الاثنين، 19 أكتوبر 2026

نقد منهج الشيخ عبد العزيز الريس في تبديع المعين

 نقد منهج الشيخ عبد العزيز الريس في تبديع المعين 

بقلم د. أحمد محمد الصادق النجار

تصدى الشيخ عبد العزيز الريس للرد على الغلاة في باب التبديع ممن يسمونهم بالحدادية؛ لتبديعهم علماء من أمثال النووي وابن حجر وغيرهما من شراح الحديث والمفسرين والفقهاء. 


إلا أنه أخطأ في تحرير محل الخلاف معهم، فجعل إشكالية الحدادية في كونهم يبدعون بمطلق الجزئيات، 

مع أنه يعلم أن تبديعهم الجائر للنووي وابن حجر لم يكن لأجل جزئيات

ولم أقف فيما اطلعت عليه من كلام كثير منهم على أنهم يبدعون بمطلق الجزئيات، كما زعم الشيخ الريس. 


وبناء على تقرير الشيخ الريس أن مدار تبديع المعين هو المخالفة في كلي أو جزئي مشتهر 

يصبح تبديع الخليفي وحزبه لهؤلاء الأعلام مستقيما؛ لكون المخالفة عندهم كانت في أصل كلي، كتأويل الصفات الفعلية... 


وهذا يجعلني أسأل الشبخ الريس ما الفرق إذن بينك وبين الحدادية في تبديع المعين؟ 


فإن قيل: الفرق أن الشيخ الريس يخالفهم في إظهار التبديع لانتفاء المصلحة الراجحة، وفي هجر كتبهم ونحو ذلك

قلنا: هذا يجعل مخالفته لهم منحصرة في أمر ظني يحتمله الاجتهاد، وهو تقدير المصالح والمفاسد، لا في أصل منهجي منكر يستوجب تخصيصهم بلقب مستقل ولا يستدعي كل هذا الإنكار عليهم. 


والحقيقة أن المشكلة مع الشبخ الريس ومعهم في أصل تبديع المعين لا في آثاره. 


أين تكمن الإشكالية؟ 


تكمن ألإشكالية في جعل الشيخ الريس مدار التفريق بين من يبدع عينه ومن لا يبدع هو في نوع المخالفة ودرجة شهرتها، بينما قاعدة أهل السنة الصحيحة أن مدار التفريق الحقيقي هو تحقق شرط إقامة الحجة وانتفاء الموانع المعتبرة في حق المعين الذي ثبت له أصل السنة ولو في ظنه هو، سواء كانت المخالفة كلية أو جزئية. 


وهذا يعني أن الإشكال في انتقالهم من تصنيف المخالفة من حيث كونها كلية أو جزئية، ومشهورة أو غير مشهورة إلى تنزيل الحكم على الشخص المعين دون مراعاة ثبوت أصل السنة في الاحتحاج للمعين، وتوفر الشروط وانتفاء الموانع بحقه. 


وهنا يرد عليهم إشكال: لماذا يعذر المخطئ في الجزئي غير المشهور، ولا يعذر في جزئي مشتهر أو في كلي، مع أن الخطأ في الكلي أو في الجزئي المشتهر قد يكون ناشئا من الجهل بحكم المخالفة نفسها، كما هو الحال فيمن يجهل حكم جزئية معينة غير مشتهرة؟ 

يعني أن القول بأن فلانا خالف في أصل كلي أو مسألة مشتهرة فصار مبتدعا بمجرد المخالفة يلغي اعتبار الشريعة لجهل المعين إذا كان ثابتا على أصل السنة إجمالا.

والاشتهار لا يكون ضابطا في الحكم على المعين؛ لأنه نسبي، ولأن الشهرة ترفع خفاء الدليل من حيث الأصل، لكنها لا تلغي إمكانية وجود المانع لدى الشخص. 


وقد ظهر أثر هذا الإشكال عند الشيخ الريس،عمليا حين طُبِّق تأصيله على مواقف السلف، فتخبط في ضابط اشتهار الخلاف بين أهل السنة وأهل البدعة. 


وذلك أنه لما جعل ضابط تبديع المعين هو المخالفة في كلي أو في جزئي مشتهر، واجه إشكال عدم تبديع السلف للقاضي شريح وابن خزيمة، مع وقوع كل منهما في خطأ عقدي. 

وللخروج من هذا الإشكال عد إنكار القاضي شريح لصفة العجب — وهو تأويل لصفة فعلية — وإنكار ابن خزيمة إرجاعَ الضمير في حديث الصورة إلى آدم — وهو كذلك من باب التأويل الدلالي لنص — من المسائل الجزئية غير المشتهرة. 


وهذا لا يسلم له؛ لأن إنكار صفة العجب، كما فعل القاضي شريح، هو في حقيقته تعطيل لصفة فعلية كصفتي النزول والاستواء تماما 


وأما تأويل ابن خزيمة فيكفي لاشتهار مخالفته مذهب السلف أن الإمام أحمد قتل عنه هذا تأويل الجهمية، وجهَّم من أرجع الضمير في الحديث لآدم، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمة أنه لم يكن بين السلف نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، وأنه ظهر تاويل الحديث على أيدي الجهمية.

وقال إسحاق بن راهويه:(لا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي).

فرجع عدم تبديع الأئمة لهما عينا ليس لعدم اشتهار المخالفة، وإنما لوجود مانع شرعي منع من التبديع. 


ثم يأتي الشيخ الريس ويقول هي جزئية غير مشتهرة!!! 


ولتدرك الصلة الوثيقة بين تقرير الشيخ الريس وتقرير عبد الله الخليفي وأتباعه أنهما ينطلقان من نفس الاحتحاج، فكلاهما ينطلق من إطلاقات السلف وتبديعهم لبعض المعينين ظنا منهم أنه حكم يشمل كل معين، وقد بينت في ردودي على الخليفي وأمثاله أن عبارات السلف غالبها محمول على الحكم على المقالة أو النوع أو أفراد غير معينين، أو صادرة في حق من قامت عليه الحجة عندهم، وليست قاعدة مطردة على كل آحاد المعينين دون استقراء حاله. 

كما في هذا الرابط وغيره 

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post.html


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار






السبت، 17 أكتوبر 2026

اعترض بعض الأشاعرة في صفحاتهم على إثباتنا للوجه واليدين لله ك بأنها وردت في النصوص إضافات خبرية، وكونها إضافات لا تفيد أنها صفات!!!

 اعترض بعض الأشاعرة في صفحاتهم على إثباتنا للوجه واليدين لله ك

بأنها وردت في النصوص إضافات خبرية، وكونها إضافات لا تفيد أنها صفات!!! 


والرد على هذا الاعتراض:

أولا: الصحابة رضي الله عنهم آمنوا بنصوص الصفات على ظاهرها الحقيقي اللائق بالله، ولم يكن لديهم مجازات المعطلة ولا تجسيم المشبهة، ولم ينطلقوا من أن هذه الصفات وضعت في لغة العرب على العضو الحسي، فهذا لم يخطر في بالهم أصلا ولا اقتضتها عندهم الحقيقة اللغوية

ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنه: خلق الله أربعة أشياء بيده

فخص هذه الأشياء دون غيرها بخلقها بيدي الله سبحانه. ولو كانت اليد بمعنى القدرة لما كان لآدم والقلم والعرش وجنة عدن خصوصية، فكل المخلوقات بقدرته 


ثانيا: لما ظهرت بدع الجهمية والمعتزلة بإنكار الحقائق اللغوية للنصوص اضطر السلف والأئمة كأحمد بن حنبل والبخاري، وابن خزيمة والدارمي وغيرهم إلى التصريح بالإثبات ودفع التأويل لحماية فهم الصحابة الأصيل، ولم يخترعوا عقيدة جديدة بخوضهم في التفاصيل التي لم يتكلم يها الصحابة؛ لعدم حاجة الصحابة في وقتهم إلى الخوض فيها

فالإثبات هو الاستمرار على أصل فهم الصحابة، والتأويل أو النفي هو الطارئ. 


ثالثا: قول بعض المعطلة: أين في لغة العرب أن اليد والوجه والعين صفات؟

جوابه: العرب لم تضع معجما تقول فيه: هذه كلمة صفة وهذه كلمة ذات، 

​وإنما الأمر في لسان العرب أنه إذا أُضيف ما لا ينفصل عن الذات إليها كاليد والوجه والعين إضافة اختصاص، دل ذلك على نعوت ذاتية قائمة بالموصوف، كما أن الحياة والعلم نعوت ذاتية وإن لم تسمها العرب باسم الصفات كاصطلاح. 


رابعا: قول بعض المعطلة في معيارية كون اللفظ صفة أن نقول القدرة صفة للقادر، فأين في لغة العرب أن اليد صفة لليد والعين صفة للعائن

وجوابه: هذه مغالطة قياسية قائمة على توهم أن كل صفة يلزم منها اشتقاق اسم فاعل للموصوف، ومن المعلوم لغة أن انتفاء الاشتقاق الصرفي لاسم الفاعل لا ينفي كون المضاف صفة ونعتا ذاتيا، فمن الصفات ما يشتق منه اسم فاعل ومن الصفات ما لا يشتق منه اسم فاعل. 


خامسا: قولهم إن نصوص إثبات اليد والوجه وردت في سياق خبري إضافي وليس في سياق كونها وصفا

وجوابه: التفريق بين السياق الخبري والسياق الوصفي لإبطال كون اللفظ صفة: باطل إجماعا

فقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ورد في سياق خبري عن حادثة تاريخية، ومع ذلك هي من آيات الصفات إجماعا، فقد أثبتوا بها كون الكلام صفة. 


سادسا: قاعدة أهل السنة والجماعة أهل الحديث في الإضافات

أن الإضافات على نوعين:

​الأول: إضافة الأعيان المنفصلة القائمة بنفسها أو ما يقوم بالعين كالروح إلى الله، فهذه إضافة خلق وتكريم مثل: ناقة الله، بيت الله، روح الله .

​الثاني: إضافة الصفات والأوصاف التي لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بالموصوف، فهذه إضافة صفة إلى موصوفها مثل: علم الله، كلام الله، يد الله، وجه الله. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الجمعة، 16 أكتوبر 2026

سأل سائل معترضا: ما المعنى الحقيقي المحدد الذي يبقى لليد بعد تجريدها من العضوية والجسمية المحدثة؟ وما الدليل من لسان العرب على أن هذا المعنى هو أصل الوضع، وليس معنى مجازيا أو استعمالا خاصا؟

 للمتخصصين

سأل سائل معترضا:
ما المعنى الحقيقي المحدد الذي يبقى لليد بعد تجريدها من العضوية والجسمية المحدثة؟ وما الدليل من لسان العرب على أن هذا المعنى هو أصل الوضع، وليس معنى مجازيا أو استعمالا خاصا؟

وكما تلاحظ أن هذا الاعتراض ينطلق من مصادرة منهجية خاطئة مؤداها: أن حقيقة الألفاظ الذاتية الخبرية كاليد أو الوجه وضعت ابتداء للجسمية المخلوقة والأعضاء المحدثة, فمتى جردت من خصائص المخلوق خلت من المعنى!

وهذا لعمر الله خلط بين حقيقة المفهوم اللغوي الكلي وبين عوارض المحل المخلوق الذي وجدت فيه تلك الصفة

ولتفكيك هذه الشبهة لابد أن تعلم أن الألفاظ لم توضع لمعان مجردة في الأذهان قبل الاستعمال, وإنما الوضع يؤخذ من الاستعمال المتكرر الذي استقر عليه عرف أهل اللسان, فالعربي استعمل الألفاظ مطلقة ومقيدة ومضافة, ودلالتها على القدر المشترك الكلي دلالة أصيلة في صلب الاستعمال.
فليس هناك وضع مجرد للفظ, ولا وضع أول, وإنما هناك استعمالات, فحينما يستعمل العربي اللفظ في أفراد ومحال متعددة, فإن الذهن العربي ينتزع من مجموع هذه الاستعمالات معنى كليا  مجردا عن القيود والخصائص الفردية, تارة نسميه بالمسمىى الكلي الذهني, وتارة بالمفهوم الكلي, وتارة نسميه بالقدر المشترك وتارة نعبر عنه بأصل الوضع تجوزا

فالمعنى الذي فهمه السامع واستقرت عليه اللغة هو المفهوم الكلي المشترك .

بناء على هذه المقدمة نعود للجواب عن سؤال: ما المعنى الحقيقي المحدد الذي يبقى للوجه واليد بعد تجريدهما من العضوية المخلوقة والجسمية المحدثة؟

في صفة الوجه
لفظ الوجه لم يوضع له ابتداء معنى مجردا, بحيث إن العربي تصورا للوجه معنى قبل أن يستعمله, هذا لا يوجد في لغة العرب, وإنما العربي استعمل لفظ الوجه في أفراد ومحال متعددة, فتجده يقول: وجه الثوب ووجه الإنسان ووجه النهار ونحو ذلك, وهنا يأتي الذهن العربي لينتزع معنى كليا ذهنيا مجردا تشترك فيه جميع الأفراد, فيتصور معنى الوجه بصفته مفهوما كليا متواطئا مجردا عن كل القيود والخصائص, أما في الوجود العيني الخارجي فلا يوجد وجه مطلق, وإنما يتعين في الخارج بحسب ما يضاف إليه.

والقدر المشترك للوجه الذي يشترك فيه جميع الأفراد: ما تقع به المواجهة, أيا كانت صورته في الموصوف.
فوجه الإنسان: ما تقع به المواجهة الحسية, ووجه الثوب ما يواجه منه عند لبسه, ووجه النهار ما يواجه من الزمان.

فأثبتنا بذلك معنى كليا مجردا في الذهن عن العضوية المحدثة، وهذا المعنى إذا أُضيف إلى الله تعين بالإضافة على ما يليق به سبحانه، وبقيت خصائصه مناسبة لذاته سبحانه
وهذا الجامع الذي استخرجناه من شواهد اللغة أكده القرآن والسنة وصدقاه, فقد دل النص على ان الوجه المضاف إلى الله يوصف بالجلال والإكرام وأنه ينظر إليه يوم القيامة وأن له سبحات.. إلى آخر ما دل عليه النص الشرعي

[ما أروع مذهب أهل الحديث وما أسهل تصوره]

وفي صفة اليد

القدر المشترك لليد الذي يشترك فيه جميع الأفراد: ما يحصل به القبض والبسط والإمساك والتصرف, أيا كانت صورته في الموصوف.

وهذا الجامع الذي استخرجناه من شواهد اللغة أكده القرآن والسنة وصدقاه, فقد دل النص على ان اليد المضافة إلى الله يحصل بها:
- القبض والبسط والإنفاق: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾.
- الخلق، مع تخصيص آدم بقوله: ﴿خلقت بيدي﴾.
- الطي والإمساك والكتابة, إلى غير ذلك مما ورد به النص الشرعي

ننتقل بعد ذلك إلى جواب السؤال الثاني وهو ما الدليل من لسان العرب على أن هذا المعنى هو أصل الوضع، وليس معنى مجازيا أو استعمالا خاصا؟

الدليل من لسان العرب، هو: استقراء استعمالات العرب واستصحاب أصل التواطؤ, فإذا تتبعت لسان العرب وجدت العرب يطلقون اليد مثلا على الجمادات والظواهر والأدوات، فيقولون : يد القوس ويد السيف ويد الدلو، ويراد به محل الإمساك، ويد الإنسان ما يحصل به القبض والبسط، ويد الريح، أي ما يحصل به تصرفها فيما تهب عليه.
وكلها تجتمع في قدر مشترك حقيقي هو ما يحصل به القبض والإمساك والتصرف، ويدل على أنه جامع أنه يدور مع مادة لفظ اليد اشتقاقا واستعمالا, فطرده وانعكاسه في الاستعمال يدل على أنه جامع.

والاشتراك المعنوي أرجح من الاشتراك اللفظي ومن المجاز على القول به، لأنه لا يستلزم تعدد الوضع ولا قرينة صارفة، فيترجح أن اللفظ موضوع لهذا القدر في الذهن؛ لأنه إذا بطل الاشتراك اللفظي والمجاز تعين البقاء على الأصل وهو الاشتراك المعنوي

أما ادعاء المتكلمين اختصاص اللفظ ببعض أفراده المحدثة فهو تحكم لا دليل عليه, ولهذا لما ادعى بعضهم أن الذوق خاص بالفم, رده الخليل بن أحمد وبين أن الذوق  يراد به: وجود طعم الشيء والإحساس به حقيقة, لا أن أصل اللفظ مقصور على الفم..

وبهذا يتبين أن تخصيص الوجه واليد بالعضو المحدث عند السامع إنما نشأ من الإضافة والغلبة، والغلبة الاستعمالية طارئة لا تنفي أصل الاشتراك المعنوي الكلي.

فدعوى أن يد الإنسان هي أصل الوضع، وأن يد القوس مجاز: تحتاج إلى دليل تاريخي ولغوي يعين السبق الزمني لأحدهما، وهو مفقود, فمن يدعي أن اليد وضعت للعضو المحدث ثم نقلت ليد القوس مجازا فهو يدعي التقييد والنقل, وهي دعوى حادثة فإذا عجز عن إثباتها بالدليل التاريخي سقطت دعواه ورجعنا إلى الأصل.

وبهذا التحرير السلفي يتبين أن:
1-تجريد الصفة الذاتية الخبرية عن الخصائص المحدثة هو تجريد للمفهوم اللغوي عن عوارض المحل.
2-القدر المشترك هو حقيقة لغوية أصيلة ثابتة بالتواطؤ ولسان العرب.
3-مذهب أهل الحديث والسلف الصالح هو أصح المذاهب تصورا واستدلالا؛ إذ يثبت الحقائق اللغوية والشرعية للأسماء والصفات بلا تشبيه ولا تعطيل.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

إلزامٌ لمتأخري الأشاعرة لا يمكنهم الفرار منه مهما حاولوا: لماذا يلزم من إثبات اليد العضوية ولا يلزم من إثبات العلم الافتقار؟

 للمتخصصين

إلزامٌ لمتأخري الأشاعرة لا يمكنهم الفرار منه مهما حاولوا: لماذا يلزم من إثبات اليد العضوية ولا يلزم من إثبات العلم الافتقار؟ 


لهم في ذلك مخرجان في الجملة:

الأول: أن اليد والوجه وصفات الأعيان لا تنفك في الشاهد عن لوازم المخلوق، فتكون هذه اللوازم لازمة لكل موصوف بها.

الثاني: أن الوضع اللغوي لصفات المعاني كالعلم وقع ابتداء على معنى كلي مجرد بخلاف اليد وصفات الأعيان فهي وضعت على العضو المادي. 


أما الجواب عن المخرج الأول لهم فهو:

إن اقتران الصفة في الشاهد بلوازم المخلوق وخصائص الحدوث لا يكفي بمجرده لإثبات أن هذه الخصائص داخلة في أصل مدلولها اللغوي، أو لازمة لها في كل موصوف.

يعني كون اليد في المخلوق عضوا ولحما ودما لا يعني أن هذه الخصائص جزء من معناها اللغوي، ولا أنها لازمة لها في حق الله تعالى. 


فالعلم والقدرة والحياة والإرادة في حق المخلوقين لا تنفك في الشاهد عن الافتقار إلى محل مخلوق وأحوال وخصائص محدثة، فعلم الإنسان يقع ضمن أحوال مخلوقة، ويقترن في أحواله المعتادة بأسباب وآلات وحدود، كما تعرض له أحوال الجهل والنسيان؛ ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه الخصائص كلها داخلة في أصل مفهوم العلم 

ومع ذلك يثبت الأشعري هذه الصفات لله تعالى على الحقيقة، ويجردها عن سائر خصائص ولوازم النقص المحدثة والافتقار إلى محل حادث، مقرا بوجوب التمييز بين أصل الصفة وما يقترن بها في المخلوق. 


فإذا كان مجرد اقتران الصفة في الشاهد بخصائص الأجسام المخلوقة لا يقتضي دخول تلك الخصائص في حقيقة معناها اللغوي، لزم من يدعي أن صفات كالوجه واليدين تستلزم العضوية المحدثة والتركيب الجسماني المخلوق في حق الله أن يقيم دليلا مستقلا على هذا اللزوم، ولا يسوغ له الاكتفاء بالاحتجاج بالصورة المشاهدة في المخلوق.


وعليه فإن قالوا: اليد تستلزم الجارحة والعضو المركب.

قيل لهم: والعلم والإرادة يستلزمان الافتقار إلى محل حادث في الشاهد، فالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر 


وأما الجواب عن المخرج الثاني لهم فهو:

فر الأشعري إلى اللغة زاعما أن العلم والقدرة موضوعة في أصل لسان العرب لمعان مجردة، واقترانها بالأدوات عارض، بينما اليد والوجه موضوعة لأعيان وأجزاء وأعضاء مركبة، فحملها على الحقيقة مع نفي العضوية خروج عن موضوع اللفظ 


والجواب عن هذا من وجوه برهانية متظافرة، إلا أني سأذكر منها وجها واحدا على سبيل الاختصار وهو: أن صفات الأعيان كاليد لم توضع في لغة العرب على الذوات التي لا تقبل الاشتراك الكلي، وإنما وضعت على القدر المشترك الكلي الذهني (مطلق المعنى) الذي يصح صدقه على أفراد متعددة، والتخصيص إنما يقع بحسب الإضافة، لا بأصل الوضع، فاللفظ المفرد يدل على مطلق المعنى والماهية، وإنما تتحدد الكيفيات والخصائص المادية بـالإضافة والتقييد لا بمجرد الوضع؛ فالعضوية واللحم والعظم من لوازم المضاف إليه المخلوق لافتقاره وعجزه، وليست من صلب مدلول اللفظ الكلي.


وأما قول الأشعري: إن المتبادر إلى ذهن السامع عند إطلاق لفظ اليد هو الجارحة، والتبادر أمارة الحقيقة في اللغة، فإيهام التشبيه في صفات الأعيان أشد وأظهر منه في صفات المعاني.


فجوابه: أن التبادر الحاصل في ذهن السامع ليس ناشئا عن الوضع اللغوي الأصلي للفظ، وإنما هو تبادر عارض ناشئ عن إلف المشاهدة المحسوسة في الشاهد، وما كان ناشئا عن الإلف والمشاهدة لا يكون شرطا ولا جزءا في أصل وضع اللفظ. 


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

تفكيك دعوى التلازم بين إثبات الوجه واليد وإثبات الأعضاء والجسمية

تفكيك دعوى التلازم بين إثبات الوجه واليد وإثبات الأعضاء والجسمية 

زعم أحد #الأشاعرة في منشور له على الفيس أن الخلاف في إثبات اليد والوجه لله تعالى يرجع إلى كيفية تصور حقيقة الذات الإلهية ولوازم إثبات الصفات لها؛ فإن تصورت ذات متحيزة ذات حجم، لزم أن تكون اليد والوجه أعضاء مركبة منها، وإن تصورت ذات غير متحيزة، أمكن إثباتهما صفتين قائمتين بالذات على وجه التأويل أو التفويض. 

ومكمن الإشكال في هذا الاستدلال أن صاحبه المعطل جعل الصورة المشاهدة في الأعيان المخلوقة قيدا ذاتيا في مدلول اللفظ اللغوي، فظن أن لفظ اليد مثلا لا يدل إلا على عضو لحمي مركب قابل للانفكاك والتجزئة، 

ومعلوم أن هذا انتقال غير مبرهن من أصل المعنى اللغوي إلى كيفية الشاهد المخلوق. 

وبهذا يكون قد جعل تصوره الخاص لمعنى الصفة حاكما على دلالة النصوص، بدلا من أن يعرض تصوره على دلالتها.

قال ابن الزاغوني في الإيضاح: (فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي ولم يعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوا وجارحة ذات كمية وكيفية، فهذا لا يلزم من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه..) 


فمرد الخطأ هنا عند الأشعري المعطل للصفات الذاتية الخبرية هو عدم التفريق بين أصل المعنى الذي يدل عليه اللفظ، وبين حقيقة الصفة في الخارج وكيفيتها؛ فإن الاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم التماثل في الحقيقة والكيفية، كما أن ثبوت معنى في حق المخلوق مقترنا بخصائص مخلوقة لا يقتضي أن تكون تلك الخصائص لازمة له في حق الخالق سبحانه. 


والغريب أن الأشعري نفسه يثبت لله تعالى الذات والعلم والحياة والسمع والبصر، من غير أن يجعل مجرد اقتران هذه المعاني في المخلوق بخصائص الأجسام المخلوقة دليلا على امتناع ثبوتها لله، ثم يخص اليد والوجه بهذا الاعتراض، مع أن محل النزاع هو ثبوت الصفة وما يزعم أنه لازم لها، لا مجرد اقترانها في الشاهد بخصائص المخلوقين.  


وبهذا يظهر أن نفي الصفات الثابتة بالنصوص لمجرد توهم لزوم خصائص المخلوق لها هو تعطيل لها، وإن أثبت النافي غيرها من الصفات؛ إذ لا يكفي في التفريق بين الصفات إثبات بعضها ونفي بعضها الآخر، بل لا بد من دليل يبين وجه التفريق. 


وأما زعم بعضهم أن مذهب أهل الحديث والسلف هو إثبات صفات أعيان تتألف منها الذات الإلهية، وأن المعطل عندهم هو من ينفي هذا التأليف، فلم يقل أحد من السلف إن الذات مركبة من أعيان مؤلفة، وإنما نصوصهم صريحة في نفي الحد والكيف والتشبيه، وتصوير مذهبهم بالمصطلحات الفلسفية الكلامية كالتركيب والتأليف جناية على مقالتهم وإلزام لهم بما تبرؤوا منه صراحة. 


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 5 أكتوبر 2026

الاعتصامات أين محل المنهج السلفي مما يحصل في ليبيا اليوم؟

 الاعتصامات

أين محل المنهج السلفي مما يحصل في ليبيا اليوم؟ 


في ظل التصاعد المستمر للاحتجاجات المعيشية في ليبيا، والتنديد الشديد بظواهر الفساد الإداري وتفاوت المرتبات بين الموظفين، تتكرر تهمة جاهزة تلقى على المنهج السلفي: أنه منهج يدعو إلى السكوت المطلق عن الظلم، ويوجب طاعة السلطة على كل حال، ويوفر غطاء تشريعيا للاستبداد. 


إن هذا التصور السائد لا يعبر عن حقيقة التأصيل الفقهي للمنهج السلفي، وإنما هو نتاج خلط بين ثلاثة محاور متمايزة: حكم طاعة ولي الأمر، ووجوب إنكار المنكر، والميزان الشرعي لوسائل الإنكار والتغيير. 


أولا: ما حدود طاعة الحاكم في المنهج السلفي؟ 


ليست الطاعة في المنهج السلفي مطلقة بغير قيد، وإنما هي طاعة مقيدة بحدود الشرع، وتابعة لتحقيق مقصود الولاية.

ولهذا يفرق المنهج السلفي بين الحاكم العدل الذي يطاع في المعروف ابتداء، وبين الحاكم الذي عرف بالظلم، فهذا الأخير لا تكون أوامره محل امتثال تلقائي حتى تختبر بميزان الشرع ويعلم خلوها من المعصية. 


وعليه، فإن مناط الطاعة التفصيلية ليس مجرد وحود السلطة وثبوت أصل الولاية، وإنما مناطها تحقيق المصلحة الشرعية الراجحة، فإذا اقترن الأمر بما يفوت المصالح الراجحة انتفى موجب الطاعة التفصيلية؛ لأن أوامره محكومة بميزان الشريعة. 


فإن قيل: هذا التأصيل النظري غالبا ما يتعطل في الممارسة العملية؛ حيث يطالب بعض الأفراد المنتسبين للمنهج السلفي واقعيا بالطاعة المطلقة تحت غطاء المحافظة على استقرار الدولة، وتتحول القيود النظرية مثل اشتراط موافقة الشرع إلى شعارات غير مفعلة. 


قيل: المنهج السلفي يقرر هذه القيود باعتبارها أحكاما شرعية ملزمة، ووقوع الخلل في التطبيق من بعض الأفراد يحسب على الممارسين فقط، ولا يتخذ حجة لإبطال النصوص والأصول الشرعية الحاكمة للعلاقة بين الراعي والرعية، ولا يتخذ حجة أيضا للقدح في المنهج السلفي. 


فإثبات أصل الولاية للحاكم الظالم لحفظ عقد الجماعة ومنع الفوضى، لا يعني مطلقا التفويض له بأن يأمر بما يشاء، فالمنهج السلفي يتوسع في إثبات أصل الولاية حماية للاستقرار، لكنه يضيق في الطاعة التفصيلية حفظا لأحكام الشريعة. 


ثانيا: هل مشروعية إنكار المنكر تستلزم مشروعية كل وسيلة إليه؟ 


هنا يكمن موضع النزاع الجوهري بين المنهج السلفي وغيره من التيارات. 

فالمنهج السلفي لا ينازع أبدا في وجوب إنكار الفساد والظلم الصادر من المسؤولين، فكون الإنسان حاكما لا يمنحه حصانة تشرع منكره، وإنما يقع الخلاف في مدى مشروعية الوسائل المستخدمة للإنكار. 


وبهذا يتبين لك بوضوح أن الموقف السلفي يقوم على أصلين متكاملين: 


الأول: رفض الظلم والفساد من الحاكم، وعدم التسليم بشرعية الطاعة التفصيلية المطلقة للحاكم الظالم. 


الثاني: إخضاع وسائل الإنكار للميزان الشرعي، بحيث لا تُختار وسيلة يغلب على الظن أن تفضي إلى مفسدة أعظم من المصلحة المرجوة. 


هذا هو المنهج السلفي باختصار، فهو يجمع بين رفض المنكر والتحفظ على بعض وسائل تغييره إذا غلب على الظن أنها تؤول إلى نتائج أشد ضررا. 


ويستند هذا البناء إلى قاعدة مقاصدية معروفة، وهي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض، وهذا الميزان يوازن بين نوعين من المفاسد: مفاسد قائمة: كالفساد الإداري وسوء الأوضاع المعيشية، ومفاسد متوقعة أشد خطورة: كحروب الأهلية، وسفك الدماء، وانهيار كيان الدولة، والتدخل الأجنبي. 


قد يعترض معترض فيقول: إذا منعت الاعتصامات والمظاهرات فلن يتغير المنكر، بل سيزداد الحكام استبدادا؛ لأن الوقائع أثبتت أنهم لا يتراجعون إلا تحت ضغط الشارع. 


والجواب عنه بالمنظور السلفي من جهتين: 


أولًا: ليس كل وسيلة تحقق قدرا من المصلحة تكون مشروعة في نفسها؛ إذ لا يقتصر النظر الشرعي على النتائج المرجوة دون النظر إلى ما يترتب على الوسيلة نفسها من مفاسد، فمجرد كون بعض الحكام يخشون المظاهرات أو يقدّمون تنازلات تحت ضغطها لا يكفي للحكم بمشروعيتها على الإطلاق، ما لم تثبت رجحان مصالحها على مفاسدها في مجموع الأحوال. 


ثانيًا: الاستدلال ببعض الوقائع لا يكفي لإثبات قاعدة عامة؛ فكما أن الواقع نفسه يشهد بأن المظاهرات والاعتصامات أفضت في بعض البلدان إلى إصلاحات، كذلك الواقع نفسه يشهد بأنها كانت في بلدان أخرى سببا في انهيار الأمن وسفك الدماء، واتساع الفوضى، والتدخلات الخارجية وانقسام المجتمعات، وإذا كان الواقع متنوعا امتنع بناء حكم عام على جزء منه وإهمال بقيته.

كما أن غلبة ما تفضي إليه في نفسها من مفاسد تمس الضرورات تجعل الحكم بمنعها مطلقا هو الأقوى؛ لقاعدة ترجيح المفاسد الغالبة على المصالح المرجوحة أو المتوهمة. 


فالمنهج السلفي لا ينازع في أن بعض الاحتجاجات قد تحقق مكاسب سياسية، وإنما ينازع في صلاحية هذه الوسيلة لتكون أصلا عاما يُدعى إليه؛ لأن العبرة في الشريعة ليست بمجرد إمكان تحقق المصلحة، وإنما برجحانها عند موازنتها بالمفسدة. 


فإن قيل: في غياب البدائل ألا يكون رفض وسائل الضغط الشعبي يعد انحيازا ضمنيا لاستمرار الواقع الفاسد؟. 


قيل: هذه الثنائية مغالطة وهي إما الاعتصامات أو الانحياز للظلم والفساد، ووجه كونها مغالطة: أن رفض وسيلة معينة كالاعتصامات والمظاهرات لا يعني بحال تعطيل الإنكار أو القبول بالاستبداد، فالشريعة لم تحصر الإنكار في وسيلة واحدة، وإنما وضعت منظومة متكاملة لإنكار المنكر تتضمن: النصح المباشر والمكاتبة، والاحتساب العلمي والدعوي والتوجيه المجتمعي لإصلاح الأفراد والمجتمع، وإنكار المنكر نفسه علنا وبيان حكمه للناس. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 4 أكتوبر 2026

الجماعات والطوائف والفرق لا تحاكم إلى أخطاء بعض أفرادها

 من أبجديات العدل والإنصاف: أن الجماعات والطوائف والفرق لا تحاكم إلى أخطاء بعض أفرادها التي لا تعبر عن أصول الجماعة أو الطائفة، وإنما تحاكم إلى أصولها ومقولاتها الثابتة أو ما كان لازما لها لزوما بينا لا يمكن انفكاكه عن الأصل أو المقالة. 


فإذا ثبت أن بعض المنتسبين إلى طائفة حول حكمه على المخالف بالتبديع إلى استباحة دمه 

فهذه مواقف خاطئة ينكر على أصحابها بأعيانهم بحسب ما ثبت عنهم، أما أن ينتقل من مواقف معينة لبعض الأشخاص إلى إطلاق أحكام على عموم المنتسبين بأوصاف جامعة، ويجعل مواقف بعض الأفراد دليلا على حقيقة الطائفة كلها، فهذه هي مغالطة التعميم.

ومن عاب على غيره ترك التفريق بين القول وقائله، لزمه ألا يقع في ترك التفريق بين فعل الفرد وأصل الجماعة. 


ولا يستقيم تشبيه من يبدع مخالفه بمن يكفره بجامع استباحة الدم؛ إذ لا تلازم بين مجرد التبديع وسفك الدم، فالتبديع العيني هو حكم شرعي على قائل ثبتت مخالفته للسنة وتحقق مناط الحكم، وليس حكما بإهدار دم. 

وإن وقع التبديع تعسفا وظلما، فعلى المتعدي إثم الظلم، ولا يلزم من مجرد تبديعه تعسفا أنه استباح دمه

بخلاف التكفير بغير حق فيسهل على المكفر أن يحول حكمه إلى استباحة الدم كما وقع في تيارات الغلو التكفيري؛ لأن التكفير حكم يتعلق بإخراج المعين من الإسلام، وتترتب على ثبوت الكفر أحكام تتعلق بالدم والمال والنكاح وغيرها، ولذلك كان باب التكفير أخطر من هذه الجهة. 


فإن تجاوز شخص بعينه فسفك دما بسبب التبديع، فالمؤاخذة عليه بعينه، ولا تحمل الطائفة ما ليس من أصولها ولا من لازمها اللزوم البيّن.


وأما القول بعدم اعتبار الجهل والتأويل في بعض صور التبديع العيني فلا يلزم منه استباحة دم المخالف بحال..... 


ومن ادعى أن الاستباحة أصل عندهم أو لازم بين لأصولهم، أو نتيجة يلتزمونها، فليأت بنصوص أئمتهم على ذلك إن استطاع.. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار