المذهب المالكي لم يولد أشعريا ولا صوفيا، ويعني هذا أن المعتقد الأشعري والمسلك الصوفي ليسا جزءا تأسيسيا من هوية المذهب الفقهي المالكي، وإنما هما أمران طارئان عليه، اختارهما بعض أتباعه في طبقات متأخرة.
والملاحظ أن هذا الطارئ لم يكن من قبيل التفريع أو التخريج الذي تحتمله طبيعة الاجتهاد الفقهي، وإنما كان تغيرا منهجيا في الأصل الاستدلالي نفسه، انتقالا من التسليم للنص الشرعي في باب العقيدة إلى معارضته أو تأويله بمقتضى الأصول العقلية الكلامية، وهذا مسلك لم يرتضه الإمام مالك، ولا ارتضاه أئمة مذهبه المتقدمون.
يعني تتكلم على منهج ربط بالذهب المالكي لا يرتضيه صاحب المذهب، بل يذمه ويبدعه..وهو يغير المنهج الاستدلالي
كما أن اشتراط الأشعرية كجزء لا يتجزأ من هوية المالكي الحقيقي يلزم منه لازم باطل، وهو وصف الإمام مالك نفسه، وجمهور المتقدمين من أصحابه بأنهم مالكية ناقصو الهوية العقدية!
وهذا لازم لا يقبله عاقل منصف..ويبطل أصل الربط...
وتبني بعض علماء المالكية المتأخرين للأشعرية مهما بلغ عددهم أو مكانتهم، لا يدل على أن هذا هو أصل الهوية المالكية، ولا يجعلها معيارا أصيلا لها، فالانتشار اللاحق يصف واقعًا تاريخيا، ولا يؤسس أصالة.
أما استقرار العقيدة الأشعرية فترة من الزمن في ليبيا، فلم يكن استقرارا اختياريا نابعا عن قناعة، وإنما هو نتاج فرضٍ بالقوة توارثته الأجيال بعد ذلك كأمر واقع.
وما تمكين القذافي للصوفية والأشعرية في المناهج والمساجد عنا ببعيد، فهو شاهد معاصر على فرض توجه عقدي معين بقرار سلطوي، بمعزل عن الاختيار.
فشتان بين عقيدة أثرية دخلت مع الفتح الإسلامي الأول برعاية الصحابة والتابعين وأئمة أهل المدينة، وبين تأويلات كلامية فرضتها الظروف السياسية لاحقا.
وعليه، فإن العودة إلى المعتقد الأثري ليست استيرادا لفكر خارجي، وإنما هي عودة جادة إلى الأصل والجذر الذي انقطع استمراره الطبيعي بفعل القوة لا بفعل الاختيار.
إن ربط #المذهب_المالكي بما استقرت عليه #العقيدة_الأشعرية تكتنفه عدة إشكالات منهجية وتاريخية، منها:
١. التأخر الزمني والمضموني للعقيدة الأشعرية يلزم من هذا التأخر عدم صحة الربط أصالة؛ إذ لم يعتنق مؤسس المذهب ولا أكابر أصحابه هذا المعتقد، فقد توفي الإمام مالك (ت 179هـ) قبل ظهور أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ) وتأسيس مدرسته بعقود طويلة.
٢. تصريح أئمة المذهب المتقدمين بما يخالف المقررات الأشعرية المتأخرة
ومن ذلك ما صرح به إمام المذهب مالك بن أنس نفسه في مسألة الاستواء والصفات، وما دونه كبار المالكية من بعده كابن أبي زيد القيرواني في مقدمة رسالته، وابن عبد البر، والطلمنكي، وغيرهم؛ وهذا يمنع صحة الربط مضمونا وإسنادًا معا.
٣. اعتناق جمع من المتأخرين المنتسبين للمذهب المالكي للمدرسة الأشعرية لا يسوغ جعلها متلازمة حتمية له؛ لأن إثبات الملازمة يتطلب إثبات الاعتناق الكلي الشامل عبر كافة طبقات المذهب، وهذا افتراض وهمي يخالف الواقع، فمتقدمو أئمة المالكية لم يعتنقوا هذا المذهب الكلامي المتأخر زمنا ومضمونا، ولا يُتصوَّر منهم ذلك.
٤. عُرف عن الإمام مالك وأصحابه إنكارهم الشديد لعلم الكلام وأهله، وتحذيرهم منه، في حين بُنيت العقيدة الأشعرية في أصولها واستدلالاتها على المناهج الكلامية؛ فكيف يصح إذن ادعاء التلازم بين أصلٍ وفرعٍ يناقضه في المنهج نفسه؟!
لا يشك كل متأمل مطّلع متجرد للحق أن الإمام مالكا وجماهير أئمة المذهب المتقدمين كانوا على عقيدة أهل الحديث والأثر، وهو المسلك الذي يتناسب مع عصر مالك والعصور الفاضلة التي سبقت استقرار التمذهب الكلامي، وشهدت الإنكار الشديد على المتكلمين.
وما يقال في المذهب المالكي يقال نظيره تماما في بقية المذاهب الفقهية.
كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار