تحرير وتصور مختصر في مسألة تبديع المعين
بقلم: د. أحمد محمد الصادق النجار
طلب مني بعض الإخوة الأفاضل أن أكتب تصورا مختصرا ومفهوما يلم بشتات قضية تبديع المعين
وحتى يتصور الباحث هذه المسألة تصورا صحيحا لا بد أن يدرك بداية أنه لا يوجد عن السلف نص صريح مباشر عام على جميع الصور ينص على أن تبديع المعين لا يشترط في العلم وعدم التأويل أو أنه يشترط فيه ذلك، وإنما غاية ما أُثِر عنهم في هذا الباب يعود إلى ثلاثة موارد استدلالية:
1. النص المأثور عن الإمامين الرازيين
وهو حكايتهما لإجماع السلف في شأن من قال في القرآن بالوقف:( ومن وقف في القرآن جاهلا بدع وعلم ولم يكفر)
ولا يخفى على كل من يدرك دلالات الألفاظ حقا أنه ليس في هذا القول ما يدل دلالة واضحة على اشتراط العلم في التبديع أو عدم اشتراطه؛ لأن العطف بالواو يفيد مطلق الجمع ولا يفيد الترتيب، ولأن العبارة قد تحتمل أنها خرجت مخرج التغليظ في مسألة الوقف؛ لكونها كانت من المسائل التي يتخفى بها الجهمية في عصرهم، ولحماية أصل القرآن من تسلل مقالات الجهمية في زمن المحنة، وقد وضحت ذلك في ردي على الشيخ الريس وقبله في ردي على الحدادية، فلا يكفي هذا الأثر وحده للجزم بقاعدة عامة في تبديع المعين.
وبالتالي لا يمكن أن يبنى اعتقاد على احتمال، فضلا أن يبنى عليه منهج عام...
2. الإطلاقات والنصوص العامة عن السلف كقولهم من قال كذا فهو مبتدع
ولا يخفى على كل من يعرف معنى الإطلاق أن هذه الإطلاقات قضايا عامة كلية لا تفيد حكما عينيا على شخصٍ بعينه بمجرد صدور المقالة منه، وإنما لابد في التنزيل من تحقق شروطه وانتفاء موانعه
3. التطبيقات العملية في تبديع السلف لبعض المعينين
ولا يمكن بحال أن يصحح العقل الأصولي استنباط قاعدة كلية مطردة في تنزيل التبديع العيني بلا شروط أو موانع بناء على أعيان مخصوصين حُكِم عليهم في أحوال وظروفٍ محفوفة بالقرائن دون استقراء تام
فكثير من مواقف السلف في تبديع أشخاص بعينهم أو هجرهم كانت مرتبطة بقرائن حالية، كظهور العناد، أو قصد هدم الأصول، أو رعاية المصلحة والمفسدة في الزجر والهجر، وقد تتخلف في غيرهم.
ولذا لما كان شيخ الإسلام ابن تيمية يحمل عقلا أصوليا سلفيا قال عن تبديع السلف لبعض الأعيان:( وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد عام حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يثبت حكمها في نظيرها) مجموع الفتاوى (28/213)
وكما بدّع بعض السلف الحسن بن صالح بن حي لمخالفته أصل أهل السنة في مسالة الخروج بالسبف، فإنهم لم يبدعوا من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج من خيار التابعين.
وكما شدد السلف على من أوّل حديث الصورة فجعل الضمير يعود إلى غير الله، وعدوا ذلك من جنس تأويلات الجهمية، إلا أن الأئمة لم يبدعوا الإمام ابن خزيمة عندما مال إلى هذا التأويل. إلى غير ذلك من الامثلة
وهذا التباين يقطع الطريق على من يحول التطبيقات العملية الجزئية إلى قواعد كلية من دون استقراء تام وتحقيق المناط.
والواجب النظر والتفصيل في أحوال المعينين قبل إلحاق الأحكام بهم.
والذي يظهر أن الشيخ الريس والحدادية يتصورون أن الإمام أحمد يسأل عن رجل خالف في مسألة مشتهرة فيقول مباشرة وهو لا يعلم حاله ولا مصدر التلقي عنده هو مبتدع فاسق!!!!
وهذا تصور إن صح عنهم غريب
ففي التطبيقات العملية الجزئية نجد أن الأئمة يشددون النكير على من يحدث قولا يخالف ما عليه الجماعة، ولاسيما إذا اجتمع معه إظهار المقالة وكون صاحبها متكلما، فيحكمون عليه مباشرة بالتبديع، ولا يثبت هذا الحكم إلا في نظيره، ومن أوضح أمثلته ما فعله الإمام أحمد مع الكرابيسي ويعقوب بن شيبة.
الكرابيسي كان
- متكلما كما ذكر ذلك الشيرازي والذهبي والنووي وابن خلكان،
-ومستورا يذب عن السنة قبل ظهور مقالته.
-وضع كتاب «المدلسين»، وفيه الطعن في الأعمش وسليمان التيمي ونصرة الحسن بن صالح بن حي وأحاديث تقوّي الرافضة...
-أظهر مسألة اللفظ، وكان في زمن محنة القول بخلق القرآن، وأطلق هذه العبارة لفتح باب للجهمية كي يقولوا: القرآن مخلوق تحت غطاء اللفظ.
-وقد بلغه إنكار الإمام أحمد عليه فأصر، حتى قال:( أيش نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا: مخلوق؛ قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق؛ قال بدعة).
فما كان من الإمام أحمد بعد أن علم حاله وقرائن أمره إلا أن بدعه وحذر الناس منه،
قال أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (وأول من قال باللفظ، وقال: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة: حسين الكرابيسي. فبدعه أحمد بن حنبل، ووافقه على تبديعه علماء الأمصار....)
فقصة الكرابيسي تصلح مثالا على تبديع السلف لبعض المعيَنين، لكنها لا تصلح دليلا على أن الشروط غير معتبرة في كل تبديع، وإنما غاية ما تدل عليه أن الإمام أحمد بدع من اجتمعت فيه قرائن احتفت به بعينه، وهذا هو معنى قضية العين التي ذكرها ابن تيمية والتي يثبت حكمها في نظيرها فقط.
ومما يدل على أن الإمام أحمد يعتبر الأحوال، قال عبدالله بن أحمد: سئل أبي - وأنا أسمع - عن اللفظية والواقفة؛ فقال: من كان منهم يحسن الكلام؛ فهو جهمي.
فتدل الرواية على أن الإمام أحمد لم يجعل مجرد الانتساب إلى اللفظية أو الوقف وصفا كافيا في الحكم، وإنما علق الحكم على وصف إضافي، وهو كونه يحسن الكلام..
وكذلك الحال في يعقوب، فقد نقل الخلال عن المروذي قال: «سألت أبا عبد الله عن يعقوب بن شيبة، فقلت: إنه أظهر الوقف، فقال: هذا مبتدع صاحب هوى، يريد أن ينفق مذهبه»
فلاحظ هنا كيف علل الإمام أحمد الحكم بقرينة حالية وإرادة فاسدة.
وإذا استقرينا جميع الوقائع لتبين لنا بوضوح أن التبديع العيني يتنزل بناء على القرائن والأحوال، إلا أن منه ما يتنزل مباشرة على المعين ومنه ما لا يتنزل إلا بعد إقامة الحجة بحسب حال الشخص
وخلاصة المسألة: أن السلف والأئمة يفرقون بين صنفين من الرجال في الجملة:
١-رجل ينطلق من أصل تعظيم النصوص الشرعية في جمبع ابواب الدين، والاعتصام بالأثر، وقبول انقياد الحق، لكنه وقع له خطأ وافق فيه أهل البدع، أو تأويل في فرع أو باب، أو عرضت له شبهة لم يستطع دفعها؛ فهذا لا يبدع مباشرة بمجرد وقوع الخطأ، وإنما لابد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع
ولذا لم يبدع الأئمة كل من خرج على الحجاج، ولا بدعوا ابن خزيمة ولا القاضي شريحا إلى آخره
٢-رجل ينطلق من أصول أهل البدع ومناهجهم المخالفة للمأثور مع علمه بأنه لا يعتصم بالأثر، فهذا هو المبتدع حقيقة؛ لتنكره للأصل وهدمه للسبيل.
وقد بيت ذلك مفصلا في رسالتي تبصير الخلف بضابط الأصول التي من خالفها خرج عن منهج السلف، وفي عدة مقالات....
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار