الجمعة، 13 مارس 2026

هل الحرب على إيران حرب دينية؟

 هل الحرب على إيران حرب دينية؟

يستثمر بعضهم تصريحات لبعض المسؤولين الغربيين حول البعد الديني للصراع؛ ليجعل ذلك مسوغًا للقول بوجوب الوقوف مع إيران باعتبار أن الحرب عليها حربٌ دينية على الإسلام.

غير أن الأقرب إلى الواقع أن الحرب على إيران  ليست في أصلها حربًا دينية، وإنما هي حرب نفوذٍ وهيمنةٍ وصراعٍ على مراكز التأثير في الاقتصاد العالمي وممرّاته الحيوية.
فالموقع الجغرافي لإيران، وتحكّمها النسبي في مسارات الطاقة والتجارة، يجعلها جزءًا من صراع دولي أوسع يتعلّق بتوازنات القوة والنفوذ أكثر مما يتعلّق بالعقائد الدينية.

ومع ذلك، فهذا لا ينفي أن بعض الأطراف قد تستثمر البعد الديني في تفسير الصراع أو تعبئة الأنصار أو إضفاء معنى عقدي على ما يجري.

ومن هنا يظهر حضور عدد من التصورات الدينية في خطاب هذه الأطراف، وغالبًا ما يُربط ذلك بفكرة المخلّص المنتظر أو بالأحداث التي تسبق ظهوره.

ففي المعتقد الشيعي الإمامي

تذكر الروايات الشيعية أن خروج المهدي المنتظر يسبقه اضطراب عظيم في العالم، وحروب واسعة يكثر فيها القتل والفساد، حتى تمتلئ الأرض جورًا وظلمًا، ثم يخرج المهدي ليملأها عدلًا.
وهو عند الرافضة سيصلب أبا بكر وعمر، ويقيم على عائشة حد الزنا قاتلهم الله

وفي المعتقد اليهودي

ينتظر اليهود ما يسمونه بـ  المخلّص، وهو عندهم من نسل داود عليه السلام، يأتي في آخر الزمان ليجمع اليهود ويقيم لهم ملكًا عظيمًا، ويعيد بناء الهيكل في أورشليم.
وقد ارتبطت هذه الفكرة في الفكر الصهيوني الحديث بمشروع إعادة تجميع اليهود في فلسطين وإقامة دولة قوية تكون مركز السيادة والنفوذ.
والخلاص قد يكون  بعودة المسيح الذي هو من نسل داود أو بقيام دولة المسيح وإن لم يأت المسيح...

وفي المعتقد النصراني

انتظار عودة المسيح عيسى عليه السلام في آخر الزمان بعد ما صلب نفسه، ليقيم ملكوت الله ويخلّص العالم من الشرور والظلم.

ومن هنا ينبغي التفريق بين الدوافع الحقيقية للصراع التي تدور غالبًا حول النفوذ والمصالح، وبين الخطابات الدينية التي قد تُوظَّف في تفسيره أو تسويقه.

اللهم أهلك الظالمين بالظالمبن
د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 8 مارس 2026

حكم معاملة (2000) دولار عبر المنصة

حكم معاملة (2000) دولار عبر المنصة

بعد الدخول إلى المنصة وتسجيل البيانات واختيار شركة صرافة وصدور الموافقة من شركة الصرافة يتم حجز قيمة الدولار بالدينار الليبي..

وقد استشكل كثير من الناس ما يقع في هذه المعاملة من حجز قيمة العملة بالدينار من حساب الزبون، ثم تأخر إيداع الدولار في حسابه مدة من الزمن، وظن بعضهم أن هذا التأخر قد يوقع في ربا النسيئة لعدم تحقق التقابض في بيع العملات.

والأقرب فقهيًا في رفع هذا الإشكال وتجويز المعاملة أن يقال: إن عقد الصرف لا ينعقد بمجرد حجز المصرف للقيمة بالدينار الليبي من حساب الزبون، وإنما ينعقد عند التنفيذ الفعلي وقيد الدولار في الحساب.
فالحجز الإلكتروني ليس عقد صرف، وإنما إجراء تمهيدي...

وتوضيح ذلك فيما يأتي:

أولًا:
يشترط في بيع العملات (الصرف) حصول التقابض في المجلس، إما قبضًا حسيًا كاستلام العملة باليد، أو قبضًا حكميًا يقوم مقامه، ومن صور القبض الحكمي المعاصرة القيد المصرفي الذي يثبت به المال في الحساب ويتمكن صاحبه من التصرف فيه.

ثانيًا:
عندما تقوم شركة الصرافة بطلب شراء الدولار عبر منظومة مصرف ليبيا المركزي: توجه المنظومة المصرف التجاري إلى الحجز على المقابل بالدينار من حساب الزبون. فيقوم المصرف التجاري – بوصفه وكيلاً – بحجز قيمة العملة فقط، دون أن يتم في هذه المرحلة بيع العملة أو تحويلها.

ولهذا فهذه المرحلة ليست بيعًا ولا صرفًا، وإنما مجرد حجز لضمان توفر المقابل المالي. فمجرد حجز المصرف التجاري لقيمة العملية بالدينار الليبي من حساب الزبون لا يُعد صرفًا، ولا يعد قبضًا إلكترونيًا؛ لأنهلا يترتب عليه التمكين من التصرف وهو إحراء،ضماني فقط.
ومن الطبيعي تبعًا لذلك أن يتأخر دخول الدولار في حساب المشتري؛ لأن عملية الصرف لم تتم بعد، وإنما هي في طور الإجراءات التنظيمية، ويشبه ذلك ما يقع في الشيك المصدق من حجز المبلغ دون انتقاله في الحال،
وللمشتري خيار إلغاء الطلب قبل التنفيذ.

أما شركة الصرافة في هذه المرحلة فدورها وساطة تنظيمية ..ويسكنها المصرف من الاطلاع على حساب الزبون وتوفر القيمة فيه...

ثالثًا:
بعد اعتماد الطلب وتنفيذه عبر المنظومة، يتم في الوقت نفسه اقتطاع المقابل بالدينار الليبي وقيد قيمة الدولار في حساب الزبون..
وهذا القيد هو القيد الفعلي الذي يتحقق به القبض الحكمي المعتبر شرعًا، وإن تأخر تسليم البطاقة..

وعليه فهذه المعاملة صحيحة من حيث الأصل، ولا يؤثر تأخر التسوية الفنية بين المصارف على صحتها ما دام القيد الفعلي للعملة قد تم.

كما لا يؤثر على صحة المعاملة عدم توفر سيولة نقدية من الدولار يمكن للزبون سحبها في لحظة إبرام العقد؛ لأن المعتبر في القبض الحكمي ثبوت المال في الحساب والتمكن من التصرف فيه، لا مجرد التمكن الفوري من سحبه نقدًا.

والله أعلم.

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/03/2000.html

الجمعة، 6 مارس 2026

الموقف من الحرب على إيرااان ينظر فيه لمصلحة الأمة المستضعفة

يظن بعض الناس أننا عندما نفرح بكسر شوكة اليهووود ونظام إيرااان معًا، فإننا غافلون عما يصرّح به بعض الأمريكييين وغيرهم من أن ما يجري هو حرب ذات أبعاد دينية، وأنهم لا يرون حرجًا في أن يسيطر اليهووود على أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، وأن هناك تحالفًا صهيوو-أمرييكيًا يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة ورسم ملامح النظام العالمي القادم، وتحديد من سيبقى مؤثرًا فيه. 


لم نكن غافلين عن هذا، فقد أصبح يدركه الصغير والكبير...

غير أن الواقع المؤلم هو أن أهل السنة في هذه المرحلة ليس لهم في هذه الأحداث إلا موقع المتفرج، إذ لا يملكون القدرة على خوض مثل هذه المواجهات الكبرى. 


وعلى أهل السنة أن لا يبقوا مكتوفي الأيدي متفرجين، بل عليهم أن يسعوا لتقوية صفهم وتوحيد كلمتهم، متعاونين على النهوض بأمتهم مستعصين على عدوهم....... 


لكن إدراكنا لهذا الواقع لا يعني أبدًا أن نصوّر إيراااان على أنها الحارس لبيضة الإسلام، أو أن نعتبر انتصاراتها انتصاراتٍ للدين وحمايةً لبلاد المسلمين، كما يفعله الإخوان ومن تأثر بطرحهم ... 


فإيراان لم تدخل هذه المعركة دفاعًا عن الأمة، بل دفاعًا عن نفسها ومشروعها؛ فهي تقاتل لتضمن لنظامها موطئ قدم في النظام العالمي الجديد، وتسعى بكل ما تملك من قوة إلى بقاء النظام الخميني الصفوي واستمراره. 


فإيرااان لم تدخل المعركة لتمثل الإسلام، ولا لتحافظ على بلدان المسلمين، وإنما هي دولة ظاهرها الإسلام وباطنها الكفر. 

وبهذا يدرك المرء مدى بُعد وسذاجة من انطلق في الوقوف مع إيرااان على أن المعركة دائرة بين مسلمٍ يمثل الإسلام وكافرٍ يحاربه. 


وإنما المناط الذي يدور عليه الموقف هو: أيهما أشد ضررًا على المسلمين؟ 


فبعضهم يصور أن النظام الإيراااني فيه خير للمسلمين وغفل أنه نظام لا يقل عداوة ولا خطورة على المسلمين من عداوة اليهوود؛ فاستباحة دماء أهل السنة لديه ليست مجرد سياسة عابرة، بل هي امتداد لعقيدة راسخة. وقد شهدت العقود الأخيرة في العراق وسوريا ولبنان قتلًا وتشريدًا واسعًا لأهل السنة، ربما يفوق ما ارتكبه الصهاااينة، وخطرهم على عقيدة أهل السنة أعظم من خطر اليهوود... 


كما أن النظرة العقدية لدى كثير منهم تعتبر دول أهل السنة دولًا كافرة، وترى قتالها أولى من قتال اليهود والنصارى. ومن يطالع التراث الرافضي يدرك حجم الهوة العقدية بينه وبين عقيدة أهل السنة. 


ومن يظن أن انتصار إيرااان هو انتصار للإسلام، فإنه يتغافل عن حقيقة المشروع الذي تسعى إليه؛ مشروع يقوم على عقيدة تكفير الصحابة، ولعن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وتقتيل أهل السنة، وجعل المعتقد الرافضي الاثني عشري أساسًا لدستور الدولة ونظامها. 


ومع ذلك، فنحن لسنا مع استيلاء اليهوود على إيرااان؛ لأن تمكّنهم قد يقرّبهم من تحقيق مشروعهم التوسعي في المنطقة، وهو أمر لا يخدم مصالح أمرييكا نفسها،مما يفسر لنا إقحام أمرييكا اليهوود في حروب أنهكتها. 


كما أننا لسنا مع انتصار إيرااان؛ لأن ذلك يؤدي إلى بسط نفوذها على بلدان أهل السنة، وإشعال مزيد من الحروب الطائفية، وتشريد الشعوب وتمزيق المجتمعات، كما أن خطرهم على عقيدة أهل السنة كبير... 


إنما الذي نرجوه هو أن يخرج الجميع من هذا الصراع منهكين ضعفاء، فلا يعلو فيه باطل على حساب الأمة.


ومن السذاجة أن يظن ظانٌّ أن هذا الموقف يعني تفضيل كافر على مسلم، أو التسوية بين مجرم ومسلم؛ فالمسألة ليست مفاضلة بين حق وباطل، ولا بين مسلم وكافر، وإنما نظر إلى مصلحة الأمة. 


ومن يسم موقفنا بأنه موقف حياد فليسمه؛ إذ هو الموقف الشرعي الصحيح الذي يوافق كليات الشريعة ومقاصدها..

واستدعاء كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه النازلة استدعاء لكلام في غير سياقه وعلى غير واقعه...فشيخ الإسلام لم يتكلم عن دولة لها مشروعها.. 


اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين. 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 3 مارس 2026

هل انتصار إيرااان – لو وقع – أخفُّ ضرراً على الأمة؟

 هل انتصار إيرااان – لو وقع – أخفُّ ضرراً على الأمة؟ 


[يقول ابن تيمية في منهاج السنة النبوية وهو يصف حال طوائف من الرافضة حين تمكنوا في بعض سواحل الشام:“...وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء...”]


من يقرأ التاريخ قراءة فاحصة، وينظر في وقائع الحاضر، يدرك أن انتصار إيران – لو وقع – ليس فيه نفع للأمة، ولا يُدرج في باب أخفّ الضررين. 


فالمعيار في تقدير المصالح ليس هو: من يواجه من؟

بل: ماذا سيحدث داخل الأمة إذا تمكّن هذا المشروع؟ 


والمشروع السياسي الذي تتبناه إيرااان لم يُخفِ خصومته العقدية والسياسية لأهل السنّة، ولم يوار حقده الدفين على أهل السنة ..

والتاريخ يشهد بأن تمكين الرافضة إذا اقترن بالسلطان والسلاح كان وبالاً على المسلمين... 

قال ابن تيمية في منهاج السنة:(وقد علم أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه ألوف من الرافضة يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقا عظيما وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان، أخذوا الخيل والسلاح، والأسرى وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا من مر بهم من الجند، وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى، وقالوا له: أيما خير: المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى. فقالوا له: مع من تحشر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى. وسلموا إليهم بعض بلاد المسلمين) 


وقد صدرت تصريحات عن قياداته، ومنهم علي خاامنئي، القائل بأن المعركة الحقيقية ليست مع اليهوود ولا مع النصارى وإنما المعركة الحقيقية مع أهل السنة، وهو ما انعكس عمليا على العراق وسوريا... 


كما أن التراث العقدي لبعض منظّري التشيّع الاثني عشري يتضمن أحكاماً صريحة في تكفير المخالفين. يقول نِعمةُ اللهِ الجَزائِريُّ في تكفيره غَيرِ الشِّيعةِ الاثنَي عَشريَّةِ: (لم نَجتَمِعْ مَعَهم على إلهٍ ولا نَبيٍّ ولا على إمامٍ، وذلك أنَّهم يقولونَ: إنَّ رَبَّهم هو الذي كان محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَبيَّه، وخَليفتُه أبو بكرٍ، ونحن لا نَقولُ بهذا الرَّبِّ، ولا بذلك النَّبيِّ، بل نَقولُ: إنَّ الرَّبَّ الذي خَليفةُ نَبيِّه أبو بكرٍ ليس رَبَّنا، ولا ذلك النَّبيُّ نَبيَّنا)    ((الأنوار النعمانية)) (2/279). 

ويقول أبو القاسِمِ الخوئيُّ: (لا شُبهةَ في كُفرِهم .....وتَدُلُّ عليه الأخبارُ المُتَواتِرةُ الظَّاهرةُ في كُفرِ مُنكِرِ الوِلايةِ أنَّه لا أُخوَّةَ ولا عِصمةَ بَينَنا وبَينَ المُخالفينَ)  ((مصباح الفقاهة)) (2/11). 

ولهذا فإن السؤال الجوهري يبقى قائماً: هل يُجعل مشروعٌ طائفيٌّ توسعيٌّ أخفَّ ضرراً لمجرد أنه في خصومة مع عدوٍ آخر؟!!! 


إن قاعدة المصالح والمفاسد لا تُبنى على الشعارات، بل على المآلات. فإذا كان تمكين هذا المشروع يُفضي بحسب التجربة القائمة إلى تعميق الانقسام الداخلي في الأمة، ومزيد تقتيل لأهل السنة، وإضعاف سيادة الدول السنية، واستدامة الصراع الطائفي داخل المجتمعات المسلمةد، فإن وصفه بأنه أخف ضرراً لا يستقيم شرعا ولا عقلا... 


فالانحراف العقدي إذا اجتمع مع مشروعٍ توسعيٍّ مسلح، كانت مفسدته مضاعفة، لأنه يستهدف البنية الداخلية للأمة قبل عدوها الخارجي... 


اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الاثنين، 2 مارس 2026

تنزيل كلام شيخ الإسلام على الحرب الدائرة على إيرااان

 

قال ابن تيمية : "‌أَلَا ‌تَرَى ‌أَنَّ ‌أَهْلَ ‌السُّنَّةِ ‌وَإِنْ ‌كَانُوا ‌يَقُولُونَ ‌فِي ‌الْخَوَارِجِ ‌وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ، لَكِنْ لَا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ ظُهُورَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ" منهاج السنة 6/375.


تنزيل كلام شيخ الإسلام على إيراان اليوم يتوقف على تحرير سؤالين جوهرين:

الأول: هل نحن أمام صورة إزالة سلطان الإسلام وظهور الكفر في ديار المسلمين؟ أو نحن أمام صراع نفوذٍ، تتنازع فيه قوى إقليمية ودولية القرار والسيادة؟ 


والثاني: هل مآل هذه الحرب محصورٌ بين خيارين: تمكين الكفر من بلاد المسلمين، أو بقاء الإسلام مع بدعة؟


الصورة التي تكلم عنها شيخ الإسلام هي حالة تمكين الكفر الصريح وإزالة سلطان الإسلام. 

في تلك الصورة لا يسع أهل السنة إلا أن يقرروا أنهم لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر على ظهور البدعة، ولو كانت بدعةً مغلظة؛ فيكون الولاء لأصل الإسلام في مقابل الكفر الصريح. 


أما الصورة المعاصرة فمختلفة تماما، فنحن لسنا أمام تمكينٍ مباشرٍ للكفر من إزالة سلطان الإسلام في بلدٍ بعينه مقابل بقاء بدعة، بل أمام صراعات نفوذٍ إقليمية ودولية لا تنحصر في ثنائية “إسلام مقابل كفر”.، بل تتشابك فيها اعتبارات القوة والسيادة والهيمنة. 


كما أن إيران اليوم ليست مجرد دولةٍ توصف ببدعة، بل دولة ذات مشروعٍ توسعيٍّ عابرٍ للحدود، له أثرٌ مباشر في إضعاف كياناتٍ سنيةٍ قائمة، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وهذا توصيفٌ سياسيٌّ للواقع، لا حكمٌ على الأفراد أو طائفة بدعية. 


وعليه فإن المناط الذي علّق عليه شيخ الإسلام حكمه ـ وهو ظهور الكفر وإزالة سلطان الإسلام ـ غير متحقق بالصورة التي تُطرح اليوم. فاختلاف الصورة يقتضي اختلاف الحكم؛ لأن الأحكام دائرةٌ مع عللها وجودًا وعدمًا. 


ولو أن إيران تخلّت عن مشروعها الدموي، وكفّت شرّها وأذاها عن أهل السنّة، وتبرّأت من عقيدتها العدائية التي تُجرّمهم وتدعو إلى استئصالهم؛ لأمكن حينئذٍ بحث إمكان الوقوف معها ضمن رؤيةٍ مصلحيةٍ منضبطة، تُقدَّر بقدرها، وتُراعى فيها المآلات ومصالح عموم الأمة. وعندئذٍ يمكن النظر في تنزيل كلام ابن تيمية على تلك الصورة. 


لكن الواقع اليوم يدل على أن إيران لم تتخلَّ عن مشروعها، ولا تبدو في طريقها إلى ذلك إلا أن يشاء الله. 


أما الانطلاق في تحديد الموقف الشرعي من تصوّراتٍ ذهنيةٍ غير منضبطة، كتصوير أن سقوط إيران سقوطٌ للأمة، وأن الدور سينتقل تباعًا إلى بقية الدول المسلمة، وأن اليهود سيتغوّلون بلا مقاومة؛ فذلك تحليلٌ يقوم على فرضياتٍ لا على قراءةٍ دقيقة للواقع. 


هذا التصوير يغفل طبيعة الصراع في النظام الدولي، حيث التنافس قائمٌ على السيطرة على مصادر القوة والمعرفة والتقنية، وعلى امتلاك القرار السياسي وتوجيهه. وليس من مصلحة الأمة أن يخرج أحد الطرفين غالبًا وهو في ذروة قوته؛ بل مصلحتها في استنزاف مشاريع الهيمنة بعضها لبعض، بحيث يضعف سلطان القرار ولو تحقق نصرٌ عسكريٌّ في الظاهر. فالقوة المنهكة ليست كالقوة المتغوّلة. 


ولهذا كان من دعاء علماء أهل السنة:

اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين. 


وأما الاغترار بالشعارات العاطفية أو الولاءات الحزبية أو النظر الضيق  

فليس أساسًا صحيحا لبناء موقفٍ شرعيٍّ في قضايا مصيرية... 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 20 فبراير 2026

صلاة المرأة التراويح في المسجد

 صلاة المرأة التراويح في المسجد

يظن بعض النساء أن صلاتهن في المسجد أعظم أجرا من صلاتهن في البيت, وهذا خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن)  أي أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد

وذلك أن المرأة في الشريعة خصها الله بمزيد الاستتار والاحتجاب, فكلما كانت المرأة أشد التزاما بالاستتار والاحتجاب عن الرجال كانت أقرب إلى تحقيق مقصود الله سبحانه

ولذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاتهن في البيوت أفضل لهن حتى من شهود الجمعة والجماعة إلا العيد ,  وحتى من شهود الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسجد النبوي, مع أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة, فقال صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن) أي خير لهن من الصلاة في المسجد, وإذا ثبت هذه الخيرية في الفرض ففي النفل من باب أولى

واستثنيت صلاة العيد؛ لأن صلاة العيد لا تصلى في البيت, فإذا لم يحضرن النساء العيد في المصلى فاتتهن الصلاة .. بخلاف بقية الصلوات التي يمكن أداؤها في البيت, فعدم حضورهن المسجد لن يترتب عليه فوات هذه الصلوات....

وقوله صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن) يقتضي أن شهود النساء للجماعة في المسجد مباح لكنه لا يرتقي إلى كونه مستحبا أو أكثر أجرا, والإباحة مقيدة بأمن الفتنة, أما مع وجودها فإنه يصبح الحكم محرما...وعند خشية الفتنة يكون الحكم هو الكراهة..

وأما قول عائشة -رضي الله عنها-: "لو أدرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل قلت لعمرة: أو منعن؟ قالت: نعم". فلا يدل على منع النساء مطلقا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ما أحدث النساء فلم ينتف الجواز مطلقا, ولأن الإحداث المقتضي للمنع لم يحدث من كل النساء وإنما حدث من بعضهن..

أقوال المذاهب الفقهية:

اتفق الفقهاء إلى أن المرأة التي يخشى منها الفتنة أنه يحرم على الخروج إلى المسجد للصلاة

وأما من عداها فـ:

ذهبت الحنفية إلى الكراهة ؛ لأنه لا يؤمن الفتنة من خروجهن, واختلفوا هل يستثنى من ذلك العجوز؟ وهل تشمل الكراهة كل الصلوات.. انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (1/ 380)

وذهبت مالك إلى أن خروجهن جائز وتركه أحب, قال  ابن رشد: تلخيص هذا الباب على تحقيق القول فيه عندي أن النساء أربع: عجوز قد انقطعت حاجة الرجل منها؛ فهي كالرجل في ذلك، ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجل منها بالجملة، فهذه تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد كما قال في الرواية، وشابة من الشواب؛ فهذه تخرج إلى المسجد في الفرض وفي جنائز أهلها وقرابتها، وشابة فارهة في الشباب والنجابة؛ فهذه الاختيار لها أن لا تخرج أصلا. انظر: لوامع الدرر في هتك استار المختصر (2/ 494)

وذهبت الشافعية إلى أنه إن كانت شابة أو كبيرة يشتهى مثلها كره لها الحضور وإن كانت عجوزاً لا تشتهى لم يكره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن الخروج إلا عجوزاً في منقلها. انظر المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (1/ 177)

وذهبت الحنابلة إلى الجواز وعدم الكراهة. انظر: المبدع في شرح المقنع (2/ 67)

والخلاصة أن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من الصلاة في المسجد لا سيما النوافل كالتراويح مع بقاء أصل الجواز إذا أمنت الفتنة وتقيدت بالضوابط الشرعية.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 11 فبراير 2026

هل فخر الدين الرازي مجدد للدين؟

 هل فخر الدين الرازي مجدد للدين؟ 


المراد بتجديد الدين هو إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأخذ بمقتضاهما، بحيث يُعيد المجدد ما اندثر من هدي الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. فالتجديد لا يكون إلا بعد الدروس والانطماس، وليس المقصود بالتجديد تغيير الشريعة أو إحداث منهج جديد في الاستدلال لم يكن عليه سلف الأمة. 


وهنا يثور التساؤل يدور عليه التجديد: ما موقف الرازي من الدليل النقلي؟ 


يرى فخر الدين الرازي أنه لا يوجد دليل نقلي مستقل بجميع مقدماته، بل لابد من مقدمة عقلية لإثبات صحة النقل، وإلا لزم الدور. يقول في الأربعين في أصول الدين (2/595):"أما القسم الثاني، وهو الدليل الذي يكون نقليًا بجميع مقدماته، فهذا محال؛ لأن الاستدلال بالكتاب والسنة موقوف على العلم بصدق الرسول، وهذا العلم لا يُستفاد من الأدلة النقلية." 


فهو لا يُسلّم بوجود دليل نقلي يخلو من مقدمة عقلية. وبناءً على ذلك، منع الاستدلال بالنقل فيما تتوقف صحة النقل عليه، كإثبات وجود الصانع أو صدق الرسول ﷺ، قائلاً في معالم أصول الدين (22):"كل مقدمة لا يمكن إثبات النقل إلا بعد ثبوتها، فإنه لا يمكن إثباتها بالنقل." 


ويرى أن الدليل النقلي لا يفيد اليقين؛ لتوقف الاستدلال به على عشرة أمور إلا أن هذا ليس على إطلاقه عند الرازي وإنما يستثني من ذلك إذا احتفت بالدليل قرائن قطعية 

فيقول في الأربعين(2/598):"هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمورٌ عُرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي هذه الاحتمالات، وعلى هذا التقرير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن مفيدة لليقين." 


غير أن هذا الاستثناء مقيد عنده بما لا يعارض الدليل العقلي، أما إذا تعارض النقل والعقل، فالنقل عنده من المتشابهات، لا يفيد القطع، ويُؤوَّل أو يُفوَّض.

وهذا مسلك خطير سلكه الرازي تبعًا لمتأخري الأشاعرة والمعتزلة، إذ جعلوا إثبات الصانع بالعقل وحده، ورتبوا على ذلك تقديم العقل عند التعارض مع النقل، وهو ما قننه الرازي بقانونه الكلي المشهور:"إذا تعارض العقل والنقل قُدِّم العقل." 


فكيف بعد هذا يُعد الرازي مجددًا للدين، وهو من اعتمد منهجًا محدثًا في الاستدلال يخالف طريقة الصحابة ومن تبعهم بإحسان؟

بل كان كثير التناقض والاضطراب في أقواله، كما قال ابن تيمية في منهاج السنة (5/270):"متناقض في عامة ما يقوله، يقرر هنا شيئًا ثم ينقضه في موضع آخر." 


ثم إن الرازي انشغل بعلم الكلام والفلسفة، حتى قال عنه ابن الصلاح:"أخبرني القطب الطوعاني مرتين، أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى."(شذرات الذهب 7/41) 


كما تضمنت بعض كتبه انحرافات عظيمة، بل ألّف كتابًا في السحر وعبادة الكواكب ثم تاب منه، وقد قال الذهبي في السير (21/500):"وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم، وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر." 


فمن خلال هذا كله، يتبيّن أن فخر الدين الرازي ليس من المجددين للدين، إذ لم يكن تجديده إحياءً للسنة والعمل بها، بل كان في مجالات الكلام والفلسفة، وهي أبعد ما تكون عن منهج التجديد الشرعي. 


✍️ كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار