئي يجعل الحجز مواعدة في حكم العقد، ويعتبرها مصارفة مؤجلة التنفيذ، مما يؤدي إلى ربا النسيئة؛ لتأخر قبض البدلين. 

بناء على المشهور عند المالكية من منع المواعدة التي تكون عن مراوضة في الصرف، والمراوضة تعني الاتفاق على سعر الصرف عند المواعدة

وأما المواعدة فتعني التوافق بين الطرفين على إيقاع الصرف في وقت لاحق سواء حدد السعر أو لا

قال المازري : (وقد اختلف في المواعدة على الصرف، فأجيزت في قول، ومنعت في قول، وكرهت في قول ثالث..)

وابن رشد الجد حمل الكراهة والجواز على غير المراوضة...

وتخصيص ابن رشد الكراهة والجواز بغير المراوضة هو توفيق اجتهادي منه، وليس نصا منصوصا عنهم، ولا قوله يمنع أصل الخلاف في المسألة، وكثير من شراح المذهب أطلق الخلاف ولم يخصص. 


وتكمن إشكالية الفتوى في الصورة التي فرضتها وبنت عليها الحكم، 

فصورت أن السعر الذي يظهر عند الحجز هو سعر تعاقدي ملزم للطرفين، بحيث إذا تغير السعر الرسمي للدولة قبل التنفيذ، فإن العقد سيكون على السعر الأول لا السعر الجديد.

وأهملت أن العميل له خيار إلغاء المعاملة. 


بينما الصورة الصحيحة أن السعر يذكر باعتباره السعر الرسمي النافذ في ذلك الوقت، مع بقاء الحق في تغييره إذا تغير السعر الرسمي قبل التنفيذ، وبقاء حق الإلغاء من العميل.


وانا الاستناد على المجمع الفقهي فهو في غير محله، فقد نص على منع المواعدة الملزمة للطرفين، ومسألتنا ليس فيها إلزام للطرفين!!!! 


والرد على الفتوى من أوجه:

الوجه الأول: الحجز المبدئي لا يعتبر وعدا ملزما؛ لأنه يحق للعميل إلغاؤه دون تحمل أي تبعات مالية أو غرامات 

ويتضح من ذلك أن الحجز إجراء تمهيدي وتنظيم إداري سابق على العقد، لا يترتب عليه إنشاء بيع ولا التزام بإبرامه.

وبالتالي لا يصح أن يقال: لماذا تأخر التقابض؟ لأن الحجز ليس عقدا ولا وعدا ملزما فمن الطبيعي ألا يحصل تقابض عند الحجز... 


فما يجري عند دخول العميل إلى المنظومة مجرد حجز للحق في طلب النقد الأجنبي، لا عقد صرف ولا مواعدة ملزمة.

وقد استقرت قرارات المجامع الفقهية وفتاوى الهيئات على جواز مثل هذه المواعدات الإدارية التنظيمية التي لا تنشئ التزاما تعاقديا.. 


الوجه الثاني: قد أجاز المواعدة غير الملزمة للطرفين معا على الصرف حتى مع الاتفاق على سعر الصرف عند المواعدة: عدد من الهيئات العلمية الشرعية، كما في فتاوى ندوات البركة، وقرارات المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت في مارس ١٩٨٣، والفتاوى الشرعية للبنك الإسلامي الأردني، وغيرها

وقبلهم ابن حزم فإنه يرى جواز المواعدة على الصرف مطلقا؛ لأنه ليس بيعا، حيث قال "والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وفي بيع الفضة بالفضة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك، أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعا"

مع التنبيه إلى أن ابن حزم يقول بعدم الإلزام بالوعد. 


الوجه الثالث: طبيعة السعر المحدد في ليبيا أنه إعلام بالسعر التظامي الرسمي الصادر عن الجهة النقدية في الدولة، مع بقاء العقد إلى حين التنفيذ، وإذا تغير السعر الرسمي قبل التنفيذ طبق السعر الجديد. 


إذن هو سعر نظامي عام، الإعلام به وتحديده عند الحجز هو بمثابة الإعلام بالسعر الساري في المنظومة المصرفية 

ولا يترتب على تحديده إنشاء العقد أو اعتباره مواعدة ملزمة؛ لأن آثار العقد من الخصم والإيداع تترتب من حين إنشائه يوم التنفيذ ولا تترتب من حين المواعدة والحجز. 


وأما كون الصرف يتم لاحقا بالسعر المعلن يوم الحجز، فليس ناتجا عن تواطؤ أو اتفاق مسبق بين الطرفين على تثبيت سعر مستقبلي ملزم للطرفين، وإنما هو ناتج عن استقرار السعر الرسمي بحكم النظام العام بصرف النظر عن إرادة المتعاقدين. 


كما أن المشتري له حق الرجوع والإلغاء، فليس في المعاملة أي وعد ملزم للطرفين بالصرف، وأما ما يظن من إلزام المصرف فهو ليس التزاما بعقد صرف آجل، وإنما هو التزام تنظيمي إداري من جهة عامة بتقديم خدمة بيع العملة بالسعر الرسمي المعتمد يوم التنفيذ لمن استوفى الشروط. 


والملاحظ أن الفتوى المانعة الصادرة من المجلس لم تراع الفرق بين أن يتواطأ طرفا الصرف على سعر خاص بينهما يطبق مستقبلا على وجه الإلزام ولو تغير السعر الحقيقي في السوق، وبين أن يكون السعر ثابتا بقرار رسمي من الدولة على التفصيل السابق ... 


وبما أن العقد والتقابض يقعان معا يوم التنفيذ بالسعر الرسمي النافذ حينها، وليس هناك مواعدة ملزمة، فإن المعاملة تخرج تماما من محذور الصرف الآجل لتكون جائزة شرعا. 

يسأل بعض الإخوة
توجد عمولة في معانلة 2000  دولار تخصم من العميل لصالح #شركة_الصرافة.
والعميل لابد أن يحدد شركة عند الحجز
فهل هذا يؤثر في جواز معاملة 2000 دولار؟

الجواب:

عقد الصرف الذي يتم بين الزبون والمصرف مكتمل الأركان في نفسه، وهذه الأركان لا علاقة لها بالعمولة المقتطعة لصالح شركة الصرافة؛ إذ العمولة التزام فرضته المنظومة الإجرائية على العميل، لا جزء من عقد المعاوضة نفسه.

فحتى لو قيل بتحريم هذه العمولة لعدم مقابلتها بخدمة حقيقية، فإن عقد الصرف بين الزبون والمركزي يبقى صحيحا مستقلا بذاته، والتحريم يقتصر على العمولة نفسها، ولا يسري بطلانه إلى عقد الصرف الأساسي.

وتكبير موضوع شركة الصرافة بحيث يستثمر لإبطال أصل المعاملة تكبير في غير محله ولا يصدر من فقيه؛ لأن محل النظر في هذه العمولة مستقل عن محل النظر في عقد الصرف نفسه، ولكل منهما حكمه الخاص به،إلا في حالات استثنائية لا تتحقق هنا.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 5 سبتمبر 2026

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

ما أحوج طلبة العلم اليوم إلى تعلم تفاصيل عقيدة السلف، حتى لا تختلط عليهم المفاهيم، فيصبحوا في نهاية الأمر على مذهب المتكلمين وهم لا يشعرون.

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

وجوابي
قد يشكل هذا على من لم يدرك حقيقة مذهب أهل السنة في باب الصفات، ولم يحط بأصول مذهب الأشاعرة، فيحسب أن التعبيرين متساويان من جهة المعنى واللوازم العقدية، وليس الأمر كذلك، وهو جهل بحقيقة المذهبين.

فالتعبير بـالقصد إذا صدر من سني يراد به إثبات فعل اختياري يتعلق بمشيئة الله وقدرته، بخلاف التعبير بـتعلق الإرادة، فهو اصطلاح كلامي يفسر به حدوث الآثار وتجدد تخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ونفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله تعالى على الوجه الذي يثبته أهل السنة.

فأي دارس لعقيدة السلف وعنده خلفية جيدة بمذهب الأشاعرة ولو قليلا سيقف طويلا عند لفظ #التعلق؛ إذ هذا التعبير يقوم على أصل كلامي كبير، وهو نفي حلول الحوادث بذات الله.

والمقصود هنا ليس مجرد لفظ التعلق من حيث هو لفظ، وإنما المقصود هو البناء الكلامي الذي يجعل تعلق الإرادة تفسيرا لإيجاد  المخلوقات، مع نفي أن يكون هناك فعل اختياري متجدد قائم بذات الله تعالى.

فمصطلح #التعلق هو أداة #الأشاعرة في تفريغ #الأفعال_الإلهية من حقيقتها، فالأفعال عند جمهورهم هي التعلق التنجيزي للإرادة والقدرة بالممكنات.
فهم لا يثبتون فعلا قائما بذات الله عز وجل، وإنما يجعلون الفعل هو عين المفعول البائن أو مجرد التعلق الحادث.
مع اختلاف بينهم في مسألة التكوين.

فأهل السنة كابن عثيمين رحمه الله وغيره ممن فسر "استوى إلى السماء" بـ"قصد إلى خلق السماء"، يثبتون فعلا حقيقيا لله قائما بذاته.
بينما من فسّر "استوى إلى السماء" بـ"تعلق الإرادة" لا يثبت فعلا قائما بذات الله، وإنما يرجع الأمر كله إلى مجرد تعلق صفة الإرادة بالسموات، مع كون الفعل هو عين المفعول.

وهذا الفرق بدهيّ عند أهل التخصص في هذا الباب، ولا يشكل عليهم.

والخطأ هنا في تفسير الاستواء مرتبط بكارثة عقدية نبهت عليها في مقالي السابق مما هو موجود في التفاسير الكلامية، وما انتخب منها في بعض التفاسير المعاصرة والمختصرات،

وهذه الكارثة لن يجدوا جوابا عنها يستقيم مع أصول أهل السنة
وهي في تفسيرهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بأن الإيجاد لا يكون بقول الله المتجدد الحقيقي، وإنما يكون بمجرد تعلق الإرادة والقدرة، بما يستلزم نفي أن الله يقول قولا متجددا متعلقا بمشيئته واختياره عند كل تكوين على الوجه الذي يثبته أهل السنة من الصفات الاختيارية. وبما يستلزم أيضا نفي فعل الخلق القائم بذات الله المتجدد.

فتخيل أن تجد تفاسير قديمة كتفسير البيضاوي الكلامي وتفسير الرازي وتفاسير معاصرة كتفسير طنطاوي وغيره
تتداول بين الناس تقول بأن إيجاد المخلوقات يكون فقط بتعلق القدرة والإرادة، وليس بقوله كن عند كل تكوين،
هذه هي حقيقة مذهب جمهور الأشاعرة في أفعال الله سبحانه، فهم لا ينفون لفظ "كن"، وإنما يؤولونه إما بكونه تمثيلا لسرعة نفاذ القدرة والإرادة دون امتناع، أو بكونه تعلقا للكلام النفسي الأزلي، نافين بذٰلك صفة القول المتجدد الحقيقي بصوت وحرف بحسب مشيئته سبحانه واختياره عند كل تكوين.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_05.html


الجمعة، 4 سبتمبر 2026

الفرق بين التفسير السني والتفسير البدعي

 الفرق بين التفسير السني والتفسير البدعي

التفسير السني يعتمد في تفسيره على الكتاب والسنة وعلى أقوال السلف ومفتضى اللغة ليصل إلى المعنى من الآية في آيات العقيدة وغيرها
وأما التفسير البدعي فيعتمد في تفسيره على أصل كلامي أو فلسفي أو إشاري صوفي يقرر خارج النص الشرعي ثم يدخل على النص الشرعي إدخالا، ويسقط على الآية قسرا

فكل تفسير يفسر القرآن -لاسيما آيات العقيدة- بمقتضى أصل عقلي أو كلامي أو ذوقي مقرر سلفا، ثم يُحمَّل النص عليه، فليس من تفاسير أهل السنة وإن كان المؤلف منتسبا للسنة..

مثلا
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، في التفسير السني يرجع المؤلف لأقوال السلف ومقتضى اللغة، فبفسر الاستواء ب علا، ارتفع، أما في التفسير البدعي فيرجع المؤلف لأصل كلامي وهو امتناع الجهة على الله ثم يؤول النص ليوافق هذا الأصل المسبق.

ولا نتكلم هنا عن خطأ في موضع أو موضعين، وإنما نتكلم عن شيء يتكرر
وهذا التكرار قد يطرد وقد لا يطرد، فإن اطرد في جميع آيات العقيدة أو في كل آيات الصفات دل ذلك على تبني أصل كلامي يطبقه بانضباط،
وأما إذا لم يطرد لكنه تكرر فهذا يدل على اضطراب في تبني الأصل الكلامي، وتأثر بالمتكلمين .

ويبقى الحكم على المؤلف نفسه، هل هو سني أو لا؟ من أضيق الدوائر وأشدها احتياطا، فلا يبنى على مجرد ظهور تأويل أو أكثر في كتابه، بخلاف الحكم على تفسيره بأنه تفسير بدعي لا سني.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 3 سبتمبر 2026

حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

 حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

سلامة المعتقد شرط في كل كتاب يراد اتخاذه مرجعا في بيان مراد الله تعالى؛ إذ التفسير في حقيقته إخبار عن مراد المتكلم سبحانه، فإذا حرف المفسر مراده الله في أعظم أبواب العلم لم يصح الاعتماد على تفسيره بإطلاق، وأما الانتفاع به ففيه تفصيل سيأتي

فكتب التفاسير المعاصرة التي لم تسلم من الأخطاء العقدية من حيث الانتفاع بها تدور بين حالين لا ثالث لهما:

الحال الأولى: كتاب فيه إضافة علمية مستقلة، كأن يضيف إضافة علمية مستقلة، أو يخدم جانبا من العلوم الشرعية، كتفسير التحرير والتنوير فيما يتعلق بعلوم اللغة والبلاغة، أو عنايته بمقاصد السور ونحو ذلك،
فهذا يجوز الانتفاع به بضابطين:
الأول: أن يتنبه القارئ للخلل العقدي الموجود فيه.
الثاني: أن يكون القارئ مؤهلا علميا قادرا على التمييز.

فإن انتفى الشرطان أو أحدهما لم يجز الانتفاع؛ لأن جواز الانتفاع مشروط بألا تترتب عليه مفسدة راجحة، وأما قراءة العامي لكتاب فيه تحريف لصفات الله دون تمييز فمفسدتها راجحة على منفعتها اللغوية.

الحال الثانية: كتاب لا يعدو أن يكون تلخيصا أو منتخبات من كتب أخرى وليس فيه إضافة علمية تذكر، وإنما هو نقل عن كتب التفسير الكلامية كالنقل من تفسير الرازي والزمخشري والبيضاوي والطنطاوي ونحوها دون تمحيص عقدي، وقد يشتمل كذلك على نقول من تفاسير سنية..
فهذا لا داعي له أصلا؛ إذ في القديم والمعاصر السليم من الأخطاء العقدية غنية عنه.

ومن الأخطاء العقدية التي في كتب التفاسير الكلامية والتي لم تخل منها بعض المنتخبات والملخصات:

1-تفسير قوله تعالى: [الله يستهزئ بهم] وقوله تعالى: [ومكروا ومكر الله]
بالمشاكلة، أي فسروا الاستهزاء بالمستهزئ والمكر بالماكر بأنهما مجرد جزاء أو مجاز على طريقة المشاكلة اللفظية والازدواج، أي تسمية الشيء باسم غيره لمشاكلته له في اللفظ فقط، وليس حقيقة؛ اعتمادا على قرينة عقلية مبنية على تصورهم الفلسفي لمعنى هذه الألفاظ في حق المخلوق فقط، لا في حق الخالق، وهذا مبني على قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو قياس ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.

2-تفسير قوله تعالى: [ ثم استوى إلى السماء]
بتعلق إرادته سبحانه بخلق السموات، كما في تفسير الطنطاوي وغيره
وهو تأويل أشعري للاستواء بـالإرادة، مفاده صرف الاستواء عن معناه العلو والارتفاع إلى مجرد الإرادة، مع خلل عقدي خطير، وهو جعل إيجاد الشيء وخلقه متعلق بالإرادة فقط، وسيأتي توضيحه

3'تفسير المتشابه في قوله تعالى:[وأخر متشابهات] بالخفي الذي لم يتضح معناه، والتمثيل عليه بنصوص الصفات السمعية...

والخطأ الكلامي المرفوض: أن يجعل أصل المعنى نفسه من المتشابه الخفي.

4-نفي صفة الحياء في تفسير قوله تعالى[إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا بعوضة فما فوقها]
بناء على أن أصل الاستحياء في اللغة استقباح فعل الشيء لنقص فيه, وترتب عليه تأويله بأنه مجرد كناية عن عدم الامتناع عن ذكر المثل الذي يريده.

وهذا النفي مبني على مقدمات كلامية فاسدة:
الأولى: المعنى اللغوي للاستحياء حمل على الصورة المشاهدة المتحققة منه في المخلوق، ولم يُنظر إلى أصله الكلي الذي يشترك فيه أفراد المعنى مع اختلاف حقائقها، وهذه هي طريقة المتكلمين في المعاني اللغوية .
الثانية: إلزام الخالق بما يقتضيه المعنى المتحقق في المخلوق من خصائص ولوازم.
الثالثة: التأويل بناء على أصول كلامية.

ومن أخطر ما اشتملت علبه كتب التفاسير الكلامية وملخصاتها ومنتخباتها
قولهم في تفسير قوله تعالى: [وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون]
حيث جعلوا إيجاد الشيء لا يكون بقول الله تعالى له: «كن»، وإنما جعلوا الإيجاد حاصلا بمجرد تعلق الإرادة به، أو بتعلق الإرادة والقدرة به، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فيوجد من غير قول كن....فليس هناك صفة خلق قائمة بذات الله. ولا يثبتون قولا من الله تعالى متعلقا بالإيجاد، كقوله سبحانه: «كن».

فعندما ينتخب مثل هذا القول الفاسد الذي ينفي وجود قول من الله، ويجعل إيجاد المخلوقات هو مجرد تعلق إرادة وقدرة كما هو مذهب الأشاعرة
يتبين بذلك مدى خطورة هذه التفاسير التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.

كما اشتملت أيضا على خطأ عقدي متكرر وهو نفي تأثير الأسباب في مسبباتها، وأن المسبب يحصل عند السبب لا به.
ومن ذلك جعلهم السحر الحقيقي يخلق الله عنده الضر والنفع.

وهناك أخطاء كثيرة، هذا شيء يسير جدا منها.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار



الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

شبهات حول حديث الجساسة

 السلام عليكم أخانا الكريم، رفع الله قدرك ودرجتك في جناته

خرج قوم ينكرون صحة حديث تميم الداري والجساسة في صحيح الإمام مسلم، بحجة أن الحديث يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس في المسجد ليخبرهم بقصة تميم الداري، ثم لم يأت هذا الحديث إلا من طريق واحد، وهو طريق فاطمة بنت قيس.

والرد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: لابد أن نفرق بين التدوين وبين اشتهار الحديث واستفاضته عند جيل من الأجيال؛ إذ لا يلزم من اشتهاره واستفاضته وتواتر علم الناس به في جيل من الأجيال أن ينقل في الدواوين والكتب بتواتر أسانيده أو استفاضتها.

فقد كان الأئمة يحفظون آلاف الطرق، ولم ينقل لنا منها في المدوّنات إلا القليل، فكون الحديث يأتي من طريق واحد في التدوين لا يلزم منه ألا يكون مشتهرا في عصره.

وقد خلط المشككون في إيراد هذه الشبهة العليلة بين التحمل والتحديث، فسماع الحديث والاطلاع عليه هو ما شهده الجمع الكبير من الصحابة، لكن التصدي للتحديث به لم يكن من الصحابة جميعا، فلم يكونوا كلهم مشتغلين بالتحديث والرواية؛ فمنهم من اشتغل بالفتوحات، ومنهم من كان يتهيب باب الرواية والتحديث، ومنهم من اكتفى بتحديث غيره.

فباب التدوين أضيق من باب التحديث؛ إذ ليس كل ما حُدِّث به الجمع دُوِّن عن الجمع.
والله سبحانه تكفّل بحفظ دينه، ولم يقيد الحفظ بأن يصل إلى الأمة مدونا بطريق التواتر.

وهذا أشهر حديث "إنما الأعمال بالنيات" حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، ولم يدون إلا عن صحابي واحد هو عمر بن الخطاب، ولم يصح عن التابعين إلا من طريق علقمة، ولا عمن بعدهم إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عمن بعدهم إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري! ورغم هذا التفرد في طبقاته الأولى، تلقته الأمة بالقبول والتصديق وجعلته أصلا من أصول الدين.
وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة كانت أمام أكثر من مائة ألف، ومع ذلك لم يصلنا كثير من تفاصيلها إلا من طرق محدودة، ولم يقل أحد ببطلانها لذلك.

وإذا كان هذا موجودا في حياة الناس اليوم، إذ يشتهر خبر ما في بلد، ولا يصل إلى غيرهم إلا بطريق الآحاد، من غير أن يقدح ذلك في ثبوته ووقوعه، فالعادة لا تمنع نقل الواقعة المشتهرة إلى الأمة عن طريق الآحاد. فإذا كان هذا غير ممتنع عقلا ولا عادة، فكيف ينكر؟!

ولو كان ثبوت الخبر متوقفا على نقله متواترا إذا أُلقي في جمع كبير، للزم رد كل خبر كان كذلك، لكنه لم يرد.

والمعهود في طبائع البشر أن يلقي الحاكم خطابا أمام الآلاف، ثم لا ينقله للأجيال موثقا إلا صحفي واحد، ويقبل من غير ان يطعن فيه.

الوجه الثاني: الحديث لم تنفرد به فاطمة بنت قيس، بل جاء أيضا عن أبي هريرة وعائشة وجابر وتميم، قال الحافظ ابن حجر: (وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر)
وكون البخاري لم يخرجه قي صحيحه لا يدل على عدم ثبوته؛ لأن البخاري لم يتعهد بإخراج كل ما كان صحيحا، ويكفي أن مسلما أخرجه في الصحيح ...

​وأما عن وجود الدجال وكونه حيا إلى أن يأذن الله له بالخروج وهو في جزيرة، فهذا مما خرج عن العادة الجارية، وهو آية من آيات الله سبحانه؛ فلا تورد هنا أسئلة الاستبعاد العادي نحو: كيف يكون حيا؟ وكيف يأكل؟ وكيف لم تكتشف الجزيرة التي يعيش فيها؟ فهذه الأسئلة لا مدخل لها ههنا؛ لأن وجوده وحياته وخروجه في آخر الزمان حالة خاصة خارقة للمعتاد، متعلقة بقدرة الله تعالى وحكمته وإرادته.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار