ملاحظات عقدية على تفسير بعض الآيات في كتاب المنتخب من صحيح التفسير
هذا البحث لا يقصد الحكم على مؤلف الكتاب ولا تصنيفه في فرقة أو مذهب، وإنما يدرس عبارات محددة ويقارنها بأصول أهل السنة في باب الصفات والكلام والقدر.
وقد سألني بعض المشايخ: هل توجد أخطاء عقدية في كتاب «المنتخب من صحيح التفسير»؟
فلم أجبه حينها بشيء يتعلق بالأخطاء العقدية، ثم بعد تصفح سريع لتفسير بعض الآيات العقدية في سورتي البقرة وآل عمران فقط، وقفت على مواضع يظهر فيها أن بعض التفسيرات قد اختير من تفاسير المتكلمين، ولا علاقة لها بتفاسير أهل السنة كتفسير الطبري وابن كثير وابن سعدي وأمثالهم
فأحببت أن أنبه من يريد قراءة الكتاب على هذه المواضع؛ نصحا لعامة الناس، ومن غير تعرض لشخص الكاتب ولا عقيدته، ولا يلزم من نقد هذه العبارات الطعن في المؤلف أو تصنيفه في أهل الكلام؛ إذ المقصود بيان ما يظهر من موافقة بعض العبارات لمناهج كلامية وأصولهم وتفسيراتهم.
وإليك بيان هذه المواضع:
■تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
قال الكاتب: (وسمي جزاء الاستهزاء، وهو إنزال الهوان والعذاب بالمنافقين، استهزاء من باب المشاكلة والازدواج في الكلام، باستعمال ما يماثل اللفظ السابق عندما يكون جزاء له وجوابا).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾: (والمكر إيصال الضر إلى الغير بوجه فيه خفاء، والله لا يحتاج في إيصال الضر لمن استحقه إلى شيء من هذا، فنسبته إلى الله إنما هو من باب المشاكلة والمقابلة بمكرهم).
●التعقيب:
حمل الاستهزاء والمكر على المشاكلة والمقابلة، بحيث يترتب عليهما نفي حقيقة المعنى الذي أخبر الله به عن نفسه
وطريقة أهل السنة أن هذه الصفات وردت مقيدة بمقابلة فعل المخلوقين، كقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، فتثبت حقيقة على وجه الجزاء العادل اللائق بالله، ولا يشتق منها له اسم، ولا تطلق عليه إطلاقا بلا تقييد.
وأما تفسير الكاتب المنتخب فمبني على تصور كلامي مفاده قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.
■تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
قال: (وأصل الاستحياء استقباح فعل الشيء لنقص فيه، وهو محال على الله تعالى، والمعنى: إن الله لا يمتنع عن ذكر المثل الذي يريده).
●التعقيب:
الملاحظة على هذا التفسير أنه جعل أصل معنى الاستحياء: ما يقع للمخلوق من استقباح لنقص فيه، وجعل ذلك مسوغا للتأويل، فوافق المتكلمين في حمل أصل معاني الألفاظ من جهة لغة العرب على الحقائق التي تختص بالمخلوق، لا على المعنى الكلي الذهني، ثم رتبوا على ذلك التأويل...
فوافقهم الكاتب لما فسر أصل الاستحياء بأنه استقباح فعل الشيء لنقص فيه، وهذا في حق المخلوق
ورتب عليه تأويله بأنه كناية عن عدم الامتناع من ذكر المثل.
قوله بعدم الامتناع مبني على مقدمة كلامية.
والصواب أن الحياء ثابت لله في النصوص على الوجه اللائق به، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله حيي ستير...» وهو حياء كامل لا نقص فيه،
ثم إن الآية نفسها وردت في سياق نفي، فيحسن التفريق بين الاستحياء المنفي هنا، والحياء المثبت في الحديث.
■تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾
قال: (تعلقت إرادته سبحانه بخلق السموات).
●التعقيب:
هذا التفسير لا يتضمن إثبات الاستواء الوارد في الآية على أنه فعل قائم بذات الله، فتفسيره بتعلق الإرادة نفي لكونه فعلا قائما بذات الله بمشيئه واختياره، وهو موافق لتأويل متأخري الأشاعرة للاستواء بالإرادة ومتعلقها، فيجعلون الاستواء نفسه معناه تعلق الإرادة بخلق السماوات
ثم التعبير بتعلق الإرادة اصطلاح كلامي، يفسر به حدوث الآثار وتخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ويلزم منه نفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله على الوجه الذي يثبته أهل السنة.
■تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ﴾
قال: (وخطاب الله للملائكة متقرر ثابت في علم الله تعالى أزلا، وتعلقت إرادة الله بتوجيهه إلى الملائكة عند خلق آدم، وهكذا يقال في كل أمر الله وقضائه، هو متقرر في علم الله في الأزل بأن يحصل في الوقت الذي أراده سبحانه أن يحصل).
●التعقيب:
ليس الإشكال في العبارة في كون الله كان عالما أزلا بأنه سيخاطب الملائكة.
وإنما الإشكال في جعل علم الله السابق بالقول أو إرادته السابقة لوقوعه، هو عين القول والخطاب الواقع.
فالمسألة ليست: هل كان الله عالما أزلا بأنه سيتكلم؟ وإنما المسألة: هل القول الذي أخبر الله عنه هنا قول حقيقي صدر منه حين شاء كما هو مذهب أهل السنة، أو أن الموجود حقيقة ليس إلا تعلق الإرادة القديمة بوقوع خطاب في ذلك الوقت، بينما الكلام نفسه لا يتعلق بالمشيئة والاختيار كما هو مذهب الأشاعرة؟
فكلام الكاتب يدل على أن الكلام نفسه ليس من الأفعال الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله، وإنما الموجود هو معنى أزلي واحد تتعلق الإرادة بتوجيهه إلى المخاطب في وقت معين.
■تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾
قال: (وعند أهل السنة: السحر له حقيقة، يخلق الله عنده من الضر والنفع أو غير ذلك من خوارق العادات ما شاء).
●التعقيب:
جعل الكاتب الضر والنفع يحصل عند وجود السحر، لا به، وهذه هي حقيقة مذهب الأشاعرة في نفي تأثير الأسباب في مسبباتها بإذن الله
كما أن الكاتب أثبت أن السحر من جنس خوارق العادات. وهذا يوهم أنه لا فرق بين ما يجري على أيدي السحرة وبين معجزات الأنبياء إلا في ادعاء النبوة والتحدي، وهذا هو مذهب الأشاعرة
■تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
قال: (إذا أراد إيجاد شيء فبمجرد إرادة إيجاده يكون موجودا... وإنما أمره سبحانه إذا أراد حصول شيء هو مجرد أن تتعلق به إرادته، فيحصل بلا توقف على شيء، فلا يحتاج سبحانه وتعالى حقيقة في إيجاد شيء إلى قول «كن»، وإنما هو تمثيل للتقريب في سرعة إيجاد ما يريد).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: (كان يقول الله له «كن فيكون»، أي بمجرد تعلق القدرة بخلقه دون توقف على شيء).
●التعقيب:
هذا من أظهر ما في الكتاب مخالفة لظاهر النص، فقد جعل الإيجاد لا يكون بقول الله تعالى للشيء «كن»، وإنما بمجرد تعلق الإرادة به، أو تعلق الإرادة والقدرة، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فوجد من غير قول. وعلى هذا القول لا يثبت قول من الله متعلق بالإيجاد كقوله سبحانه: «كن».
والآية صريحة في إثبات القول، فجعله تمثيلا مخالف لظاهرها ولإجماع السلف، وهو يرجع إلى أصل مسألة الكلام عند المتكلمين. ويتبين بذلك أثر الانتخاب من كتب المتكلمين التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.
■تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
قال: (والمتشابه في هذه الآية له معنيان: ... والمعنى الثاني للمتشابه في الآية هو الخفي الذي لم يتضح معناه، ويكد فيه الراسخون في العلم أذهانهم لبيان معانيه ورده إلى المحكم الواضح، كما في إثبات الصفات السمعية لله سبحانه على ما يليق به دون خوض في كيفيتها).
●التعقيب:
مثّل الكاتب للمتشابه الخفي الذي لم يتضح معناه بنصوص الصفات السمعية، وهذا جار على طريقة المتكلمين، وفيه إيهام أن معاني الصفات غير معلومة، والسلف فرقوا بين معنى الصفة، وهو معلوم، وكيفيتها، وهي المجهولة.
كتبه نصحا
د. أحمد محمد الصادق النجار
أستاذ مشارك بقسم أصول الدين