خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته، ولا لكثرة مصنفاته وشروحه وتحقيقاته العلمية، كما أننا لا ننفي تأثر النووي بالمذهب #الأشعري في الجملة، ولا انتسابه إلى المتكلمين.
وإنما محل الخلاف هو المنهجية التي ساروا عليها في تبديع #النووي وابن حجر ووو، وفهمهم لإطلاقات #السلف، وطريقتهم في التعامل مع قضايا الأعيان.
فعندما يقول كبيرهم: إن الكلام في النووي وابن حجر وغيرهما من المسائل الظنية الاجتهادية، ثم يستنكر إنكارنا عليهم، فإنه لم يدرك حقيقة محل النزاع.
وللأسف، استطاعوا التأثير في عدد من الشباب صغار السن، ممن لم تتضح لهم حقيقة الخلاف، ولم يدرسوا طريقة العلماء في تخريج المناط وتهذيبه وتحقيقه.
وقد لاحظت أن أغلبهم من #سوريا ، مع أن فيها علماء وطلبة علم !!.
ولنقف وقفة مختصرة نبين فيها أصل الإشكال، ونتكلم عن حكم المقلد بين التبديع المباشر واشتراط إقامة الحجة
روى عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف، فقال: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».
هنا لا بد من تحرير أصل مهم:
المناط الذي ينطلق منه السلف في التبديع المباشر هو: علم المعيَّن بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، مع التزامه بذلك طواعية.
فمن يؤول صفة الاستواء -مثلا- وهو يعلم أن تأويله مبني على تقديم العقل على الشرع، وإبعاد النصوص عن الاحتجاج بها في باب الإلهيات، ثم يلتزم هذا الأصل مختارا؛ فهذا هو الذي يبدعه السلف مباشرة من غير اشتراط إقامة الحجة.
وإقامة الحجة عليه في هذه الحال تكون في باب التكفير، لا مجرد التبديع.
ولهذا المناط أمارتان ظاهرتان غالبا:
الأولى: ممارسة علم الكلام والدفاع عنه.
فمن مارس علم الكلام، وجادل عنه، واستدل له، كانت هذه أمارة على علمه بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، وهذا مما يصرح به عدد من أئمة المتكلمين، كالجويني، والآمدي، والقاضي عبد الجبار، وغيرهم.
الثانية: التقليد المحض، مع عدم ممارسة علم الكلام أو المجادلة عنه.
فهذه تدل بدلالة عكسية على انتفاء المناط السابق غالبا؛ لأن من لم يمارس النظر الكلامي ولا الاستدلال له، يغلب على الظن جهله بحقيقة مخالفته للكتاب والسنة، فتكون هذه أمارة على انتفاء العلم الموجب للتبديع المباشر.
وعليه، فالمقلد لا يُبدَّع بمجرد التقليد، وإن انتسب ظاهرا إلى مذهب كلامي؛ لانتفاء مناط التبديع في حقه.
وأتبه هنا إلى أنه إنما عُلِّق الحكم بالأمارة لغلبة اقترانها بالعلة، لا لأنها هي المعتبرة بذاتها.
ومن هنا يُفهم كلام الإمام أحمد: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم». فجعل مناط عدم التبديع المباشر كون الشخص غير معروف بعلم الكلام من جهة كونه أمارة وليس علة، ويدخل في ذلك غالب العوام والمقلدة.
نعم، قد توجد حالات نادرة تنفك فيها الأمارة عن العلة؛ كعامي لا يعرف بعلم الكلام ولا يمارس الجدل، لكنه ثبت أنه يعلم أن مذهبه يعارض النصوص، ومع ذلك يلتزمه راضيا مختارا، فحينئذ يكون الحكم متعلقا بالعلة لا بمجرد الأمارة.
سؤال: هل يُبدَّع المقلد المنتسب إلى مذهب كلامي؟
والجواب أن المقلدين على نوعين:
النوع الأول: أن يأخذ الشخص بمقالة كلامية، وهو يظن أنه إنما يستند فيها إلى نص شرعي أو إجماع، لا إلى معارضة النصوص بالعقل، كما هو حال كثير من شراح الحديث، ومنهم النووي.
بمعنى أنه يؤول الصفة، فإذا سُئل: لم أولتها؟ قال: لأن هذا مقتضى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فهو يعتمد في ظنه على فهمه للنص، لا على أصل عقلي مجرد.
ومع أن هذا الفهم غير صحيح، ولا يوافق فهم السلف، وهو باطل قطعا وضلال إلا أن الكلام هنا في تبديع المعيَّن.
فهذا النوع لم ينتقض عنده أصل السنية؛ لأن مناطه هو الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع، بحسب اعتقاد المكلف وظنه.
فمن ظن أن تأويله موافق للنص، وهو في الحقيقة مخالف له، لم يخرج بهذا الظن عن دائرة من يعتبر في حقه مانع الجهل؛ لأن خطأه وقع في تطبيق المنهج، لا في أصل المنهج.
النوع الثاني: أن يأخذ الشخص ولو تقليدا بالمنظومة الكلامية الاستدلالية، مع علمه بأنها تقدم قواعد النظر العقلي على ظاهر النصوص.
فهذا لا يعذر بمجرد التقليد؛ لأن علة العذر بالتقليد هي ظن موافقة النص، أما هذا الصنف فهو يعلم أن منهجه يقدم العقل على النص، ثم يلتزم ذلك مختارا، وإن كان ناقلا عن غيره.
وهذه هي الحالة النادرة التي تنفك فيها الأمارة عن العلة.
فإن قيل: إذا كان الشخص داعية إلى البدعة، يقررها ويدعو إليها، فكيف يُجعل مقلدا معذورا؟
قيل: ليس كل داعية إلى البدعة يلزم أن يكون عالما بالأصل الكلامي الذي بنيت عليه البدعة، فقد يكون داعية إلى ما يعتقد أنه هو مقتضى الكتاب والسنة، وينقل ما تلقاه عن شيوخه، ويحتج بالنصوص، وهو يظن أن الحق معه، من غير أن يدرك أن هذا الفهم مبني في أصله على قواعد كلامية تخالف منهج السلف.
فمجرد الدعوة إلى بدعته لا تستلزم تحقق مناط التبديع الذي قررناه، وهو العلم بحقيقة مخالفة المنهج للكتاب والسنة والإجماع، مع الالتزام بذلك طواعية، وإنما تكون الدعوة أمارة على ذلك إذا اقترنت بممارسة أصول علم الكلام، والانتصار لها.
يقول بعضهم مستنكرا: إن اشتراط إقامة الحجة يلزم منه ألا نبدع أحدًا.
وهذا اعتراض ناشئ عن تصور غير دقيق لمعنى الحجة.
فعندنا رجلان:
الأول: يعلم أن منهجه مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ويلتزمه مختارا؛ فهذا نبيعه ولا نشترط قيه إقامة الحجة، وإقامة الحجة عليه تعني تكفيرة لا مجرد تبديعه.
والثاني: لا يعلم أن منهجه مخالف، بل يظن أنه منطلق من الكتاب والسنة؛ فهذا تقوم عليه الحجة بمعنى بيان خطأ ظنه، وإيضاح أن منهجه مخالف لما عليه السلف. وهذه هي الحجة التي نشترطها قبل تبديعه.
ولا يلزم من هذا الاشتراط تعطيل باب التبديع؛ لأن غاية ما يستثنى به هو المقلد الجاهل الذي يظن أنه مستند إلى النص، وهو صنف محدود، لا يشمل عامة أهل البدع المستقرين على مناهجهم والعارفين بأصولها.
وعليه، فإن دعوى أن اشتراط إقامة الحجة يؤدي إلى عدم تبديع أحد، دعوى مبالغ فيها، وهي من المغالطات التي يكثر تردادها عند محمد بن شمس الدين، ومن وافقه أو تأثر به.
كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار