هل كل من خالف في باب من أبواب السنة انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، ولا يكون سلفيا؟
سمعت مقطعًا للشيخ محمد بن هادي يتكلم فيه عن مسألة: من هو السلفي؟
وقد أحسن الشيخ في التحذير ممن يحصر وصف السلفي في الموافقة في بعض أبواب أصول السنة، كأن يوافق في باب الأسماء والصفات والإلهية، ولو خالف في أصل السمع والطاعة، أو العكس.
فمجرد كونه لم يحرف الصفات لا يعني أنه إذا ضل في باب السمع والطاعة لا يمكن بحال أن يكون مبتدعا؛ إذ لو تصور هؤلاء أن الخوارج الأوائل والمعتزلة الأوائل لم يحرفوا الصفات، ولم يشركوا في العبادة، لظهر لهم بطلان هذا المسلك في حصر اسم المبتدع في الموافقة في باب دون باب.
إلا أن الشيخ محمد بن هادي وقع -فيما يظهر- في زلة خطيرة، يترتب على طردها إخراج عدد كبير من التابعين وغيرهم ممن وقع منهم مخالفة لمنهج السلف في بعض المسائل، كما يترتب عليها إخراج كثير من المفسرين وشراح الحديث والفقهاء من دائرة أهل السنة والجماعة من أمثال ابن حجر وغيره..!!!
هذه الزلة هي الإطلاق في أن السلفي هو من استجمع خصال السنة كلها، وأما من خالف في باب من أبوابها انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، أو غير ذلك، ولا يكون سلفيا..!
واستدل على ذلك بإطلاقات من كلام السلف، كقولهم: «من جالس القدري فهو قدري»، وبقول الإمام أحمد في الحارث المحاسبي، واحتج كذلك بمسلك ابن حجر في التقريب في الجمع بين التوثيق والوصف بالبدعة، كقوله: ثقة مرجئ أو ثقة قدري.
ولا بأس بالتنبيه هنا من باب الشيء بالشيء يذكر: أن الحكم بإخراج الرجل المعين من دائرة أهل السنة والجماعة بناء على مثل هذه الإطلاقات هو المسلك الذي سار عليه محمد بن شمس وأتباعه، إلا أنهم طردوه وزادوا عليه وغلوا فيه.
ما وجه الخطأ عند الشيخ محمد بن هادي؟
الشيخ بهذا التأصيل لم يراع الفرق بين المعين الذي ثبت له أصل السنة، والمعين الذي لم يثبت له أصل السنة، فعاملهم معاملة واحدة في إطلاق الوصف الذي تضمنته المخالفة، ونفي السلفية عنهم.
بينما الأئمة لم يعاملوا كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة معاملة واحدة، ولا أطلقوا تبديع كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة، أو وافق أهل البدع في باب، وإنما فرقوا بين الأعيان بعدة اعتبارات، من أعظمها: ثبوت أصل السنة في المعين من عدمه، فمن ثبت له أصل السنة والتزم أصول أهلها، ثم وقع في مخالفة محتملة للشبهة أو خفاء الدليل عليه، لم يكن مجرد وقوعه فيها موجبا للحكم عليه بالبدعة حتى تنظر حاله، وتقوم عليه الحجة فيما كان من هذا القبيل، وتنتفي الموانع المعتبرة.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى في مواضع متعددة، ومن ذلك قوله في قصة القاضي شريح رحمه الله، بعد أن ذكر إنكاره قراءة: {بَلْ عَجِبْتُ}، وقوله إن الله لا يعجب: «فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة».
فالقاضي شريح أنكر صفة من صفات الله تعالى، وأنكر قراءة ثابتة، ومع ذلك لم يسلب عنه اسم الإمامة، ولم يجعل بمجرد هذه المخالفة من أهل البدع، مع أن سبب إنكاره قائم على خطأ في الفهم والقياس، فقد روى عبد الرزاق بسنده عن أبي وائل قال: قرأها شريح: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}، وقال شريح: «إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم».
ومن الاعتبارات التي ينبغي مراعاتها في الحكم على المعيّن: حال البيئة التي نشأ فيها، ومدى شيوع المقالة فيها؛ فإن شيوع القول وانتشاره قد يكون له أثر في تقدير قيام الحجة، وفهم موجب المخالفة، وتمييز المتأول من المعاند
وقد نقل عن قتادة القول بالقدر، ومع ذلك بالغ الإمام أحمد في الثناء عليه، وذكر علمه وفقهه وتفسيره، مما يدل على أن مجرد نسبة الرجل إلى مخالفة في باب من أبواب الاعتقاد لا تسوغ إطلاق التبديع، ولا جعل النظر في جميع منزلته العلمية والدينية ساقطا.
وقتادة مع وقوعه في بدعة القدر لم يثبت تراجعه، قال الإمام أحمد:(وكان هشام الدستوائي وقتادة وسعيد يقولون بالقدر ويكلموني من أصحاب الحسن)
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: (سمعت أبي يقول : سمعت أحمد بن حنبل وذكر قتادة فأطنب في ذكره ، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك ، وجعل يقول : عالم بتفسير القرآن وباختلاف العلماء ، ووصفه بالحفظ والفقه ، وقال : قلما تجد من يتقدمه أما المثل فلعل).
وهذا يبين لنا أن مجرد وقوع العالم في مخالفة لما عليه أهل السنة في مسألة من مسائل الاعتقاد لا يستلزم بمجرده إخراجه من دائرة أهل السنة، ولا إطلاق التبديع، ولا سيما إذا كان أصل طريقته قائما على اتباع الكتاب والسنة وتعظيمهما ولو في ظنه.
ولو طردنا مسلك الشيخ محمد لبدعنا أكثر أهل الكوفة من التابعين وأكثر أهل البصرة من التابعين، قال الإمام أحمد:( لو فتشت أهل البصرة لوجدت ثلثهم قدرية) ولبدعنا أيضا أبا حنيفة وابن حجر ونحوهما ممن ثبت لهم أصل السنة بالتزامهم في الجملة أصول أهل السنة، ولزومهم الاحتجاج بالكتاب والسنة أصلا ومنهجا.
وهذا بخلاف من عدل عن مصدر التلقي جملة، وأقام مذهبه على أصول مناقضة لأصول أهل السنة مع علمه بالمخالفة، كالجهمية والمعتزلة؛ فهؤلاء يصح الحكم عليهم بالبدعة من حيث الأصل، لقيام أصل البدعة في طريقتهم ومذهبهم.
أما إطلاق القول بأن «من خالف في باب من أبواب السنة سُمّي باسم مخالفته» والاحتجاج على ذلك بإطلاقات من أقوال السلف من غير تفصيل، فهو إطلاق يصطدم بأصول الشريعة وقواعدها؛ إذ إن كل جزئية من فعل السلف أو قولهم لم يصرح فيها بالتقييد بالشروط والموانع يجب بمقتضى قواعد الشريعة أن تُفهم في ضوء تلك الشروط والموانع والقواعد الكلية، إذ لا ينفك فقه السلف عن قواعد الشرع العامة.
ومن هنا فإن تحويل الوصف الكلي بالبدعة إلى حكم قطعي على كل معين بمجرد تحقق سبب من أسباب الوصف هو إسقاط لهذا الأصل، وهو عين ما نحذر منه في مسألة الأسماء والأحكام؛ إذ ليس كل اسم شرعي أو حكم شرعي ينزل على المعين بمجرد وجود سببه، بل لا بد من اعتبار شروطه وموانعه فبمن ثبت له أصل السنة.
وقد نبّه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن البدع ليست على درجة واحدة، بل منها البدع المغلظة ومنها البدع المخففة، ولا يصح التسوية بينها في الحكم على الطوائف والأعيان، حيث قال:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».
فتأمل قوله: «دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة»، وقوله: «ما كانوا يُعدون إلا من أهل السنة»، فإنه يبين أن مجرد موافقة الشخص لطائفة في أصل من أصول بدعتها التي من جنيدي بدعة الإرجاء لا يلزم منه أن يأخذ جميع أحكام تلك الطائفة، ولا أن يحكم عليه بحكمها المطلق.
وبهذا يظهر وجه الخطأ في الاستدلال بإطلاقات السلف على تنزيل الاسم والحكم على كل معين، فإطلاقات السلف في التحذير من أهل البدع، وتشديدهم في المخالطة والمجالسة، والحكم على من جالس أهل البدع بأوصافهم، ينبغي أن تفهم في سياقها العلمي، وأنها كلام في الأوصاف والأجناس والتمييز بين الطوائف، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوصف قد تحقق في كل معين بكل أحكامه وآثاره، كما ينبغي أن يراعى أن كثيرا من تلك الإطلاقات قيلت في عصر كانت فيه السنة وأهلها في قوة، وكان من شأن أئمة السنة في ذلك العصر شدة التحذير من البدع، والمبالغة في الزجر عنها، وسد ذرائع انتشارها، والتحذير من مخالطة أهلها؛ صيانة للسنة وحسما لمادة البدعة.
فوقوع الرجل في بدعة تميزت بها طائفة من الطوائف لا يعني بالضرورة أن يأخذ حكم تلك الطائفة من غير تمييز بين البدعة المغلظة والبدعة المخففة، ولا بين علم المعين بالمخالفة وعدم علمه.
فبدعة إرجاء الفقهاء بدعة في أصل كلي من أصول الاعتقاد، وقد بدع السلف المرجئة، ولم يمنع ذلك من دخول طوائف من أهل الفقه والعبادة في بعض أقوالهم مع بقائهم معدودين في أهل السنة.
وعليه، فكلمة مرجئ لا تساوي دائما كلمة مبتدع في الحكم على المعين؛ فقد يوصف الرجل بأنه مرجئ باعتبار موافقته في مسألة الإيمان، مع كونه من أهل السنة باعتبار أصوله العامة ومنهجه في التلقي والاتباع.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك: أبو حنيفة رحمه الله؛ فقد وصفه غير واحد من أهل العلم بالإرجاء، ومع ذلك لم يكن هذا الوصف عند أئمة السنة لازما للحكم عليه بأنه مبتدع خارج عن أهل السنة والجماعة.
وكذلك غيره ممن نسب إلى بعض المقالات أو وقع في بعض المخالفات، فإن تنزيل القاعدة المذكورة على إطلاقها يقتضي أن كل من لم يستجمع خصال السنة كلها لا يكون من أهل السنة، وهذا لازم لا يستقيم مع صنيع أئمة السلف، ولا مع واقع تصانيفهم وأحكامهم على الأعيان.
وعلى كل حال
فمن الخطأ المنهجي أن يجعل كل من خالف في جزئية من مسائل السنة خارجا عن أهل السنة بإطلاق، كما أنه من الخطأ أن يُجعل كل من وافق في بعض الأبواب سلفيا بإطلاق، بل لا بد من تحقيق المناط في المعين، والنظر في مجموع أصوله، ومراعاة الشروط والموانع...
وهذا هو الذي ينبغي أن يُراعى عند الكلام في مسألة: من هو السلفي؟
كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار