لم أقل: الحسنات العامة وكثرة التصانيف تمنع التبديع بل ولا تمنع من التكفير
فهذه ليست موانع شرعية؛ إذ لا اعتبار شرعيا لمثل هذا كمانع مستقل، وإنما قد تكون قرائن في سياقات خاصة، والقرينة أعم من الدليل..كما أن المقصود ليس تسويغ أخطاء النووي..
والمقصود هنا التأصيل لباب الاحتياط في أحكام الأعيان...
والذي قلته بمعناه: حتى نحكم بالتبديع المباشر على المعين لابد من النظر إلى السلوك الاستدلالي عند المعين، ولابد أن نراعي أن الأصل بقاء السنة في المعين حتى يثبت خلافه، فذكر الاحتمالات هنا من باب التثبت في تنزيل الأحكام على المعين.
والأصل الذي يُبنى عليه هذا كله: أن خفاء الحق بطول الزمان واستحكام الشبهة معتبر شرعا في رفع وصف التبديع عن المعيّن، لكن بقيد لا بد من تحريره، وهو:
ثمة خط فاصل لا نعذر احدا بتجاوزه مهما صنف وكثرت حسناته، وهو تعظيم الوحي واعتباره حجة مستقلة لاسيما في خصوص باب الإلهيات الذي هو محور الجدل.
وهذا الخط هو الذي يشفع ابتداء لمن حققه أو حام حوله، سواء أخطأ بعد ذلك أم أصاب في التفاصيل.
فالجويني والرازي والآمدي والسنوسي لم يحترموا هذا الخط ابتداء في بابي الإلهيات والنبوات، فصدرت عنهم عبارات تنافي تعظيم الوحي بشبهات ذات أصل فلسفي، وأسّسوا منهجهم الاستدلالي على تقديم العقل الكلامي الذي وصفوه بالقطعي على ظاهر النص الذي وصفوه بالظني، لا عن تقليد، بل عن مناقشة ومجادلة مستقلة.
بينما النووي وأمثاله احترموا هذا الخط ولم يتجاوزوه تنظيرا، وما وقعوا فيه من تأويل كانوا يظنونه منطلقا من تعظيم الوحي والاستدلال به، فتمسكوا بما فهموه - وإن أخطأوا فيه - من قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ ونحوها.
فنحن نتكلم عن شخصين لا يستويان في الحكم: منظر مرجح ومقلد ناقل.
فالمنظر المرجح يطّرد عنده التأويل والتفويض؛ لأنه يعتقد المنهج الكلامي حجة مستقلة يصدر عنها اجتهاداا
وأما المقلد الناقل فلا يلزم اطراد منهجه، لأنه ليس صاحب منهج مستقل، فتارة ينسخ معتمد مذهبه كما هو، وتارة يخالفه بحسب ما يترجح له من النص في موضع بعينه.
فالمقلد الناقل: من ورث مدرسة فقهية كلامية فنقل معتمد مذهبه في كل مسألة يعرض لها، لا لأنه بحث المسألة كلاميا واستقل برأي، بل لأن هذا ما استقر عليه مصنفو مذهبه الذين ينقل عنهم فقها وعقيدة معا، وقد يرجح ويختار بناء على ما ظن أن دليل الشرع يسنده.
ولابد أن يختلف حكمه عمن أسّس منهجه الاستدلالي بنفسه، وهو الناظر المرجِّح،كما بين ذلك ابن القيم بوضوح
فقول النووي "قال أصحابنا كذا" في العقيدة نظير قوله "قال أصحابنا كذا" في الفقه إنما هو نقل لمعتمد مذهب المتأخرين الذي مزج الفقه بالعقيدة، لا اجتهاد كلامي مستقل.
فالنووي وارث لخطإ تراكمي عبر قرون، لا مُصدِر له ابتداء ولا مجادل عنه.
وعلى هذا الأصل جرى صنيع أهل العلم المتأخرين: بدعوا الجويني والرازي، ولم يبدِّعوا النووي وابن حجر، وما خالف في ذلك إلا من لم يفهم منهج أهل السنة في توسعة دائرة العذر لمن لم يتجاوز الخط الأحمر.
وإذا حررنا مثال الكرابيسي
فالكرابيسي لم يكن ناقلا لمسألة موروثة عبر قرون، وإنما كان محدثا لصيغة جديدة "لفظي بالقرآن مخلوق" في وقت المحنة نفسها، وهي صيغة رآها الإمام أحمد حيلة لتمرير القول بخلق القرآن، فكان الكرابيسي بذلك مشاركا فاعلا في صناعة الخلاف وقت نزاعه الحي، لا وارثا لمذهب مستقر، وهذه المشاركة المباشرة في إنتاج القول المحدَث لحظة نزاعه هي التي تُخرج صاحبها من دائرة الوارث المقلد المعذور إلى دائرة المحدِث المسؤول.
وبهذا يتبين لك أن تبديع المعيّن عند السلف له فقهه الخاص، وليس قواعد آلية مطردة أو قوانين رياضية كما يظن محمد شمس الدين وأمثاله، ممن يحسبون أنه ما دام السلف حكموا على منكِر العلو بالكفر، فكل منكِر للعلو يجب أن يكون كافرا وإلا كان ذلك تركا لمذهب السلف؛ وما دام العلماء حكموا على الأشعرية بالبدعة، فيجب أن يكون كل من انتسب إليها مبتدعا، ولو كان مجرد ناقل معظم لأصل الوحي.
قد يقال: ما الفرق بين الرازي والنووي؟
وجوابه: الرازي صرّح في كتبه بالقانون الكلي في تقديم العقل على النقل عند التعارض واستدل له، وهذا تنظير مستقل صريح لمنهج استدلالي، لا نقل عن مذهب.
أما النووي فلم ينظر له، ولا صنف كتابا في أصول الكلام أو قواعد تقديم العقل، وإنما غاية ما عنده نقل واستشهاد بأقوال متكلمي مذهبه في سياق شرح الحديث والفقه.
فإن قيل: أليس نقل النووي لأقوال أصحابه في العقيدة، مع تقصيره في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، تفريطا يستوجب اللوم بذاته؟
وجوابه: هذا اعتراض في محله من جهة التقصير، لكنه لا يرقى لموجب التبديع، فالتفريق هنا بين درجتين: تقصير في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، وهذا مما يُلام عليه المرء تقصيرا، وبين إحداث منهج مخالف للسنة في الاستدلال ينتظم عليه، وهذا هو مناط التبديع.
فالنووي مقصر في عدم استقلاله بالنظر، لكنه ليس مؤسِّسا لمذهب مخالف ولا مجادلا عنه منظرا له.
فإن قيل: ألا يلزم من هذا التقرير أن كل متأخري الأشاعرة معذورون بإطلاق؟
وحوابه: لا يلزم ذلك، لأن الضابط ليس الانتساب للمذهب ط، وإنما الضابط تحقق حال النقل في شخص كل معيّن بعينه، وهذا يقتضي النظر الفردي في كل عالم: هل صنّف في أصول الكلام مستقلا أو اقتصر على النقل؟
فقد يكون بعض متأخري الأشاعرة قد جاوز حد النقل إلى نظر مستقل، فيُبدَّع كالرازي، وقد يقتصر آخرون على النقل فيُعذرون كالنووي.
وعلى هذا التقرير يظهر خطأ هذا المسلك الذي سلكه محمد شمس الدين وأمثاله، إذ لا يصح تعميم حكم الطائفة على كل معين منتسب إليها، بل لا بد من تحقيق المناط في كل معيّن كما هو أصل هذا الباب من أوله.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار