الاثنين، 27 أبريل 2026

هل المروءة والسمت العلمي للمنتسبين لعلوم الشريعة هو: في ترك ربطة العنق (الكرافته)؟

 

[الملخص: لا يليق بطالب العلم أن يلبس الكرفته؛ لأنها لا تليق بحملة الشريعة، ويصح الإنكار على من لبسها بالتوجيه والبيان]

يتساهل بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي في لبس ربطة العنق في المحافل العامة والمؤتمرات، بل تجاوز ذلك إلى مناقشات الرسائل العلمية وبحوث التخرج. وهذا يستدعي تحريرًا للمسألة وبيانًا ينضبط بالأصول والقواعد المحكمة في الشريعة..

ابتداءً: لا بد من تقرير أن لبس ربطة العنق في ذاته محل خلاف بين الفقهاء المعاصرين؛ فمنهم من منع نظرًا إلى أصل مخالفة الكفار قي لباسهم وما قد يُستصحب من دلالات تاريخية وعقدية لربطة العنق، ومنهم من جوّز باعتبار أنها صارت من اللباس العام الذي عمت به البلوى، ولم تعد شعارًا خاصًا
وقد قيل في أصلها أقوال متعددة؛ منها نسبتها إلى لباس الكروات في الحروب، ومنها ما يُذكر من ارتباطها برمز الصليب...

غير أن النظر المقاصدي لا يقف عند حدود الإباحة المجردة، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبار المقاصد الشرعية والمآلات...
ذلك أن الأحكام المتعلقة بهيئات أهل العلم يراعى في حكمها النظر إلى مقاصد الشريعة في التميّز والمخالفة وحفظ مقام العلماء وسمتهم؛ فالعالم ليس فردًا عاديًا في نظر العامة، بل هو قدوة وممثّل للشرع في ظاهره قبل باطنه.

ولذا نص الفقهاء على أن الفقيه تنخرم مروءته إذا لبس عمامة سوقي لا تليق به[انظر تحفة المحتاج شىح المنهاج لابن حجر الهيتمي]
وقال البرماوي في الفوائد السنية في بيان معنى المروءة:( توقي الإنسان ما لا يليق بحاله، ويختلف ذلك باختلاف الناس)

ولأهمية التحلي بالمروءة اشترط المحدثون في الراوي الذي تقبل رواية حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزهه عن كل ما يسقط المروءة ...

وذكر الفقهاء والأصوليون في شروط المفتي أن يكون متنزها عن مسقطات المروءة، وأن من لم يكن متنزها فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد، [انظر كلام ابن الصلاح في أدب المفتي ولمستفتي وغيره]
بل شدد الفقهاء فأسقطوا الثقة بقول من ارتكب ما لا يليق بمثله ونفوا قبول شهادته....
قال الغزالي:(فمن يرتكب ما لا يليق بأمثاله من المباحات...فتسقط الثقة بقوله ولا تقبل شهادته) العزيز شرح الوجيز للرافعي القوزيني

وعند تنزيل هذا الأصل على مسألتنا: فإن ربطة العنق – وإن لم تعد اليوم شعارًا دينيًا خاصًا – إلا أنها لم تجرِ عادة أهل العلم بلبسها، بل غلب اقترانها في الأذهان بالساسة والبرلمانيين ونحوهم ممن أفعالهم في الجملة لا تليق بأهل العلم...

وعليه؛ فكون ربطة العنق لم تعد شعارًا دينيًا خاصًا بالكفار يُخفف جانب المنع في حق عامة الناس، لكنه لا يُسقط الاعتبار بالكلية؛ لأن للهيئة الظاهرة أثرًا معتبرًا في إبراز التميّز وحفظ السمت.

ومن هنا يظهر أن محل الإشكال ليس في لبسها من عموم الناس على القول بالجواز، بل فيمن يلبسها ممن ينتسب إلى العلم الشرعي ويُعرف به؛ إذ ليس من اللائق بحملة الشريعة ودعاتها أن يتشبهوا في هيئاتهم بما لا ينسجم مع سمتهم العلمي، وليس المقصود بذلك تحريمًا لذاته، وإنما مراعاةٌ لجانب المروءة، وحفظٌ لهيبة العلم، وسدّ لما قد يُفضي إلى تمييع الفوارق الظاهرة بين أهل العلم وغيرهم.

وقد قرر الفقهاء أن من يُقتدى به عليه أن يراعي في هيئته ما يحفظ به قدر العلم في النفوس، وأن يترك ما يُنقصه في أعين الناس، ولو كان الفعل في ذاته مباحًا؛ لأن المروءة والسمت من المعاني المعتبرة شرعًا، لا سيما في حق من يتصدر للتعليم والدعوة.

كما أن تميز أهل العلم باللباس عن غيرهم أمر متقرر عند الفقهاء
فقد ذكر الخرشي في شرح مختصر خليل:(وقالوا: ينبغي للعالم أن يلبس ما يميزه عن غيره)

والحاصل أن ترك لبس ربطة العنق من أهل العلم في هذا السياق ليس من جهة تحريم لذات الفعل، وإنما من جهة تحقيق المروءة وحفظ مكانة العلم...وهو أصل معتبر عند السلف والأئمة...
ولذا صح الإنكار على من لبسها...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 22 أبريل 2026

هل هذه العبارة التي صدرت من بعض الإخوة وهي أن "تطبيق شرع الله من جميع الناس هو التوحيد ومناط كلمة لا إله إلا الله" عبارة صحيحة؟ وهل تنسجم مع أصول أهل السنة؟

 هل هذه العبارة التي صدرت من بعض الإخوة وهي أن "تطبيق شرع الله من جميع الناس هو التوحيد ومناط كلمة لا إله إلا الله" عبارة صحيحة؟ وهل تنسجم مع أصول أهل السنة؟

وجوابي:
أولا: هذه العبارة ليس فيها تفسير التوحيد بالحاكمية على الوجه الذي قرره المودودي وسيد قطب؛ لأن الأخ لم يقصر تطبيق الشريعة على الحكام والقضاة وإنما عممه على جميع الناس...ولم يتكلم عن التحاكم..

ثانيا: المقصود بتطبيق الشريعة: العمل بأوامر الشريعة في جميع أبواب الدين؛ فيدخل في ذلك باب العقائد، والعبادات، والمعاملات، وسائر التكاليف..
وهذا هو الانقياد العملي

ثالثا: ومع هذا، فالعبارة غير صحيحة، وفيها خلط بين التوحيد نفسه ومناطه، وبين لوازمه وواجباته.
فتطبيق الشريعة الذي هو الانقياد العملي من لوازم التوحيد ومقتضياته، لكنه ليس هو التوحيد نفسه، ولا هو مناط كلمة لا إله إلا الله. والتفريق بين الأصل ولازمه أصلٌ مهم في تقرير مذهب أهل السنة، ويترتب على الخطأ فيه اضطراب في باب التكفير.

وبيان ذلك أن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة، فمناطه مركب من إفراد الله بالعبادة مع الانقياد القلبي والخضوع والقبول
أما تطبيق الشريعة فهو العمل بأحكامها في أصولها وفروعها، وهذا من لوازم التوحيد ومقتضياته، لا أنه عين التوحيد ولا مناطه.

لماذا لا يكون تطبيق الشريعة مناطًا للتوحيد؟
لأن المناط في اصطلاح الأصوليين: هو الوصف الذي يدور معه الحكم وجودًا وعدمًا.

فإذا قيل: إن تطبيق الشريعة مناط التوحيد، لزم من ذلك أن التوحيد ينتفي بانتفائه، ولا يبقى مع ترك التطبيق شيء من أصل التوحيد.

وهذا غير صحيح؛ لأن ما يندرج تحت تطبيق الشريعة جنسٌ واسع، يشمل: ما يذهب تركه أصل التوحيد، وما يذهب تركه كمال التوحيد الواجب، وما يذهب تركه كمال التوحيد المستحب
فما يدخل تحت تطبيق الشريعة متفاوت الأحكام، لا يستقيم جعله مناطًا واحدًا يدور معه التوحيد وجودًا وعدمًا.
ولأن الذي ينتفي به أصل التوحيد هو ما يزول بزواله القبول والانقياد القلبي والخضوع لا مطلق ترك تطبيق الشريعة..

فإن قلت: مقصودي بترك تطبيق الشريعة الذي ينتفي بانتفائه التوحيد هو الترك بالكلية
قيل: الخطاب هو للمسلم، ولا يتصور من مسلم أن يترك تطبيق جميع ما أمر به الشرع بالكلية؛ لأن الترك بالكلية يلزم منه ترك جزء من أوامر الشريعة المتعلق بإفراد الله بالعبادة، ومن تركه لم يدخل في الإسلام أصلا..ولذا لم يصح مخاطبته بتطبيق الشريعة لعدم دخوله في الإسلام ابتداء
ولأن الترك بالكلية يلزم منه زوال القبول لكلمة التوحيد وزوال الخضوع والانقياد القلبي..

ومن هنا يظهر أن خطورة هذه العبارة في أنها:
1-جعلت اللازم مناطا للتوحيد
2-جعلت جميع جزئيات تطبيق الشريعة ينتفي التوحيد بانتفائه، وهذا يلزم منه: تكفير عموم العصاة؛ لتركهم جزئيات من الشريعة لم يطبقوها، فيكون توحيدهم قد بطل لانتفاء مناطه....

ثالثا: ما تقدم تقريره بناء على أن مفهوم تطبيق الشريعة ليس محصورا في باب المنازعات والخصومات أو في جانب القضاء والحدود فقط، بل هو أوسع من ذلك، فيشمل باب العقائد والعبادات وسائر أبواب الدين.
وعلى هذا الفهم الشامل، لا يُتصوَّر من مسلم أن يترك تطبيق الشريعة بالكلية، وإنما يقع الترك جزئيًا لا كليًا.

أما إذا قُصِر المفهوم على الجانب القانوني أو القضائي، وجُعل خاصًا بالحكام أو القضاة، ثم جُعل هذا هو التوحيد ومناطه، فهذا مسلك لا ينسجم مع أصول أهل السنة، وهو الذي أوقع الخوارج قديمًا، وبعض المعاصرين في توسيع دائرة التكفير؛ إذ ضيّقوا مفهوم الشريعة، ووسّعوا مفهوم التوحيد عمليًا، وألغوا التفصيل بين ما يرجع إلى التكذيب أو الامتناع، وما لا يرجع إليهما.

ومن المقرر عند أهل السنة أن التوحيد لا يزول من أصله بمجرد ترك بعض تطبيقات الشريعة – بالمفهوم الضيق – ما لم يكن ذلك على وجه التكذيب أو الامتناع.
..
وقد ترك النجاشي تطبيق أكثر شرائع الإسلام لعجزه، ومع ذلك صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعده صلى الله عليه وسلم تاركا للتوحيد !

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 9 أبريل 2026

هل تُعدّ إيران دولة مسلمة؟

هل تُعدّ إيران دولة مسلمة والتي تقدر نسبة الرافضة فيها 80% تقريبا على اختلاف في الإحصائيات؟ 


برزت الحاجة إلى طرح على هذا السؤال قي هذا الوقت في سياق الرد على ما يقوم به بعضهم من الترويج لإيراان والاعتذار لها

فقط لكونها تقاتل عدوا للمسلمين... 


ولكي نجيب على هذا السؤال:

أولًا: المقصود هنا هو الحكم على الدولة ونظامها السياسي، وليس على أفراد الشعب، ولا عامة الشيعة، خاصة من يجهل حقيقة مذهبه. 


ثانيًا: لفهم الإجابة، لا بد من التعرف على طبيعة نظام الحكم في إيران:

بعد عام 1979، أصبح النظام في إيراان قائمًا على مبدأ ولاية الفقيه، الذي أقرّه الخميني، ويقضي بأن يتولى قيادة الدولة عالم شيعي اثنا عشري إلى حين عودة الإمام الثاني عشر، الذي اختفى في القرن التاسع 


وبناءً على ذلك، فإن منصب المرشد الأعلى — وهو أعلى سلطة في البلاد — يجب أن يكون من رجال الدين الاثني عشري، وقد تولى هذا المنصب كل من الخميني ثم علي خامنئي والآن ابنه. 


ويمتلك المرشد الأعلى صلاحيات واسعة تشمل: توجيه السياسات العامة، الإشراف على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التحكم في الجيش والحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات، اتخاذ قرارات الحرب والسلم والملف النووي

فالسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، تكون جميعها تحت إشراف المرشد الأعلى..ابتداء بالخميني ثم الخامئني.... 


ثالثًا: بما أن النظام في إيران ديني في طبيعته؛ لكونه قائما على أيديولوجيا دينية (ولاية الفقيه)، فالعقيدة الرافضية جزء من بنية الحكم، وتوجهات الدولة تعكس عقيدة القيادة الدينية (المرشد)، وليس الرئيس المنتخب الذي يقتصر دوره على التنفيذ.

وبالتالي، فإن العقيدة التي تحكم الدولة هي العقيدة التي تبناها الخميني، وهي عقيدة غلاة الرافضة...والتي تُصنَّف عند العلماء ضمن العقائد الكفرية... 


رابعًا: أما الحكم على الشيعة كأفراد، فالكلام عن أعيان الرافضة ليس له حكم واحد وإنما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة وهو يتكلم عن أعيانهم: (والرافضة ليسوا كفارًا كفرًا مطلقًا، بل فيهم كفر، وفيهم بدعة، وفيهم ظلم وفجور..)

وهذا الكلام يتناول الأفراد والطوائف، فهو يتكلم عن الرافضة كطائفة وأعيان لم تعرف لهم دولة استقر نظامها على عقائد مخصوصة

ولذا كان من الغلط تنزيل كلام ابن تيمية في الرافضة على نظام دولة إيراان

وأحكام الفرق في القديم لا تُنزل مباشرة على الدول الحديثة دون تحقيق مناط دقيق 


خامسا: ولتوضيح التكييف الشرعي لدولة إيران، لا بد من النظر إلى جملة من المعايير، وفي مقدمتها: السلطان الظاهر، وإقامة الشعائر الإسلامية، أو الغلبة . 


فإذا نظرنا إلى واقع إيران، نجد أن السلطان الظاهر فيها إنما هو لغلاة الرافضة، ونسبة الرافضة أغلبية وهي توالي النظام، ولا يوجد في طهران مسجد واحد لأهل السنة يعلن فيه بالأذان....بينما تعج بالمعابد اليهوودية والهندوسية والكنائس...!!، ولم يأمن أهل السنة الذين هم أقلية في هذه الدولة على دينهم وأعراضهم بل يعيشون مضطهدين..

ولذا كان التكييف الشرعي لها أنها دولة تظهر الإسلام وتبطن الكفر والزندقة... 


وقد عوملت من حيث كونها دولة معاملة المنافقين في بعض الشعائر، كالحج والعمرة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 


http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/04/blog-post_9.html

الخميس، 2 أبريل 2026

اعتراضات وإجابات حول مسألة الفارق بين سعر النقد والبطاقة المصرفية

 اعتراضات وإجابات حول مسألة الفارق بين سعر النقد والبطاقة المصرفية

شهدت مسألة حكم رفع سعر السلع عند الدفع بالبطاقة المصرفية مقارنة بسعر النقد، جدلًا فقهيًا
وقد اطّلعتُ على مقالٍ سعى صاحبه إلى دفع اعتراضات المانعين، مؤسسًا قوله على فكرة مفادها: حماية التاجر من الضرر، ولو آل ذلك إلى تحميل عموم المستهلكين تبعة تلك الحماية.

ومحصّل هذا المسلك: أن التاجر لما كان يتضرر بتأخر السيولة وفرض العمولات من قبل المصرف، جاز له أن يزيد في السعر عند الدفع بالبطاقة، وجُعلت هذه الزيادة في مقابل الفارق الزمني بين قبض المشتري للسلعة وانتفاعه بها، وبين قبض التاجر للثمن وانتفاعه به.

فلأجل حماية التاجر من تآكل رأس ماله بسبب عدم التزام المصرف بتوفير السيولة مع فرض العمولة عليه
جوز للتاجر الزيادة في السعر عند الدفع بالبطاقة، وجعل هذه الزيادة لأجل الزمن، أي: لأجل الفارق الزمني بين استلام الزبون للسلعة وانتفاعه بها، والزمن الذي يستلم فيه البائع للثمن وانتفاعه به. فحمل تكاليف هذا الزمن على عموم المستهلكين...

وهذا المسلك لا يخلو من نظرٍ من وجوه:

أولًا: أنه نظر إلى المسألة من جهة واحدة، فاعتبر مصلحة التاجر، وأغفل مصلحة المستهلك، ولم يراع المآلات العامة، وهذا قصور في التصور؛ إذ الشريعة إنما تقيم ميزان العدل بين المتعاملين، لا أن ترجّح طرفًا بإيقاع الضرر على آخر.

ثانيًا: أنه خلط بين جهتين متباينتين في التعاقد؛ فالعلاقة بين التاجر والمصرف شيء، والعلاقة بين التاجر والمشتري شيء آخر.
فمسألة تأخر السيولة أو فرض العمولة إنما هي ناشئة عن عقد التاجر مع المصرف، لا عن عقده مع المشتري. وإذا أخلّ أحد المتعاقدين بالتزامه، فإنما يثبت للطرف الآخر حق الفسخ أو المطالبة، ولا يُسوّغ له نقل تبعة هذا الإخلال إلى طرفٍ أجنبي عن العقد. والقاعدة المقررة أن “العقد لا يلزم إلا عاقديه”، فلا يجوز تحميل المشتري ما ليس من موجبات عقده
وانتبه إلى هذا

ثالثًا: أن تعليل الزيادة في السعر بكونها في مقابل الزمن تعليل غير منضبط؛ لأنه مبني على قياسٍ مع الفارق. فالزيادة في البيع الآجل إنما تقابل زمنًا ينتفع به المشتري، حيث يُمهل في دفع الثمن.
أما في الدفع بالبطاقة الاي هي وسيلة دفع لا زمن فيها، فالمشتري قد دفع الثمن حالًا من جهته، وانتقلت ذمته إلى المصرف، فالعقد بينه وبين التاجر عقدٌ حالّ، لا يتضمن تأجيلًا في حقه. وأما التأخر في قبض التاجر للثمن، فهو أثرٌ لعلاقته بالمصرف، لا للمشتري فيه يد. وعليه، فلا يصح جعل المشتري محمّلًا بزيادةٍ في مقابل زمنٍ لم ينتفع به، ولا التزامٍ لم يلتزمه. ثم إن الأصل أن الثمن يتبع السلعة، لا وسيلة الدفع.

رابعًا: أن تحميل المستهلك هذه التكاليف يتعارض مع جملة من القواعد الكلية؛ فمنها قاعدة “الغُنم بالغُرم”، فإن المنتفع بالخدمة هو التاجر، فيتحمل تبعتها. وما يلحقه من عمولات أو فروقات هو من قبيل المخاطر التجارية التي دخل فيها باختياره، فلا يُنقل أثرها إلى غيره.
كما يتعارض مع قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، إذ لا يُدفع الضرر عن التاجر بإيقاعه على المستهلك.
وكذلك قاعدة “الضرر لا يزال بالضرر”، فإن رفع ضررٍ خاص بإحداث ضررٍ عام أو مماثل ليس من مقاصد الشريعة.
وفيه أيضًا فتحٌ لباب الذرائع إلى الغرر والغبن، إذ التوسع في مثل هذه الزيادات يؤدي إلى انفلات التسعير ووقوع الجهالة وعدم الانضباط.

وإذا نُظر إلى المسألة نظرًا مقاصديًا، فإن القول بإباحة هذه الزيادة يفضي إلى آثارٍ غير محمودة: من إرهاق عموم الناس، وتعطيل وسائل الدفع الحديثة، وزيادة الاعتماد على النقد، بما يعمّق الإشكالات الاقتصادية القائمة بدل معالجتها.

وعليه، فإن تنزيل هذه النازلة على أصول الشريعة وقواعدها يقتضي المنع من هذه الزيادة..

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 27 مارس 2026

هل اللي يشتغل في مسائل فقهية أو اجتهادية، أو يحذّر من جماعات وفرق يُعدّ بالضرورة مُهمِلًا لقضايا الأمة الكبرى، وما هو أشد خطرا، تاركًا لفقه الأولويات؟

 هل اللي يشتغل في مسائل فقهية أو اجتهادية، أو يحذّر من جماعات وفرق يُعدّ بالضرورة مُهمِلًا لقضايا الأمة الكبرى، وما هو أشد خطرا، تاركًا لفقه الأولويات؟


وهل اللي يكتب مقالات متعددة في مسألة كإخراج زكاة الفطر طعاما

ولا يتكلم في المنظمات الغربية ونحوها يكون مقصرا؟ 


الجواب: لا

لأن الذي يتكلم في المسائل الجزئية قد لا يكون أهلا لأن يتكلم في القضايا العامة، إما من جهة ضعف الآلة وإما من جهة عدم الإحاطة بواقع القضايا...وقد تكون الحاجة في محيطه لبيان المسائل الجزئية أعظم من حاجتهم لبيان غيرها...


والمهم أن كون المسألة قي نفسها أخطر لا يلزم أن يكون الكلام فيها مقدما في كل زمان ومكان... 


وقد أفرد كثير من علماء الأمة عبر تاريخها مسائل جزئية بالتأليف، مع مناقشة المخالفين تفصيلًا، من غير أن يُعرف عنهم الكلام في التنصير أو في نقض الفلاسفة، ولم يُعدّ هذا قدحًا في علمهم، ولا تقصيرًا في حق الأمة. 


ومع وضوح هذه المسألة

فقد ظهر في الآونة الأخيرة طرحٌ يزعم أن كثيرًا من المشايخ والدعاة قد اختلّ عندهم ميزان الأولويات، وأنهم انشغلوا بالجزئيات عن القضايا الكبرى، ... 


وهذا طرحٌ غير دقيق؛ إذ يقوم ضمنيًا على فكرة أن الاشتغال بمسائل فقهية أو اجتهادية، أو التحذير من الجماعات والفرق، يساوي إهمال القضايا الكبرى والانشغال عما هو أخطر!!!. 


ويكفي في نقضه أن الشريعة لم تجعل أبواب الدين ومسائله متزاحمةً على وجهٍ يلزم منه أن الاشتغال ببعضها يؤدي إلى إهمال غيرها، بل هي أبواب متكاملة، يقوم بعضها ببعض. 

كما أن الشريعة لم تجعل أهل العلم سواءً في تناول جميع المسائل، بل اقتضت الحكمة تنوّع تخصصاتهم؛ فمنهم الفقيه، ومنهم المفسّر، ومنهم من يتصدّى للنوازل الفكرية والقضايا المعاصرة. 


وعليه، فاشتغال بعضهم بالفقه بحسب تخصصه لا يُعدّ تقصيرًا في غيره من الأبواب؛ لأنه مخاطب أن يتكلم فيما يحسنه

كما لا يُلام المفسّر على عدم اشتغاله بالفقه التفصيلي، ولا المتصدّي للنوازل على عدم التفرغ للتدريس الفقهي؛ لأن توزّع الجهود في الأمة ليس خللًا، بل هو من تمام الكفاية فيها. 


ومن القصور في هذا الطرح: تجاهل وجود عدد كبير من العلماء والدعاة يتناولون: قضايا التغريب، والتحديات الفكرية، فأهل العلم يكمل بعضهم بعضا ... 


ثم إن الكلام في قضايا الأمة ليس مناطُه مجرد الإكثار من الحديث في الجزئيات، ولا يُقاس بكثرة المقالات في مسائل بعينها – كالمسح على الجوربين – تكرارًا وتفصيلًا؛

وإنما مناطه الحقيقي: تحقّق الأهلية العلمية، والقدرة على الاستنباط الصحيح، مع فقهٍ دقيقٍ للواقع وإدراكٍ لتعقيداته...


وكم تكلم أناس في القضايا العامة فضلوا وأضلوا!!!


كتب د أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 23 مارس 2026

موقف #السلفيين من حرب إيراان والحياد فيها

  يؤكد الواقع، في كل مرة تتجدد فيها الأزمات، أن المنهج الذي ينطلق منه السلفيون القائم على كليات الشريعة ومناطاتها في فهم الوقائع السياسية وتحديد المواقف ليس مجرد تنظير ذهني، بل هو محاولة جادة لربط المواقف بالأصول الشرعية، بعيدًا عن الشعارات الخادعة والانجرار وراء العواطف. 


وفي هذا السياق، برز خطاب يروّج لفكرة أن الوقوف مع إيرااان هو وقوف مع الإسلام، وأن أي موقف ناقد أو حتى محايد إنما يصبّ في مصلحة اليهووود. 


غير أن هذا الطرح عند تحليله يتبيّن أنه قائم على خلط منهجي بين الدين والسياسة، وبين العقيدة والمصالح. 


فالقول بأن إيراان تمثل الإسلام هو اختزال مخلّ، يتجاهل كونها دولة ظاهرها الإسلام وباطنها الكفر ، ويتغافل عن حقيقتها كدولة لها مصالحها الخاصة، ويتجاهل أيضا طبيعة مشروعها الذي لا ينفصل عن سعيٍ واضح لبناء نفوذ سياسي ممتد في المنطقة. 

ومن ثَم فإن ربط الإسلام بها ربطٌ يفتقر إلى الدقة، ويؤدي إلى تضليل في فهم الواقع. 

فالذين انتقدوا الحياد وعدم الوقوف مع إيرران بنوه على أن إيراان تمثل الإسلام...


ومن أخطر ما يروّج له هذا الخطاب كذلك مغالطة الثنائية التي تختزل المشهد في خيارين لا ثالث لهما: إما الوقوف مع إيراان، أو تمكين اليهووود. 

وهذا تبسيط شديد؛ لأن الواقع أعقد من ذلك بكثير؛ إذ تتعدد القوى الفاعلة، وتتشابك المصالح، وتتداخل الصراعات على نحو يجعل من المستحيل اختزال المشهد في طرفين فقط. 


أما الهجوم على الحياد، فهو في حقيقته مبني على ضغط عاطفي، وتخوين مسبق لكل من يرفض الاصطفاف مع إيراان، لا على تحليل واقعي أو تأصيل شرعي معتبر. 


بينما الحياد، في ميزان الشرع والعقل، موقف معتبر؛ إذ يقوم على رفض الظلم من جميع الأطراف، ويرفض في الوقت نفسه الانجرار خلف دعايات متناقضة أو اصطفافات غير منضبطة. 


وأخيرا أقول: إن الإشكال الحقيقي يكمن في محاولة إلزام الناس بخيارات محددة، وحصرهم في ثنائية زائفة، تحت ضغط التخوين والتشكيك. 


وهذا ما يحذر منه السلفيون حقا، إذ يؤكدون على ضرورة التمييز بين الدين والمشروعات السياسية، وعدم الانخداع بالشعارات على حساب الحقائق.


فهنيئًا لمن التزم منهج السلف، وأحسن النظر، ولم يُسلّم عقله للشعارات. 


✍️ كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 13 مارس 2026

هل الحرب على إيران حرب دينية؟

 هل الحرب على إيران حرب دينية؟

يستثمر بعضهم تصريحات لبعض المسؤولين الغربيين حول البعد الديني للصراع؛ ليجعل ذلك مسوغًا للقول بوجوب الوقوف مع إيران باعتبار أن الحرب عليها حربٌ دينية على الإسلام.

غير أن الأقرب إلى الواقع أن الحرب على إيران  ليست في أصلها حربًا دينية، وإنما هي حرب نفوذٍ وهيمنةٍ وصراعٍ على مراكز التأثير في الاقتصاد العالمي وممرّاته الحيوية.
فالموقع الجغرافي لإيران، وتحكّمها النسبي في مسارات الطاقة والتجارة، يجعلها جزءًا من صراع دولي أوسع يتعلّق بتوازنات القوة والنفوذ أكثر مما يتعلّق بالعقائد الدينية.

ومع ذلك، فهذا لا ينفي أن بعض الأطراف قد تستثمر البعد الديني في تفسير الصراع أو تعبئة الأنصار أو إضفاء معنى عقدي على ما يجري.

ومن هنا يظهر حضور عدد من التصورات الدينية في خطاب هذه الأطراف، وغالبًا ما يُربط ذلك بفكرة المخلّص المنتظر أو بالأحداث التي تسبق ظهوره.

ففي المعتقد الشيعي الإمامي

تذكر الروايات الشيعية أن خروج المهدي المنتظر يسبقه اضطراب عظيم في العالم، وحروب واسعة يكثر فيها القتل والفساد، حتى تمتلئ الأرض جورًا وظلمًا، ثم يخرج المهدي ليملأها عدلًا.
وهو عند الرافضة سيصلب أبا بكر وعمر، ويقيم على عائشة حد الزنا قاتلهم الله

وفي المعتقد اليهودي

ينتظر اليهود ما يسمونه بـ  المخلّص، وهو عندهم من نسل داود عليه السلام، يأتي في آخر الزمان ليجمع اليهود ويقيم لهم ملكًا عظيمًا، ويعيد بناء الهيكل في أورشليم.
وقد ارتبطت هذه الفكرة في الفكر الصهيوني الحديث بمشروع إعادة تجميع اليهود في فلسطين وإقامة دولة قوية تكون مركز السيادة والنفوذ.
والخلاص قد يكون  بعودة المسيح الذي هو من نسل داود أو بقيام دولة المسيح وإن لم يأت المسيح...

وفي المعتقد النصراني

انتظار عودة المسيح عيسى عليه السلام في آخر الزمان بعد ما صلب نفسه، ليقيم ملكوت الله ويخلّص العالم من الشرور والظلم.

ومن هنا ينبغي التفريق بين الدوافع الحقيقية للصراع التي تدور غالبًا حول النفوذ والمصالح، وبين الخطابات الدينية التي قد تُوظَّف في تفسيره أو تسويقه.

اللهم أهلك الظالمين بالظالمبن
د. أحمد محمد الصادق النجار