الاثنين، 10 أغسطس 2026

حين يقاس #الاحتفال_بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة

حين يقاس الاحتفال بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة

آخر ما وصل إليه بعض الأشاعرة في آخركتاباتهم هذه الأيام هو تكييف الاحتفال بالمولد بأنه أداة تنظيمية كالمسبحة ومكبر الصوت!!!

في كل موسم يعود فيه الجدل حول الاحتفال بالمولد النبوي، تتكرر حجة واحدة بصياغات مختلفة وهي: الاحتفال وسيلة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتذكير بسيرته، والوسائل لها أحكام المقاصد.

وهي حجة تبدو للوهلة الأولى متماسكة وقوية، لكنها عند الفحص تكشف عن خلط أصولي دقيق بين نوعين مختلفين من الوسائل، كما سيأتي بيانه.

فحين يُستعمل مكبر الصوت لنقل الأذان أو الدعوة إلى الله، فإن هذه الآلات لا تحمل في ذاتها أي صورة تعبدية أو تشريعا مستقلا، وإنما هي مجرد ناقل لمحتوى عبادة قائمة أصلا دون أن تُغيّر في هيئتها الشرعية شيئا، فالأذان في الأصل هو مشروع وقائم، ومكبر الصوت آلة جامدة تنقل فقط
ولذلك وسع الشارع في استعمال الآلات في العبادات، كما وسع في عدِّ التسبيح بالحصى والنوى والمسبحة؛ لأن المقصود وهو الذكر: ثابت، والمتغير إنما هو الأداة، فهل الاحتفال بالمولد من هذا الجنس؟!!!
الجواب: لا،
أما الاحتفال بالمولد فهو أمر مختلف جوهريا عن المسبحة ومكبر الصوت؛ لأن الاحتفال بالمولد ليس أداة تنقل عبادة قائمة، وإنما هو في ذاته صورة تشريعية جديدة، مهما حاول المجوِّزون إبعاده عن هذا التكييف. وكيف لا يكون صورة تشريعية جديدة، وهو اجتماع سنوي مؤقت، مرتبط بتعظيم يوم له مراسمه وهيئاته المتكررة من قراءة وإنشاد ووعظ، ويقام بقصد طلب الأجر من الله؟

وقد يحاول بعض المجوِّزين تلافي هذا الخلط بإعادة تعريف الاحتفال بالمولد نفسه، فيصفونه بأنه أداة اجتماعية تنظيمية لا عبادة في ذاته، ثم يقيسونه على المسبحة وخطوط تنظيم الصفوف، بل وعلى البث المباشر والمراكز الدعوية.
لكن هذا لا يعدو أن يكون تغييرا في الاسم دون تغيير في الحقيقة؛ والعبرة في الأصول بالحقائق والمعاني لا بمجرد الألفاظ والمباني.

ومحك التمييز بين النوعين بسيط: هل يُقصَد الزمن ذاته بأن يُخص هذا اليوم بعينه بالتعظيم والتمييز عن سائر الأيام، أو أن التوقيت مجرد ظرف عملي عارض لا نظر فيه إلى ذات اليوم؟
وهل تقبل الوسيلة الاستبدال والنقل عن زمنها المقصود لذاته وهيئتها دون أن يفوت المعنى المقصود منها؟

يعني المسبحة يستعاض عنها بالأصابع دون ان يفوت شيء من مقصود الذكر؛ لأن القصد متعلق بالعدّ لا بالأداة، ولا يوجد فيها أصلا قصدٌ لزمن يُخص بالتعظيم. وخط الصف يُستعاض عنه بتوجيه شفهي؛ لأن القصد متعلق باستقامة الصف لا بوجود الخط بذاته.

أما الاحتفال بالمولد فلا يقبل أهله نقله عن تاريخه السنوي المحدد المقصود لذاته دون شعور بفوات المعنى؛ لأن تعلقه بذلك التاريخ في نفسه هو الذي يمنحه خصوصيته عندهم.
وهذا هو عين معنى العيد، فهو  أمر يتكرر دوريا مقترنا بزمان معين يُعظَّم ويقصد لذاته بالتكرار، لا مجرد نشاط اجتماعي عارض يمكن إقامته في أي وقت.

وبناء عليه: فقياس الاحتفال بالمولد على المسبحة ومكبر الصوت قياس مع الفارق المؤثر؛ لأن الآلة في البابين الأولين لا تحمل قصدا بذاتها لزمن يُخص بالتعظيم، بخلاف التوقيت السنوي في المولد الذي هو نفسه محل القصد والتعظيم عند من يحتفل به.

فالإحداث ليس في أصل الذكر أو المدح أو قراءة السيرة، فهذه كلها عبادات مشروعة في نفسها، وإنما في اتخاذ توقيت سنوي معين محلا للتخصيص والتعظيم لذاته، وهذا ما يحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيته.
وبهذا يبطل تكييفهم ويظهر عوره..

وثمة حجة أخرى للمجوِّزين، وهي أن الذكر عبادة مطلقة، ويجوز للمرء أن يخصص لها وقتا يتناسب مع حاله من غير أن يعتقد فبه فضلا خاصا، مستدلين بحديث: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، ثم يُقاس على ذلك تخصيص يوم المولد بالاحتفال.

لكن هذا القياس يغفل أيضا فارقا جوهريا وهو: أن يخصص الفرد لنفسه وقتا لورده الشخصي بما يناسب حاله من غير أن يقصد بذلك الزمن نفسه تعظيما أو تمييزا عن سائر الأزمنة، أمر يختلف تماما عن إنشاء تشريع جماعي عام للأمة بيوم معظم لذاته سنوي له اسمه ومراسمه وهيئاته المتكررة، يتوارثه الناس جيلا بعد جيل حتى يصير في الوعي العام شعيرة مستقرة.
فالأول تخصيص فردي لا ينشئ معلما دينيا عاما وليس،فيه شيذدء من معنى التشريع، والثاني إنشاء لصورة تعبدية جماعية تتكرر على وجه مخصوص وهذا تشريع.

ويستدل المجوِّزون أيضا بأن الأمة تفرح بيوم الجمعة، مع أنه يوم وفاة آدم عليه السلام، وتصوم عاشوراء احتفاء بنجاة موسى عليه السلام، مع أن في ذلك اليوم أحداثا أخرى، فكذلك يصح الفرح بالمولد.

إلا أن هذه المقارنة بعيدة من جهة الدليل؛ فتخصيص الجمعة بالفضل وتخصيص عاشوراء بالصوم كلاهما ثبت بدليل شرعي يحدد اليوم نفسه والعبادة نفسها، بما يعني أن الشارع نفسه هو الذي قصد تعظيم ذلك الزمن بعينه وشرع له عبادة موقوتة.
أما المولد فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصص هذا اليوم بهيئة احتفالية معينة، ولا ثبت ذلك عن أهل القرون المفضلة.
وإنما الذي ثبت في النصوص هو صيام يوم الاثنين، وهو دليل على مشروعية الصيام في ذلك اليوم تحديدا، لا على مشروعية تعظيم اليوم بذاته بكل صورة يُراد إلحاقها به.

فارتباط الاحتفال بالمولد  بتوقيت سنوي معظم لذاته يُقصد بالتكرار والتعظيم: يخرجه عن حكم الأداة القابلة للاستبدال، ويدخله في حكم الصورة التعبدية التي تحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيتها، ولا يكتفى في مشروعيتها بالنصوص المطلقة؛ إذ ليس النزاع في أصل المحبة، ولا في أصل الذكر، ولا في أصل قراءة السيرة، وإنما النزاع في إنشاء هيئة دينية مخصوصة مرتبطة بزمان معين مقصود لذاته.

وقد يقال: إن اختيار هذا اليوم ليس تعظيما شرعيا له،ولا قصدا للزمن لذاته، وإنما هو مجرد استحضار لحدث تاريخي.

وجوابه: أن مجرد كون المناسبة تاريخية لا يفسر وحده تخصيص يوم بعينه بتكرار ممارسة دينية مخصوصة فيه؛ إذ الكلام ليس في استحضار الحادثة أو التذكير بها، وإنما في تحويل تاريخها إلى موعد سنوي يتكرر فيه اجتماع ديني على هيئة مخصوصة، ويُقصد إقامته طلبًا للأجر.

أما إذا قيل: بل لا بد من إقامة هذا الاجتماع في هذا اليوم تحديدا دون غيره؛ لأن فواته يفوّت المولد نفسه، فقد ثبت أن للتاريخ أثرا مقصودا في إنشاء المناسبة، وأن اليوم ليس مجرد وعاء زمني عارض للفعل، وإنما هو عنصر أساسي.
وهنا يظهر الفرق بين استحضار حادثة تاريخية وبين تخصيص زمن بها على وجه ديني متكرر.

وليس معنى هذا أن كل تذكير بحدث تاريخي في يوم وقوعه يصبح بدعة؛ فمحل الكلام هو أن يتحول هذا التذكير إلى مناسبة دينية سنوية ذات هيئة، وتصبح لها مظاهر ثابتة وتكرار معلوم.

فإذا قيل: إننا لا نتعبد باليوم، وإنما نتعبد بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته، قلنا: هذا يعيدنا إلى أصل الإشكال؛ فلماذا جُمعت هذه العبادات في هذا اليوم على وجه التكرار السنوي دون غيره؟
إن قيل: لأن هذا اليوم يذكّر بالمولد، قلنا: فقد صار ارتباط الزمان بالحدث سببا في تخصيصه.
وإن قيل: إن هذا الارتباط لا أثر له في الحكم، وأن المقصود هو الذكر والسيرة، قلنا: إذن لا معنى لإلزام الناس بهذا التاريخ، ويصبح نقل الاجتماع إلى يوم آخر لا يغيّر شيئا من المقصود.
فإن كان النقل لا يضر، عاد المولد إلى مجرد مجلس سيرة أو ذكر يمكن إقامته في أي وقت.
وإن كان النقل يغيّر حقيقة المناسبة ويُفوّت المقصود من إقامتها، فقد ثبت أن التوقيت عنصر مقصود في هذه الممارسة، ولم يعد مجرد ظرف عارض.

ومن هنا فالنزاع ليس في حق الناس في تذكر مولد النبي صلى اللهعليهوسلم، ولا في مشروعية قراءة سيرته، وإنما في إضفاء خصوصية دينية على زمن معين وتكرار اجتماع على هيئة مخصوصة، من غير دليل يثبت هذه الخصوصية وهذه الهيئة.

فإن قلت: كثير من الناس يفعلها على وجه العادة؟
قيل: العادة الجماعية المتوارثة إذا استقرت على هيئة مخصوصة وتكرار سنوي معلوم، فإنها تنشئ في الوعي العام شعيرة دينية مستقلة، ولو نُفي عنها التعظيم اللفظي صراحة؛ لأن العبرة بالفعل المتكرر والهيئة الثابتة لا بمجرد الدعوى.
فحين يمارس المجتمع فعلا بمواصفات الشعيرة، لكنه يُسميه عادة هروبا من الإلزام بدليل، فهذا لا يغيّر طبيعة الفعل، وإنما يضفي عليه اسما مغايرا للحقيقته، كما لو سمّى أحدهم الصلاة الجماعية المتكررة في مواقيت ثابتة لقاء اجتماعيا لينفي عنها صفة العبادة؛ فالاسم لا يُغيّر الوصف.


فهل نحن أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها، أو أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص؟
فإن كانت الأولى فهي من العادات، وإن كانت الثانية فلا يكفي تسميتها عادة؛ لأن محل البحث حينئذ هو مشروعية هذا التخصيص الديني المتكرر.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_10.html

الأحد، 9 أغسطس 2026

دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني على الحاكم وإثارة الفتنة

 اقرأ بصبر وتأمل وتجرد


دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني وإثارة الفتنة


سمعت مقطعا للشي #عبد_العزيز_الطريفي يذكر فيه أن إثبات التلازم بين #الإنكار_العلني حال الغيبة وإثارة الفتنة العامة هو قصور في الفهم، وقرر أن هذا التلازم ينتفي إذا بيّن المنكِر أن الخروج والفتنة العامة محرمان.


وقد تأثر بهذا التقرير بعض طلبة العلم، وظنوا أن مجرد بيان حرمة الخروج كاف في إزالة المفسدة المترتبة على الإنكار العلني، حتى أصبح من الممكن بناء على هذا الفهم : أن يصعد خطيب على المنبر، فيوجه النقد إلى الحاكم في غيبته ويسميه ويشحن الناس عاطفيا، ويغذي مشاعر الغضب عليه، ثم يقول في خاتمة كلامه: «ولا يجوز الخروج عليه، ولا إثارة الفوضى».


والأخطر من ذلك أن هناك من يقرر أنه لا تلازم أصلا بين نقد الحاكم في غيبته وشحن الناس وبين الخروج أو الفتنة العامة، ولو لم يبيّن للناس حرمة الخروج، كما هو ظاهر في الخطابات المتأثرة بالفكر #القطبي و #السروري.


وهذا كله يتطلب منا أن نضع هذا التقرير تحت الميزان الشرعي، لننظر في مدى صحته ودقته.

ولا بد ابتداء من بيان أن لفظ «الإنكار العلني» يطلق على معان متباينة مختلفة الحكم، فهو إلى #الاشتراك_اللفظي أقرب.

فمن إطلاقاته:

1- إنكار الفعل المنكر نفسه من غير ذكر الحاكم ولا تعيينه, فهذا يسمى بـ«الإنكار العلني».

2- الإنكار على الحاكم في حضوره، بحيث يواجه بالإنكار مباشرة، وهذه لها أحكامها وقيودها, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».


3- الإنكار على الحاكم في غيبته مع تسميته والطعن فيه وذكر مثالبه أمام العامة, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».

4- ذكر الحاكم وتسميته عند بيان منكر صدر منه، من غير أن يتضمن الخطاب طعنا فيه أو تأليبا عليه، فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».


وكما يلاحظ القارئ الكريم أن هذه الصور ليست شيئا واحدا، ومن الخطأ المنهجي أن ينقل أحد كلام عالم يجوز فيها الإنكار العلني إذا صدر المنكر علنا، ككلام الألباني أو ابن عثيمين، ثم يحمل كلامهما على الصورة التي يريد هو إثباتها.


فقد يكون العالم الذي قال بجواز بعض صور الإنكار العلني يتحدث عن إنكار المنكر في نفسه، أو عن إنكار المنكر على الوالي بحضرته، أو عن بيان حكم شرعي عام لا يتعلق بتشهير الوالي أمام العامة، بينما ينزل الناقل كلامه على خطاب جماهيري في غيبة الحاكم، يتضمن تسميته وشحن العامة ضده.

وهذا من التدليس العلمي الذي لا يصدر إلا من جاهل أو صاحب هوى


وبعد بيان الاشتراك الواقع في لفظ «الإنكار العلني»: نخلص إلى دفع إشكال متوهم في قولنا بالتلازم :

لا نقول إن الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة استلزاما حتميا، كاستلزام المحدَث للمحدِث, وإنما نقول بالتلازم الغالبي بالنظر إلى مجموع الوقائع عبر التاريخ


وهذه نقطة لا بد من تحريرها؛ لأن كثيرا من الاعتراضات على هذا القول إنما نشأت من تصور أن القائل بالتلازم يدعي أن كل واقعة من الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا لا بد أن تنتهي إلى فتنة عامة, وهذا ليس هو محل النزاع.

فنحن لا نقول: «كل إنكار علني على الحاكم بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة حتما»,

وإنما نقول: «إن الإنكار العلني على الحاكم في حال غيبته بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا هو من الأسباب الرئيسة التي تفضي غالبا إلى تهييج النفوس وإثارة الفتنة، وهذا هو التلازم الغالبي الذي يراعى في أبواب المآلات.


ولهذا فإن وجود واقعة أو عدة وقائع لم تترتب فيها الفتنة العامة على الإنكار العلني لا يبطل أصل القول بالتلازم الغالبي؛ لأن القضايا الغالبية لا تنتقض بمجرد وجود بعض الصور التي تخلف فيها المآل.


كما أننا لسنا نقول/ إنه السبب الوحيد الذي ينتج المسبب, وإنما نقول: هو أحد أسباب.

ومن أقوى ما يدل على خطورة التشهير ما جاء عن عبد الله بن عكيم أنه قال «لا أعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان». فقيل له: أوأعنت عليه؟ فقال: «كنت أعد ذكر مساويه عونا على دمه».


وهذا الأثر وإن كان في سياق فتنة عثمان رضي الله عنه، إلا أنه شاهد مهم في الباب؛ لأنه يبين أن ذكر مساوي الحاكم لا ينظر إليه دائما باعتباره بيان منكر، وإنما يتحول إلى عامل إعانة على ما يترتب عليه من الفتنة.


ولا يعني ذلك أننا نخرج الإنكار العلني حال الغيبة الذي يكتفى فيه بذكر اسمه من غير تحريض ولا طعن من الحكم وهو المنع؛ إلا أن إفضاءه إلى الفتنة العامة أخف, وقد بينت ذلك فيما سبق. 


أما دعوى #الطريفي أن بيان حرمة الخروج يلغي بالضرورة مفسدة التشهير, فهذا لا يكفي في نفي مفسدة الفتنة العامة؛ لأن النفوس قد شحنت، والمشاعر قد تكون أثيرت، وصورة الحاكم في نفوس السامعين قد تغيرت، والناس قد خرجوا من المجلس وهم أشد غضبا عليه.

ومن هنا فالعاقل لا ينتظر حتى يصل الخطاب إلى التصريح بالخروج حتى يحكم بأن هناك خطرا على استقرار الناس, فكما أن سد باب الفتنة يكون قبل وقوعها، فإن اعتبار أسبابها ومقدماتها يكون قبل أن تصل إلى نهايتها.


فإن قيل: هل يعني ذلك تحريم بيان منكرات الحاكم مطلقًا؟ وهل يلزم من منع التشهير وجوب السكوت عن بيان الظلم؟


قيل: لا, فلا يلزم من القول بمنع صورة معينة من الإنكار العلني أن يقال بتحريم بيان المنكرات في كل حال, ولا يلزم من سد باب التشهير أن يفتح باب السكوت المطلق عن الظلم, فالنصوص الشرعية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابتة، وإنما الكلام في كيفية الإنكار، ومحله، ومن يخاطَب به، وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 3 أغسطس 2026

خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته

 خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته، ولا لكثرة مصنفاته وشروحه وتحقيقاته العلمية، كما أننا لا ننفي تأثر النووي بالمذهب #الأشعري في الجملة، ولا انتسابه إلى المتكلمين.

وإنما محل الخلاف هو المنهجية التي ساروا عليها في تبديع #النووي وابن حجر ووو، وفهمهم لإطلاقات #السلف، وطريقتهم في التعامل مع قضايا الأعيان.

فعندما يقول كبيرهم: إن الكلام في النووي وابن حجر وغيرهما من المسائل الظنية الاجتهادية، ثم يستنكر إنكارنا عليهم، فإنه لم يدرك حقيقة محل النزاع.

وللأسف، استطاعوا التأثير في عدد من الشباب صغار السن، ممن لم تتضح لهم حقيقة الخلاف، ولم يدرسوا طريقة العلماء في تخريج المناط وتهذيبه وتحقيقه.

وقد لاحظت أن أغلبهم من #سوريا ، مع أن فيها علماء وطلبة علم !!.

ولنقف وقفة مختصرة نبين فيها أصل الإشكال، ونتكلم عن حكم المقلد بين التبديع المباشر واشتراط إقامة الحجة

روى عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف، فقال: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».

هنا لا بد من تحرير أصل مهم:
المناط الذي ينطلق منه السلف في التبديع المباشر هو: علم المعيَّن بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، مع التزامه بذلك طواعية.

فمن يؤول صفة الاستواء -مثلا- وهو يعلم أن تأويله مبني على تقديم العقل على الشرع، وإبعاد النصوص عن الاحتجاج بها في باب الإلهيات، ثم يلتزم هذا الأصل مختارا؛ فهذا هو الذي يبدعه السلف مباشرة من غير اشتراط إقامة الحجة.
وإقامة الحجة عليه في هذه الحال تكون في باب التكفير، لا مجرد التبديع.

ولهذا المناط أمارتان ظاهرتان غالبا:

الأولى: ممارسة علم الكلام والدفاع عنه.

فمن مارس علم الكلام، وجادل عنه، واستدل له، كانت هذه أمارة على علمه بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، وهذا مما يصرح به عدد من أئمة المتكلمين، كالجويني، والآمدي، والقاضي عبد الجبار، وغيرهم.

الثانية: التقليد المحض، مع عدم ممارسة علم الكلام أو المجادلة عنه.

فهذه تدل بدلالة عكسية على انتفاء المناط السابق غالبا؛ لأن من لم يمارس النظر الكلامي ولا الاستدلال له، يغلب على الظن جهله بحقيقة مخالفته للكتاب والسنة، فتكون هذه أمارة على انتفاء العلم الموجب للتبديع المباشر.

وعليه، فالمقلد لا يُبدَّع بمجرد التقليد، وإن انتسب ظاهرا إلى مذهب كلامي؛ لانتفاء مناط التبديع في حقه.

وأتبه هنا إلى أنه إنما عُلِّق الحكم بالأمارة لغلبة اقترانها بالعلة، لا لأنها هي المعتبرة بذاتها.

ومن هنا يُفهم كلام الإمام أحمد: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم». فجعل مناط عدم التبديع المباشر كون الشخص غير معروف بعلم الكلام من جهة كونه أمارة وليس علة، ويدخل في ذلك غالب العوام والمقلدة.

نعم، قد توجد حالات نادرة تنفك فيها الأمارة عن العلة؛ كعامي لا يعرف بعلم الكلام ولا يمارس الجدل، لكنه ثبت أنه يعلم أن مذهبه يعارض النصوص، ومع ذلك يلتزمه راضيا مختارا،  فحينئذ يكون الحكم متعلقا بالعلة لا بمجرد الأمارة.

سؤال: هل يُبدَّع المقلد المنتسب إلى مذهب كلامي؟

والجواب أن المقلدين على نوعين:

النوع الأول: أن يأخذ الشخص بمقالة كلامية، وهو يظن أنه إنما يستند فيها إلى نص شرعي أو إجماع، لا إلى معارضة النصوص بالعقل، كما هو حال كثير من شراح الحديث، ومنهم النووي.

بمعنى أنه يؤول الصفة، فإذا سُئل: لم أولتها؟ قال: لأن هذا مقتضى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فهو يعتمد في ظنه على فهمه للنص، لا على أصل عقلي مجرد.
ومع أن هذا الفهم غير صحيح، ولا يوافق فهم السلف، وهو باطل قطعا وضلال إلا أن الكلام هنا في تبديع المعيَّن.

فهذا النوع لم ينتقض عنده أصل السنية؛ لأن مناطه هو الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع، بحسب اعتقاد المكلف وظنه.
فمن ظن أن تأويله موافق للنص، وهو في الحقيقة مخالف له، لم يخرج بهذا الظن عن دائرة من يعتبر في حقه مانع الجهل؛ لأن خطأه وقع في تطبيق المنهج، لا في أصل المنهج.

النوع الثاني: أن يأخذ الشخص ولو تقليدا بالمنظومة الكلامية الاستدلالية، مع علمه بأنها تقدم قواعد النظر العقلي على ظاهر النصوص.
فهذا لا يعذر بمجرد التقليد؛ لأن علة العذر بالتقليد هي ظن موافقة النص، أما هذا الصنف فهو يعلم أن منهجه يقدم العقل على النص، ثم يلتزم ذلك مختارا، وإن كان ناقلا عن غيره.
وهذه هي الحالة النادرة التي تنفك فيها الأمارة عن العلة.

فإن قيل: إذا كان الشخص داعية إلى البدعة، يقررها ويدعو إليها، فكيف يُجعل مقلدا معذورا؟

قيل: ليس كل داعية إلى البدعة يلزم أن يكون عالما بالأصل الكلامي الذي بنيت عليه البدعة، فقد يكون داعية إلى ما يعتقد أنه هو مقتضى الكتاب والسنة، وينقل ما تلقاه عن شيوخه، ويحتج بالنصوص، وهو يظن أن الحق معه، من غير أن يدرك أن هذا الفهم مبني في أصله على قواعد كلامية تخالف منهج السلف.
فمجرد الدعوة إلى بدعته لا تستلزم تحقق مناط التبديع الذي قررناه، وهو العلم بحقيقة مخالفة المنهج للكتاب والسنة والإجماع، مع الالتزام بذلك طواعية، وإنما تكون الدعوة أمارة على ذلك إذا اقترنت بممارسة أصول علم الكلام، والانتصار لها.

يقول بعضهم مستنكرا: إن اشتراط إقامة الحجة يلزم منه ألا نبدع أحدًا.

وهذا اعتراض ناشئ عن تصور غير دقيق لمعنى الحجة.

فعندنا رجلان:

الأول: يعلم أن منهجه مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ويلتزمه مختارا؛ فهذا نبيعه ولا نشترط قيه إقامة الحجة، وإقامة الحجة عليه تعني تكفيرة لا مجرد تبديعه.

والثاني: لا يعلم أن منهجه مخالف، بل يظن أنه منطلق من الكتاب والسنة؛ فهذا تقوم عليه الحجة بمعنى بيان خطأ ظنه، وإيضاح أن منهجه مخالف لما عليه السلف. وهذه هي الحجة التي نشترطها قبل تبديعه.

ولا يلزم من هذا الاشتراط تعطيل باب التبديع؛ لأن غاية ما يستثنى به هو المقلد الجاهل الذي يظن أنه مستند إلى النص، وهو صنف محدود، لا يشمل عامة أهل البدع المستقرين على مناهجهم والعارفين بأصولها.

وعليه، فإن دعوى أن اشتراط إقامة الحجة يؤدي إلى عدم تبديع أحد، دعوى مبالغ فيها، وهي من المغالطات التي يكثر تردادها عند محمد بن شمس الدين، ومن وافقه أو تأثر به.

كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 1 أغسطس 2026

هل قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر ينفي اشتراط إقامة الحجة في التبديع؟

 #قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر" 


يقول بعضهم: إن الرازيين حكما على الواقف جهلا بالتبديع دون أن يشترطا إقامة حجة، فدل هذا على أن التبديع لا يُشترط فيه إقامة الحجة أصلا.


وهذا فيه خلل من وجهين: 


الوجه الأول: لو سلمنا أن المراد من قولهما "ومن وقف فيه جهلا بُدِّع وعُلِّم" هو أن مجرد الوقف في القرآن مع الجهل يوجب التبديع بلا قيد ولا تفصيل لكان هذا مخالفا لصريح كلام الإمام أحمد بن حنبل وأحمد البغوي. 


قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم". 

فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه. 


وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". 

فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف: 


الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع. 


الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي، ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال.


وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم". 

فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره. 


ويظهر من مجموع هذه النصوص أن الجاهل الذي لا أهلية له للنظر لا يُبدَّع، وإنما يُعلَّم، كما يظهر من كلام الإمام أحمد أن المقلد يُبيَّن له أولا، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


فإذا حُمل كلام الرازيين على إطلاقه بحيث يشمل كل جاهل ولو كان ممن لا يعقل كالنساء والصبيان لزم التعارض بين أقوال السلف، والمنهجية الصحيحة تقتضي إثبات كلام السلف على وجه لا يكون فيه تعارض ولا تناقض ما أمكن . 


الوجه الثاني: كلام الرازيين هنا مجمل من جهة أنه لم يفصّل في حال الواقف: هل هو ممن لا يعقل أو ممن يعقل ويمارس علم الكلام؟ 


ولا يصح حمله على كل جاهل، بل يجب تفسيره في ضوء النصوص الأخرى 


وقد يقال: إن قولهما: "علم" منفردا أليق بالصنف الثاني الذي نص أحمد على أنه "يُجاوَب حتى يرجع"، أي: يحتاج بيانا يسبق حكما عليه، لكن حمل جملة الرازيين بكاملها على هذا الصنف يصطدم بإشكالين: 


الأول: أن نفي التكفير "ولم يُكفَّر" لا معنى له إلا في حق من يُتوهَّم في حقه التكفير أصلا، والمقلد الجاهل المتعلق بشبهة لم يرد في حقه عند أحمد أي تلميح لتوهم كفر، بخلاف الصنف الثالث الذي حكم عليه أحمد بـ"فهو جهمي"، فهذا وحده الذي يستدعي تبادر التكفير إلى الذهن


الثاني: أن وصفه بالتبديع من غير بيان قبله يصادم صراحة نص أحمد "يُجاوَب حتى يرجع"، الذي يجعل التبديع معلقا على مرحلة سابقة من البيان وعدم الرجوع، بينما ظاهر كلام الرازيين تقديم الحكم بالتبديع، ثم ذكر التعليم بعده، وهذا لا ينسجم مع كلام الإمام أحمد. 


والذي،يترجح لي هو حمل كلامهما على الصنف الثالث عند الإمام أحمد، وهو: من قال بالوقف مؤسسا لمذهبه على منظومة استدلالية كلامية، منظرا لها، مجادلا عنها. وهذا يستقيم معه ترتيب "بُدِّع وعُلِّم" استقامة تامة: 


- الوصف ب"بُدِّع" قبل إقامة الحجة: لأنه تبنى منهجا كلاميا استدلاليا يخالف طريقة السلف في الاستدلال.

- الوصف ب"عُلِّم": وهذا تعليم لاحق للحكم لا سابق له، غرضه استصلاحه ودعوته للرجوع بعد أن استقر تبديعه.

-الاحتراز ب "ولم يُكفَّر": لأن إلحاق مسلكه من جهة النوع بمسلك الجهمية يستدعي توهم تكفيره، فاحتاج الرازيان إلى التنصيص على دفع هذا التوهم؛ إذ تكفيره عينا موقوف على إقامة الحجة التفصيلية. 


وبهذا يستقيم الجمع بين نص الرازيين وسائر نصوص السلف على وجه واحد متسق لا تعارض فيه ولا تناقض. 


فإن قيل: الإمام أحمد جاءت عنه روايات في الواقفة لم يستفصل فيها وأطلق، قال الخلال في السنة: (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ الْمُخَرِّمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ: الْوَاقِفَةُ؟، قَالَ:«هُمْ شَرٌّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، اسْتَتَرُوا بِالْوَقْفِ»).

وقال أيضا: «مَنْ شَكَّ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ وَقَفَ فَهُوَ كَافِرٌ»).


قيل: هذه الإطلاقات لا تنقض ما تقدم، وإنما هي تندرج تحت أصل مقرر في فهم كلام السلف، وهو أن تناول الإطلاق للأفراد إنما هو تناول لا على سبيل التعيين؛ فالحكم المطلق، كقول أحمد "من وقف في القرآن فهو كافر" ، إنما يتناول حكم النوع، ويتناول فردا غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، لا كل من صدر منه الوقف على أي حال كان. 

أما تنزيل هذا الإطلاق على كل معيّن، فهو قدر زائد على مجرد دلالة اللفظ، ولا يثبت بمجرد اندراجه تحت العموم، بل لا بد فيه من تحقق مناط الحكم في حقه، وتوفر شروطه، وانتفاء موانعه، كما هو مطرد في نظائره من نصوص الوعد والوعيد. 


ومن الشواهد العملية على ذلك أن الإمام أحمد اعتبر جهل المعتصم مؤثرا في الحكم عليه، ففي المحنة قال الإمام أحمد:(كان أبو إسحاق لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم ولا يدري..) وقال:(قد جعلت أبا إسحاق في حل..) وكانت مسامحته للمعتصم قبل ندمه، فقد سامحه بعد أن خرج منه... 

وسامح كل من حضر وحللهم إلا أحمد بن أبي دراد ومن كان مثله..واستغفر لهم ولو كانوا مرتدين لم يجز له الاستغفار لهم... 


ويؤكد ما سبق أن عدم تنزيل الحكم المطلق على المعين إلا بعد قيام موجبه هو محل إجماع، فقد حكى ابن أبي عاصم في كتاب السنة ما اتفق أهل العلم على نسبته للسنة وذكر أمورا إلى أن قال:(ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل ان تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه)

فهذا الاتفاق المحكي متعلق بفرد بعينه ولا ينفي ما يحكيه أئمة السلف بأن من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لأنه محكي لبيان الحكم بإطلاق، كما تقدم توضيح ذلك. 


فالإطلاقات الواردة عن الإمام أحمد هي أحكام على النوع، أو على فرد غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، وليست أحكامًا على كل معيّن اتصف بمجرد الوصف. ومن حملها على ظاهرها في جميع الأعيان، وأعرض عن الروايات المفسرة والتطبيقات العملية للإمام أحمد، فقد اقتصر على بعض كلامه دون بعض، مع أن المنهج الصحيح في فهم كلام الأئمة هو جمع نصوصهم ورد مجملها إلى مفسرها، ومطلقها إلى مقيدها، لا إعمال بعضها وإهمال بعضها الآخر. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 31 يوليو 2026

فقه التبديع عند الأئمة

 

لم أقل: الحسنات العامة وكثرة التصانيف تمنع التبديع بل ولا تمنع من التكفير
فهذه ليست موانع شرعية؛ إذ لا اعتبار شرعيا لمثل هذا كمانع مستقل، وإنما قد تكون قرائن في سياقات خاصة، والقرينة أعم من الدليل..كما أن المقصود ليس تسويغ أخطاء النووي..
والمقصود هنا التأصيل لباب الاحتياط في أحكام الأعيان...
والذي قلته بمعناه: حتى نحكم  بالتبديع المباشر على المعين لابد من النظر إلى السلوك الاستدلالي عند المعين، ولابد أن نراعي أن الأصل بقاء السنة في المعين حتى يثبت خلافه، فذكر الاحتمالات هنا من باب التثبت في تنزيل الأحكام على المعين.

والأصل الذي يُبنى عليه هذا كله: أن خفاء الحق بطول الزمان واستحكام الشبهة معتبر شرعا في رفع وصف التبديع عن المعيّن، لكن بقيد لا بد من تحريره، وهو:

ثمة خط فاصل لا نعذر احدا بتجاوزه مهما صنف وكثرت حسناته، وهو تعظيم الوحي واعتباره حجة مستقلة لاسيما في خصوص باب الإلهيات الذي هو محور الجدل.
وهذا الخط هو الذي يشفع ابتداء لمن حققه أو حام حوله، سواء أخطأ بعد ذلك أم أصاب في التفاصيل.

فالجويني والرازي والآمدي والسنوسي لم يحترموا هذا الخط ابتداء في بابي الإلهيات والنبوات، فصدرت عنهم عبارات تنافي تعظيم الوحي بشبهات ذات أصل فلسفي، وأسّسوا منهجهم الاستدلالي على تقديم العقل الكلامي الذي وصفوه بالقطعي على ظاهر النص الذي وصفوه بالظني، لا عن تقليد، بل عن مناقشة ومجادلة مستقلة.

بينما النووي وأمثاله احترموا هذا الخط ولم يتجاوزوه تنظيرا، وما وقعوا فيه من تأويل كانوا يظنونه منطلقا من تعظيم الوحي والاستدلال به، فتمسكوا بما فهموه - وإن أخطأوا فيه - من قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ ونحوها.

فنحن نتكلم عن شخصين لا يستويان في الحكم: منظر مرجح ومقلد ناقل.
فالمنظر المرجح يطّرد عنده التأويل والتفويض؛ لأنه يعتقد المنهج الكلامي حجة مستقلة يصدر عنها اجتهاداا

وأما المقلد الناقل فلا يلزم اطراد منهجه، لأنه ليس صاحب منهج مستقل، فتارة ينسخ معتمد مذهبه كما هو، وتارة يخالفه بحسب ما يترجح له من النص في موضع بعينه.

فالمقلد الناقل: من ورث مدرسة فقهية كلامية فنقل معتمد مذهبه في كل مسألة يعرض لها، لا لأنه بحث المسألة كلاميا واستقل برأي، بل لأن هذا ما استقر عليه مصنفو مذهبه الذين ينقل عنهم فقها وعقيدة معا، وقد يرجح ويختار بناء على ما ظن أن دليل الشرع يسنده.

ولابد أن يختلف حكمه عمن أسّس منهجه الاستدلالي بنفسه، وهو الناظر المرجِّح،كما بين ذلك ابن القيم بوضوح

فقول النووي "قال أصحابنا كذا" في العقيدة نظير قوله "قال أصحابنا كذا" في الفقه إنما هو نقل لمعتمد مذهب المتأخرين الذي مزج الفقه بالعقيدة، لا اجتهاد كلامي مستقل.
فالنووي وارث لخطإ تراكمي عبر قرون، لا مُصدِر له ابتداء ولا مجادل عنه.

وعلى هذا الأصل جرى صنيع أهل العلم المتأخرين: بدعوا الجويني والرازي، ولم يبدِّعوا النووي وابن حجر، وما خالف في ذلك إلا من لم يفهم منهج أهل السنة في توسعة دائرة العذر لمن لم يتجاوز الخط الأحمر.

وإذا حررنا مثال الكرابيسي
فالكرابيسي لم يكن ناقلا لمسألة موروثة عبر قرون، وإنما كان محدثا لصيغة جديدة "لفظي بالقرآن مخلوق" في وقت المحنة نفسها، وهي صيغة رآها الإمام أحمد حيلة لتمرير القول بخلق القرآن، فكان الكرابيسي بذلك مشاركا فاعلا في صناعة الخلاف وقت نزاعه الحي، لا وارثا لمذهب مستقر، وهذه المشاركة المباشرة في إنتاج القول المحدَث لحظة نزاعه هي التي تُخرج صاحبها من دائرة الوارث المقلد المعذور إلى دائرة المحدِث المسؤول.

وبهذا يتبين لك أن تبديع المعيّن عند السلف له فقهه الخاص، وليس قواعد آلية مطردة أو قوانين رياضية كما يظن محمد شمس الدين وأمثاله، ممن يحسبون أنه ما دام السلف حكموا على منكِر العلو بالكفر، فكل منكِر للعلو يجب أن يكون كافرا وإلا كان ذلك تركا لمذهب السلف؛ وما دام العلماء حكموا على الأشعرية بالبدعة، فيجب أن يكون كل من انتسب إليها مبتدعا، ولو كان مجرد ناقل معظم لأصل الوحي.

قد يقال: ما الفرق بين الرازي والنووي؟

وجوابه: الرازي صرّح في كتبه بالقانون الكلي في تقديم العقل على النقل عند التعارض واستدل له، وهذا تنظير مستقل صريح لمنهج استدلالي، لا نقل عن مذهب.
أما النووي فلم ينظر له، ولا صنف كتابا في أصول الكلام أو قواعد تقديم العقل، وإنما غاية ما عنده نقل واستشهاد بأقوال متكلمي مذهبه في سياق شرح الحديث والفقه.

فإن قيل: أليس نقل النووي لأقوال أصحابه في العقيدة، مع تقصيره في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، تفريطا يستوجب اللوم بذاته؟

وجوابه: هذا اعتراض في محله من جهة التقصير، لكنه لا يرقى لموجب التبديع، فالتفريق هنا بين درجتين: تقصير في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، وهذا مما يُلام عليه المرء تقصيرا، وبين إحداث منهج مخالف للسنة في الاستدلال ينتظم عليه، وهذا هو مناط التبديع.
فالنووي مقصر في عدم استقلاله بالنظر، لكنه ليس مؤسِّسا لمذهب مخالف ولا مجادلا عنه منظرا له.

فإن قيل: ألا يلزم من هذا التقرير أن كل متأخري الأشاعرة معذورون بإطلاق؟

وحوابه: لا يلزم ذلك، لأن الضابط ليس الانتساب للمذهب ط، وإنما الضابط تحقق حال النقل في شخص كل معيّن بعينه، وهذا يقتضي النظر الفردي في كل عالم: هل صنّف في أصول الكلام مستقلا أو اقتصر على النقل؟
فقد يكون بعض متأخري الأشاعرة قد جاوز حد النقل إلى نظر مستقل، فيُبدَّع كالرازي، وقد يقتصر آخرون على النقل فيُعذرون كالنووي.

وعلى هذا التقرير يظهر خطأ هذا المسلك الذي سلكه محمد شمس الدين وأمثاله، إذ لا يصح تعميم حكم الطائفة على كل معين منتسب إليها، بل لا بد من تحقيق المناط في كل معيّن كما هو أصل هذا الباب من أوله.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 30 يوليو 2026

الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله

الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله 


نشر محمد بن شمس الدين منشورا بعنوان #نواقض_إسلام_السيوطي، انتهى فيه إلى الحكم على الحافظ جلال الدين السيوطي بالردة والكفر. !!


ومقصودي في هذا المقال: بيان الخلل المنهجي عنده في الانتقال من الحكم على القول إلى الحكم على القائل المعين؛ إذ إن هذا الانتقال ليس لازما بمجرد ثبوت كون القول كفرا أو شركا أو مخالفا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنما له ضوابط وشروط مقررة عند أهل العلم. 


وهذا أعظم خلل منهجي استدلالي عند هؤلاء، ترتب عليه الغلو في تكفير المعينين وتبديعهم، ولذا كانت قراءتهم لكتب السلف وأقوالهم قراءة منحرفة... 


ما هي نواقض إسلام السيوطي عند محمد شمس الدين؟ 


1. أنه دعا إلى عبادة قبره، واستند محمد شمس الدين في إثبات ذلك إلى قول الشاذلي بأن السيوطي أوصى أهل بيته أن يذكروا حاجتهم عند قبره فتقضى.

فقفز محمد شمس من فعل جزئي إلى حكم كلي بأنه يدعو إلى عبادة قبره!!! 


2. أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم.


3. أنه أهان القرآن باستعمال كلماته في كتاب رشف الزلال من السحر الحلال

وهذه النقطة تحتاج إلى وقفة، فهذا الكتاب شكك في نسبته للسيوطي جماعة، والشك في أصل النسبة كاف في باب درء العقوبة، وإن لم يكن كافيا في باب الجزم بالنفي.

وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فكيف بأعظم الأحكام وهو التكفير؟!! 


وأما تكرار استخدام المصطلحات الشرعية والقرآنية في هذا السياق الأدبي الجنسي، فيبقى لها تأويل يمنع من التكفير وهو استغلال الازدواج الدلالي للألفاظ بأن يكون للفظ الواحد معنى شرعي ومعنى آخر عادي، فيستعمله على المعنى العادي دون أن يقصد بذلك التقليل من قيمة المعنى الشرعي نفسه، والدافع له هو الصنعة اللفظية، لا الاستهزاء بالدين، وهذا احتمال يكفي لدرء الحكم بالتكفير وإن كان لا يدرأ قبح الاستخدام

أقول هذا ليس لتسويغ الاستعمال وإنما أقوله لنفي كونه استهزاء موجبا للتكفير على كل حال؛ لأن التكفير في هذا النوع يشترط فيه انتفاء الاحتمال الراجح المعارض، وهذا الاحتمال هنا راجح لقيام قرينة السياق الأدبي المعروف. 


4. أنه يقول بأن الله موجود في كل مكان.


5.  أنه يرى أن النبي حي بجسده يتصرف في الكون.

وهذه النقطة أيضا تحتاج إلى وقفة تحرير وتحقيق، فقد استند الكاتب فيها إلى قول السيوطي:"إن النبي حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته". 

فحمل محمد بن شمس الدين لفظ "يتصرف" على التصرف في الكون وتدبير شؤونه.!!!!

إلا أن الاقرب من سياق هذا النص أن المراد بـالتصرف هنا هو الحركة والسير والانتقال من مكان إلى آخر بهيئته البشرية، لا تدبير الكون وتصريف أموره، فهذه النقطة الخامسة مبنية على سوء فهم للنص منه.


والحاصل أن المآخذ التي ذكرها هي في الحقيقة ما بين كفر وشرك وضلال من حيث حكم الأقوال ذاتها، وليس هذا هو محل النزاع أصلا معه متى صحت النسبة، لكن محل النزاع الحقيقي هو: هل يستلزم كون هذه الاقوال كفرا أو شركا: الحكم على قائله المعين بالكفر مباشرة؟ 


وحتى يتضح الجواب، ونفصح عن الخلل المنهحي الذي وقع فيه محمد بن شمس لابد من تقسيم صور الكفر من حيث تنزيل حكم التكفير على المعين إلى ثلاثة أنواع: 


النوع الأول: كفر ينافي أصل الإيمان ولا يجتمع معه

كسبّ الله تعالى، فهذا يوقع الحكم بالكفر على القائل مباشرة دون توقف على إقامة حجة؛ لأنه من الألفاظ أو الأفعال الصريحة التي لا تحتمل التأويل غالبا، فلا يفتقر الحكم فيها إلى إقامة الحجة البيانية، إلا إذا وجد مانع معتبر كالإكراه أو ذهاب العقل ونحوه. 


النوع الثاني: كفر ينافي حقيقة توحيد العبادة دون أصل الإقرار بالشهادتين من جهة تنزيل الحكم على المعيّن، لا من جهة وصف الفعل في نفسه، كالاستغاثة الشركية ودعاء الأموات.

وهذا النوع وإن كان شركاً في ذاته إلا أنه لا يستلزم كفر المعين بالضرورة كالنوع الأول؛ لكثرة وقوع الجهل والتأويل في هذا الباب عند كثير من المتأخرين. 


النوع الثالث: ما يستلزم إنكاره تكذيب الله ورسوله أو الامتناع عن التسليم، كجحد وجوب الصلاة، أو كإنكار ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف من علو الله، وهذاالنوع مما يُعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، ورغم كونه من الضروريات إلا أنه لا يُكفر صاحبه إلا بعد إقامة الحجة عليه؛ لأن الكفر إذا كان راجعاً إلى التكذيب أو الامتناع، فإن ذلك لا يتحقق إلا فيمن تبيّن له الحق على وجهه ثم أعرض عنه، لا فيمن لم يتبين له الحق أصلا. 


ومما يحسم الخلاف قي هذا الباب: موقف السلف من الجهمية

فرغم أن مقالة الجهمية في نفي الصفات من أوضح الأقوال بطلانا، وتتعلق بمسائل من الضروريات المعلومة من الدين إلا أن السلف مع ذلك لم يكفروا جميع أعيان الجهمية مع تصريح كثير منهم بتكفير مقالتهم، وإنما التزموا شرط إقامة الحجة قبل إطلاق الحكم على الأشخاص. 


والذي أختم به أن ما نُقل عن السيوطي من استغاثة ودعوة لقصد قبره وقول بأن الله في كل مكان، وإن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده يسير 

وإن كانت هذه الأقوال ـ إذا صحت نسبتها ـ أقوالاً كفرية أو شركية أو بدعية بحسب كل مسألة إلا أنها من النوع الذي يتوقف الحكم على المعيّن فيها على تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ومن أعظمها قيام الحجة الرسالية.

وهذه هي الفوارق المنهجية التي أغفلها محمد بن شمس الدين في بنائه للحكم على السيوطي. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 29 يوليو 2026

#رقية_محمد_الحسن_الددو الشنقيطي للنساء

 


يزعم بعض المدافعين عن د. محمد الحسن الددو أنه لا دليل على تحريم هذه الهيئة المحدثة: التجمع الجماعي للنساء تحت النافذة، مع رفع القوارير من بعيد، ودون تحقق من وصول النفث إليها.

ثم يستدلون على جوازها بعموم النصوص الواردة في مشروعية النفث في الرقية، كحديث اللديغ الذي هو من أصول الاستدلال بالنفث في الماء .

وفعلهم هذا نظير من يزعم أنه لا دليل على تحريم اجتماع الناس على الذكر بصوت واحد، ثم يستدل على الجواز بالنصوص المطلقة الحاثة على الذكر.

ووجه الخطأ أن كلا الاستدلالين مبني على نقل مشروعية الأصل إلى هيئة مخصوصة لم يدل عليها دليل.

فإن قلت: الرقية بابها اجتهادي.

قيل: على القول بجواز الاجتهاد في بعض وسائل الرقية وكيفياتها التي لا تخالف الوارد، لكن شرطه:
١-أن يتحقق القارئ من وصول النفث إلى المحل الذي يقصد رقيته، كما هو المستفاد من صفة الرقية الواردة في السنة، كحديث اللديغ وحديث عائشة رضي الله عنها لما قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه، نفث في كفيه بـ {قل هو الله أحد} وبالمعوِّذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه)
واستمرار اتصال النفث بالمحل المرقي في جميع ما ورد من صفات الرقية مع عدم نقل صورة يخالفه: قرينة قوية على أن هذه هي الكيفية المشروعة، فلا يصح إلحاق صورة لم يتحقق فيها هذا الوصف بما ورد به النص إلا بدليل، وأما القول بأن النفع من الله لا من الريق، فمُسلَّم، لكن هذا لا يمنع أن يكون الله تعالى قد جعل هذا الاتصال سببا شرعيا لتنزل الشفاء كما هي عقيدة أهل السنة؛ ولذلك لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المجرد دون نفث، ولا بالنفث في الهواء دون تحديد محل.

٢-ألا يفضي إلى الغلو، فإن ما يفضي إلى الغلو في الأشخاص لا يسوغ استحداثه في هذا الباب؛ لأن باب الرقى من المواطن التي يظهر فيها تعلق العامة بالأشخاص، فتجري فيه قاعدة سد الذرائع.

ولم يكتفِ هؤلاء بهذا، بل استحسنوا بأذواقهم فزعموا أن هذه الهيئة إن لم تنفع فلا تضر.

وغفلوا أن القضية ليست طبية: هل يضر النفث في الماء أو لا؟
وإنما هي قضية تمس العقيدة؛ فهذه الهيئة تفتح بابا لتعظيم الشخص نفسه والغلو فيه، فتدخل بذلك تحت باب سد الذرائع،
وقاعدة سد الذرائع معتبرة في أبواب الاجتهاد كما تعتبر في غيرها عند تحقق مناطها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور مع كون الصلاة في أصلها عبادة مشروعة لكنها منعت لكونها تفضي إلى مفسدة عقدية.
ومقام العقيدة من مواضع المبالغة في الاحتياط عند السلف على حسب مقتضى مجموع النصوص الشرعية
حيث يُكتفى بإمكان المفسدة العقدية دون تحقق غلبتها الفعلية؛ نظرا لخطورة المآل.

وأؤكد هنا أننا لا نتكلم عن مشروعية أصل النفث في الرقية، وإنما نتكلم عن هيئة بعينها، ولا يصح إلحاق ما لا يتحقق فيه وصول النفث بما تحقق فيه وصوله.

فإن قيل: الاجتماع الجماعي ورفع القوارير ليس هيئة تعبدية تحتاج إلى توقيف، وإنما هو وسيلة تنظيمية، والوسائل التنظيمية أصلها الإباحة ما لم يثبت فيها محذور شرعي.

قيل: هذا أقوى ما يمكن أن يستدل به الددو في هذا المقام

وجوابه: أن الوسيلة التنظيمية المباحة هي التي لا تغير من صورة الفعل التعبدي نفسه كاستخدام مكبر الصوت لإسماع الذكر لجمع كبير، أما هنا فالتغيير وقع في نفس الصفة المشروعة، فبدل نفث مباشر متحقق الوصول كما وصفته السنة، صار الفعل نفثا في الهواء أو باتجاه قارورة بعيدة دون تحقق، وهذا ليس تنظيمًا لوسيلة الأداء، وإنما هو تحويل لصفة الفعل من نفث متصل إلى نفث منفصل مجرد، مع ما يفضي ذلك إلى الغلو في الشخص نفسه.

وأما حسن الظن بالنية، فهذا أمر لا يمنع من نقد الفعل نفسه؛ فالنية الحسنة لا تصحح هيئة تفتح بابا للغلو.

والخلاصة
الأصل في المنع: أن الهيئة غير ثابتة، ولا يصح إلحاقها بالوارد؛ لأنها غيرت الكيفية المأثورة.
ويؤكد المنع: أن الوصف الملازم للرقية في النصوص هو اتصال النفث بالمحل المرقي، وهذا غير متحقق في هذه الصورة.
ويزداد المنع قوة: لما تفضي إليه الهيئة من فتح باب الغلو في الشخص، فيعمل فيها أصل سد الذرائع.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار