للمتخصصين
إلزامٌ لمتأخري الأشاعرة لا يمكنهم الفرار منه مهما حاولوا: لماذا يلزم من إثبات اليد العضوية ولا يلزم من إثبات العلم الافتقار؟
لهم في ذلك مخرجان في الجملة:
الأول: أن اليد والوجه وصفات الأعيان لا تنفك في الشاهد عن لوازم المخلوق، فتكون هذه اللوازم لازمة لكل موصوف بها.
الثاني: أن الوضع اللغوي لصفات المعاني كالعلم وقع ابتداء على معنى كلي مجرد بخلاف اليد وصفات الأعيان فهي وضعت على العضو المادي.
أما الجواب عن المخرج الأول لهم فهو:
إن اقتران الصفة في الشاهد بلوازم المخلوق وخصائص الحدوث لا يكفي بمجرده لإثبات أن هذه الخصائص داخلة في أصل مدلولها اللغوي، أو لازمة لها في كل موصوف.
يعني كون اليد في المخلوق عضوا ولحما ودما لا يعني أن هذه الخصائص جزء من معناها اللغوي، ولا أنها لازمة لها في حق الله تعالى.
فالعلم والقدرة والحياة والإرادة في حق المخلوقين لا تنفك في الشاهد عن الافتقار إلى محل مخلوق وأحوال وخصائص محدثة، فعلم الإنسان يقع ضمن أحوال مخلوقة، ويقترن في أحواله المعتادة بأسباب وآلات وحدود، كما تعرض له أحوال الجهل والنسيان؛ ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه الخصائص كلها داخلة في أصل مفهوم العلم
ومع ذلك يثبت الأشعري هذه الصفات لله تعالى على الحقيقة، ويجردها عن سائر خصائص ولوازم النقص المحدثة والافتقار إلى محل حادث، مقرا بوجوب التمييز بين أصل الصفة وما يقترن بها في المخلوق.
فإذا كان مجرد اقتران الصفة في الشاهد بخصائص الأجسام المخلوقة لا يقتضي دخول تلك الخصائص في حقيقة معناها اللغوي، لزم من يدعي أن صفات كالوجه واليدين تستلزم العضوية المحدثة والتركيب الجسماني المخلوق في حق الله أن يقيم دليلا مستقلا على هذا اللزوم، ولا يسوغ له الاكتفاء بالاحتجاج بالصورة المشاهدة في المخلوق.
وعليه فإن قالوا: اليد تستلزم الجارحة والعضو المركب.
قيل لهم: والعلم والإرادة يستلزمان الافتقار إلى محل حادث في الشاهد، فالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر
وأما الجواب عن المخرج الثاني لهم فهو:
فر الأشعري إلى اللغة زاعما أن العلم والقدرة موضوعة في أصل لسان العرب لمعان مجردة، واقترانها بالأدوات عارض، بينما اليد والوجه موضوعة لأعيان وأجزاء وأعضاء مركبة، فحملها على الحقيقة مع نفي العضوية خروج عن موضوع اللفظ
والجواب عن هذا من وجوه برهانية متظافرة، إلا أني سأذكر منها وجها واحدا على سبيل الاختصار وهو: أن صفات الأعيان كاليد لم توضع في لغة العرب على الذوات التي لا تقبل الاشتراك الكلي، وإنما وضعت على القدر المشترك الكلي الذهني (مطلق المعنى) الذي يصح صدقه على أفراد متعددة، والتخصيص إنما يقع بحسب الإضافة، لا بأصل الوضع، فاللفظ المفرد يدل على مطلق المعنى والماهية، وإنما تتحدد الكيفيات والخصائص المادية بـالإضافة والتقييد لا بمجرد الوضع؛ فالعضوية واللحم والعظم من لوازم المضاف إليه المخلوق لافتقاره وعجزه، وليست من صلب مدلول اللفظ الكلي.
وأما قول الأشعري: إن المتبادر إلى ذهن السامع عند إطلاق لفظ اليد هو الجارحة، والتبادر أمارة الحقيقة في اللغة، فإيهام التشبيه في صفات الأعيان أشد وأظهر منه في صفات المعاني.
فجوابه: أن التبادر الحاصل في ذهن السامع ليس ناشئا عن الوضع اللغوي الأصلي للفظ، وإنما هو تبادر عارض ناشئ عن إلف المشاهدة المحسوسة في الشاهد، وما كان ناشئا عن الإلف والمشاهدة لا يكون شرطا ولا جزءا في أصل وضع اللفظ.
كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار