السبت، 1 أغسطس 2026

هل قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر ينفي اشتراط إقامة الحجة في التبديع؟

 #قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر" 


يقول بعضهم: إن الرازيين حكما على الواقف جهلا بالتبديع دون أن يشترطا إقامة حجة، فدل هذا على أن التبديع لا يُشترط فيه إقامة الحجة أصلا.


وهذا فيه خلل من وجهين: 


الوجه الأول: لو سلمنا أن المراد من قولهما "ومن وقف فيه جهلا بُدِّع وعُلِّم" هو أن مجرد الوقف في القرآن مع الجهل يوجب التبديع بلا قيد ولا تفصيل لكان هذا مخالفا لصريح كلام الإمام أحمد بن حنبل وأحمد البغوي. 


قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم". 

فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه. 


وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". 

فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف: 


الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع. 


الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي، ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال.


وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم". 

فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره. 


ويظهر من مجموع هذه النصوص أن الجاهل الذي لا أهلية له للنظر لا يُبدَّع، وإنما يُعلَّم، كما يظهر من كلام الإمام أحمد أن المقلد يُبيَّن له أولا، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


فإذا حُمل كلام الرازيين على إطلاقه بحيث يشمل كل جاهل ولو كان ممن لا يعقل كالنساء والصبيان لزم التعارض بين أقوال السلف، والمنهجية الصحيحة تقتضي إثبات كلام السلف على وجه لا يكون فيه تعارض ولا تناقض ما أمكن . 


الوجه الثاني: كلام الرازيين هنا مجمل من جهة أنه لم يفصّل في حال الواقف: هل هو ممن لا يعقل أو ممن يعقل ويمارس علم الكلام؟ 


ولا يصح حمله على كل جاهل، بل يجب تفسيره في ضوء النصوص الأخرى 


وقد يقال: إن قولهما: "علم" منفردا أليق بالصنف الثاني الذي نص أحمد على أنه "يُجاوَب حتى يرجع"، أي: يحتاج بيانا يسبق حكما عليه، لكن حمل جملة الرازيين بكاملها على هذا الصنف يصطدم بإشكالين: 


الأول: أن نفي التكفير "ولم يُكفَّر" لا معنى له إلا في حق من يُتوهَّم في حقه التكفير أصلا، والمقلد الجاهل المتعلق بشبهة لم يرد في حقه عند أحمد أي تلميح لتوهم كفر، بخلاف الصنف الثالث الذي حكم عليه أحمد بـ"فهو جهمي"، فهذا وحده الذي يستدعي تبادر التكفير إلى الذهن


الثاني: أن وصفه بالتبديع من غير بيان قبله يصادم صراحة نص أحمد "يُجاوَب حتى يرجع"، الذي يجعل التبديع معلقا على مرحلة سابقة من البيان وعدم الرجوع، بينما ظاهر كلام الرازيين تقديم الحكم بالتبديع، ثم ذكر التعليم بعده، وهذا لا ينسجم مع كلام الإمام أحمد. 


والذي،يترجح لي هو حمل كلامهما على الصنف الثالث عند الإمام أحمد، وهو: من قال بالوقف مؤسسا لمذهبه على منظومة استدلالية كلامية، منظرا لها، مجادلا عنها. وهذا يستقيم معه ترتيب "بُدِّع وعُلِّم" استقامة تامة: 


- الوصف ب"بُدِّع" قبل إقامة الحجة: لأنه تبنى منهجا كلاميا استدلاليا يخالف طريقة السلف في الاستدلال.

- الوصف ب"عُلِّم": وهذا تعليم لاحق للحكم لا سابق له، غرضه استصلاحه ودعوته للرجوع بعد أن استقر تبديعه.

-الاحتراز ب "ولم يُكفَّر": لأن إلحاق مسلكه من جهة النوع بمسلك الجهمية يستدعي توهم تكفيره، فاحتاج الرازيان إلى التنصيص على دفع هذا التوهم؛ إذ تكفيره عينا موقوف على إقامة الحجة التفصيلية. 


وبهذا يستقيم الجمع بين نص الرازيين وسائر نصوص السلف على وجه واحد متسق لا تعارض فيه ولا تناقض. 


فإن قيل: الإمام أحمد جاءت عنه روايات في الواقفة لم يستفصل فيها وأطلق، قال الخلال في السنة: (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ الْمُخَرِّمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ: الْوَاقِفَةُ؟، قَالَ:«هُمْ شَرٌّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، اسْتَتَرُوا بِالْوَقْفِ»).

وقال أيضا: «مَنْ شَكَّ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ وَقَفَ فَهُوَ كَافِرٌ»).


قيل: هذه الإطلاقات لا تنقض ما تقدم، وإنما هي تندرج تحت أصل مقرر في فهم كلام السلف، وهو أن تناول الإطلاق للأفراد إنما هو تناول لا على سبيل التعيين؛ فالحكم المطلق، كقول أحمد "من وقف في القرآن فهو كافر" ، إنما يتناول حكم النوع، ويتناول فردا غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، لا كل من صدر منه الوقف على أي حال كان. 

أما تنزيل هذا الإطلاق على كل معيّن، فهو قدر زائد على مجرد دلالة اللفظ، ولا يثبت بمجرد اندراجه تحت العموم، بل لا بد فيه من تحقق مناط الحكم في حقه، وتوفر شروطه، وانتفاء موانعه، كما هو مطرد في نظائره من نصوص الوعد والوعيد. 


ومن الشواهد العملية على ذلك أن الإمام أحمد اعتبر جهل المعتصم مؤثرا في الحكم عليه، ففي المحنة قال الإمام أحمد:(كان أبو إسحاق لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم ولا يدري..) وقال:(قد جعلت أبا إسحاق في حل..) وكانت مسامحته للمعتصم قبل ندمه، فقد سامحه بعد أن خرج منه... 

وسامح كل من حضر وحللهم إلا أحمد بن أبي دراد ومن كان مثله..واستغفر لهم ولو كانوا مرتدين لم يجز له الاستغفار لهم... 


ويؤكد ما سبق أن عدم تنزيل الحكم المطلق على المعين إلا بعد قيام موجبه هو محل إجماع، فقد حكى ابن أبي عاصم في كتاب السنة ما اتفق أهل العلم على نسبته للسنة وذكر أمورا إلى أن قال:(ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل ان تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه)

فهذا الاتفاق المحكي متعلق بفرد بعينه ولا ينفي ما يحكيه أئمة السلف بأن من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لأنه محكي لبيان الحكم بإطلاق، كما تقدم توضيح ذلك. 


فالإطلاقات الواردة عن الإمام أحمد هي أحكام على النوع، أو على فرد غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، وليست أحكامًا على كل معيّن اتصف بمجرد الوصف. ومن حملها على ظاهرها في جميع الأعيان، وأعرض عن الروايات المفسرة والتطبيقات العملية للإمام أحمد، فقد اقتصر على بعض كلامه دون بعض، مع أن المنهج الصحيح في فهم كلام الأئمة هو جمع نصوصهم ورد مجملها إلى مفسرها، ومطلقها إلى مقيدها، لا إعمال بعضها وإهمال بعضها الآخر. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 31 يوليو 2026

فقه التبديع عند الأئمة

 

لم أقل: الحسنات العامة وكثرة التصانيف تمنع التبديع بل ولا تمنع من التكفير
فهذه ليست موانع شرعية؛ إذ لا اعتبار شرعيا لمثل هذا كمانع مستقل، وإنما قد تكون قرائن في سياقات خاصة، والقرينة أعم من الدليل..كما أن المقصود ليس تسويغ أخطاء النووي..
والمقصود هنا التأصيل لباب الاحتياط في أحكام الأعيان...
والذي قلته بمعناه: حتى نحكم  بالتبديع المباشر على المعين لابد من النظر إلى السلوك الاستدلالي عند المعين، ولابد أن نراعي أن الأصل بقاء السنة في المعين حتى يثبت خلافه، فذكر الاحتمالات هنا من باب التثبت في تنزيل الأحكام على المعين.

والأصل الذي يُبنى عليه هذا كله: أن خفاء الحق بطول الزمان واستحكام الشبهة معتبر شرعا في رفع وصف التبديع عن المعيّن، لكن بقيد لا بد من تحريره، وهو:

ثمة خط فاصل لا نعذر احدا بتجاوزه مهما صنف وكثرت حسناته، وهو تعظيم الوحي واعتباره حجة مستقلة لاسيما في خصوص باب الإلهيات الذي هو محور الجدل.
وهذا الخط هو الذي يشفع ابتداء لمن حققه أو حام حوله، سواء أخطأ بعد ذلك أم أصاب في التفاصيل.

فالجويني والرازي والآمدي والسنوسي لم يحترموا هذا الخط ابتداء في بابي الإلهيات والنبوات، فصدرت عنهم عبارات تنافي تعظيم الوحي بشبهات ذات أصل فلسفي، وأسّسوا منهجهم الاستدلالي على تقديم العقل الكلامي الذي وصفوه بالقطعي على ظاهر النص الذي وصفوه بالظني، لا عن تقليد، بل عن مناقشة ومجادلة مستقلة.

بينما النووي وأمثاله احترموا هذا الخط ولم يتجاوزوه تنظيرا، وما وقعوا فيه من تأويل كانوا يظنونه منطلقا من تعظيم الوحي والاستدلال به، فتمسكوا بما فهموه - وإن أخطأوا فيه - من قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ ونحوها.

فنحن نتكلم عن شخصين لا يستويان في الحكم: منظر مرجح ومقلد ناقل.
فالمنظر المرجح يطّرد عنده التأويل والتفويض؛ لأنه يعتقد المنهج الكلامي حجة مستقلة يصدر عنها اجتهاداا

وأما المقلد الناقل فلا يلزم اطراد منهجه، لأنه ليس صاحب منهج مستقل، فتارة ينسخ معتمد مذهبه كما هو، وتارة يخالفه بحسب ما يترجح له من النص في موضع بعينه.

فالمقلد الناقل: من ورث مدرسة فقهية كلامية فنقل معتمد مذهبه في كل مسألة يعرض لها، لا لأنه بحث المسألة كلاميا واستقل برأي، بل لأن هذا ما استقر عليه مصنفو مذهبه الذين ينقل عنهم فقها وعقيدة معا، وقد يرجح ويختار بناء على ما ظن أن دليل الشرع يسنده.

ولابد أن يختلف حكمه عمن أسّس منهجه الاستدلالي بنفسه، وهو الناظر المرجِّح،كما بين ذلك ابن القيم بوضوح

فقول النووي "قال أصحابنا كذا" في العقيدة نظير قوله "قال أصحابنا كذا" في الفقه إنما هو نقل لمعتمد مذهب المتأخرين الذي مزج الفقه بالعقيدة، لا اجتهاد كلامي مستقل.
فالنووي وارث لخطإ تراكمي عبر قرون، لا مُصدِر له ابتداء ولا مجادل عنه.

وعلى هذا الأصل جرى صنيع أهل العلم المتأخرين: بدعوا الجويني والرازي، ولم يبدِّعوا النووي وابن حجر، وما خالف في ذلك إلا من لم يفهم منهج أهل السنة في توسعة دائرة العذر لمن لم يتجاوز الخط الأحمر.

وإذا حررنا مثال الكرابيسي
فالكرابيسي لم يكن ناقلا لمسألة موروثة عبر قرون، وإنما كان محدثا لصيغة جديدة "لفظي بالقرآن مخلوق" في وقت المحنة نفسها، وهي صيغة رآها الإمام أحمد حيلة لتمرير القول بخلق القرآن، فكان الكرابيسي بذلك مشاركا فاعلا في صناعة الخلاف وقت نزاعه الحي، لا وارثا لمذهب مستقر، وهذه المشاركة المباشرة في إنتاج القول المحدَث لحظة نزاعه هي التي تُخرج صاحبها من دائرة الوارث المقلد المعذور إلى دائرة المحدِث المسؤول.

وبهذا يتبين لك أن تبديع المعيّن عند السلف له فقهه الخاص، وليس قواعد آلية مطردة أو قوانين رياضية كما يظن محمد شمس الدين وأمثاله، ممن يحسبون أنه ما دام السلف حكموا على منكِر العلو بالكفر، فكل منكِر للعلو يجب أن يكون كافرا وإلا كان ذلك تركا لمذهب السلف؛ وما دام العلماء حكموا على الأشعرية بالبدعة، فيجب أن يكون كل من انتسب إليها مبتدعا، ولو كان مجرد ناقل معظم لأصل الوحي.

قد يقال: ما الفرق بين الرازي والنووي؟

وجوابه: الرازي صرّح في كتبه بالقانون الكلي في تقديم العقل على النقل عند التعارض واستدل له، وهذا تنظير مستقل صريح لمنهج استدلالي، لا نقل عن مذهب.
أما النووي فلم ينظر له، ولا صنف كتابا في أصول الكلام أو قواعد تقديم العقل، وإنما غاية ما عنده نقل واستشهاد بأقوال متكلمي مذهبه في سياق شرح الحديث والفقه.

فإن قيل: أليس نقل النووي لأقوال أصحابه في العقيدة، مع تقصيره في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، تفريطا يستوجب اللوم بذاته؟

وجوابه: هذا اعتراض في محله من جهة التقصير، لكنه لا يرقى لموجب التبديع، فالتفريق هنا بين درجتين: تقصير في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، وهذا مما يُلام عليه المرء تقصيرا، وبين إحداث منهج مخالف للسنة في الاستدلال ينتظم عليه، وهذا هو مناط التبديع.
فالنووي مقصر في عدم استقلاله بالنظر، لكنه ليس مؤسِّسا لمذهب مخالف ولا مجادلا عنه منظرا له.

فإن قيل: ألا يلزم من هذا التقرير أن كل متأخري الأشاعرة معذورون بإطلاق؟

وحوابه: لا يلزم ذلك، لأن الضابط ليس الانتساب للمذهب ط، وإنما الضابط تحقق حال النقل في شخص كل معيّن بعينه، وهذا يقتضي النظر الفردي في كل عالم: هل صنّف في أصول الكلام مستقلا أو اقتصر على النقل؟
فقد يكون بعض متأخري الأشاعرة قد جاوز حد النقل إلى نظر مستقل، فيُبدَّع كالرازي، وقد يقتصر آخرون على النقل فيُعذرون كالنووي.

وعلى هذا التقرير يظهر خطأ هذا المسلك الذي سلكه محمد شمس الدين وأمثاله، إذ لا يصح تعميم حكم الطائفة على كل معين منتسب إليها، بل لا بد من تحقيق المناط في كل معيّن كما هو أصل هذا الباب من أوله.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 30 يوليو 2026

الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله

الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله 


نشر محمد بن شمس الدين منشورا بعنوان #نواقض_إسلام_السيوطي، انتهى فيه إلى الحكم على الحافظ جلال الدين السيوطي بالردة والكفر. !!


ومقصودي في هذا المقال: بيان الخلل المنهجي عنده في الانتقال من الحكم على القول إلى الحكم على القائل المعين؛ إذ إن هذا الانتقال ليس لازما بمجرد ثبوت كون القول كفرا أو شركا أو مخالفا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنما له ضوابط وشروط مقررة عند أهل العلم. 


وهذا أعظم خلل منهجي استدلالي عند هؤلاء، ترتب عليه الغلو في تكفير المعينين وتبديعهم، ولذا كانت قراءتهم لكتب السلف وأقوالهم قراءة منحرفة... 


ما هي نواقض إسلام السيوطي عند محمد شمس الدين؟ 


1. أنه دعا إلى عبادة قبره، واستند محمد شمس الدين في إثبات ذلك إلى قول الشاذلي بأن السيوطي أوصى أهل بيته أن يذكروا حاجتهم عند قبره فتقضى.

فقفز محمد شمس من فعل جزئي إلى حكم كلي بأنه يدعو إلى عبادة قبره!!! 


2. أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم.


3. أنه أهان القرآن باستعمال كلماته في كتاب رشف الزلال من السحر الحلال

وهذه النقطة تحتاج إلى وقفة، فهذا الكتاب شكك في نسبته للسيوطي جماعة، والشك في أصل النسبة كاف في باب درء العقوبة، وإن لم يكن كافيا في باب الجزم بالنفي.

وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فكيف بأعظم الأحكام وهو التكفير؟!! 


وأما تكرار استخدام المصطلحات الشرعية والقرآنية في هذا السياق الأدبي الجنسي، فيبقى لها تأويل يمنع من التكفير وهو استغلال الازدواج الدلالي للألفاظ بأن يكون للفظ الواحد معنى شرعي ومعنى آخر عادي، فيستعمله على المعنى العادي دون أن يقصد بذلك التقليل من قيمة المعنى الشرعي نفسه، والدافع له هو الصنعة اللفظية، لا الاستهزاء بالدين، وهذا احتمال يكفي لدرء الحكم بالتكفير وإن كان لا يدرأ قبح الاستخدام

أقول هذا ليس لتسويغ الاستعمال وإنما أقوله لنفي كونه استهزاء موجبا للتكفير على كل حال؛ لأن التكفير في هذا النوع يشترط فيه انتفاء الاحتمال الراجح المعارض، وهذا الاحتمال هنا راجح لقيام قرينة السياق الأدبي المعروف. 


4. أنه يقول بأن الله موجود في كل مكان.


5.  أنه يرى أن النبي حي بجسده يتصرف في الكون.

وهذه النقطة أيضا تحتاج إلى وقفة تحرير وتحقيق، فقد استند الكاتب فيها إلى قول السيوطي:"إن النبي حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته". 

فحمل محمد بن شمس الدين لفظ "يتصرف" على التصرف في الكون وتدبير شؤونه.!!!!

إلا أن الاقرب من سياق هذا النص أن المراد بـالتصرف هنا هو الحركة والسير والانتقال من مكان إلى آخر بهيئته البشرية، لا تدبير الكون وتصريف أموره، فهذه النقطة الخامسة مبنية على سوء فهم للنص منه.


والحاصل أن المآخذ التي ذكرها هي في الحقيقة ما بين كفر وشرك وضلال من حيث حكم الأقوال ذاتها، وليس هذا هو محل النزاع أصلا معه متى صحت النسبة، لكن محل النزاع الحقيقي هو: هل يستلزم كون هذه الاقوال كفرا أو شركا: الحكم على قائله المعين بالكفر مباشرة؟ 


وحتى يتضح الجواب، ونفصح عن الخلل المنهحي الذي وقع فيه محمد بن شمس لابد من تقسيم صور الكفر من حيث تنزيل حكم التكفير على المعين إلى ثلاثة أنواع: 


النوع الأول: كفر ينافي أصل الإيمان ولا يجتمع معه

كسبّ الله تعالى، فهذا يوقع الحكم بالكفر على القائل مباشرة دون توقف على إقامة حجة؛ لأنه من الألفاظ أو الأفعال الصريحة التي لا تحتمل التأويل غالبا، فلا يفتقر الحكم فيها إلى إقامة الحجة البيانية، إلا إذا وجد مانع معتبر كالإكراه أو ذهاب العقل ونحوه. 


النوع الثاني: كفر ينافي حقيقة توحيد العبادة دون أصل الإقرار بالشهادتين من جهة تنزيل الحكم على المعيّن، لا من جهة وصف الفعل في نفسه، كالاستغاثة الشركية ودعاء الأموات.

وهذا النوع وإن كان شركاً في ذاته إلا أنه لا يستلزم كفر المعين بالضرورة كالنوع الأول؛ لكثرة وقوع الجهل والتأويل في هذا الباب عند كثير من المتأخرين. 


النوع الثالث: ما يستلزم إنكاره تكذيب الله ورسوله أو الامتناع عن التسليم، كجحد وجوب الصلاة، أو كإنكار ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف من علو الله، وهذاالنوع مما يُعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، ورغم كونه من الضروريات إلا أنه لا يُكفر صاحبه إلا بعد إقامة الحجة عليه؛ لأن الكفر إذا كان راجعاً إلى التكذيب أو الامتناع، فإن ذلك لا يتحقق إلا فيمن تبيّن له الحق على وجهه ثم أعرض عنه، لا فيمن لم يتبين له الحق أصلا. 


ومما يحسم الخلاف قي هذا الباب: موقف السلف من الجهمية

فرغم أن مقالة الجهمية في نفي الصفات من أوضح الأقوال بطلانا، وتتعلق بمسائل من الضروريات المعلومة من الدين إلا أن السلف مع ذلك لم يكفروا جميع أعيان الجهمية مع تصريح كثير منهم بتكفير مقالتهم، وإنما التزموا شرط إقامة الحجة قبل إطلاق الحكم على الأشخاص. 


والذي أختم به أن ما نُقل عن السيوطي من استغاثة ودعوة لقصد قبره وقول بأن الله في كل مكان، وإن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده يسير 

وإن كانت هذه الأقوال ـ إذا صحت نسبتها ـ أقوالاً كفرية أو شركية أو بدعية بحسب كل مسألة إلا أنها من النوع الذي يتوقف الحكم على المعيّن فيها على تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ومن أعظمها قيام الحجة الرسالية.

وهذه هي الفوارق المنهجية التي أغفلها محمد بن شمس الدين في بنائه للحكم على السيوطي. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 29 يوليو 2026

#رقية_محمد_الحسن_الددو الشنقيطي للنساء

 


يزعم بعض المدافعين عن د. محمد الحسن الددو أنه لا دليل على تحريم هذه الهيئة المحدثة: التجمع الجماعي للنساء تحت النافذة، مع رفع القوارير من بعيد، ودون تحقق من وصول النفث إليها.

ثم يستدلون على جوازها بعموم النصوص الواردة في مشروعية النفث في الرقية، كحديث اللديغ الذي هو من أصول الاستدلال بالنفث في الماء .

وفعلهم هذا نظير من يزعم أنه لا دليل على تحريم اجتماع الناس على الذكر بصوت واحد، ثم يستدل على الجواز بالنصوص المطلقة الحاثة على الذكر.

ووجه الخطأ أن كلا الاستدلالين مبني على نقل مشروعية الأصل إلى هيئة مخصوصة لم يدل عليها دليل.

فإن قلت: الرقية بابها اجتهادي.

قيل: على القول بجواز الاجتهاد في بعض وسائل الرقية وكيفياتها التي لا تخالف الوارد، لكن شرطه:
١-أن يتحقق القارئ من وصول النفث إلى المحل الذي يقصد رقيته، كما هو المستفاد من صفة الرقية الواردة في السنة، كحديث اللديغ وحديث عائشة رضي الله عنها لما قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه، نفث في كفيه بـ {قل هو الله أحد} وبالمعوِّذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه)
واستمرار اتصال النفث بالمحل المرقي في جميع ما ورد من صفات الرقية مع عدم نقل صورة يخالفه: قرينة قوية على أن هذه هي الكيفية المشروعة، فلا يصح إلحاق صورة لم يتحقق فيها هذا الوصف بما ورد به النص إلا بدليل، وأما القول بأن النفع من الله لا من الريق، فمُسلَّم، لكن هذا لا يمنع أن يكون الله تعالى قد جعل هذا الاتصال سببا شرعيا لتنزل الشفاء كما هي عقيدة أهل السنة؛ ولذلك لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المجرد دون نفث، ولا بالنفث في الهواء دون تحديد محل.

٢-ألا يفضي إلى الغلو، فإن ما يفضي إلى الغلو في الأشخاص لا يسوغ استحداثه في هذا الباب؛ لأن باب الرقى من المواطن التي يظهر فيها تعلق العامة بالأشخاص، فتجري فيه قاعدة سد الذرائع.

ولم يكتفِ هؤلاء بهذا، بل استحسنوا بأذواقهم فزعموا أن هذه الهيئة إن لم تنفع فلا تضر.

وغفلوا أن القضية ليست طبية: هل يضر النفث في الماء أو لا؟
وإنما هي قضية تمس العقيدة؛ فهذه الهيئة تفتح بابا لتعظيم الشخص نفسه والغلو فيه، فتدخل بذلك تحت باب سد الذرائع،
وقاعدة سد الذرائع معتبرة في أبواب الاجتهاد كما تعتبر في غيرها عند تحقق مناطها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور مع كون الصلاة في أصلها عبادة مشروعة لكنها منعت لكونها تفضي إلى مفسدة عقدية.
ومقام العقيدة من مواضع المبالغة في الاحتياط عند السلف على حسب مقتضى مجموع النصوص الشرعية
حيث يُكتفى بإمكان المفسدة العقدية دون تحقق غلبتها الفعلية؛ نظرا لخطورة المآل.

وأؤكد هنا أننا لا نتكلم عن مشروعية أصل النفث في الرقية، وإنما نتكلم عن هيئة بعينها، ولا يصح إلحاق ما لا يتحقق فيه وصول النفث بما تحقق فيه وصوله.

فإن قيل: الاجتماع الجماعي ورفع القوارير ليس هيئة تعبدية تحتاج إلى توقيف، وإنما هو وسيلة تنظيمية، والوسائل التنظيمية أصلها الإباحة ما لم يثبت فيها محذور شرعي.

قيل: هذا أقوى ما يمكن أن يستدل به الددو في هذا المقام

وجوابه: أن الوسيلة التنظيمية المباحة هي التي لا تغير من صورة الفعل التعبدي نفسه كاستخدام مكبر الصوت لإسماع الذكر لجمع كبير، أما هنا فالتغيير وقع في نفس الصفة المشروعة، فبدل نفث مباشر متحقق الوصول كما وصفته السنة، صار الفعل نفثا في الهواء أو باتجاه قارورة بعيدة دون تحقق، وهذا ليس تنظيمًا لوسيلة الأداء، وإنما هو تحويل لصفة الفعل من نفث متصل إلى نفث منفصل مجرد، مع ما يفضي ذلك إلى الغلو في الشخص نفسه.

وأما حسن الظن بالنية، فهذا أمر لا يمنع من نقد الفعل نفسه؛ فالنية الحسنة لا تصحح هيئة تفتح بابا للغلو.

والخلاصة
الأصل في المنع: أن الهيئة غير ثابتة، ولا يصح إلحاقها بالوارد؛ لأنها غيرت الكيفية المأثورة.
ويؤكد المنع: أن الوصف الملازم للرقية في النصوص هو اتصال النفث بالمحل المرقي، وهذا غير متحقق في هذه الصورة.
ويزداد المنع قوة: لما تفضي إليه الهيئة من فتح باب الغلو في الشخص، فيعمل فيها أصل سد الذرائع.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

مباهلة في تبدبع النووي وتكفير السيوطي!!!

 مباهلة في تبدبع النووي وتكفير السيوطي!!!

من أكثر ما يبعث على الأسف أن تتحول المجالس والمنصات العلمية إلى ساحات مباهلة يتداول فيها: هل النووي مبتدع أو لا؟ وهل أبو حنيفة مبتدع أو لا؟ وهل السيوطي كافر مرتد أو لا؟

فمجرد طرح هذه الأسئلة على هذا النحو يكشف خللا في منهج الاستدلال وتنزيل الأحكام قبل أن يكشف خللا في المباهلة نفسها على هذه المواضيع.

وهذه الجرأة سبب في تشويه منهج أهل السنة عند كثير من الناس، حتى وجد خصومه كعبد القادر حسين وأمثاله مادة يطعنون بها في المنهج السلفي نفسه، ويصورونه على أنه منهج لا يعرف إلا التبديع والتكفير، مع أن هذا في الحقيقة مخالف للأصول التي قررها أئمة أهل السنة.

ولا خلاف بين أهل العلم المعتبرين السلفيين في أن النووي والسيوطي وقعا في أخطاء عقدية ومسائل خالفا فيها مذهب السلف، كما لا خلاف في أن أبا حنيفة رحمه الله قد نُقل عنه ما انتقده أهل العلم، لكنهم مع ذلك لم يسقطوهم ولم يجعلوا تلك الأخطاء سببا لإهدار مكانتهم العلمية

فالإشكال ليس في وصف القول أو الفعل بأنه بدعة أو ضلال إذا دل الدليل على ذلك، وإنما الخلل هو توهم أن كل من وافق المبتدع في بعض مقالاته فقد شاركه في الحكم الذي أطلقه السلف على أهل تلك المقالة بمجرد ذلك، دون تحقيق مناط ذلك الحكم في حقه.

وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه محمد بن شمس وأمثاله، حيث استدلوا بإطلاقات السلف في تبديع أهل البدع أو تكفير أصحاب المقالات الكفرية، ثم نزلوها على أعيان معينين جاؤوا بعدهم دون تحقيق المناط، مع أن تنزيل الأحكام على الأعيان باب مستقل غير باب بيان حكم الأقوال والأفعال، وهو من باب تحقيق المناط لا من باب معرفة الحكم الكلي.

والغريب أن من يكثر من إطلاق أحكام التبديع والتكفير يقع غالبا في تناقض منهجي؛ إذ يبدأ بالاستدلال بإطلاقات السلف ثم ينتهي إلى تنزيلها على كل من وافق أوصافها في نظره، دون مراعاة للفروق التي راعاها السلف أنفسهم، ودون اعتبار لاختلاف الأحوال والأشخاص، فيصبح تحقيق المناط غائبا، مع أنه لب الاجتهاد في هذا الباب.

وهنا نسأل: هل مجرد وجود إطلاق عن الإمام أحمد في ذم مقالة معينة أو الحكم المطلق بكفر قائلها يقتضي أن كل من وقع فيها بعده يدخل في حكمه بعينه، دون تحقيق مناط؟وما الدليل على تحقق المناط في النووي والسيوطي؟

والعجيب أن كثيرًا من هؤلاء يحتجون بكلام السلف في ذم البدع، لكنهم يغفلون عن منهج السلف في تنزيل تلك الأحكام على الأعيان،
لأن إطلاقات السلف أحكام عامة على أوصاف، لا أحكام على كل من ظُن دخوله فيها، أما تنزيلها على الأعيان فهو اجتهاد آخر يحتاج إلى تحقيق المناط، ولا يلزم من صحة الحكم الكلي صحة تنزيله على كل فرد يدعى دخوله فيه، حتى يثبت أن هذا المعين قد استوفى الوصف الذي علق عليه الحكم، وانتفت في حقه الموانع المعتبرة.
فالخطأ ليس في الاستدلال بإطلاقات السلف، وإنما في القفز من الحكم الكلي إلى تنزيله على معين دون تحقيق مناط الحكم في حقه.

ومن هنا فإن من الخطأ اختزال النووي في بعض تأويلاته، أو السيوطي في بعض أخطائه؛ فإن الأمة لم تعرفهم بهذه الزلات، وإنما عرفتهم بما قدموه من خدمة للعلم والسنة والفقه، مع بقاء وجوب بيان ما أخطؤوا فيه ورده بالدليل.

فبهذا يتحقق العدل الذي أمر الله به، وتسلم أصول أهل السنة من الغلو في التبديع والتكفير، كما تسلم من التفريط في إنكار البدع والمخالفات.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 23 يوليو 2026

عبارة: «أدخلتم الدين في كل شيء»

 عبارة: «أدخلتم الدين في كل شيء» 


عندما يأتي فقيه يتكلم عن أزمة الكهرباء أو درجات الحرارة 

تجد من يعلق قائلا: أدخلتم الدين في كل شيء 


ولتحرير العبارة وبيان حكمها أقول:

هذه العبارة مجملة، تحتمل معنيين مختلفي الحكم.. 


ومن أصول أهل السنة: الاستفصال في الألفاظ المجملة المحتملة لحق وباطل، فإن كثيرا من النزاع إنما نشأ من الاشتراك في الألفاظ، لا من حقيقة المعاني. 


قد يريد القائل: لا تُدخلوا أحكام الحلال والحرام، ولا الخطاب الشرعي في مسائل فنية أو تجريبية محضة لا يتعلق بها حكم تكليفي، كالكلام في الأسباب الهندسية لانقطاع الكهرباء، أو الحسابات العلمية لدرجات الحرارة، أو نحو ذلك من العلوم التي مردها إلى الخبرة والتجربة، فهذا المعنى في نفسه صحيح؛ فإن الشريعة لم تأت لتبيين دقائق الصناعات، ولا تفاصيل العلوم التجريبية، وإنما دلت على أن الأصل فيه الرجوع إلى أهله، كما في قوله  صلى الله علبه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». 


لأن هناك من لا يفرق بين جهتين مختلفتين:

١-جهة فنية محضة، وهي معرفة أسباب الانقطاع، وطرق الإصلاح والحلول التقنية والإحصاءات وهذه مردُّها إلى أهل الاختصاص. 


٢-جهة شرعية، وهي ما يتعلق بأفعال المكلفين، كحكم تعمد قطع الكهرباء عمن تتوقف حياته عليها، أو حكم الإسراف في استهلاكها، أو وجوب أداء الأمانة في إدارتها، أو مسؤولية ولي الأمر في القيام بما تقوم به مصالح الرعية.

فهذه الجهة الثانية من صميم الشريعة؛ لأنها حكم على أفعال المكلفين، لا على الحقائق الكونية أو القضايا الفنية. 


وقد يريد القائل أن الدين لا شأن له إلا بالعبادات والشعائر الفردية، وأن السياسة والاقتصاد والقضاء وسائر شؤون الحياة العامة ينبغي أن تدار بمعزل عن الوحي، وأن الرجوع إلى الشريعة فيها غير لازم أو غير مشروع. 


وهذا هو المعنى الباطل؛ لأنه مصادم لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة من أن الشريعة جاءت لهداية الخلق في أمر دينهم ودنياهم، وأن الله تعالى أمر بالحكم بما أنزل، وجعل ذلك أصلا في القضاء والسياسة والمعاملات، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. 


فمن اعتقد هذا المعنى فقد خالف قطعيات الشريعة وأصول الإسلام. 


وعلبه فمن يقول أدخلتم الدين في كل شيء قد يريد المعنى الأول أو الثاني، لما شاهده من تكلف بعض الناس في إقحام النصوص في مسائل فنية محضة، أو خلطهم بين البحث التجريبي والحكم الشرعي،

وقد يريد -والعياذ بالله- المعنى الثالث وهو العلمنة بعينها..


والفارق العملي بين المعنيين لا يدرك غالبا من مجرد سماع العبارة، وإنما يدرك بالنظر إلى القرائن وأصول المتكلم.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 19 يوليو 2026

مختصر في بيان حقيقة #التأله والعبادة عند أهل السنة


- التأله والتعبد لفظان مترادفان: حقيقة واحدة قوامها ما في القلب من كمال المحبة والذل والخضوع، ويلزم عنه شرعا ظهور مقتضاه على الجوارح.

- العبادة اسم جامع لهذه الحقيقة، واسم لأفرادها أيضا، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].
والعلاقة بين الأصل وأفراده علاقة تلازم لا تجريد، فمتى تحقق التأله في القلب وانتفى المانع، لزم ظهوره على الجوارح، وانتفاء جميع الأعمال الظاهرة مع انتفاء المانع دليل على انتفاء الأصل نفسه.

- التأله ليس مجرد اعتقاد ذهني بربوبية المعبود، وإنما هو غاية الذل والمحبة والانقياد، ظاهرا وباطنا.
ولهذا كان اعتقاد مشركي العرب في آلهتهم هو السبب الذي حملهم على صرف العبادة لها، لا نفس عبادتهم؛ فهم لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالربوبية، وإنما شفاعتها وتقريبها إلى الله، كما في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].

وهنا سؤال: لماذا خص المشركون الصنم بالسجود دون الغني وزعيم القبيلة مع اعتقاد القدرة في الجميع؟

والجواب: نوع الاعتقاد يفسر لماذا خُص الصنم بالتعبد، لكن هذا يثبته باعثا وداعيا وليس هو عين التأله، وهذه نكتة الخلاف مع الأشاعرة والمتصوفة
فحتى لو فرضنا جدلا أن المشركين يعتقدون في آلهتهم النفع الجزئي المستقل عن الله فليس هذا هو التأله، وإنما هذا هو الاعتقاد الباعث على التأله والداعي له، وهو شرط لوجود الفعل في الخارج وليس مناطا للشرك في النصوص الشرعية

فالشرع علق الشرك بالفعل كصرف سجود التعبد لغير الله
ولم يعلقه باعتقاد النفع في الآلهة، وإنما ذكر اعتقاد النفع باعثا وداعيا...
فافهم هذا بوركت
ولو أن رجلا اعتقد في ولي ميت أنه ينفع ويضر  دون أن يسجد له أو يدعوه، لكان مشركا في اعتقادة لا عابدا لغير الله ولا متألها له، حتى يقترن الاعتقاد بصرف شيء من العبادة.

- تنقسم الأفعال من حيث كونها تعبدا في نفسها من غير قرينة أو لا إلى قسمين:
الأفعال المحضة كالسجود التعبدي، ودعاء العبادة، والذبح قربة، والنذر، والطواف، فهذه الافعال عيّن الشارع جنسها ابتداء فصرفها لغير الله شرك بمجرد وقوعها دون حاجة لقرينة.
والأفعال المشترك كالقيام والانحناء، فهذه تحتمل التعبد وغيره، فلا تتعين تعبدا إلا بقرينة تخرجها عن معناها العرفي، كالاقتران بدعاء عبادة أو استغاثة، أو مبالغة تنفي كل تفسير معتاد.
والقرينة تعمل في تعيين جنس الفعل لا في كشف ما في القلب مباشرة.

- والحكم بأن الفعل عبادة حكم على جنسه لا على كل من وقع منه؛ فالحكم على الفاعل المعين يفتقر إلى استيفاء شروط التكليف وانتفاء الموانع كالإكراه والجهل والتأويل السائغ.
وبهذا يتميز قول أهل السنة عن الإرجاء الذي يُخرج الأعمال الظاهرة عن مسمى العبادة أصلا.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار