الأربعاء، 15 يوليو 2026

#نظام_الطيبات من منظور شرعي

 #نظام_الطيبات من منظور شرعي 

[تنبيه: أنا لا آكل الدجاج وبعض الاطعمة، وتركي لأكل بعض الأطعمة إنما هو لثبوت ضرر معين يتعلق بطريقة إنتاجه أو حقنه بمواد ثبت ضررها طبيًا، لا لأن جنس الدجاج محرم، ولا لأنه يقتات على القاذورات، فالفرق كبير بين اجتناب صورة ثبت ضررها وبين تحريم جنس الطعام الذي أحله الله 

يقول د. ضياء في مقطع مرئي:( ما فيش احد يأكل دجاج ولا يخاف من الظلمة، ولا تأتيه كوابيس)

ويقول:( أعجب ممن يأكل البيض المسلوق وينام ولا يموت) ] 


مقدمة 

الأصل المقرر عند الفقهاء أن جميع الأطعمة والأشربة مباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ولا يخرج شيء من هذا الأصل إلا بأحد أمرين: دليل شرعي خاص، أو ضرر معتبر تثبته وسائل الإثبات العلمية المعتبرة. 

وقبل بيان الاشكالات لابد من تعريف موجز بالنظام 

نظام الطيبات نظام غذائي وضعه الدكتور ضياء العوضي، يقوم على تقسيم الأطعمة إلى أطعمة مسموحة وأخرى ممنوعة. ويمنع النظام - على وجه العموم - أصنافًا كثيرة من الأغذية، من أبرزها: جميع أنواع الدواجن، والبيض، والألبان ومشتقاتها، والبقوليات كالعدس والحمص والفول، وعددًا من الخضروات النيئة كالخس والجرجير والجزر والخيار، وبعض الفواكه كالبرتقال والليمون، كما يدعو إلى اجتناب كثير من الأدوية الكيميائية، ومنها المضادات الحيوية، وأدوية الضغط والسكري، مكتفيًا بعبارة "استشر طبيبك". 


وعلى هذا النظام ملاحظتان جوهريتان: الأولى عقدية، والثانية فقهية. 

أولًا: إشكال عقدي في باب الأسباب 

لا يُقصد هنا الحكم على الأشخاص، وإنما بيان ما قد يشتمل عليه البناء النظري للنظام من إشكال يتعلق بباب الاعتقاد. 

يقوم النظام على تصورات قريبة من بعض مدارس الطب الطبيعي والفلسفات الحيوية، التي تبالغ في إبراز قدرة الجسم على استعادة توازنه والشفاء الذاتي بمجرد إزالة السموم والعوائق، مع التقليل من شأن الأسباب العلاجية الخارجية.

ومن هذه الجهة فإن النظام لا يمثل طرحًا جديدًا بقدر ما يعيد إنتاج كثير من الأفكار التي اشتهرت بها مدارس الطب الطبيعي والفلسفة الحيوية، وينص النظام على أن الجسم يصنع جميع احتياجاته بنفسه ولا يحتاج إلى مدخلات معقدة، بل يصرّح بأن الجسم هو السيد. 

ولا إشكال في أصل اعتقاد أن الله تعالى أودع في جسم الإنسان آليات عظيمة للشفاء؛ كالتئام الجروح، وعمل الجهاز المناعي؛ فهذا من سنن الله في خلقه، وإنما محل الإشكال في تصوير هذه الآليات تصويرًا يوهم استقلالها وكفايتها عن بقية الأسباب التي جعلها الله جزءًا من نظام الكون. 

فمن المقرر عند أهل السنة والجماعة أن الأسباب لا تستقل بإيجاد مسبباتها، وإنما تعمل بإذن الله، ومع اجتماع ما جعله الله من الأسباب الأخرى. 

وهذه سنة مطردة في جميع الموجودات؛ فالزرع لا ينبت بمجرد البذر، ولا بالماء وحده، ولا بالشمس وحدها، وإنما يحصل باجتماع أسباب متعددة ربط الله بعضها ببعض. 

وكذلك صحة الإنسان لا تقوم على آلية واحدة، بل على منظومة متكاملة تشمل: سلامة البنية الداخلية، والغذاء المناسب، والبيئة الصحية، والدواء عند الحاجة، وسائر ما أجرى الله العادة بترتب الصحة عليه. 

فحين يُصوَّر النظام الجسم بأنه سبب تام مكتفٍ بنفسه كما في عبارة "الجسم يصنع كل ما يحتاج إليه بنفسه ولا يحتاج إلى مدخلات خارجية" على إطلاقها، بينما هو في حقيقته جزء سبب يحتاج لانضمام أسباب أخرى إليه لينتج الأثر المقصود، فهذا خلل في تصور آلية الأسباب ذاتها التي أقرّها الشرع، لا مجرد خطأ تقديري في مقدار النافع والضار. 

وهو إخلال بدقيقة من دقائق التوحيد في باب الأسباب: أن يُنسب للسبب المخلوق من الاستقلال والكفاية ما لا يليق إلا بمن جعل الأسباب مترابطة بحكمته، فعبارات مثل "الجسم هو السيد" أو "الجسم يصنع كل شيء بنفسه" تدل - وإن لم يقصد قائلها هذا اللازم - على استقلال الجسم بما جعله الله قائمًا على تكامل الأسباب لا على انفراد سبب واحد بها.

والاخطر أن النظام يقترب من الاعتماد على الجسم كأنه بديل شامل، مع إهمال أن الله جعل الأسباب الطبية بما فيها الأدوية المكتشفة جزءًا من سننه أيضًا. 

ثانيًا: إشكال فقهي من جهتين: 

١- من جهة المنع العام من بعض الأطعمة المباحة 

المنع العام لجنس الدجاج، أو البيض، أو اللبن، أو البقول، لمجرد القول بأنها ليست نافعة في ذاتها للإنسان، أو أنها ليست الغذاء الأمثل، أو لاستقذارها= لا يكفي شرعًا لنقلها من أصل الإباحة إلى المنع.

أما إذا ثبت وفق الدراسات العلمية الرصينة أن صورة معينة من هذه الأطعمة يغلب فيها الضرر، كإكثار استخدام الهرمونات أو المضادات الحيوية، فإن المنع حينئذ يتعلق بهذه الصورة لا بجنس الطعام، وتكون العلة هي الضرر العارض، لا ذات الطعام. 

ولهذا لو ثبت أن محصولًا معينًا من الطماطم في بلد ما ملوث بنسبة عالية من المبيدات، فإن المنع يتعلق بذلك المنتج، ولا يقال بتحريم الطماطم في نفسها؛ وهذا هو الميزان الموافق للقواعد الأصولية، إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. 


٢- من جهة ترك التداوي 

الأصل أن التداوي مباح عند جمهور العلماء، بل مستحب عند كثير منهم؛ فقد نقل ابن عبد البر قول الجمهور على إباحته، وقرر ابن تيمية أن التداوي بالحلال لا يجب في الأصل عند أكثر أهل العلم. 

لكن هذا الأصل لا يشمل الحالتين اللتين اشتمل عليهما نظام الطيبات: 

الأولى: أن يترك الإنسان التداوي بناءً على اعتقاد أن الجسم يغني بنفسه عن جميع الأسباب العلاجية الخارجية، وهذه ليست مجرد مسألة فقهية، بل ثمرة للخلل العقدي في تصور الأسباب الذي سبق بيانه. 

والثانية: أن يقطع المريض دواءً ثبتت حاجته إليه واستقرت منفعته، كإيقاف الأنسولين لمريض السكري من النوع الأول، أو ترك أدوية الضغط لمن يعتمد عليها في منع المضاعفات، فهذه ليست من باب ترك التداوي ابتداء، وإنما هي من باب إزالة سبب قائم يغلب على الظن توقف السلامة عليه، ولذا نص كثير من الفقهاء على أن التداوي قد يجب إذا غلب على الظن حصول الهلاك بتركه، قياسًا على استعمال الترياق المعلوم النفع لدفع خطر السم القاتل، مع الفارق بين فورية خطر السم وتراكمية خطر الأمراض المزمنة، وهو فارق لا يمنع أصل القياس في وجوب دفع الهلاك المتيقن أو الراجح، وإن تفاوتت درجة الاستعجال فيه. 

ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». 

فالكلام هنا ليس عن مجرد ترك دواء مباح، بل عن تعريض النفس أو الغير لضرر غالب أو متحقق بإزالة سبب ثبتت منفعته. 

يقول د. ضياء في مقطع مرىي:( ما فيش دواء سيولة. لا أحد يأخذ دواء سيولة)

ويقول:( ما فيش دواء على وجه الأرض مفيد)

ثالثا: من الإشكالات الطبية

هناك تناقض داخلي في النظام مؤثر على صحة الإنسان

حيث إنه يحرم أطعمة طبيعية مثبت نفعها علميًا (خضروات ورقية، بقوليات، بيض، ألبان)، بينما يسمح في بعض السياقات بنكهات صناعية أو منتجات تحتوي على سكر مضاف (نوتيلا، عصائر محلاة)، وهذا التناقض يُضعف الادعاء بأن الحكم مبني على الضرر، ويجعله اجتهادًا شخصيًا غير منضبط. 

وكذلك تقييده شرب الماء عند العطش فقط وهذا قد يؤدي إلى خطر الجفاف، لاسيما مع الصيام المتكرر أو في الطقس الحار.

وكذلك منع الخضروات الورقية، البقوليات وهذا قد يؤدي إلى نقص حاد محتمل في: الألياف الغذائية والبروتين إلى غير ذلك 


وأخيرا أقول: 


يقوم الميزان الشرعي في هذه المسألة على أصلين متلازمين: التفريق بين الجنس والصورة في باب الأطعمة، فلا يُحرَّم جنس بعارض صورة؛ والتفريق بين الأسباب المفردة والأسباب المركّبة في باب الاعتقاد، فلا يُنسب لسبب واحد ما لا يكون إلا باجتماع أسباب. 

ونظام الطيبات، حين أخلّ بالأصل الثاني، انتهى عمليًا إلى الإخلال بالأصل الأول أيضًا: فمن اعتقد أن الجسم يكفي نفسه، لزمه أن يستغني عن الغذاء المتنوع والدواء معًا، ولو لم يقصد هذا اللازم ابتداءً. والله أعلم. 


بقي سؤال: هل من الممكن أن أستفيد من بعض ما في نظام الطيبات؟

الجواب: نعم، مما ثبت نفعه للإنسان عبر دراسات معتبرة وتحت إشراف طبيب لمن يعاني من مرض مزمن..

مع الابتعاد عن فلسفة النظام وأن الجسم هو السيد...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار



السبت، 11 يوليو 2026

مراجعة أصولية لمناط التفريق بين حضرة الحاكم وغيبته في مسألة الإنكار العلني

..مراجعة أصولية لمناط التفريق بين حضرة الحاكم وغيبته في مسألة الإنكار العلني 


يتفق الجميع على وجوب إنكار الظلم والمنكر، وحرمة السكوت عنه، سواء صدر من الحاكم أم من غيره، كما يتفق السلفيون على وجوب المحافظة على أصل السمع والطاعة، وحرمة كل ما يفضي إلى إضعافه أو إثارة الفتنة والفوضى العامة.

وإنما وقع الخلاف عموما في الوسيلة المشروعة للإنكار على الحاكم، وهل يُفرَّق فيها بين الإنكار في حضرته والإنكار عليه في غيبته؟ 


يتفق السلفيون على أن الإنكار العلني بالتسمية التي تتضمن طعنًا أو تفضي إليه لا تجوز، وليست من منهج السلف في شيء

ووقع خلاف من بعضهم -وهم قلة- في الانكار العلني بالتسمية التي ليس فيها طعن ولا تفضي إليه... 


وقد بينت الصواب في هذه المسألة، ومنشأ الغلط عند من جوزها كفتوى عامة وتقعيد عام.. 


والذي بُني عليه المنع من الإنكار العلني بالتسمية حال الغيبة أن المعنى المناسب هو الإفضاء إلى نقض أصل السمع والطاعة وإثارة الفوضى، لا مجرد الحضور أو الغياب بذاتيهما. 

فالحضور والغيبة ليسا مناطين مستقلين، وإنما يجتمع مع كل واحد منهما أوصاف أخرى؛ كون الإنكار علنيا، ومتضمنا للتسمية، وحال الغيبة أو الحضرة، فهذه الأوصاف مجتمعة هي التي تقوّي مظنة الإفضاء أو تضعفها. 


فما الوصف المؤثر الذي فرَّق به السلف بين ضورة الإنكار العني في حضرته والانكار العلني في غيبته؟ 


والجواب: أن الإنكار في حضرة الحاكم يكون خطابا موجها إليه في مجلس معلوم، له سياقه وأطرافه، بخلاف الإنكار في غيبته فإنه يكون خطابا موجها ابتداءً إلى العامة، ويُنقل غالبا مجردا عن سياقه الكامل، فتكون مظنة توظيفه في تأليب الناس على الحاكم وإضعاف أصل الطاعة أقوى وأغلب. 

ولذلك تختلف مخاطبة الحاكم مباشرة عن مخاطبة الجماهير بشأنه، وإن اتحد أصل الإنكار. 


ويؤيد هذا الفرق أن الشريعة ندبت إلى مواجهة السلطان بالحق في حضرته، كما في قوله صلى الله علبه وسلم:( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)

ومن حكمة أن هذا من أفضل الجهاد: ما اشتمل عليه من تعريض النفس للخطر في مواجهة السلطان مباشرة، وهذا المعنى إنما يتحقق في خطاب الحاكم في حضرته؛ إذ تكون المخاطرة راجعة إلى المتكلم نفسه، وليس محل المنع هنا مجرد ما يلحق المتكلم من الضرر، فإن احتمال الضرر الشخصي لا يمنع مشروعية كلمة الحق في مواضعها، وإنما محل المنع ما يغلب أن يفضي إلى ضرر عام يمس جماعة المسلمين أو أصل الطاعة الذي هو أثر توجيه الخطاب 


إلا أن هذا الأصل وهو كون خطر الحضرة فرديًا محصورًا إنما يصح في الصورة التي تبقى فيها مواجهة مباشرة بين المتكلم والحاكم، فأما إذا انقلب المجلس نفسه إلى جمع يتأثر بالخطاب ويتحرك به، فإن الخطر حينئذ يعود جماعيًا لا فرديًا، ويلتحق حكمه بحكم الخطاب الموجَّه للعامة، على ما سيأتي بيانه. 


وثبت أيضا عن السلف الإنكار على الولاة في حضرتهم عند الحاجة، ولم يُعرف عنهم اتخاذ الإنكار العلني عليهم بالتسمية في غيبتهم منهجًا عاما، وهذا يدل على أنهم اعتبروا فرقًا مؤثرًا بين الصورتين، وإن لم ينصوا عليه بلفظه. 


ومع ذلك-وافهم هذا التقرير السلفي- فإن القول بأن الحضرة مظنة لانحصار الخطاب وانتصار خطره على الفرد لا يعني أن ذلك وصف ثابت في جميع الأزمنة، بل هو حكم أغلبي نشأ عن طبيعة وسائل التواصل في عصر السلف؛ إذ كان مجلس الحضرة ينتهي غالبًا بانتهاء المجلس، ولا يتجاوز الحاضرين إلا في نطاق محدود. 


أما في عصرنا فقد يتحول الإنكار الواقع في حضرة الحاكم بسبب التصوير أو البث المباشر أو النشر المتعمد إلى خطاب جماهيري واسع، فتزول عنه خصوصية المجلس وخطورة على الفرد، ويلتحق حينئذ من جهة الأثر بحكم الخطاب الموجَّه إلى العامة. 


ولهذا احتيج في تنزيل الحكم على صور الإنكار العلني في الحضرة في زماننا إلى تحقيق المناط في كل واقعة بالنظر في قوة مظنة المصلحة أو المفسدة، لا بمجرد وصف الحضور الذي كان معتبرًا في زمن السلف من جهة ما اقترن به من الأحوال. 


ولا يقال: إذا كانت الحضرة قد أُعيد النظر في مظنتها بعد تغير الوسائل، فلماذا لا يعاد النظر كذلك في الغيبة؟ 


قيل: الأصل في البابين واحد، وهو أن الأحكام تدور مع مظانها الغالبة، لا مع تحقق المفسدة في كل صورة جزئية. 

إلا أن مظنة الإفضاء في الغيبة لا تزال أقوى وأغلب؛ لأن الخطاب فيها يوجَّه ابتداءً إلى الجمهور لا إلى الحاكم، وتبقى صورته الذهنية متوقفة على نقل الناقلين وفهم المتلقين، وهو ما يجعل احتمال استغلاله في تأليب العامة وإضعاف أصل الطاعة قائمًا على وجه الغلبة، وإن اختلفت الوسائل. 


أما الحضرة فإن خصوصية مجلسها كانت في الأزمنة السابقة تحد من انتشار الخطاب وآثاره، فلما زالت هذه الخصوصية في كثير من الصور المعاصرة، لم يعد مجرد حضور الحاكم كافيًا للحكم بالجواز، بل صار ذلك متوقفًا على النظر في تحقق المصلحة أو غلبة المفسدة في كل واقعة.


كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار


http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/07/blog-post_11.html

الخميس، 9 يوليو 2026

هل توافق الشيخ #فركوس في مسألة #الإنكار_العلني_على_الحاكم حال غيبته؟

 ...سألني أحد الإخوة: هل توافق الشيخ #فركوس في مسألة #الإنكار_العلني_على_الحاكم حال غيبته؟ 


والجواب: 


سبق أن قررنا أن محل المنع المطلق في هذه المسألة هو تسمية الحاكم والطعن فيه علنًا حال غيبته، فهذا هو مناط النزاع الذي تدور عليه عامة النصوص والآثار. 


ووجه المنع أن تسمية الحاكم مع توجيه الخطاب إليه في غيبته والطعن فيه هي في الغالب وسيلة مفضية إلى مفاسد راجحة، من أعظمها إضعاف أصل السمع والطاعة، وإثارة العامة، وفتح أبواب التهييج والفوضى، وما يترتب على ذلك من اضطراب الجماعة واختلال نظامها، وهي مقاصد جاءت الشريعة بحفظها. 


كما أن أكثر صور الإنكار العلني المعاصرة لا تنفك عن نوع من الطعن، صريحًا كان أو ضمنيا 


لكن يبقى سؤال آخر: 


ما حكم مجرد الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم المجردة عن الطعن حال غيبته؟ 


الذي يظهر لي أن هذه الصورة أخف من الصورة الأولى بلا ريب، وهذه الصورة - فيما أفهم - هي التي يجوّزها الشيخ فركوس ومن وافقه، تقريرهم أصل السمع والطاعة، وتحريم الخروج بإطلاق، واعتبارهم بقاعدة سد الذرائع. 


ومن هنا يتبين أن محل الخلاف ليس في منع الإنكار العلني حال الغيبية المفضي إلى الطعن. 


إلا أن الأقرب عندي - من جهة تقرير الحكم العام - هو بقاء المنع في صورة الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم المجردة حال غيبته كحكم عام؛ لأن الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم حال غيبته هو الوصف الظاهر الذي يجتمع تحته المفضي إلى الطعن وغيره، ويتعذر ضبط الفارق بينهما، فلذلك أُلحق الجنس كله بالأصل في مقام التقعيد العام 


ووجه هذا الإلحاق أن النصوص إنما راعت أصل حفظ الجماعة ومنع أسباب الفتنة، وهذا هو المعنى المناسب الذي دل استقراء الشريعة على اعتباره، وهو مناسب ملائم لتصرفات الشارع في هذا الباب، إلا أن تحقق هذا المعنى في الوقائع الجزئية أمر يتعذر ضبطه قبل وقوعه من جهتين: 


الجهة الأولى: تعذر معرفة تحقق المعنى المناسب في نفس المتكلم الواحد؛ فقد يظن المتكلم أن كلامه مجرد من الطعن وليس كذلك. 


الجهة الثانية: تعذر تمييز صورة التسمية المجردة عن الإفضاء إلى إثارة الفتنة عن صورة التسمية المقترنة بالطعن الضمني. 


ولما تعذّر ضبطه واقعًا وتمييزه عمليًا علق الحكم في مقام التقعيد العام على أقرب وصف ظاهر يمكن ضبطه، وهو التسمية في مقام الإنكار العلني حال الغيبة.


فالمقصد الشرعي: حفظ الجماعة ومنع الفتنة، 

والمعنى المناسب: ما يفضي إلى إضعاف السمع والطاعة وإثارة الفتنة، 

وسبب تعليق الحكم بالتسمية في مقام التقعيد: تعذر ضبط تحقق تلك العلة الحقيقية في الوقائع الجزئية، فعلق الحكم بالوصف الظاهر المنضبط. 


وهذا الوجه من الإلحاق عند تعذر الضبط ليس مجرد اعتبار مصلحي عام، وإنما هو تطبيق لقاعدة أصولية مقررة حكى الآمدي في الإحكام الإجماع على أصل تعليق الأحكام بالأوصاف الظاهرة عند خفاء المعاني المناسبة أو تعذر ضبطها. 


ونظير ذلك من وجه تحريم الخلوة بالأجنبية..


فلو سأل سائل: ما حكم الخلوة بأجنبية لو فُرض جدلًا أنها خلت من كل إفضاء إلى محرم؟

 

فالجواب: المنع أيضًا؛ لأمرين: أحدهما أن هذا الفرض لا يملك أحد أن يجزم بتحققه في نفسه فضلًا عن غيره، فيبقى مجرد افتراض ذهني لا واقعة يُبنى عليها حكم؛ والآخر أنه لو سُلِّم تحققه في نفس الأمر لتعذر إثباته وتمييزه عن غيره في مقام لا يُطَّلع فيه على البواطن. 


ومناط الإلحاق في مسألة تسمية الحاكم، على التحقيق، هو اجتماع الجهتين: تعذر معرفة انتفاء العلة في نفس المتكلم، وتعذر تمييز صورة كلامه عن الصورة الممنوعة في الخطاب الموجَّه للعموم. وهذا وجه من وجوه سد الذرائع ...


فالتسمية المجردة عن الطعن، وإن لم تدخل في مدلول النصوص الصريح، فإنها ملحقة بحكم الأصل الكلي عن طريق قاعدة سد الذرائع؛ لتعذر ضبط تحقق العلة الحقيقية فيها من الجهتين المتقدمتين معًا. 


وبناءً عليه، فإن الحكم العام لتسمية الحاكم في الإنكار هو المنع، ويبقى هو الأصل المقرَّر إجمالًا والمفتى به الموجَّه للعموم؛ لأن الحكم - كما تقدم - معلَّق بالسبب الظاهر . 


ومع ذلك فالصورة المجردة من الطعن أخف حكمًا من الصورة المقترنة بالطعن؛ لأن إفضاءها إلى المفسدة المنصوص عليها أقل من إفضاء الإنكار بالتسمية مع الطعن.


وغاية ما استدل به الشيخ فركوس ومن وافقه هو عدد محدود من الوقائع التي وقع فيها ذكر اسم الوالي دون قصد للطعن أو التحريض، 


وهذه الوقائع أكثرها ليس من باب الإنكار على الحاكم أصلاً، بل من باب الفتوى وبيان الاجتهاد الفقهي

وأما ما يُسلَّم فيه بانتفاء الطعن مع الاعتراض على تصرف الحاكم بعينه فيبقى الخلاف مع الشيخ فيه قائمًا في أثر هذا التحقق العيني على الحكم العام: هل يصح البناء على وقائع فردية - وإن سُلِّم بتحقق مناطها فيها - لتقرير حكم عام يُفتى به للناس كافة؟ 


والأقرب أنه لا يصح؛ لأن تحقق المناط في عين واحدة معلومة الملابسات لا يستلزم إمكان ضبط هذا التحقق في مقام التقعيد العام الذي لا يملك فيه المفتي معرفة ملابسات كل متكلم وقرائن حاله. 


وعليه؛ فإن هذه الوقائع - على فرض صحة الاستدلال بها - غايتها أن تكون مستثناة من الأصل في حدودها، ولا يجوز أن تتحول إلى أصل يقاس عليه، وإلا انقلب الاستثناء أصلًا، والأصل استثناء، وهو قلب لمقتضى الاستدلال. 


ولو كانت التسمية العلنية المجردة هي الهدي الغالب عند السلف، لما احتاج الباحث إلى تتبع أفرادها من بطون الكتب، ولظهرت ظهورًا يغني عن هذا الاستقراء؛ فلما لم يوجد إلا عدد محدود من الوقائع، مع إمكان المنازعة في دخول أكثرها في محل النزاع أصلًا، كان ذلك مؤيدًا للأصل العام، لا ناقضًا له. 


مناقشة الآثار المستدل بها 


بعد التأمل يظهر أن الآثار التي استدل بها الشيخ فركوس وأمثاله في خصوص التسمية تنقسم إلى قسمين: 


القسم الأول: آثار لا يتحقق فيها مناط النزاع أصلًا

أولًا: أثر أبي سعيد الخدري مع معاوية رضي الله عنهما في زكاة الفطر، إذ لما قال معاوية: "إني أرى أن مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر"، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: "فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، أبدًا ما عشت". 

فهذا ليس إنكارًا على السلطان في منكر، وإنما هو إظهار لاجتهاد فقهي في مسألة خلافية، فلا يصح جعله أصلًا في باب الإنكار العلني على الحاكم. 


ثانيًا: موقف ابن عمر رضي الله عنهما من أمر خالد بن الوليد بقتل الأسرى الذين قالوا "صبأنا" ولم يقولوا "أسلمنا"، إذ أقسم ابن عمر ألا يقتل أسيره ولا يقتله أحد من أصحابه. 

فهذا امتناع عن تنفيذ أمر رآه مخالفًا للشرع من أمير الجيش وليس من الحاكم، وليس فيه خطاب جماهيري تحريضي يُقصد به الإنكار العلني على الحاكم. 


ثالثًا: إنكار ابن مسعود على عثمان رضي الله عنهما في إتمام الصلاة بمنى، إذ صلى معه أربعًا وقال: "الخلاف شر"، فدل على أن مقصوده بيان السنة لا إثارة الناس على الإمام. كما أن صدور التسمية لم تكن من ابن مسعود، ولا كانت خطابًا عامًا في غيبة الإمام. 


رابعًا: إنكار علي رضي الله عنه على عثمان في مسألة التمتع بالحج والعمرة، بقوله: "ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد"، وهو تمسك بما يراه سنة ثابتة في مسألة اجتهادية، لا خطاب جماهيري هادف إلى إسقاط هيبة الإمام. 


خامسًا: تعليق ابن عباس رضي الله عنهما على تحريق علي للمرتدين، وقول علي بعدها: "صدق ابن عباس"، وهو بيان اجتهاد فقهي بعد وقوع الحادثة، لا دعوة عامة ولا تحريض على الإمام. 


القسم الثاني: أثر داخل في محل النزاع، لكنه قاصر عن التعميم 


وأعني قصة عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر مع مروان ومعاوية، فهي أقوى ما يُستدل به في الباب. 

فهذا الأثر - على فرض صحة الاستدلال به - غايته أن يدل على جواز أصل التسمية في عين واقعته، لا أن يُنشئ قاعدة عامة مطردة؛ إذ لم يقترن به ما يدل على إرادة التشريع العام، ولا وُجد ما يمنع حمله على خصوص حاله كما هو الشأن في نظائره من أفعال الصحابة العينية. 

 

وحتى مع التسليم جدلا بأن هذه الآثار تدل على جواز التسمية المجردة في أعيان وقائعها، فإن الموازنة المقاصدية - في مقام التقعيد العام- تقتضي تقديم درء المفسدة الراجحة على جلب تلك المصلحة الجزئية. 


 كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

نقول لمن يتهمنا بالإرجاء في تحرير الفعل التعبدي عند الاشتباه

 نقول لمن يتهمنا بالإرجاء:

محل البحث في المنشورات السابقة هو تمييز الفعل العبادي عن مجرد صورته الظاهرة عند الاشتباه، لا نفي كون أعمال الجوارح عبادة، ولا إرجاع العبادة إلى مجرد أعمال القلوب.

فعندما يقول الأشعري: إن صورة سجود الملائكة لآدم هي نفس صورة سجود الرجل لله، وهي نفس صورة السجود عند القبور؛ فكيف تكون الصورة واحدة، ثم يكون بعضها جائزًا في شريعة، وبعضها عبادةً، وصرفها لغير الله شركًا في شريعة أخرى؟

فهذه هي الشبهة التي تعلّق بها الأشاعرة والمتصوفة، ومن تأثر بهم، في نفي وصف الفعل الظاهر بالعبادة، إلا إذا انضم إليه اعتقاد مخصوص في القلب.

ومن هنا جاء التفريق الذي قررناه في المنشورات السابقة؛ لضبط هذا الباب، وقطع الطريق على هذه الشبهة. فالفارق بين الصورتين ليس نية باطنة نفتش عنها، ونشترط التصريح بها للمناط العبادي، وإنما قرينة ظاهرة مقترنة بالفعل، تصرفه إلى معنى دون آخر

فليس كل صورة دعاء، أو سجود، أو ذبح، تكون بمجرد صورتها عبادة شرعية؛ إذ النصوص نفسها دلت على وجود صور تتحد في الظاهر، وتختلف في الحكم باختلاف متعلقها وسياقها.

فالملائكة سجدوا لآدم، وإخوة يوسف سجدوا له، ولم يكن ذلك عبادة له، مع اتحاد الصورة الظاهرة. فدل ذلك على أن مجرد الصورة لا يكفي في جميع المواضع لإثبات حقيقة العبادة.

ومع ذلك، فلم نُرجع العبادة إلى أمور قلبية محضة، ولم نجعل القصد الباطن منشئًا للعبادة، ولا شرطًا في تحققها كما يقول المرجئة، وإنما جعلنا القرينة الظاهرة الملازمة للفعل هي التي تحدد نوعه عند احتمال الصورة لأكثر من معنى، وتكشف عن الجهة التي وقع عليها الفعل.

فنحن لا نعلّق الحكم على أمر خفي في القلب، وإنما على وصف ظاهر يلابس الفعل نفسه.

فسجود الملائكة وإخوة يوسف لم ننف عنه وصف العبادة لعلمنا بما في القلوب، وإنما نفيناه للقرينة الظاهرة التي بينت أنه سجد على جهة التحية والتكريم، لا على جهة التعبد.

وللأسف، ظن بعض من اتهمنا بالإرجاء أننا نشترط أمرًا باطنًا خفيًا حتى نحكم على الفعل بأنه عبادة، بينما الذي نجعله مناط التمييز هو القرينة الظاهرة الملازمة للفعل، وهي أمر يُدرك بالمشاهدة والاستقراء، لا بالتنقيب في القلوب.

وانتبه أن الكلام عند الاشتباه؛ وأما السجود عند القبور في واقع المسلمين، فالأصل حمله على جهة التعبد والتقرب؛ لأن هذا هو الظاهر المتبادر من وقوعه في هذا الموطن، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بقرينة صارفة معتبرة، لا بمجرد احتمال عقلي بعيد.

وعلى هذا الأصل نفسه يُحمل الكلام في الدعاء والسجود جميعًا: فلم نجعل الدعاء من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين الدعاء اللغوي ودعاء العبادة، وهذا تفريق دل عليه استعمال الشرع نفسه؛ إذ استُعمل لفظ الدعاء في أكثر من معنى، فلا يصح إبطال هذا التفصيل لمجرد الاشتراك اللفظي.
وكذلك لم نجعل السجود من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين صوره بحسب القرائن التي صاحبتها، كما دلت عليه النصوص الشرعية المذكورة آنفًا.
د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 6 يوليو 2026

الخلط بين صور الإنكار العلني على الحاكم

أطلعني أحد الإخوة على مقال بعنوان: "كلمات كبار علماء الدعوة السلفية حول الإنكار العلني على الحاكم". وقد ختم كاتبه – هداني الله وإياه إلى تحقيق السنة واتباعها – بقوله: "أما المنع المطلق من الإنكار العلني وفي كل الأحوال! فهو حصانة سلطانية غير شرعية." 


وهذه دعوى خطيرة، ولا أدري عمَّن يتحدث؛ إذ لا أعلم أحدًا من أهل العلم يمنع الإنكار العلني مطلقًا وفي جميع الأحوال، بل الذي قرره أهل العلم هو مشروعية صور متعددة من الإنكار، منها: الإنكار سرًّا، والإنكار أمام الحاكم، والإنكار على فعله في حضوره، والإنكار على المنكر في غيبته من غير تعيين فاعله. 


وإنما منعوا صورة واحدة بعينها، وهي: تسمية الحاكم بشخصه والطعن فيه علنًا في غيبته. 

وهذه الصورة جاءت الشريعة بمنعها، لا لأنها علة تامة مستقلة تستلزم المفسدة في كل فرد من أفرادها، بل لأنها سبب مهيئ إلى مفاسد راجحة، ومن أعظم تلك المفاسد إضعاف أصل السمع والطاعة، 

ولما كان الإفضاء في هذه الصورة غالبًا سدت الشريعة هذا الباب اعتبارًا بالغالب، ولم تلتفت إلى الصور النادرة؛ إذ لو رُوعي النادر من الأحوال لتعذر ضبط الباب وانفتح لكل مدّعٍ مصلحة يتوهمها. 


وهذا الباب في أصله يرجع إلى أصل قطعي عند أهل السنة، وهو لزوم السمع والطاعة، وترك الخروج على الأئمة؛ 

لكن ينبغي التنبه إلى أن منع هذه الصورة بعينها ليس هو ذلك الأصل القطعي بذاته، وإنما هو تنزيل له عبر قاعدة منع الشريعة لما يفضي غالبا: 

فهذه الصورة ذريعة ظاهرة وقوية إلى إثارة الفتنة، وإضعاف هيبة الولاية، ونشر الطعن والتباغض بين الناس، مما يفتح باب الإخلال بذلك الأصل غالبًا. 


وليس المقصود أن كل طعن علني حال غيبته يستلزم خروجًا مسلحًا، وإنما المقصود أنه سبب مهيئ لذلك عند اجتماع بقية أسبابه.. 


ومن ثم فإن تصوير هذا القول على أنه منع مطلق للإنكار في جميع الأحوال هو تشويه لمحل النزاع، فكيف إذا بُني عليه وصف المخالفين بأنهم يمنحون الحاكم "حصانة سلطانية"؟!

لا شك أنه بغي وتعد من غير تحرير ولا تحقيق علمي!! وأقرب لمغالطة استدرار العاطفة 


ومن الدعاوى التي تحتاج إلى تحقيق قوله في المقال: "تجويز كثير من السلف للإنكار العلني على الحاكم لا يعني جواز الخروج عليه بالسلاح." 


وهذا النفي لا يُستغرب ممن لم يميز بين العلة التامة المستقلة وبين السبب المهيئ . 

فلا أحد يدعي أن الإنكار العلني بمجرده علة تامة تستلزم وقوع الخروج المسلح وفي كل حال، إذ هذا باطل. 

وإنما الكلام في كونه سببًا يهيئ للخروج إذا انضمت إليه بقية أسبابه، ويعبر عنه العلماء بعبارات كنحو يفضي إلى... ويجر إلى... ويفتح الباب... ويكون ذريعة إلى... 


والأعجب أن الكاتب أورد كلام ثلاثة من أئمة العصر، ومع ذلك لم يأت بنص واحد صريح عن أحد منهم يجيز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته، أو نص على أن هذه الصورة يجوز استثناؤها إذا رجحت المصلحة، أو يقرر جوازها إذا لم يمكن إزالة المنكر إلا بها. 


أولًا: كلام الشيخ الألباني رحمه الله 


استدل بقوله: "إذا الحاكم خالف الشريعة علنًا؛ فالإنكار عليه علنًا لا مخالفة للشرع." 


وهذا نص مجمل، ولم يحرر فيه محل النزاع: هل المراد إنكار المنكر نفسه، او الإنكار على الحاكم علنا في حضوره أو المراد تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه؟ 

فأين النص الصريح الذي يقرر أن الشيخ يجيز تسمية الحاكم وذمه علنًا؟ لا يوجد. 


وأما استدلاله بكلام الشيخ في مسألة حرب الخليج، فالسياق إنما كان في مطالبة العلماء ببيان الحكم الشرعي وعدم الإفتاء بخلاف ما يعتقدونه مراعاةً لموقف الدولة على حسب ما يراه الشيخ في تلك النازلة

وهذا من باب بيان الحكم الشرعي في النوازل العامة، وليس فيه تسمية الحكام بأعيانهم ولا الطعن فيهم علنًا.


ثانيًا: كلام الشيخ ابن باز رحمه الله 


النص الذي نقله الكاتب عام، وهو قول الشيخ: "الأصل أن المنكر يتحرى ما هو الأصلح. إلخ" وهذا كلام في اختيار أسلوب الإنكار بحسب المصلحة، سواء كان سرًّا أو جهرًا، مع عموم الناس. 


أما كلامه الخاص بالحاكم فهو قوله: "فإذا كان جهره بالنصيحة في موضع يفوت الأمر فيه، مثل قصة أبي سعيد، والرجل الذي أنكر على مروان إخراج المنبر وتقديم الصلاة، فهذا لا بأس به." وهذا صريح في الإنكار على الحاكم أمام حضوره، وهو محل اتفاق، وليس فيه تصريح بجواز تسميته والطعن فيه علنًا في غيبته. 


بل قد سئل الشيخ ابن باز صراحة: هل من منهج السلف نقد الولاة من فوق المنابر؟ وما منهجهم في نصح الولاة؟ فأجاب: "ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير." 


ثم قال: "أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل، فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، فذلك واجب لعموم الأدلة... ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها، لا حاكمًا ولا غير حاكم." 


فكيف يُترك هذا النص الصريح في محل النزاع، ثم يُستدل بكلام عام لا دلالة فيه عليه؟ 


ثم يزيد الكاتب من عنده جملة اعتراضية فيقول: "والشيخ ابن باز له فتاوى منشورة أنكر فيها على الولاة علانية وسمى بعضهم باسمه." 


وهذا الإطلاق غير دقيق؛ لأن ما استدل به في الجملة إما مراسلات خاصة بينه وبين أولئك الولاة نُشرت بعد ذلك، وإما كلام فيمن ثبت عند الشيخ كفره وانتفاء ولايته الشرعية، ونحو ذلك مما نرجعه إلى محكم قوله، فلا يصح الاحتجاج به في محل النزاع. 


ثالثًا: كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله 


استدل بقوله: "فإذا رأينا أن الإنكار علنًا يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علنًا." 


وهذا من أوضح أمثلة الخلط؛ فإن كلام الشيخ كله يدور حول الموازنة بين المصلحة والمفسدة في الإنكار على المنكر، وليس فيه تصريح بجواز تسمية الحاكم المسلم بعينه وذمه أو الطعن فيه علنًا في غيبته. 


بل إن الشيخ نفسه يقول في لقغء الباب المفتوح: "وهناك فرق بين كون الأمير حاضرًا أو غائبًا؛ فالفرق أنه إذا كان حاضرًا أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيبًا ونحن مخطئون، لكن إذا كان غائبًا وبدأنا نفصل الثوب عليه على ما نريد، فهذا هو الذي فيه الخطورة، والذي ورد عن السلف كله مقابلة الأمير أو الحاكم. ومعلوم أن الإنسان لو وقف يتكلم في واحد من الناس - فضلًا عن ولاة الأمور - في غيبته لقيل: هذه غيبة، إذا كان فيك خير فاذهب إليه وانصحه." 


وهذا نص ظاهر في التفريق بين الإنكار على الحاكم في حضوره وبين ذكره والطعن فيه في غيبته. 


فتبين أن جميع النقول التي استدل بها الكاتب خارجة عن الصورة لتي منعها السلف؛ لأنها تدور بين الإنكار على المنكر، أو الإنكار في حضور الحاكم، أو بيان الحكم الشرعي، ولا واحد منها نص في جواز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته. 


نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف، وأن يوفقنا لاتباع السنة، وأن يجنبنا الزلل في الفهم والاستدلال. 


كتبه ناصحًا

د. أحمد محمد الصادق النجار



الأحد، 5 يوليو 2026

هل كانت شفاعة الشفعاء عند المشركين شفاعة إلزام أو شفاعة رجاء محض؟

 هل كانت شفاعة الشفعاء عند المشركين شفاعة إلزام أو شفاعة رجاء محض؟ 

للإجابة عن هذا السؤال نسلك مسلك الاستقراء القطعي الذي يدفع كل شبهة، مع التنبيه إلى أن محل البحث هو تصور المشركين للشفاعة، لا حقيقة الشفاعة عند الله تعالى. 

أولًا: ثبت بالاستقراء القطعي أن مشركي العرب كانوا يقرّون بانفراد الله بالملك والتدبير والتصرف في الكون. وهذا الإقرار يستلزم -عقلًا وشرعًا- انتفاء تصور الإلزام في حق الله؛ إذ لا يُتصور إلزام من ثبت له الانفراد بالسلطان المطلق. 

ولو كانوا يعتقدون أن أحدًا يُلزم الله بشيء، لكان ذلك ناقضًا لإقرارهم الأول، والقرآن لا يحكي عنهم اجتماع هذين الاعتقادين المتناقضين في محل واحد. 

ثانيًا: لو كانوا يعتقدون أن آلهتهم تُلزم الله بالشفاعة، للزم من ذلك أن يثبتوا لها أحد أمرين: إما قدرة مستقلة تنازع سلطان الله، وإما استحقاقًا ذاتيًا يجعل لها حقًّا واجبًا على الله. 

إلا أن الاستقراء التام السابق يثبت أنهم لم يعتقدوا في آلهتهم شيئًا من ذلك، فينتج قطعًا أنهم لم يتصوروا الشفاعة على جهة الإلزام. 

ويتضح هذا أيضًا من زاوية أخرى: فلو كانوا يعتقدون في آلهتهم استقلالًا حقيقيًا، لكانت شفاعتها من جنس آخر تمامًا، وهي شفاعة الند المستقل الذي يتصرف بذاته، وليست شفاعة الوسيط الذي يُرجى قبوله عند الله، وبما أن هذا الاستقلال منفي كما تقرر، فلا يبقى إلا تصور قائم على الرجاء لا الإلزام. 

فالنتيجة أن اعتقاد مشركي العرب في شفعائهم كان من قبيل الرجاء المحض، لا من قبيل الإلزام. 


هل اعتقدوا أن الله محتاج إلى الشفعاء؟ 

والجواب من جهة التصريح والاعتقاد المباشر لم يكونوا يعتقدون حاجة الله إلى شفعائهم؛ إذ هذا يستلزم نقصًا في كمال الله لم يُنقل عنهم اعتقاده، وإنما صرحوا بضده حين أقروا بكمال قدرته وتدبيره، وهذا ثابت بالاستقراء القطعي..

إلا أنه ينبغي التفريق بين الاعتقاد الصريح واللازم العقلي؛ فإنهم وإن لم يصرحوا بحاجة الله إلى الشفعاء، فإن تصورهم للشفاعة كان مبنيًا على قياس علاقة الشفيع بالله على علاقة الوجيه بالملك في الدنيا، وهذا القياس يتضمن في لوازمه معنى لا يليق بالله، إذ يجعل قبول الشفاعة جارياً على سنن العلاقات البشرية، لا على مقتضى كمال الرب سبحانه. فالحاجة هنا ليست معتقدًا مصرحًا به، وإنما هي لازم فاسد لتلك البنية القياسية 

وهنا يأتي سؤال هل هذا الاعتقاد بالحاجة (اللازم الكامن) هو نفسه المناط المطلوب إثباته لإجراء حكم الشرك المخرج من الملة على المعيّن؟

بمعنى هل من طلب الشفاعة من ميت أو صنم لا يكون طلبه شركا إلا إذا صرح أنه يعتقد حاجة الله إلى الشفعاء؟

وااجواب: لا يُشترط إثبات هذا الاعتقاد المخصوص  عند المعيّن لإجراء الحكم عليه بالوقوع في الشرك، وإنما يكفي الفعل الظاهر نفسه كصرف كالدعاء أوالسجود لغير الله، وذلك لأن هذا الاعتقاد لازم لتفسير الفعل ووقوعه، لكنه ليس شرطًا للحكم بالشرك، فهو متعلق بالشرط الوجودي وليس متعلقا بالمناط الحكمي كما فصلناه في مقال سابق

فالحكم مُعلَّق على نفس الفعل الظاهر بصرف النظر عن مدى وعي الفاعل بتفاصيل هذا اللازم أو تصريحه به. 

وإذا تقرر أن الحكم لا يتوقف على هذا التصريح، فإننا نلحظ مع ذلك أن هذا اللازم نفسه (الحاجة) يزداد وضوحًا في العصر الحاضر من عدة وجوه: 

الوجه الأول: إذا كان مشركو العرب وقعوا في هذا التناقض من غير شعور وبلا تصريح، فإن بعض غلاة القبوريين المعاصرين يصرّحون بمعنى الحاجة صراحة، كقول بعضهم: "الله لا يُعطي إلا من طريقهم"، أو "أنهم باب لا يُرد"، وهذا تصريح بمضمون اللازم الذي كان كامنًا عند الأولين. 

الوجه الثاني: كما أن مشركي العرب لم يعبدوا أصنامهم على أساس أنها تُلزم الله أو تقهر إرادته، وإنما عبدوها رجاء أن تكون وسائط تقرّبهم إليه، كما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فكذلك عامة القبوريين المعاصرين؛ فإنهم حين يقفون عند القبور داعين أصحابها من دون الله لا يعتقدون أن الولي يُلزم الله بشيء، وإنما يرجون أن تكون له عند الله منزلة أو وجاهة يكون معها دعاؤهم أقرب إلى القبول. 

فالبنية العقدية المحركة في الفعلين واحدة؛ إذ تقوم على توهم وجود نسبة خاصة تجعل التوسل بهذا الوسيط أرجى للقبول من التوجه إلى الله مباشرة، مع الإقرار -إذا سُئلوا- بأن الله وحده صاحب المشيئة والقرار المطلق. 

الوجه الثالث: كما أن هُبل واللات ومناة لم تُعبد لخصوصية ذاتية في الحجر، وإنما لما نُسب إليها من ارتباط بأشخاص معظمين أو أرواح يُعتقد صلاحها، فكذلك القبور المعبودة اليوم لا تُقصد لذات القبر أو الجسد، وإنما لما يُنسب إلى صاحب القبر من الولاية أو الصلاح. 

فالعلة المحركة في الحالين واحدة، وهي الاعتقاد بوجود ارتباط خاص يجعل هذا الوسيط أقرب إلى الله، لا الاعتقاد بامتلاكه خصائص ذاتية مستقلة. 

للوجه الرابع: كما أن مشركي العرب أنكروا عن أنفسهم وصف الشرك يوم القيامة، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، لأنهم كانوا يحصرون معنى الشرك في إثبات شريك مستقل في الربوبية، وهو ما لم يكونوا يعتقدونه؛ فكذلك ينكر كثير من القبوريين المعاصرين وصف الشرك عن أنفسهم بالمنطق نفسه. 

وهذا كله يدل على تماثل أصل التصور الذي بُني عليه اتخاذ الوسائط في التقرب إلى الله قديما وحديثا. 


تنبيه أخير

ولا يعني أننا نكفر أعيانهم بإطلاق...فليس (كل) من وقع الشرك أصبح كافرا عينا 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مشارك بكلية علوم الشريعة

تخصص عقيدة



لماذا عبد مشركو العرب هبل واللات ومناة بعينها؟

 

تقدم معنا بالدليل القطعي أن المشركين لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالخلق والرزق والملك والتدبير, ولم يثبتوا لها  قدرة كونية عامة مستقلة, ولا قدرة جزئية غيبية مستقلة
كما تقدم أن مناط الحكم بالشرك: هو الفعل التعبدي كالسجود الموجه لغير الله.

فإن قيل: إن هذا التقرير لا يفسر سبب اختيار حجر بعينه دون غيره، فلماذا خُصَّ هذا الحجر، كهُبل أو اللات أو مناة، بالعبادة ؟

قيل: إن رجاء الزلفى باتخاذ الوسائط في العبادة أو طلب الشفاعة مباشرة من الميت
إنما هو أثر لمقدمة اعتقادية سابقة؛ إذ لا يقع تخصيص شيء بالتعظيم إلا لمرجح يقتضي هذا التخصيص, وقد أحال القرآن نفسه على أصل هذا التخصيص, فقال تعالى حاكيا عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23], فالأصنام التي جعلت على صورة ود وسواع ويغوث ويعوق, عبدت على أنها تماثيل رجال صالحين تحل أرواحهم فيها, أو ترتبط بها ارتباطا خاصا, ومن هنا نشأ رجاء الشفاعة.

فإن قيل: لا يُتصور رجاء الزلفى من حجر أو صالح إلا مع اعتقاد سابق فيه بنوع من التأثير، ولو لم يبلغ حد الاستقلال.

قيل: هذا مسلم, فإن رجاء الزلفى والشفاعة لا يتصور إلا مع اعتقاد خاص في ذلك الوسيط يقتضي تخصيصه إلا أن هذا الاعتقاد بهذا القدر جزء لا ينفك عن وجود الفعل نفسه في الخارج؛ إذ لا يتصور دعاء موجه إلى جماد أو ميت, إلا مع ظن نوع تأثير فيه غير مستقل عن الله، لكن يجب التمييز بين كون الاعتقاد شرطًا في وجود الفعل في الخارج، وكونه شرطًا لإجراء الحكم على الفاعل، ولا تلازم بين الأمرين...

وإذا تبين هذا ظهر وجه تقرير أهل السنة في هذه المسألة؛ فإن الذي عليه تحقيقهم أن الاعتقاد جزء لا ينفك عن وجود الفعل، إلا أن الحكم الشرعي بالشرك يكتفى فيه بالفعل التعبدي الظاهر؛ لأن الشارع علق الحكم على وجود هذا الفعل، كالسجود، وهو في نفسه مستلزم لكفر الباطن. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (14/ 120): ( وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن )

فالفعل التعبدي الظاهر، كالسجود لغير الله، هو نفسه مناط الحكم بالشرك شرعًا؛ إذ علق الشارع حكم الشرك على هذا الجنس من الأفعال، وجعله مناطًا ظاهرًا للحكم، فلا يفتقر في إجرائه إلى إقامة الدليل على الاعتقاد الباطن، وإن كان الفعل في نفسه لا يوجد إلا مستلزمًا له.

وعليه فالزلفى والشفاعة هما الدافع والباعث على الفعل, لكنهما قائمان على اعتقاد باطل في الوسيط جعله في نظرهم محلا للتقرب, ومع ذلك فإن القرآن نفسه مع وصفه آلهتهم بأنها لا تملك شيئا لم يعلق الحكم بالشرك على مجرد ذلك الاعتقاد, وإنما علقه على العبادة المصروفة إليهم.
وهذا تحقيق هذه المسألة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار