الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

هل كل من خالف في باب من أبواب السنة انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، ولا يكون سلفيا؟

 هل كل من خالف في باب من أبواب السنة انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، ولا يكون سلفيا؟

سمعت مقطعًا للشيخ محمد بن هادي يتكلم فيه عن مسألة: من هو السلفي؟

وقد أحسن الشيخ في التحذير ممن يحصر وصف السلفي في الموافقة في بعض أبواب أصول السنة، كأن يوافق في باب الأسماء والصفات والإلهية، ولو خالف في أصل السمع والطاعة، أو العكس.

فمجرد كونه لم يحرف الصفات لا يعني أنه إذا ضل في باب السمع والطاعة لا يمكن بحال أن يكون مبتدعا؛ إذ لو تصور هؤلاء أن الخوارج الأوائل والمعتزلة الأوائل لم يحرفوا الصفات، ولم يشركوا في العبادة، لظهر لهم بطلان هذا المسلك في حصر اسم المبتدع في الموافقة في باب دون باب.

إلا أن الشيخ محمد بن هادي وقع -فيما يظهر- في زلة خطيرة، يترتب على طردها إخراج عدد كبير من التابعين وغيرهم ممن وقع منهم مخالفة لمنهج السلف في بعض المسائل، كما يترتب عليها إخراج كثير من المفسرين وشراح الحديث والفقهاء من دائرة أهل السنة والجماعة من أمثال ابن حجر وغيره..!!!

هذه الزلة هي الإطلاق في أن السلفي هو من استجمع خصال السنة كلها، وأما من خالف في باب من أبوابها انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، أو غير ذلك، ولا يكون سلفيا..!

واستدل على ذلك بإطلاقات من كلام السلف، كقولهم: «من جالس القدري فهو قدري»، وبقول الإمام أحمد في الحارث المحاسبي، واحتج كذلك بمسلك ابن حجر في التقريب في الجمع بين التوثيق والوصف بالبدعة، كقوله: ثقة مرجئ أو ثقة قدري.

ولا بأس بالتنبيه هنا من باب الشيء بالشيء يذكر: أن الحكم بإخراج الرجل المعين من دائرة أهل السنة والجماعة بناء على مثل هذه الإطلاقات هو المسلك الذي سار عليه محمد بن شمس وأتباعه، إلا أنهم طردوه وزادوا عليه وغلوا فيه.

ما وجه الخطأ عند الشيخ محمد بن هادي؟

الشيخ بهذا التأصيل لم يراع الفرق بين المعين الذي ثبت له أصل السنة، والمعين الذي لم يثبت له أصل السنة، فعاملهم معاملة واحدة في إطلاق الوصف الذي تضمنته المخالفة، ونفي السلفية عنهم.

بينما الأئمة لم يعاملوا كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة معاملة واحدة، ولا أطلقوا تبديع كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة، أو وافق أهل البدع في باب، وإنما فرقوا بين الأعيان بعدة اعتبارات، من أعظمها: ثبوت أصل السنة في المعين من عدمه، فمن ثبت له أصل السنة والتزم أصول أهلها، ثم وقع في مخالفة محتملة للشبهة أو خفاء الدليل عليه، لم يكن مجرد وقوعه فيها موجبا للحكم عليه بالبدعة حتى تنظر حاله، وتقوم عليه الحجة فيما كان من هذا القبيل، وتنتفي الموانع المعتبرة.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى في مواضع متعددة، ومن ذلك قوله في قصة القاضي شريح رحمه الله، بعد أن ذكر إنكاره قراءة: {بَلْ عَجِبْتُ}، وقوله إن الله لا يعجب: «فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة».

فالقاضي شريح أنكر صفة من صفات الله تعالى، وأنكر قراءة ثابتة، ومع ذلك لم يسلب عنه اسم الإمامة، ولم يجعل بمجرد هذه المخالفة من أهل البدع، مع أن سبب إنكاره قائم على خطأ في الفهم والقياس، فقد روى عبد الرزاق بسنده عن أبي وائل قال: قرأها شريح: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}، وقال شريح: «إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم».

ومن الاعتبارات التي ينبغي مراعاتها في الحكم على المعيّن: حال البيئة التي نشأ فيها، ومدى شيوع المقالة فيها؛ فإن شيوع القول وانتشاره قد يكون له أثر في تقدير قيام الحجة، وفهم موجب المخالفة، وتمييز المتأول من المعاند

وقد نقل عن قتادة القول بالقدر، ومع ذلك بالغ الإمام أحمد في الثناء عليه، وذكر علمه وفقهه وتفسيره، مما يدل على أن مجرد نسبة الرجل إلى مخالفة في باب من أبواب الاعتقاد لا تسوغ إطلاق التبديع، ولا جعل النظر في جميع منزلته العلمية والدينية ساقطا.
وقتادة مع وقوعه في بدعة القدر لم يثبت تراجعه، قال الإمام أحمد:(وكان هشام الدستوائي وقتادة وسعيد يقولون بالقدر ويكلموني من أصحاب الحسن)
‏وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: (سمعت أبي يقول : سمعت أحمد بن حنبل وذكر قتادة فأطنب في ذكره ، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك ، وجعل يقول : عالم بتفسير القرآن وباختلاف العلماء ، ووصفه بالحفظ والفقه ، وقال : قلما تجد من يتقدمه أما المثل فلعل).

وهذا يبين لنا أن مجرد وقوع العالم في مخالفة لما عليه أهل السنة في مسألة من مسائل الاعتقاد لا يستلزم  بمجرده إخراجه من دائرة أهل السنة، ولا إطلاق التبديع، ولا سيما إذا كان أصل طريقته قائما على اتباع الكتاب والسنة وتعظيمهما ولو في ظنه.

ولو طردنا مسلك الشيخ محمد لبدعنا أكثر أهل الكوفة من التابعين وأكثر أهل البصرة من التابعين، قال الإمام أحمد:( لو فتشت أهل البصرة لوجدت ثلثهم قدرية) ولبدعنا أيضا أبا حنيفة وابن حجر ونحوهما ممن ثبت لهم أصل السنة بالتزامهم في الجملة أصول أهل السنة، ولزومهم الاحتجاج بالكتاب والسنة أصلا ومنهجا.

وهذا بخلاف من عدل عن مصدر التلقي جملة، وأقام مذهبه على أصول مناقضة لأصول أهل السنة مع علمه بالمخالفة، كالجهمية والمعتزلة؛ فهؤلاء يصح الحكم عليهم بالبدعة من حيث الأصل، لقيام أصل البدعة في طريقتهم ومذهبهم.

أما إطلاق القول بأن «من خالف في باب من أبواب السنة سُمّي باسم مخالفته» والاحتجاج على ذلك بإطلاقات من أقوال السلف من غير تفصيل، فهو إطلاق يصطدم بأصول الشريعة وقواعدها؛ إذ إن كل جزئية من فعل السلف أو قولهم لم يصرح فيها بالتقييد بالشروط والموانع يجب بمقتضى قواعد الشريعة أن تُفهم في ضوء تلك الشروط والموانع والقواعد الكلية، إذ لا ينفك فقه السلف عن قواعد الشرع العامة.

ومن هنا فإن تحويل الوصف الكلي بالبدعة إلى حكم قطعي على كل معين بمجرد تحقق سبب من أسباب الوصف هو إسقاط لهذا الأصل، وهو عين ما نحذر منه في مسألة الأسماء والأحكام؛ إذ ليس كل اسم شرعي أو حكم شرعي ينزل على المعين بمجرد وجود سببه، بل لا بد من اعتبار شروطه وموانعه فبمن ثبت له أصل السنة.

وقد نبّه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن البدع ليست على درجة واحدة، بل منها البدع المغلظة ومنها البدع المخففة، ولا يصح التسوية بينها في الحكم على الطوائف والأعيان، حيث قال:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».

فتأمل قوله: «دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة»، وقوله: «ما كانوا يُعدون إلا من أهل السنة»، فإنه يبين أن مجرد موافقة الشخص لطائفة في أصل من أصول بدعتها التي من جنيدي بدعة الإرجاء لا يلزم منه أن يأخذ جميع أحكام تلك الطائفة، ولا أن يحكم عليه بحكمها المطلق.

وبهذا يظهر وجه الخطأ في الاستدلال بإطلاقات السلف على تنزيل الاسم والحكم على كل معين، فإطلاقات السلف في التحذير من أهل البدع، وتشديدهم في المخالطة والمجالسة، والحكم على من جالس أهل البدع بأوصافهم، ينبغي أن تفهم في سياقها العلمي، وأنها كلام في الأوصاف والأجناس والتمييز بين الطوائف، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوصف قد تحقق في كل معين بكل أحكامه وآثاره، كما ينبغي أن يراعى أن كثيرا من تلك الإطلاقات قيلت في عصر كانت فيه السنة وأهلها في قوة، وكان من شأن أئمة السنة في ذلك العصر شدة التحذير من البدع، والمبالغة في الزجر عنها، وسد ذرائع انتشارها، والتحذير من مخالطة أهلها؛ صيانة للسنة وحسما لمادة البدعة.

فوقوع الرجل في بدعة تميزت بها طائفة من الطوائف لا يعني بالضرورة أن يأخذ حكم تلك الطائفة من غير تمييز بين البدعة المغلظة والبدعة المخففة، ولا بين علم المعين بالمخالفة وعدم علمه.

فبدعة إرجاء الفقهاء بدعة في أصل كلي من أصول الاعتقاد، وقد بدع السلف المرجئة، ولم يمنع ذلك من دخول طوائف من أهل الفقه والعبادة في بعض أقوالهم مع بقائهم معدودين في أهل السنة.

وعليه، فكلمة مرجئ لا تساوي دائما كلمة مبتدع في الحكم على المعين؛ فقد يوصف الرجل بأنه مرجئ باعتبار موافقته في مسألة الإيمان، مع كونه من أهل السنة باعتبار أصوله العامة ومنهجه في التلقي والاتباع.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك: أبو حنيفة رحمه الله؛ فقد وصفه غير واحد من أهل العلم بالإرجاء، ومع ذلك لم يكن هذا الوصف عند أئمة السنة لازما للحكم عليه بأنه مبتدع خارج عن أهل السنة والجماعة.

وكذلك غيره ممن نسب إلى بعض المقالات أو وقع في بعض المخالفات، فإن تنزيل القاعدة المذكورة على إطلاقها يقتضي أن كل من لم يستجمع خصال السنة كلها لا يكون من أهل السنة، وهذا لازم لا يستقيم مع صنيع أئمة السلف، ولا مع واقع تصانيفهم وأحكامهم على الأعيان.

وعلى كل حال
فمن الخطأ المنهجي أن يجعل كل من خالف في جزئية من مسائل السنة خارجا عن أهل السنة بإطلاق، كما أنه من الخطأ أن يُجعل كل من وافق في بعض الأبواب سلفيا بإطلاق، بل لا بد من تحقيق المناط في المعين، والنظر في مجموع أصوله، ومراعاة الشروط والموانع...

وهذا هو الذي ينبغي أن يُراعى عند الكلام في مسألة: من هو السلفي؟

كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 16 أغسطس 2026

هل تعد دورة المسجد النبوي من الاحتفال بالمولد؟

 هل تعد دورة المسجد النبوي من الاحتفال بالمولد؟ 


استشكل بعض الإخوة الدورة المعلن عنها في المسجد النبوي والتي عنونت بالدورة العلمية الأولى في السيرة النبوية وموعدها من 5-22ربيع الأول

ألا يعد هذا من الاحتفال بالمولد النبوي؟ 


وقبل الجواب عن هذا الاستشكال نسأل أسئلة يتضح بها البيان وهي:

هل هذه الدورة  تقام على أنها مظهر من مظاهر الاحتفال بالمولد وتعظيم الشهر أو هو نشاط تعليمي وقع في هذا التوقيت لأسباب إدارية لا علاقة لها بتعظيم الزمن نفسه؟

هل صرحت الجهة المنظمة بأنها لإحياء ذكرى المولد؟ هل اختير الشهر لخصوصية المولد أو لجدول دراسي؟ 


مجرد وقوع نشاط تعليمي في هذا الشهر لا يدل بذاته على تعظيم الشهر أو إحيائه

ولا يكفي الاشتراك في الزمن والموضوع لإثبات اتحاد الحكم؛ إذ لا بد من ثبوت القصد الذي به ينتقل النشاط من كونه درسا في السيرة إلى كونه احتفالا بذكرى المولد.

فتنظيم دورات ومحاضرات عن السيرة في شهر ربيع الأول له صورتان مختلفتان تماما في الحكم، وخلط الصوفية بينهما هو أصل الإشكال في استدلالهم: 


الصورة الأولى: أن تضع مؤسسة تعليمية أو مركز دعوي خطة سنوية لتغطية موضوعات متنوعة (فقه، عقيدة، سيرة، تفسير...) فتقع موضوعات السيرة ضمن هذه الخطة في ربيع الأول لمجرد كونه ترتيبا إداريا..فهنا لا يوجد قصد لتعظيم الشهر ذاته بشعيرة أو عيد أو معنى ديني مخصوص أو اتخاذه مناسبة دينية  

لاسيما وأن القائمين على هذه الدورات يرون بدعية الاحتفال بالمولد النبوي، فكيف يقال إنهم خصصوا هذا الوقت تعظيما للشهر وإحياء لذكرى المولد؟!! 


الصورة الثانية: أن يُقصد الشهر بعينه، فتُقام فيه المحاضرات والدورات بقصد إحياء ذكرى الميلاد، وتتكرر سنويا بنفس الشهر لنفس القصد، ويصر على وقوعها فيه تحديدا؛ لأن معناها مرتبط بكونه شهر المولد. 

فهذه الصورة هي الممنوعة والتي تدخل في البدعة في الدين؛ لأن خصوصية الشهر أصبحت سببا مقصودا لإنشاء النشاط، لا مجرد ظرف لوقوعه.

فإذا أُنشئ النشاط ابتداء لاتخاذ ذكرى المولد مناسبة دينية مخصوصة في زمن معين، فهنا انتقل من مجرد درس في السيرة إلى إنشاء مناسبة لها وصف ديني مستقل 


وهذا يختلف عن نشاط تعليمي مستقل عن مناسبة المولد، وإن وافق وقوعه شهر ربيع الأول دون أن يقصد به أصلا إحياء ذكرى المولد أو تخصيص الشهر بالتعظيم. 


ومن القرائن المهمة في معرفة القصد: هل كان اختيار الشهر لخصوصه سببا مقصودا في إنشاء النشاط، أو أن اختياره مجرد ظرف تنظيمي؟ 


إن كان الجواب نعم يمكن نقله عن زمنه، بحيث إنه لا فرق أن تقام دورة السيرة في ربيع الأول أو في أي شهر آخر كان ذلك قرينة قوية على أن اختيار الشهر تنظيمي لا مقصود لخصوصه، ولا علاقة له بتعظيم الشهر لذاته.. 


وإن كان الجواب لا، بحيث يكون الشهر متعينا مقصودا؛ لأن المقصود إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم في شهر بعينه، فلا معنى لنقله عن هذا الشهر

فهذا هو عين ما بني عليه حكم المنع؛ لأن خصوصية الشهر أصبحت سببا مقصودا لإنشاء النشاط وتكراره لا ظرفا عارضا. 


وبتطبيق هذا الضابط على الدورة العلمية: لم يظهر من إعلان الدورة اسم يُضيفها إلى المولد أو الاحتفال، ولا اقترنت بمظاهر احتفالية، وإنما جاءت بصيغة الدورة العلمية المتخصصة ضمن برنامج تعليمي، فهذه القرائن الظاهرة ترجّح كونها من الصورة الأولى. 


فإن قيل: حتى لو لم يسموها مولدا، لماذا اختاروا السيرة تحديدا في ربيع الأول؟

قيل: اختيار موضوع السيرة في شهر ربيع الأول من الأفعال المحتملة ولا يثبت وحده قصد الاحتفال بالمولد، كما أن اختيار موضوع فقهي في شهر معين لا يجعله شعيرة لذلك الشهر؛ وإنما العبرة بسبب التخصيص والقرائن الدالة على القصد. 


فلو ثبت أن اختيار السيرة كان بسبب كون ربيع الأول شهر المولد، وأن المقصود من ذلك إحياء ذكرى المولد واتخاذ الشهر مناسبة دينية مخصوصة دخل ذلك في الصورة الثانية محل المنع. 


فإن قيل: ما الفرق بين هذه الدورة وما أنكرته على د  #سعيد_الكملي ما سئل عن #الاحتفال_بالمولد، فقال: (نقول: ما موضوع الاحتفال؟ وبأي شيء يُحتفل؟

فإذا كان الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم بأن تُدرس سيرته، ويُذكَّر بأيامه، ... فهذا احتفال حسن.

وأما إذا كان الاحتفال مشتملًا على ما يسخطه صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يُحتفل بالنبي صلى الله عليه وسلم بما يبغضه). 


قيل:  الفرق واضح، فكلام الكملي منصب على تجويز الاحتفال عبر تحسين محتواه، فجعل تدريس السيرة من باب إحياء ذكرى المولد وتخصيص الشهر بالتعظيم ...

فهو يجعل الاحتفال بذكرى المولد أصلا ثابتا، ثم يبحث في محتواه: هل هو حسن أم سيئ؟

أما دورة المسجد النبوي فلا يظهر من عنوانها أو إعلانها أو وصفها ما يدل على أن المقصود منها إحياء ذكرى المولد، وإنما هي دورة علمية، ونشاط تعليمي شهر ربيع الاول ظرف له. 


وفي الرد على د. #سعيد_الكملي أقول:

محل المنع في الاحتفال بالمولد ليس نوع المادة المقدمة فيه، وإنما إنشاء مناسبة دينية مرتبطة بذكرى المولد وتخصيص زمن لها باعتبارها مناسبة مخصوصة

ويكون التكرار السنوي من القرائن الدالة على هذا القصد. 


فالاحتفال بالمولد ليس مجرد نشاط يقع في هذا الشهر، وإنما هو نشاط أُنشئ ابتداء لإحياء ذكرى المولد واتخاذها مناسبة دينية مخصوصة،. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 13 أغسطس 2026

الفهم الصحيح لكلام الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز في تبديع المعين يقول الشيخ ابن باز:( الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع هذا هو الأصل، من فعل البدعة يقال له: مبتدع، لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم ومتى تاب لا يسمى مبتدعً

 الفهم الصحيح لكلام الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز في تبديع المعين

يقول الشيخ ابن باز:( الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع هذا هو الأصل، من فعل البدعة يقال له: مبتدع، لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم ومتى تاب لا يسمى مبتدعًا، وإذا أصر يسمى مبتدعًا على حسب بدعته، كالذي يصر على الاحتفال بالمولد أو الموالد الأخرى يسمى مبتدع حتى يتوب)

تحليل كلام الشيخ:
قول الشيخ «الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع»
كلمة" الأصل" لها دلالة دقيقة عند العلماء؛ إذ هي بيان لتسمية فاعل البدعة من حيث تجريد الفعل عن العوارض، وهو وصف مبدئي مرتبط بالفعل ذاته، لا حكم شرعي نهائي على عين الفاعل.

فالشيخ يقرر أن الأصل في فاعل البدعة أن يوصف بكونه مبتدعا من حيث صدور البدعة منه، لكنه لا يسوي في تنزيل هذا الوصف على كل معين؛ وإنما يعتبر حال الشخص
ولهذا أتبع الشيخ كلامه مباشرة بقوله: «لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم، ومتى تاب لا يسمى مبتدعًا، وإذا أصرّ يسمى مبتدعًا على حسب بدعته».

فلا تعارض بين القولين، فالأول باعتبار الحكم المطلق المجرد عن العوارض، والثاني باعتبار الحكم على المعين عند وجود العوارض كالجهل.

فالشيخ لا يجعل مجرد وقوع الشخص في البدعة كافيا في جميع الأحوال للحكم عليه بأنه مبتدع؛ بل اعتبر الجهل عارضا مؤثرا، وذكر التعليم، ثم جعل الإصرار بعد ذلك موجبا لبقاء وصف التبديع.

وهذا التفريق هو بعينه الأصل الكبير الذي قررناه سابقا: أن الحكم المطلق يتناول حكم النوع وفردا غير معين ممن تحقق فيه الموجب، وأن تنزيله على كل معين قدر زائد يحتاج تحقق المناط.

وقول الشيخ "يُسمى مبتدعًا على حسب بدعته" يحمل إشارة مهمة إلى تفاوت مراتب البدعة في الحكم والأحكام.

فتبيّن أن التسمية النهائية بـ«مبتدع» عند الشيخ لا تقع على المعين الجاهل إلا بعد استيفاء التعليم، فإما رجوع فسقوط الاسم، وإما إصرار فثبوته.

ومما يستفاد من كلام الشيخ أن الاحتفال بالمولد وإن كان من البدع العملية إلا أن من أصر عليه بعد البيان والتعليم بما يزيل عنه الشبهة فإنه يكون مبتدعا.

فمناط تبديع المعين في البدع الأصولية والفرعية واحد، وهو: العلم بحقيقة مخالفته للصدر التلقي والاستمرار على البدعة بعد البيان المزيل للشبهة المناسبة لباب التبديع.

ونزيد سؤالا على تقرير الشيخ الإمام: هل يشترط الاقتناع؟

الجواب: الاقتناع باطنا بصحة موقف المخالف له ليس شرطا لثبوت التبديع بعد البيان، وإنما الذي،يشترط الفهم بمعنى: أن يدرك مضمون البيان ويعقل ما يقال له، ويعلم أن موقفه بحسب هذا البيان مخالف للنص.
ويتحقق الفهم المعتبر بأمرين اثنين:
١. بلوغ البيان إليه بلغة يفهمها ومستوى يناسب عقله.
٢. إدراكه أن موقفه بحسب هذا البيان مخالف للنص الشرعي ومذهب السلف، بصرف النظر عن تصديقه الباطن.

لماذا لا نشترط الاقتناع؟
لأن الاقتناع حالة باطنة غير منضبطة في المعين، كاتباع الهوى لا يصح أن يكون مناطا لتبديع المعين؛ لعدم انضباطه في المعين ولخفائه.

ولو جعلنا الاقتناع شرطا في تبديع المعين لأمكن لكل مصر على بدعته مهما بلغ البيان من الوضوح أن يدعي انه فهم الحجة لكنه لم يقتنع بها، فيعطل بهذا الادعاء المجرد كل إمكان لثبوت التبديع عليه، مهما بلغ إصراره وعناده.

والفرق الجوهري بين الاقتناع والفهم: الاقتناع تصديق قلبي بصحة الحجة، وهذا لا سبيل لاشتراطه لخفائه وقابليته للادعاء الكاذب المعطل للحكم بالكلية، أما الفهم فهو إدراك عقلي لمضمون الدعوى ومحل الخلاف.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

هل كان احتجاجنا بأن أول من أحدث الاحتفال بالمولد هم الفاطميون مسوقا ابتداء لمنع التشبه بهم؟

 هل كان احتجاجنا بأن أول من أحدث الاحتفال بالمولد هم الفاطميون مسوقا ابتداء لمنع التشبه بهم؟

هكذا فهم بعض الأشاعرة والمتصوفة، فاحتاج مني أن أبين لهم: 


ذِكر أن أول من احتفل بالمولد هم الدولة العبيدية في هذا السياق

إنما سيق ابتداء لإثبات وصف الإحداث، وأما التشبه فليس هو الغلة لأصلية من ذكر هذه الحجة وإنما هو تبع لها ولازم عنها. 


فبيان تاريخ أول ظهور الاحتفال بالمولد إنما هو قرينة تاريخية على تأخر هذا الاحتفال عن القرون الثلاثة المفضلة؛ إذ محل الاعتبار في باب المحدثات الدينية هو: هل ثبت هذا الفعل عن النبي صلىاللهعليهوسلم، أو عن أصحابه، أو عن القرون المفضلة، أو ظهر بعدهم بوصفه؟ 


وعليه، فالعبرة في أصل الاستدلال ليست بكون أول من أحدث المولد فاطميا باطنيا أو غير فاطمي، وإنما العبرة بعدم ثبوت هذه الهيئة التشريعية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون المفضلة، مع ظهورها بعد ذلك بوصفها هيئة دينية مخصوصة. 


أما الاعتراض القائم على أن أول من احتفل به من أهل السنة في مقابل الشيعة هو الملك المظفر كوكبري

فهذا لا ينقض أصل الاستدلال؛ لأن البعد الزمني عن القرون المفضلة إلى القرن السابع الهجري تقريبا ثابت ومتحقق سواء كان أول من فعله فاطميا باطنيا أو غير فاطمي، وكلا الاحتمالين متأخر عن العصور التي وقع اعتبارها في التمييز بين ما هو من الدين وما أُحدث فيه. 


ومع ذلك يجب أن يفهم هؤلاء أمرا وهو: أن ثبوت الإحداث لا يعني بمجرده أن كل ما لم يُفعل في القرون المفضلة يكون محرما؛ فهذه مرحلة أخرى من البحث لا بد من تحريرها.

فلا تقل: الهاتف محدث والسيارة محدثة وو 


إذ بعد ثبوت وصف الإحداث، ينظر في الفعل المحدث نفسه: هل هو من جنس العادات والوسائل والتنظيمات، أو هو من جنس العبادات والتشريعات؟ 


فإن كان من قبيل العادات المحضة أو الوسائل التنظيمية لم يكن مجرد عدم ثبوته عن القرون المفضلة كافيا للحكم بالتحريم؛ لأن الأصل في العادات والوسائل الإباحة، ولأن العبرة فيها بتحقق المقصود المشروع. 


ولهذا فإن ما أحدثه الفاطميون من تنظيم السُّماط لتوزيع الطعام في رمضان لا يعد إنشاء لحكم شرعي جديد؛ إذ لم ينشئوا أصل الإطعام، فمن فطر صائما له أجر خاص، وإنما استحدثوا صيغة تنظيمية لتنفيذ ما هو مشروع ثابت بأصل الشرع. 

فلو نُقلت هذه الموائد إلى غير رمضان، أو تغير شكلها الإداري والتنظيمي لم يتغير بذلك أصل الحكم؛ لأن المتغير هو الوسيلة والصورة، وأما أصل الإطعام فثابت بدليله، كما قررناه سابقا في مكبر الصوت والمسبحة. 


أما الاحتفال بالمولد، فليس هو مجرد وسيلة تنظيمية لتنفيذ عبادة ثابتة، ولا مجرد صورة عارضة لتحقيق معنى مشروع؛ وإنما هو إنشاء هيئة دينية مخصوصة، قوامها اجتماع مخصوص وأعمال وأذكار مخصوصة في وقت سنوي مخصوص ومعظم لذاته، مع قصد إحياء المناسبة الدينية في ذلك التاريخ بعينه على وجه يتكرر ويقصد به الأجر. 


وهذا النوع ثبوت الإحداث فيه يكفي لأن يكون قرينة على المنع والتحريم. 


فنحن لسنا أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها حتى لا يكون الإحداث قرينة على التحريم، وإنما نحن أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان معظم لذاته مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص. 


فإذا ثبت ذلك، انتقل الفعل من دائرة العادات والوسائل إلى دائرة التشريع وما يُقصد به التدين، وحينئذٍ يكون عدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون المفضلة ذا دلالة؛ لأن باب التشريع مبناه على التوقيف، ولا يكفي فيه مجرد وجود معنى حسن أو مقصد مشروع، بل لا بد من ثبوت أصل التخصيص وكيفيته وقصده.


وباختصار

الاستدلال بأصل الفاطميين في مسألة المولد ليس المراد منه ابتداء إثبات حرمة التشبه بهم، وإنما المراد إثبات تأخر ظهور هذه الهيئة الدينية وإحداثها. 


ثم يُبحث بعد ذلك في طبيعة هذا المحدث: أهو من قبيل الوسائل والعادات التي لا تستلزم إنشاء تشريع جديد، أم من قبيل الهيئات الدينية التي تستوجب إثبات تشريع جديد؟

فإن ثبت أنه من الثاني، كان وصف الإحداث وصفا مؤثرا في الحكم. 


وهنا لابد من تصريح مهم وهو:

أن الاحتفال بالمولد  ليس عادة محضة ولا وسيلة لتنفيذ عبادة ثابتة، وإنما هو تخصيص ديني لزمان معظم لذاته وهيئة وقصد، فيكون من جنس ما لا يثبت إلا بدليل شرعي.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الاثنين، 10 أغسطس 2026

حين يقاس #الاحتفال_بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة

حين يقاس الاحتفال بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة

آخر ما وصل إليه بعض الأشاعرة في آخركتاباتهم هذه الأيام هو تكييف الاحتفال بالمولد بأنه أداة تنظيمية كالمسبحة ومكبر الصوت!!!

في كل موسم يعود فيه الجدل حول الاحتفال بالمولد النبوي، تتكرر حجة واحدة بصياغات مختلفة وهي: الاحتفال وسيلة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتذكير بسيرته، والوسائل لها أحكام المقاصد.

وهي حجة تبدو للوهلة الأولى متماسكة وقوية، لكنها عند الفحص تكشف عن خلط أصولي دقيق بين نوعين مختلفين من الوسائل، كما سيأتي بيانه.

فحين يُستعمل مكبر الصوت لنقل الأذان أو الدعوة إلى الله، فإن هذه الآلات لا تحمل في ذاتها أي صورة تعبدية أو تشريعا مستقلا، وإنما هي مجرد ناقل لمحتوى عبادة قائمة أصلا دون أن تُغيّر في هيئتها الشرعية شيئا، فالأذان في الأصل هو مشروع وقائم، ومكبر الصوت آلة جامدة تنقل فقط
ولذلك وسع الشارع في استعمال الآلات في العبادات، كما وسع في عدِّ التسبيح بالحصى والنوى والمسبحة؛ لأن المقصود وهو الذكر: ثابت، والمتغير إنما هو الأداة، فهل الاحتفال بالمولد من هذا الجنس؟!!!
الجواب: لا،
أما الاحتفال بالمولد فهو أمر مختلف جوهريا عن المسبحة ومكبر الصوت؛ لأن الاحتفال بالمولد ليس أداة تنقل عبادة قائمة، وإنما هو في ذاته صورة تشريعية جديدة، مهما حاول المجوِّزون إبعاده عن هذا التكييف. وكيف لا يكون صورة تشريعية جديدة، وهو اجتماع سنوي مؤقت، مرتبط بتعظيم يوم له مراسمه وهيئاته المتكررة من قراءة وإنشاد ووعظ، ويقام بقصد طلب الأجر من الله؟

وقد يحاول بعض المجوِّزين تلافي هذا الخلط بإعادة تعريف الاحتفال بالمولد نفسه، فيصفونه بأنه أداة اجتماعية تنظيمية لا عبادة في ذاته، ثم يقيسونه على المسبحة وخطوط تنظيم الصفوف، بل وعلى البث المباشر والمراكز الدعوية.
لكن هذا لا يعدو أن يكون تغييرا في الاسم دون تغيير في الحقيقة؛ والعبرة في الأصول بالحقائق والمعاني لا بمجرد الألفاظ والمباني.

ومحك التمييز بين النوعين بسيط: هل يُقصَد الزمن ذاته بأن يُخص هذا اليوم بعينه بالتعظيم والتمييز عن سائر الأيام، أو أن التوقيت مجرد ظرف عملي عارض لا نظر فيه إلى ذات اليوم؟
وهل تقبل الوسيلة الاستبدال والنقل عن زمنها المقصود لذاته وهيئتها دون أن يفوت المعنى المقصود منها؟

يعني المسبحة يستعاض عنها بالأصابع دون ان يفوت شيء من مقصود الذكر؛ لأن القصد متعلق بالعدّ لا بالأداة، ولا يوجد فيها أصلا قصدٌ لزمن يُخص بالتعظيم. وخط الصف يُستعاض عنه بتوجيه شفهي؛ لأن القصد متعلق باستقامة الصف لا بوجود الخط بذاته.

أما الاحتفال بالمولد فلا يقبل أهله نقله عن تاريخه السنوي المحدد المقصود لذاته دون شعور بفوات المعنى؛ لأن تعلقه بذلك التاريخ في نفسه هو الذي يمنحه خصوصيته عندهم.
وهذا هو عين معنى العيد، فهو  أمر يتكرر دوريا مقترنا بزمان معين يُعظَّم ويقصد لذاته بالتكرار، لا مجرد نشاط اجتماعي عارض يمكن إقامته في أي وقت.

وبناء عليه: فقياس الاحتفال بالمولد على المسبحة ومكبر الصوت قياس مع الفارق المؤثر؛ لأن الآلة في البابين الأولين لا تحمل قصدا بذاتها لزمن يُخص بالتعظيم، بخلاف التوقيت السنوي في المولد الذي هو نفسه محل القصد والتعظيم عند من يحتفل به.

فالإحداث ليس في أصل الذكر أو المدح أو قراءة السيرة، فهذه كلها عبادات مشروعة في نفسها، وإنما في اتخاذ توقيت سنوي معين محلا للتخصيص والتعظيم لذاته، وهذا ما يحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيته.
وبهذا يبطل تكييفهم ويظهر عوره..

وثمة حجة أخرى للمجوِّزين، وهي أن الذكر عبادة مطلقة، ويجوز للمرء أن يخصص لها وقتا يتناسب مع حاله من غير أن يعتقد فبه فضلا خاصا، مستدلين بحديث: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، ثم يُقاس على ذلك تخصيص يوم المولد بالاحتفال.

لكن هذا القياس يغفل أيضا فارقا جوهريا وهو: أن يخصص الفرد لنفسه وقتا لورده الشخصي بما يناسب حاله من غير أن يقصد بذلك الزمن نفسه تعظيما أو تمييزا عن سائر الأزمنة، أمر يختلف تماما عن إنشاء تشريع جماعي عام للأمة بيوم معظم لذاته سنوي له اسمه ومراسمه وهيئاته المتكررة، يتوارثه الناس جيلا بعد جيل حتى يصير في الوعي العام شعيرة مستقرة.
فالأول تخصيص فردي لا ينشئ معلما دينيا عاما وليس،فيه شيذدء من معنى التشريع، والثاني إنشاء لصورة تعبدية جماعية تتكرر على وجه مخصوص وهذا تشريع.

ويستدل المجوِّزون أيضا بأن الأمة تفرح بيوم الجمعة، مع أنه يوم وفاة آدم عليه السلام، وتصوم عاشوراء احتفاء بنجاة موسى عليه السلام، مع أن في ذلك اليوم أحداثا أخرى، فكذلك يصح الفرح بالمولد.

إلا أن هذه المقارنة بعيدة من جهة الدليل؛ فتخصيص الجمعة بالفضل وتخصيص عاشوراء بالصوم كلاهما ثبت بدليل شرعي يحدد اليوم نفسه والعبادة نفسها، بما يعني أن الشارع نفسه هو الذي قصد تعظيم ذلك الزمن بعينه وشرع له عبادة موقوتة.
أما المولد فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصص هذا اليوم بهيئة احتفالية معينة، ولا ثبت ذلك عن أهل القرون المفضلة.
وإنما الذي ثبت في النصوص هو صيام يوم الاثنين، وهو دليل على مشروعية الصيام في ذلك اليوم تحديدا، لا على مشروعية تعظيم اليوم بذاته بكل صورة يُراد إلحاقها به.

فارتباط الاحتفال بالمولد  بتوقيت سنوي معظم لذاته يُقصد بالتكرار والتعظيم: يخرجه عن حكم الأداة القابلة للاستبدال، ويدخله في حكم الصورة التعبدية التي تحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيتها، ولا يكتفى في مشروعيتها بالنصوص المطلقة؛ إذ ليس النزاع في أصل المحبة، ولا في أصل الذكر، ولا في أصل قراءة السيرة، وإنما النزاع في إنشاء هيئة دينية مخصوصة مرتبطة بزمان معين مقصود لذاته.

وقد يقال: إن اختيار هذا اليوم ليس تعظيما شرعيا له،ولا قصدا للزمن لذاته، وإنما هو مجرد استحضار لحدث تاريخي.

وجوابه: أن مجرد كون المناسبة تاريخية لا يفسر وحده تخصيص يوم بعينه بتكرار ممارسة دينية مخصوصة فيه؛ إذ الكلام ليس في استحضار الحادثة أو التذكير بها، وإنما في تحويل تاريخها إلى موعد سنوي يتكرر فيه اجتماع ديني على هيئة مخصوصة، ويُقصد إقامته طلبًا للأجر.

أما إذا قيل: بل لا بد من إقامة هذا الاجتماع في هذا اليوم تحديدا دون غيره؛ لأن فواته يفوّت المولد نفسه، فقد ثبت أن للتاريخ أثرا مقصودا في إنشاء المناسبة، وأن اليوم ليس مجرد وعاء زمني عارض للفعل، وإنما هو عنصر أساسي.
وهنا يظهر الفرق بين استحضار حادثة تاريخية وبين تخصيص زمن بها على وجه ديني متكرر.

وليس معنى هذا أن كل تذكير بحدث تاريخي في يوم وقوعه يصبح بدعة؛ فمحل الكلام هو أن يتحول هذا التذكير إلى مناسبة دينية سنوية ذات هيئة، وتصبح لها مظاهر ثابتة وتكرار معلوم.

فإذا قيل: إننا لا نتعبد باليوم، وإنما نتعبد بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته، قلنا: هذا يعيدنا إلى أصل الإشكال؛ فلماذا جُمعت هذه العبادات في هذا اليوم على وجه التكرار السنوي دون غيره؟
إن قيل: لأن هذا اليوم يذكّر بالمولد، قلنا: فقد صار ارتباط الزمان بالحدث سببا في تخصيصه.
وإن قيل: إن هذا الارتباط لا أثر له في الحكم، وأن المقصود هو الذكر والسيرة، قلنا: إذن لا معنى لإلزام الناس بهذا التاريخ، ويصبح نقل الاجتماع إلى يوم آخر لا يغيّر شيئا من المقصود.
فإن كان النقل لا يضر، عاد المولد إلى مجرد مجلس سيرة أو ذكر يمكن إقامته في أي وقت.
وإن كان النقل يغيّر حقيقة المناسبة ويُفوّت المقصود من إقامتها، فقد ثبت أن التوقيت عنصر مقصود في هذه الممارسة، ولم يعد مجرد ظرف عارض.

ومن هنا فالنزاع ليس في حق الناس في تذكر مولد النبي صلى اللهعليهوسلم، ولا في مشروعية قراءة سيرته، وإنما في إضفاء خصوصية دينية على زمن معين وتكرار اجتماع على هيئة مخصوصة، من غير دليل يثبت هذه الخصوصية وهذه الهيئة.

فإن قلت: كثير من الناس يفعلها على وجه العادة؟
قيل: العادة الجماعية المتوارثة إذا استقرت على هيئة مخصوصة وتكرار سنوي معلوم، فإنها تنشئ في الوعي العام شعيرة دينية مستقلة، ولو نُفي عنها التعظيم اللفظي صراحة؛ لأن العبرة بالفعل المتكرر والهيئة الثابتة لا بمجرد الدعوى.
فحين يمارس المجتمع فعلا بمواصفات الشعيرة، لكنه يُسميه عادة هروبا من الإلزام بدليل، فهذا لا يغيّر طبيعة الفعل، وإنما يضفي عليه اسما مغايرا للحقيقته، كما لو سمّى أحدهم الصلاة الجماعية المتكررة في مواقيت ثابتة لقاء اجتماعيا لينفي عنها صفة العبادة؛ فالاسم لا يُغيّر الوصف.


فهل نحن أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها، أو أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص؟
فإن كانت الأولى فهي من العادات، وإن كانت الثانية فلا يكفي تسميتها عادة؛ لأن محل البحث حينئذ هو مشروعية هذا التخصيص الديني المتكرر.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_10.html

الأحد، 9 أغسطس 2026

دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني على الحاكم وإثارة الفتنة

 اقرأ بصبر وتأمل وتجرد


دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني وإثارة الفتنة


سمعت مقطعا للشي #عبد_العزيز_الطريفي يذكر فيه أن إثبات التلازم بين #الإنكار_العلني حال الغيبة وإثارة الفتنة العامة هو قصور في الفهم، وقرر أن هذا التلازم ينتفي إذا بيّن المنكِر أن الخروج والفتنة العامة محرمان.


وقد تأثر بهذا التقرير بعض طلبة العلم، وظنوا أن مجرد بيان حرمة الخروج كاف في إزالة المفسدة المترتبة على الإنكار العلني، حتى أصبح من الممكن بناء على هذا الفهم : أن يصعد خطيب على المنبر، فيوجه النقد إلى الحاكم في غيبته ويسميه ويشحن الناس عاطفيا، ويغذي مشاعر الغضب عليه، ثم يقول في خاتمة كلامه: «ولا يجوز الخروج عليه، ولا إثارة الفوضى».


والأخطر من ذلك أن هناك من يقرر أنه لا تلازم أصلا بين نقد الحاكم في غيبته وشحن الناس وبين الخروج أو الفتنة العامة، ولو لم يبيّن للناس حرمة الخروج، كما هو ظاهر في الخطابات المتأثرة بالفكر #القطبي و #السروري.


وهذا كله يتطلب منا أن نضع هذا التقرير تحت الميزان الشرعي، لننظر في مدى صحته ودقته.

ولا بد ابتداء من بيان أن لفظ «الإنكار العلني» يطلق على معان متباينة مختلفة الحكم، فهو إلى #الاشتراك_اللفظي أقرب.

فمن إطلاقاته:

1- إنكار الفعل المنكر نفسه من غير ذكر الحاكم ولا تعيينه, فهذا يسمى بـ«الإنكار العلني».

2- الإنكار على الحاكم في حضوره، بحيث يواجه بالإنكار مباشرة، وهذه لها أحكامها وقيودها, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».


3- الإنكار على الحاكم في غيبته مع تسميته والطعن فيه وذكر مثالبه أمام العامة, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».

4- ذكر الحاكم وتسميته عند بيان منكر صدر منه، من غير أن يتضمن الخطاب طعنا فيه أو تأليبا عليه، فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».


وكما يلاحظ القارئ الكريم أن هذه الصور ليست شيئا واحدا، ومن الخطأ المنهجي أن ينقل أحد كلام عالم يجوز فيها الإنكار العلني إذا صدر المنكر علنا، ككلام الألباني أو ابن عثيمين، ثم يحمل كلامهما على الصورة التي يريد هو إثباتها.


فقد يكون العالم الذي قال بجواز بعض صور الإنكار العلني يتحدث عن إنكار المنكر في نفسه، أو عن إنكار المنكر على الوالي بحضرته، أو عن بيان حكم شرعي عام لا يتعلق بتشهير الوالي أمام العامة، بينما ينزل الناقل كلامه على خطاب جماهيري في غيبة الحاكم، يتضمن تسميته وشحن العامة ضده.

وهذا من التدليس العلمي الذي لا يصدر إلا من جاهل أو صاحب هوى


وبعد بيان الاشتراك الواقع في لفظ «الإنكار العلني»: نخلص إلى دفع إشكال متوهم في قولنا بالتلازم :

لا نقول إن الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة استلزاما حتميا، كاستلزام المحدَث للمحدِث, وإنما نقول بالتلازم الغالبي بالنظر إلى مجموع الوقائع عبر التاريخ


وهذه نقطة لا بد من تحريرها؛ لأن كثيرا من الاعتراضات على هذا القول إنما نشأت من تصور أن القائل بالتلازم يدعي أن كل واقعة من الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا لا بد أن تنتهي إلى فتنة عامة, وهذا ليس هو محل النزاع.

فنحن لا نقول: «كل إنكار علني على الحاكم بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة حتما»,

وإنما نقول: «إن الإنكار العلني على الحاكم في حال غيبته بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا هو من الأسباب الرئيسة التي تفضي غالبا إلى تهييج النفوس وإثارة الفتنة، وهذا هو التلازم الغالبي الذي يراعى في أبواب المآلات.


ولهذا فإن وجود واقعة أو عدة وقائع لم تترتب فيها الفتنة العامة على الإنكار العلني لا يبطل أصل القول بالتلازم الغالبي؛ لأن القضايا الغالبية لا تنتقض بمجرد وجود بعض الصور التي تخلف فيها المآل.


كما أننا لسنا نقول/ إنه السبب الوحيد الذي ينتج المسبب, وإنما نقول: هو أحد أسباب.

ومن أقوى ما يدل على خطورة التشهير ما جاء عن عبد الله بن عكيم أنه قال «لا أعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان». فقيل له: أوأعنت عليه؟ فقال: «كنت أعد ذكر مساويه عونا على دمه».


وهذا الأثر وإن كان في سياق فتنة عثمان رضي الله عنه، إلا أنه شاهد مهم في الباب؛ لأنه يبين أن ذكر مساوي الحاكم لا ينظر إليه دائما باعتباره بيان منكر، وإنما يتحول إلى عامل إعانة على ما يترتب عليه من الفتنة.


ولا يعني ذلك أننا نخرج الإنكار العلني حال الغيبة الذي يكتفى فيه بذكر اسمه من غير تحريض ولا طعن من الحكم وهو المنع؛ إلا أن إفضاءه إلى الفتنة العامة أخف, وقد بينت ذلك فيما سبق. 


أما دعوى #الطريفي أن بيان حرمة الخروج يلغي بالضرورة مفسدة التشهير, فهذا لا يكفي في نفي مفسدة الفتنة العامة؛ لأن النفوس قد شحنت، والمشاعر قد تكون أثيرت، وصورة الحاكم في نفوس السامعين قد تغيرت، والناس قد خرجوا من المجلس وهم أشد غضبا عليه.

ومن هنا فالعاقل لا ينتظر حتى يصل الخطاب إلى التصريح بالخروج حتى يحكم بأن هناك خطرا على استقرار الناس, فكما أن سد باب الفتنة يكون قبل وقوعها، فإن اعتبار أسبابها ومقدماتها يكون قبل أن تصل إلى نهايتها.


فإن قيل: هل يعني ذلك تحريم بيان منكرات الحاكم مطلقًا؟ وهل يلزم من منع التشهير وجوب السكوت عن بيان الظلم؟


قيل: لا, فلا يلزم من القول بمنع صورة معينة من الإنكار العلني أن يقال بتحريم بيان المنكرات في كل حال, ولا يلزم من سد باب التشهير أن يفتح باب السكوت المطلق عن الظلم, فالنصوص الشرعية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابتة، وإنما الكلام في كيفية الإنكار، ومحله، ومن يخاطَب به، وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 3 أغسطس 2026

خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته

 خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته، ولا لكثرة مصنفاته وشروحه وتحقيقاته العلمية، كما أننا لا ننفي تأثر النووي بالمذهب #الأشعري في الجملة، ولا انتسابه إلى المتكلمين.

وإنما محل الخلاف هو المنهجية التي ساروا عليها في تبديع #النووي وابن حجر ووو، وفهمهم لإطلاقات #السلف، وطريقتهم في التعامل مع قضايا الأعيان.

فعندما يقول كبيرهم: إن الكلام في النووي وابن حجر وغيرهما من المسائل الظنية الاجتهادية، ثم يستنكر إنكارنا عليهم، فإنه لم يدرك حقيقة محل النزاع.

وللأسف، استطاعوا التأثير في عدد من الشباب صغار السن، ممن لم تتضح لهم حقيقة الخلاف، ولم يدرسوا طريقة العلماء في تخريج المناط وتهذيبه وتحقيقه.

وقد لاحظت أن أغلبهم من #سوريا ، مع أن فيها علماء وطلبة علم !!.

ولنقف وقفة مختصرة نبين فيها أصل الإشكال، ونتكلم عن حكم المقلد بين التبديع المباشر واشتراط إقامة الحجة

روى عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف، فقال: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».

هنا لا بد من تحرير أصل مهم:
المناط الذي ينطلق منه السلف في التبديع المباشر هو: علم المعيَّن بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، مع التزامه بذلك طواعية.

فمن يؤول صفة الاستواء -مثلا- وهو يعلم أن تأويله مبني على تقديم العقل على الشرع، وإبعاد النصوص عن الاحتجاج بها في باب الإلهيات، ثم يلتزم هذا الأصل مختارا؛ فهذا هو الذي يبدعه السلف مباشرة من غير اشتراط إقامة الحجة.
وإقامة الحجة عليه في هذه الحال تكون في باب التكفير، لا مجرد التبديع.

ولهذا المناط أمارتان ظاهرتان غالبا:

الأولى: ممارسة علم الكلام والدفاع عنه.

فمن مارس علم الكلام، وجادل عنه، واستدل له، كانت هذه أمارة على علمه بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، وهذا مما يصرح به عدد من أئمة المتكلمين، كالجويني، والآمدي، والقاضي عبد الجبار، وغيرهم.

الثانية: التقليد المحض، مع عدم ممارسة علم الكلام أو المجادلة عنه.

فهذه تدل بدلالة عكسية على انتفاء المناط السابق غالبا؛ لأن من لم يمارس النظر الكلامي ولا الاستدلال له، يغلب على الظن جهله بحقيقة مخالفته للكتاب والسنة، فتكون هذه أمارة على انتفاء العلم الموجب للتبديع المباشر.

وعليه، فالمقلد لا يُبدَّع بمجرد التقليد، وإن انتسب ظاهرا إلى مذهب كلامي؛ لانتفاء مناط التبديع في حقه.

وأتبه هنا إلى أنه إنما عُلِّق الحكم بالأمارة لغلبة اقترانها بالعلة، لا لأنها هي المعتبرة بذاتها.

ومن هنا يُفهم كلام الإمام أحمد: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم». فجعل مناط عدم التبديع المباشر كون الشخص غير معروف بعلم الكلام من جهة كونه أمارة وليس علة، ويدخل في ذلك غالب العوام والمقلدة.

نعم، قد توجد حالات نادرة تنفك فيها الأمارة عن العلة؛ كعامي لا يعرف بعلم الكلام ولا يمارس الجدل، لكنه ثبت أنه يعلم أن مذهبه يعارض النصوص، ومع ذلك يلتزمه راضيا مختارا،  فحينئذ يكون الحكم متعلقا بالعلة لا بمجرد الأمارة.

سؤال: هل يُبدَّع المقلد المنتسب إلى مذهب كلامي؟

والجواب أن المقلدين على نوعين:

النوع الأول: أن يأخذ الشخص بمقالة كلامية، وهو يظن أنه إنما يستند فيها إلى نص شرعي أو إجماع، لا إلى معارضة النصوص بالعقل، كما هو حال كثير من شراح الحديث، ومنهم النووي.

بمعنى أنه يؤول الصفة، فإذا سُئل: لم أولتها؟ قال: لأن هذا مقتضى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فهو يعتمد في ظنه على فهمه للنص، لا على أصل عقلي مجرد.
ومع أن هذا الفهم غير صحيح، ولا يوافق فهم السلف، وهو باطل قطعا وضلال إلا أن الكلام هنا في تبديع المعيَّن.

فهذا النوع لم ينتقض عنده أصل السنية؛ لأن مناطه هو الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع، بحسب اعتقاد المكلف وظنه.
فمن ظن أن تأويله موافق للنص، وهو في الحقيقة مخالف له، لم يخرج بهذا الظن عن دائرة من يعتبر في حقه مانع الجهل؛ لأن خطأه وقع في تطبيق المنهج، لا في أصل المنهج.

النوع الثاني: أن يأخذ الشخص ولو تقليدا بالمنظومة الكلامية الاستدلالية، مع علمه بأنها تقدم قواعد النظر العقلي على ظاهر النصوص.
فهذا لا يعذر بمجرد التقليد؛ لأن علة العذر بالتقليد هي ظن موافقة النص، أما هذا الصنف فهو يعلم أن منهجه يقدم العقل على النص، ثم يلتزم ذلك مختارا، وإن كان ناقلا عن غيره.
وهذه هي الحالة النادرة التي تنفك فيها الأمارة عن العلة.

فإن قيل: إذا كان الشخص داعية إلى البدعة، يقررها ويدعو إليها، فكيف يُجعل مقلدا معذورا؟

قيل: ليس كل داعية إلى البدعة يلزم أن يكون عالما بالأصل الكلامي الذي بنيت عليه البدعة، فقد يكون داعية إلى ما يعتقد أنه هو مقتضى الكتاب والسنة، وينقل ما تلقاه عن شيوخه، ويحتج بالنصوص، وهو يظن أن الحق معه، من غير أن يدرك أن هذا الفهم مبني في أصله على قواعد كلامية تخالف منهج السلف.
فمجرد الدعوة إلى بدعته لا تستلزم تحقق مناط التبديع الذي قررناه، وهو العلم بحقيقة مخالفة المنهج للكتاب والسنة والإجماع، مع الالتزام بذلك طواعية، وإنما تكون الدعوة أمارة على ذلك إذا اقترنت بممارسة أصول علم الكلام، والانتصار لها.

يقول بعضهم مستنكرا: إن اشتراط إقامة الحجة يلزم منه ألا نبدع أحدًا.

وهذا اعتراض ناشئ عن تصور غير دقيق لمعنى الحجة.

فعندنا رجلان:

الأول: يعلم أن منهجه مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ويلتزمه مختارا؛ فهذا نبيعه ولا نشترط قيه إقامة الحجة، وإقامة الحجة عليه تعني تكفيرة لا مجرد تبديعه.

والثاني: لا يعلم أن منهجه مخالف، بل يظن أنه منطلق من الكتاب والسنة؛ فهذا تقوم عليه الحجة بمعنى بيان خطأ ظنه، وإيضاح أن منهجه مخالف لما عليه السلف. وهذه هي الحجة التي نشترطها قبل تبديعه.

ولا يلزم من هذا الاشتراط تعطيل باب التبديع؛ لأن غاية ما يستثنى به هو المقلد الجاهل الذي يظن أنه مستند إلى النص، وهو صنف محدود، لا يشمل عامة أهل البدع المستقرين على مناهجهم والعارفين بأصولها.

وعليه، فإن دعوى أن اشتراط إقامة الحجة يؤدي إلى عدم تبديع أحد، دعوى مبالغ فيها، وهي من المغالطات التي يكثر تردادها عند محمد بن شمس الدين، ومن وافقه أو تأثر به.

كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار