حكم #نبش_القبور_لأجل_استخراج #السحر
هذه مسألة كثر الجدل حولها في بلدنا، وتداخلت فيها أصولٌ متعددة، مما قوّى الخلاف فيها، بعيدًا عن سوء الظن بأحد.
والتحرير فيها يقتضي التفريق بين مسألتين:
الأولى: البحث عن السحر بين القبور
فهذه لا إشكال فيها من حيث الأصل، وأمرها واسع في دائرة الجواز، ما لم يترتب عليها محظور شرعي.
الثانية: نبش القبر
فالأصل المقرّر شرعًا أن المؤمن محترم في حياته وبعد مماته، فلا يجوز نبش قبره ما دام الميت فيه، إلا لضرورة تتعارض فيها مصلحة الحي الضرورية مع مصلحة الميت.
وحينئذٍ تُقدَّم المصلحة الضرورية للحي؛ لقوتها ورجحانها، وهذا محل تنبّه وتحقيق.
ولهذا استثنى الفقهاء صورًا يجوز فيها كشف القبر عن الميت، تتحقق فيها الضرورة، بل وما دون الضرورة عند بعضهم.
فقد أخرج مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه:«أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين، كانا في قبر واحد، وقد حفر السيل قبرهما… فحُفر عنهما ليُغيَّرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا… وكان بين يوم أحد ويوم حُفر عنهما ست وأربعون سنة».
قال ابن عبد البر في الاستذكار (5/156):«وفيه: لا بأس باستخراج الموتى من قبورهم إن وُجدت إلى ذلك ضرورة، وأُريد به الخير، وأن ذلك ليس في باب شيء من النبش».
وجاء في مواهب الجليل (1/304) عن البرزلي فيمن أوصى أن يُجعل في كفنه قرآن أو أحاديث:«…والختمة يجب أن تُنبش وتُخرج إذا طُمع في المنفعة بها، وأُمن من كشف جسد الميت ومضرته والاطلاع على عورته».
وجوّز فقهاء الشافعية النبش فيما هو أدنى من الضرورة، كمن دُفن بلا غسل، أو دُفن في أرض مغصوبة، مراعاةً لحق الحي، كما في الوسيط (2/390).
بل جوز بعضهم ما دون الضرورة بمراحل قال ابن قدامة في المغني(2/414):«وإن وقع في القبر ما له قيمة نُبش وأُخرج…».
فإذا جاز النبش في مثل هذه الصور، فالضرورة أولى بالجواز.
وإذا نظرنا إلى أثر السحر على الإنسان، وجدنا أنه قد بلغ حدّ الضرورة؛ إذ قد يفضي إلى الهلاك أو يقاربه..وهذا أمر ينبغي ألا يختلف فيه..
بقيت مسألة وهي: هل يشترط لنبش القبر العلم القطعي بوجود السحر في القبر أو أن القرائن تقوم مقام القطع؟
وجوابه إن وضع السحر في المقابر قد انتشر بين السحرة واشتهر، وهذه قرينةٌ قوية معتبرة تُقوّي احتمال وجوده من حيث العموم.
أما وجوده في قبرٍ بعينه أو قبورٍ معينة، فالعبرة بما قام عند من يباشر النبش من علمٍ بوجود السحر فيه؛ لأن القرائن إذا بلغت حدًّا يطمئن إليه الناظر أفادت عنده علمًا، فيكون قد عمل بمقتضى دليلٍ معتبر شرعًا يبيح له النبش.
لكن مع ذلك تُقيَّد الرخصة بقيود، منها:
1-ألا يُقدم على النبش إلا إذا عُلم وجود السحر فيه أو قام على ذلك دليل معتبر أو قرينة قوية؛ كاعتراف الساحر، أو وجود ثقب في القبر يرى منه السحر. أو نحو ذلك
2- ألا يتولى ذلك آحاد الناس، بل يكون ذلك عبر هيئة شرعية مختصة وبمشاركة جهات أمنية مسؤولة.
وأخيرا أنبه إلى أنه لا يُشترط أن يتعين النبش وسيلة للشفاء، وإنما العبرة بكون الوصف الموجب للضرورة متحققًا، وهو قد عمّ وانتشر، ووجود القرائن القوية المعتبرة في الشريعة على وجوده ...
والله أعلم.
كتبه:
د. أحمد محمد الصادق النجار