هل كان احتجاجنا بأن أول من أحدث الاحتفال بالمولد هم الفاطميون مسوقا ابتداء لمنع التشبه بهم؟
هكذا فهم بعض الأشاعرة والمتصوفة، فاحتاج مني أن أبين لهم:
ذِكر أن أول من احتفل بالمولد هم الدولة العبيدية في هذا السياق
إنما سيق ابتداء لإثبات وصف الإحداث، وأما التشبه فليس هو الغلة لأصلية من ذكر هذه الحجة وإنما هو تبع لها ولازم عنها.
فبيان تاريخ أول ظهور الاحتفال بالمولد إنما هو قرينة تاريخية على تأخر هذا الاحتفال عن القرون الثلاثة المفضلة؛ إذ محل الاعتبار في باب المحدثات الدينية هو: هل ثبت هذا الفعل عن النبي صلىاللهعليهوسلم، أو عن أصحابه، أو عن القرون المفضلة، أو ظهر بعدهم بوصفه؟
وعليه، فالعبرة في أصل الاستدلال ليست بكون أول من أحدث المولد فاطميا باطنيا أو غير فاطمي، وإنما العبرة بعدم ثبوت هذه الهيئة التشريعية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون المفضلة، مع ظهورها بعد ذلك بوصفها هيئة دينية مخصوصة.
أما الاعتراض القائم على أن أول من احتفل به من أهل السنة في مقابل الشيعة هو الملك المظفر كوكبري
فهذا لا ينقض أصل الاستدلال؛ لأن البعد الزمني عن القرون المفضلة إلى القرن السابع الهجري تقريبا ثابت ومتحقق سواء كان أول من فعله فاطميا باطنيا أو غير فاطمي، وكلا الاحتمالين متأخر عن العصور التي وقع اعتبارها في التمييز بين ما هو من الدين وما أُحدث فيه.
ومع ذلك يجب أن يفهم هؤلاء أمرا وهو: أن ثبوت الإحداث لا يعني بمجرده أن كل ما لم يُفعل في القرون المفضلة يكون محرما؛ فهذه مرحلة أخرى من البحث لا بد من تحريرها.
فلا تقل: الهاتف محدث والسيارة محدثة وو
إذ بعد ثبوت وصف الإحداث، ينظر في الفعل المحدث نفسه: هل هو من جنس العادات والوسائل والتنظيمات، أو هو من جنس العبادات والتشريعات؟
فإن كان من قبيل العادات المحضة أو الوسائل التنظيمية لم يكن مجرد عدم ثبوته عن القرون المفضلة كافيا للحكم بالتحريم؛ لأن الأصل في العادات والوسائل الإباحة، ولأن العبرة فيها بتحقق المقصود المشروع.
ولهذا فإن ما أحدثه الفاطميون من تنظيم السُّماط لتوزيع الطعام في رمضان لا يعد إنشاء لحكم شرعي جديد؛ إذ لم ينشئوا أصل الإطعام، فمن فطر صائما له أجر خاص، وإنما استحدثوا صيغة تنظيمية لتنفيذ ما هو مشروع ثابت بأصل الشرع.
فلو نُقلت هذه الموائد إلى غير رمضان، أو تغير شكلها الإداري والتنظيمي لم يتغير بذلك أصل الحكم؛ لأن المتغير هو الوسيلة والصورة، وأما أصل الإطعام فثابت بدليله، كما قررناه سابقا في مكبر الصوت والمسبحة.
أما الاحتفال بالمولد، فليس هو مجرد وسيلة تنظيمية لتنفيذ عبادة ثابتة، ولا مجرد صورة عارضة لتحقيق معنى مشروع؛ وإنما هو إنشاء هيئة دينية مخصوصة، قوامها اجتماع مخصوص وأعمال وأذكار مخصوصة في وقت سنوي مخصوص ومعظم لذاته، مع قصد إحياء المناسبة الدينية في ذلك التاريخ بعينه على وجه يتكرر ويقصد به الأجر.
وهذا النوع ثبوت الإحداث فيه يكفي لأن يكون قرينة على المنع والتحريم.
فنحن لسنا أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها حتى لا يكون الإحداث قرينة على التحريم، وإنما نحن أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان معظم لذاته مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص.
فإذا ثبت ذلك، انتقل الفعل من دائرة العادات والوسائل إلى دائرة التشريع وما يُقصد به التدين، وحينئذٍ يكون عدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون المفضلة ذا دلالة؛ لأن باب التشريع مبناه على التوقيف، ولا يكفي فيه مجرد وجود معنى حسن أو مقصد مشروع، بل لا بد من ثبوت أصل التخصيص وكيفيته وقصده.
وباختصار
الاستدلال بأصل الفاطميين في مسألة المولد ليس المراد منه ابتداء إثبات حرمة التشبه بهم، وإنما المراد إثبات تأخر ظهور هذه الهيئة الدينية وإحداثها.
ثم يُبحث بعد ذلك في طبيعة هذا المحدث: أهو من قبيل الوسائل والعادات التي لا تستلزم إنشاء تشريع جديد، أم من قبيل الهيئات الدينية التي تستوجب إثبات تشريع جديد؟
فإن ثبت أنه من الثاني، كان وصف الإحداث وصفا مؤثرا في الحكم.
وهنا لابد من تصريح مهم وهو:
أن الاحتفال بالمولد ليس عادة محضة ولا وسيلة لتنفيذ عبادة ثابتة، وإنما هو تخصيص ديني لزمان معظم لذاته وهيئة وقصد، فيكون من جنس ما لا يثبت إلا بدليل شرعي.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار