الجمعة، 30 يناير 2026

حكم #نبش_القبور_لأجل_استخراج #السحر

 حكم #نبش_القبور_لأجل_استخراج #السحر 


هذه مسألة كثر الجدل حولها في بلدنا، وتداخلت فيها أصولٌ متعددة، مما قوّى الخلاف فيها، بعيدًا عن سوء الظن بأحد. 


والتحرير فيها يقتضي التفريق بين مسألتين: 


الأولى: البحث عن السحر بين القبور

فهذه لا إشكال فيها من حيث الأصل، وأمرها واسع في دائرة الجواز، ما لم يترتب عليها محظور شرعي. 


الثانية: نبش القبر

فالأصل المقرّر شرعًا أن المؤمن محترم في حياته وبعد مماته، فلا يجوز نبش قبره ما دام الميت فيه، إلا لضرورة تتعارض فيها مصلحة الحي الضرورية مع مصلحة الميت.

وحينئذٍ تُقدَّم المصلحة الضرورية للحي؛ لقوتها ورجحانها، وهذا محل تنبّه وتحقيق. 


ولهذا استثنى الفقهاء صورًا يجوز فيها كشف القبر عن الميت، تتحقق فيها الضرورة، بل وما دون الضرورة عند بعضهم. 


فقد أخرج مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه:«أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين، كانا في قبر واحد، وقد حفر السيل قبرهما… فحُفر عنهما ليُغيَّرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا… وكان بين يوم أحد ويوم حُفر عنهما ست وأربعون سنة».

قال ابن عبد البر في الاستذكار (5/156):«وفيه: لا بأس باستخراج الموتى من قبورهم إن وُجدت إلى ذلك ضرورة، وأُريد به الخير، وأن ذلك ليس في باب شيء من النبش». 


وجاء في مواهب الجليل (1/304) عن البرزلي فيمن أوصى أن يُجعل في كفنه قرآن أو أحاديث:«…والختمة يجب أن تُنبش وتُخرج إذا طُمع في المنفعة بها، وأُمن من كشف جسد الميت ومضرته والاطلاع على عورته». 


وجوّز فقهاء الشافعية النبش فيما هو أدنى من الضرورة، كمن دُفن بلا غسل، أو دُفن في أرض مغصوبة، مراعاةً لحق الحي، كما في الوسيط (2/390). 


بل جوز بعضهم ما دون الضرورة بمراحل قال ابن قدامة في المغني(2/414):«وإن وقع في القبر ما له قيمة نُبش وأُخرج…». 


فإذا جاز النبش في مثل هذه الصور، فالضرورة أولى بالجواز. 


وإذا نظرنا إلى أثر السحر على الإنسان، وجدنا أنه قد بلغ حدّ الضرورة؛ إذ قد يفضي إلى الهلاك أو يقاربه..وهذا أمر ينبغي ألا يختلف فيه.. 


بقيت مسألة وهي: هل يشترط لنبش القبر العلم القطعي بوجود السحر في القبر أو أن القرائن تقوم مقام القطع؟ 


وجوابه إن وضع السحر في المقابر قد انتشر بين السحرة واشتهر، وهذه قرينةٌ قوية معتبرة تُقوّي احتمال وجوده من حيث العموم.

أما وجوده في قبرٍ بعينه أو قبورٍ معينة، فالعبرة بما قام عند من يباشر النبش من علمٍ بوجود السحر فيه؛ لأن القرائن إذا بلغت حدًّا يطمئن إليه الناظر أفادت عنده علمًا، فيكون قد عمل بمقتضى دليلٍ معتبر شرعًا يبيح له النبش. 


لكن مع ذلك تُقيَّد الرخصة بقيود، منها:

1-ألا يُقدم على النبش إلا إذا عُلم وجود السحر فيه أو قام على ذلك دليل معتبر أو قرينة قوية؛ كاعتراف الساحر، أو وجود ثقب في القبر يرى منه السحر. أو نحو ذلك 


2- ألا يتولى ذلك آحاد الناس، بل يكون ذلك عبر هيئة شرعية مختصة وبمشاركة جهات أمنية مسؤولة. 


وأخيرا أنبه إلى أنه لا يُشترط أن يتعين النبش وسيلة للشفاء، وإنما العبرة بكون الوصف الموجب للضرورة متحققًا، وهو قد عمّ وانتشر، ووجود القرائن القوية المعتبرة في الشريعة على وجوده ... 


والله أعلم. 


كتبه:

د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 27 يناير 2026

هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟

 هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟ 


[نعم، وهو واقع ومشاهد، وليس في أدلة الشريعة ما ينفيه]


أولا: مس الجني للإنسي ثابت بالنصوص المتواترة 

فقد أعطى الله الجني القدرة على التأثير في بدن الإنسان بحيث إنه يجري في دمه ويسوس له ويتخبطه ويصرعه...

والذي ينكر ذلك ينكر ما هو معلوم بالضرورة.... 


ثانيا: تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه: جائز عقلا وشرعا... 


ثالثا: عدم ورود نص شرعي قطعي الدلالة على وقوع تحكم الجني بجسد الإنسان لا يمنع من القول بوقوعه؛ وذلك لأمرين:

• وجود شواهد واقعية كثيرة تدل عليه.

• عدم وجود ما يمنع هذا الأمر عقلاً أو شرعاً، فليس في الأدلة الشرعية ما ينافيه... 


رابعا: تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه: أمر مشاهد معلوم، وقد اشتهر واستفاض بين الناس، والمشاهدة المتكررة تفيد علما ضروريا لمن شاهدها...مع التأكيد على أنه ليس في الأدلة الشرعية ما يعارض هذه المشاهدة أو ينفيها...

قال ابن تيمية:( وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع. ققال: يا بني إنهم يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه..

وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما، والمشروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع غير المصروع ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول الآلات وينقل من مكان إلى مكان ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علما ضروريا بأن الناطق على لسان الإنسان والمحرك لهذه الأجسام جنس آخرغير الإنسان، وليس في أئمة الإسلام من ينكر دخول الجني في بدن المصروع...)


وبهذا نرد على من أنكر تحكم الجني بجسد الإنسان استنادا على عدم وجود نصوص صريحة تثبت صراحة التلبّس؛ لعدم التوقف القول بالتحكم على النص القطعي ..


وأما قول بعضهم إنها اضطرابات نفسيّة أو حالات نفسية معقّدة... او لها تفسيرات علمية طبية...

فجوابه أن هذا يصدق على بعض الحالات وليس على كلها، وما صدق على البعض لا يلزم بالضرورة أن يصدق على الجميع..

ثم أي تفسير يقدمه العلم التجريبي لمن يتكلم بغير اللغة التي يعرفها المصروع ؟!!!

وقد أحسن ابن القيم لما قال:(وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها). 


خامساً: زعم بعضهم أن مسألة تحكم الجني بالإنسي من مسائل الغيب، ثم ادعى أن الغيب لا يقبل فيه إلا النص القطعي...

وغاب عنه أن أهل السنة في إثبات أمور الغيب

لا يشترطون وجود نص قطعي الدلالة، بل يُجوزون الاحتجاج بالدليل الظني إذا صح وثبت، خلافاً لأهل الكلام الذين يشترطون القطع. 


ثم إن مسألة إثبات تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه من الأمور المشاهدة، من غير خوض في الكيفية ذلك.... 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 26 يناير 2026

ما يُتداول اليوم من دعوى أن قصر السحر على #سحر_التخييل هو مذهب لأهل السنة دعوى باطلة

 

ما يُتداول اليوم من دعوى أن قصر السحر على #سحر_التخييل هو مذهب لأهل السنة دعوى باطلة لا تصح، بل هذا القول اشتهر عن المعتزلة، ووافقهم عليه بعض الأفراد، كابن حزم، وأبي جعفر الاستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية.

أما الذي عليه أهل السنة والجماعة، فهو أن السحر منه سحر حقيقي له تأثير في المسحور، ومنه سحر تخييلي يقع على الأعين، وقد يقع على الأعيان من حيث الإحساس، لا من حيث قلب الحقائق.

قال ابن القيم رحمه الله في البدائع:«وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام – من المعتزلة وغيرهم – وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة، لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد، وإنما ذلك تخييل لأعين الناظرين، ولا حقيقة له سوى ذلك. وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء».

وحتى الأشاعرة لم يوافقوا المعتزلة في هذا الأصل، قال المازري رحمه الله:«مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات».

بل قال القرطبي في الجامع:« ولا عبرة -مع اتفاقهم- بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق».

فالعجب كل العجب ممن يخرج على الناس فينسب مذهبًا يخالف ما تواترت به الآثار
ووُصِف بأنه قول لحثالة المعتزلة..
إلى أهل السنة والجماعة!

ثم كيف يغيب عن بعضهم أن إنكار التأثير والخوارق الشيطانية في حدود ما أُعطيه جنس المخلوق هو من البدع المضلّة؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في جامع المسائل:«من أنكر خوارق أهل السحر وأتباعه من الشياطين فهو من أهل البدع الضالين».

نعم، نُقِرّ بأن تأثير السحر الحقيقي لا يصل إلى قلب الأعيان، فلا يستطيع الساحر أن يقلب الإنسان حيوانًا، ولا الورق ذهبًا أو فضة، فقلب الحقائق من خصائص الربوبية، لا من مقدور جنس المخلوق.

ويبقى بعد ذلك بحث مسألة مهمة، وهي:
هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟
وسيأتي الكلام عنها – إن شاء الله – في منشور لاحق.

كتبه:
د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 4 يناير 2026

هل #السرورية تمثل اكتمالًا للسياقين: #السلفي و #الإخواني؟ قراءة موضوعية نقدية هادئة

 هل #السرورية تمثل اكتمالًا للسياقين: #السلفي و #الإخواني؟ قراءة موضوعية نقدية هادئة 


يقول #أحمد_السيد في محاضرة التجارب الإصلاحية 4:(السياق الحركي في مصر مع السياق الشرعي في السعودية 

نتيجة التفاعل بين هذين السياقين نشأت الصحوة الإسلامية ...

هذا التلاقح أوجد صورة جديدة كما لو تأتي بلون وتخلطه بلون فيخرج لونا ثالثا...

السياق الحركي كان يحتاج إلى تعديل والسياق الشرعي العلمي كان يحتاج إلى تعديل ...) 


بادئ ذي بدء أسجل اعترافا بحرص كثير من أبناء هذه الأمة على نهضة الأمة وإصلاح واقعها، إلا أن طرح فكرة "تعديل" المنهج السلفي أو استكماله بالسياق الحركي يثير إشكالات منهجية تحتاج إلى مراجعة هادئة لمن ينتهج منهج السلف. 


ولكي يكون النقاش موضوعيًا ومنضبطًا وحرصا مني على من تأثر بهذا الطرح، فإن من المهم الوقوف معه وقفة تحليل علمي هادئة، بعيدًا عن سوء الظن أو التشنج، مع استحضار مقصد النصيحة. 


أولا: ينبني كلام أحمد السيد على أن السلفية -كمنهج وأصول- والتي عليها (ابن باز والألباني والعثيمين) لم يكن الحق متمحضا فيها في جميع جوانبها، وإنما اعتراها نقص في بعض المساحات التنظيرية التأصيلية...

وهو الجانب الذي اعتنى بتأصيله #الإخوان_المسلمون وتميزوا به عن #السلفية الشرعية العلمية كما سماها أحمد السيد... 

فنحن هنا لسنا أمام: اجتهادات بشرية قابلة للأخذ والرد، ولا تنزيلات زمنية، بل نحن أمام منهج تلقٍّ وفهمٍ للدين ..فالمفاهيم التي اتفق المنتسبون للسلفية على أنها أصول سلفية ثابتة لا يمكن أن يتطرق إليها الخطأ..


فأول ما  يؤخذ من كلام أحمد السيد دعوى أن #السلفية الشرعية العلمية لم يتمحض فيها الحق من جهة منهجها وأصولها....

وهذا الاستنتاج ليس تحميلًا لكلامه ما لا يحتمل، بل هو ما صرح به في قوله: ( والسياق الشرعي العلمي كان يحتاج إلى تعديل)

وعليه فكل من يتبنى طرح أحمد السيد عليه أن يعترف بهذه المقدمة وإلا فإنه يكون جاهلا للوازم ما يتبناه.........وهذا لا يليق...

مع العلم أن اعترافه بعدم تمحض الحق في المنهج السلفي يقطع النقاش معه في تصور ضلال كلام أحمد السيد...ويفتح نقاشات أخرى.. 


ثانيا: إذا قيل إن هناك جانبًا قصّرت فيه السلفية الشرعية العلمية، وأجاد فيه السياق الحركي – كما يُفهم من الطرح – فإن السؤال المنهجي البديهي هو:

ما طبيعة هذا الجانب؟

والجواب عنه: المجال السياسي، وطريقة التعاطي مع الحكام، وقضايا الأمة العامة، وفق الرؤية الحركية التي اشتهرت بها جماعة الإخوان والمودوي.

وهنا يبرز تساؤل جوهري:

هل انطلق هذا التصور السياسي من فهم السلف الصالح لمفاهيم التوحيد، والولاء والبراء، والحاكمية؟

أو أنه تأثر بنظريات حديثة، كتصورات الحاكمية عند المودودي، وما ترتب عليه من إعادة صياغة لمفاهيم عقدية ومنهجية؟ 


ثالثا: تصريح أحمد السيد بنشوء طائفة جديدة نتجت عن التلاقح بين السلفية والإخوانية اعتراف منه أن هذه الطائفة -والتي سميت بعدُ بالسرورية- ليست امتدادًا خالصًا للسلفية، ولا هي استمرارًا للإخوان، بل كيانًا ثالثًا جديدا.

وهذا في حد ذاته يستدعي التوقف؛ إذ إن انقطاع الصلة بالسلفية – التي تميزت بسلامة الأصول ووضوح المنهج – يعني انقطاع الصلة بمصدر التلقي الصحيح، خاصة في القضايا الكلية التي تمس العقيدة والمنهج قبل العمل والحركة.

فمنهج السلف الصالح متمحض في أصوله، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».

ومفاهيم الحاكمية والولاء والبراء من مسائل الاعتقاد، وليست شعارات سياسية قابلة لإعادة الصياغة وفق الواقع أو المصلحة المتوهمة. 


رابعا: السياق الذي يدعو إليه أحمد السيد هو تضخيم التفسير السياسي والذي بني على أن الحاكمية والموقف من الحكام المسلمين ونفي شرعية ولايتهم والتحريض عليهم = هو أعلى الغايات وأولى الأولويات وسبيل الإصلاح ودليل العلم بفقه الواقع وتنزيل النصوص في محالها

وأن السلفية التقليدية -على تعبير البعض- جامدة في نظرتها للسياسة والحكم والولاء والبراء....

وهذا  في حد ذاته باطل. وما بني على باطل فهو باطل..


والكلام يطول .... 


وانطلاقًا من ذلك، فإن التحذير من برنامج البناء المنهجي الذي يقوم عليه أحمد السيد ليس طعنًا في النيات، ولا انتقاصًا من الأشخاص، وإنما هو تحذير علمي من أصول منهجية يُخشى من آثارها، ومن أبرز تلك المخاوف:

• تحويل الولاء والبراء من كونه قائمًا على صحة العقيدة وسلامة المنهج، إلى كونه مرتبطًا بالعمل الحركي والمشاريع المشتركة، ولو اختلفت الأصول. 


• إلغاء قاعدة التصفية والتربية التي قام عليها منهج السلف، واستبدالها بفكرة الاجتماع على الغايات العامة، مما يُضعف مركزية العقيدة في البناء التربوي. 


• تقديس الرموز الحركية وربط الحق بالأشخاص والمشاريع لا بالدليل والمنهج. 


• تمييع مسائل الاعتقاد بحجة العمل بالمشتركات، وإزاحة الخلافات العقدية إلى الهامش. 


• تقديم الانشغال السياسي على ترسيخ التوحيد والتزكية، فينشأ جيل مشحون بالحماسة، ضعيف التأصيل. 


• التشجيع على الصدام والإنكار غير المنضبط مع الحكام، بما يفتح أبواب الفتن وسفك الدماء، باسم محاربة الطغيان. 


وأقول أخيرا: إن المنهج السلفي لم يكن مجرد سياق تاريخي، بل هو ميزان علمي في فهم النصوص وتنزيلها، يقوم على تصحيح العقيدة قبل العمل الحركي، وعلى جمع الكلمة قبل إثارة الصدام، وعلى اعتبار درء،المفاسد في أبواب السياسة والحكم. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 25 ديسمبر 2025

حكم تأخر التسوية في شراء الدولاء بالبطاقة والشيك المصدق

[يجوز بيع الدولار والذهب والفضة بالشيك المصدق وبالبطاقة المصرفية]


لا يمنع تأخر التسوية في المدة المتعارف عليها في أسواق التعامل من جواز شراء الدولار ببطاقة الخصم الفوري أو بالشيك المصدق الذي له رصيد قابل للسحب؛ وذلك لتحقق التقابض الحكمي بمجرد القيد الحسابي على الراجح؛ لكون القبض يرجع في تحديده إلى العرف.. 


وعليه، يجوز بيع الدولار والذهب والفضة بالشيك المصدق أو عن طريق البطاقة المصرفية (الخصم الفوري)، ولو حصل تأخر يسير في التسليم الفعلي، ما دام هذا التأخر واقعًا ضمن المدة المتعارف عليها في أسواق التعامل. 


فالتقابض الحكمي يثبت بمجرد حجز المبلغ وخصمه من حساب المشتري، وقيده في حساب البائع لدى شركة الوساطة، وإن تأخرت التسوية تأخرًا يسيرًا. 

والمقصود بالتسوية: دخول المال في حساب البائع على وجهٍ يتمكن معه من التصرف فيه. 


ومن المعلوم أن من يشتري عملة لا يتمكن من سحبها أو التصرف فيها قبل إتمام عملية التسوية، وإن كانت قد قُيِّدت حسابيًا لدى شركة الوساطة، إلا أن هذا القيد الحسابي يترتب عليه التقابض حكمًا، ويُعد قبضًا شرعيًا معتبرًا؛ لأن المرجع في القبض إلى العرف.. 


ولا يُعد هذا التأخر المغتفر من باب تأجيل قبض إحدى العملتين في مجلس العقد؛ لأن القبض الحكمي قد تحقق بالقيد الحسابي. فالمشتري بعد القيد المصرفي لا يستطيع استرجاع الثمن، كما أن الوسيط ضامن لوصوله لبائع، فيكون الثمن في حكم المقبوض، وما كان في حكم المقبوض فهو كالمقبوض حقيقة.

كما أن هذا التأخر غير مقصود، ولا يمكن الاحتراز منه عادة، وقد صدرت بجواز ذلك فتاوى المجامع الفقهية المعاصرة. 


غير أنه ينبغي التنبه إلى أنه لا يجوز للمشتري أن يبيع الدولار الذي اشتراه بالبطاقة المصرفية أو بالشيك المصدق إلا بعد دخول العملة في حسابه وتمكنه من التصرف فيها، فلا يجوز له بيعها خلال فترة التأخر المغتفر. 


وبعبارة أوضح: لا يجوز البيع إلا بعد حصول التسوية التامة. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار 

http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/12/blog-post_25.html

الأحد، 14 ديسمبر 2025

حكم التماثيل الأثرية من منظور شرعي سلفي

 


[لننطلق ابتداء من المتفق عليه]


أولا: لا خلاف بين العلماء في تحريم صنع التماثيل المجسمة مكتملة الصورة مما له روح وله حقيقة موجودة إذا كان يدوم.. في غير لعب الأطفال

قال خليل المالكي: “التماثيل إن كان بغير حيوان كالشجر جاز، وإن كان بحيوان مما له ظل قائم فهو حرام بإجماع”

وقال الدردير: “يحرم تصوير حيوان عاقل أو غيره إذا كان كامل الأعضاء إذا كان يدوم إجماعًا، وكذا إن لم يدم على الراجح كتصويره من نحو قشر بطيخ”

وقال النووي رحمه الله: “وأجمعوا على منع ما كان له ظلٌّ، ووجوب تغييره، قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك” 


ثانيا: اتفق العلماء على وجوب تحطيم التماثيل التي تعبد من دون الله سبحانه...أو التي تعظم بما يفضي إلى عبادتها...

قال عكرمة: «كانوا يكرهون ما نُصِبَ من التماثيل نصباً، ولا يرون بأسا بما وطئته الأقدام». وقال محمد بن سيرين: «كانوا لا يرون ما وُطِئَ وبُسِطَ من التصاوير مثل الذي نُصِبَ». 


ثالثا: ما كان من التماثيل مطموسًا أو مدفونًا لا يُنبَش ولا يُستخرج لأجل تحطيمه، إذ الأصل تركه ما دام لا يُفتن به. 


رابعا: ثبت في النصوص الشرعية تحطيم التماثيل وطمس الصور

فقد روى مسلم (969) عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك ‏على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ، ‏ولا قبراً مشرفا إلا سويته " .‏

إلا أن محل البحث هل تعم هذه النصوص كل تمثال حتى وإن لم يعبد من دون الله سبحانه، ويعظم أو هي مخصوصة بالتي تعبد من دون الله؟ 


والجواب أن من نظر إلى عموم الشريعة وقواعدها واستقرأ النظائر وجد أن الشريعة تضيق في باب الشرك وذرائعه، فتمنع كل ما يكون ذريعة إلى الشرك، ولهذا نهت عن اتخاذ القبور مساجد ونهت عن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر وأمرت بتسوية القبور. إلى غير ذلك

لذا فإن إبقاء التماثيل في المتاحف لأغراض علمية أو تاريخية ليس ضرورة تبيح المحظور. 


يبقى سؤال: لماذا ترك بعض الصحابة تحطيم التماثيل في بعض البلدان التي فتحوها مع تحطيمهم لها في بلدان أخرى؟ 


وجوابه عند من يحتج بالترك على منع البدع:

أولا: هذا الترك من بعض الصحابة يعارضه أصل شرعي كما أن الحكم العام الذي جاءت به النصوص ينافيه، وما كان هذا حاله لا يصح تعميمه على جميع الأحوال؛ وإنما هي وقائع أعيان لا يتعدى بها محالها... 


ثانيا: ترك الصحابة تحطيم بعض التماثيل في البلاد المفتوحة مرده إلى الاستطاعة؛ فما قدروا على إزالته أزالوه، وما لم يقدروا عليه تركوه، لأن التكليف منوط بالقدرة.

وقد منع بعض الخلفاء من تحطيم التماثيل في أزمانهم لعجز بيت المال عن تحمل نفقاتها. 


ثالثا: إن كثيرا من هذه التماثيل كانت مدفونة لما دخل الصحابة البلدان التي توجد فيها 

وما لم يكن منها مدفون فيحتمل أن تركهم له لوجود مانع منعهم من تحطيمه، ولا يُحتج بتركهم مع احتمال وجود مانع؛ إذ الأصل هو العمل بعموم النصوص الواردة في النهي عن إبقائها. 


وأما تعليل من علل بأن مناط إبقاء الصحابة لها هو أنها لا تعبد 

فمنقوض بتحطيم الصحابة ومن بعدهم لتماثيل لم تعبد؛ سدا لذريعة أن تعبد من دون الله. 


وأخيرا وضعها في متحف: نوع من أنواع تنصيبها الذي حذر منه السلف، وربما نوع من أنواع تعظيمها... 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 8 ديسمبر 2025

#توصيف_معركة_الأمة (معركة الأمة هي في إصلاح الداخل وتهيئة الأمة للوقوف أمام العدو الخارجي )

يكشف واقع المسلمين اليوم عن تفرّقٍ وتنازعٍ بين الفرق والطوائف والجماعات لاختلاف المعتقدات والمناهج، في الوقت الذي يوجّه فيه الاستعمار الحديث والهيمنة الغربية عداءهما إلى الإسلام وأمّته جمعاء دون تمييز. 


هذا الواقع دفع بعض الجماعات والأفراد إلى طرح خطابٍ تجميعيٍّ يدعو إلى استيعاب جميع مكوّنات الأمة من رافضة وجهمية وأباضية ومعتزلة وصوفية وإخوان ووو على ما يسمونه أصول الإسلام الكبرى، بعيدا عن خطاب الطائفة والتحذير من المخالف ... 


وهذا الطرح في ظاهره يبهج العقول ويحرّك العاطفة، إلا أنك إذا حللته وجدت أنه يدعو كل طائفة إلى السكوت عن الدعوة إلى مذهبها، وإذا أعطيت مجالا أوسع للطوائف فهو يسمح بدعوة كل فرقة إلى مذهبها إلا أنه يلغي أحكام التبديع والتفسبق ويلغي التمييز بين الفرقة الناجية وغيرها، إلى غير ذلك

فهذا الخطاب التجميعي لا يستقيم إلا بترك شيء من الدين...

وليس هو مقصورا على ترك العنف واستعمال الألفاظ الخارجة عن أدب العلم وأهله كما صوره بعضهم...!!! 


ومن مزالق هذا الخطاب أنه يصور أن الذي يُخرج الأمة من ضعفها هو تجميعها على ما سموه أصول الإسلام الكبرى مهما اختلفت الفرق والجماعات فيما دون تلك الأصول ولو خالفوا الكتاب المستبين والسنة المستفيضة والإجماع القطعي..!!!! 


بعد هذا التحليل نسأل: هل هذا الخطاب دعت إليه الشريعة؟ وهل يمكن تحققه في الواقع أو هو مجرد خيال؟ 


أولا: إنَّ الذي أمرنا بالاجتماع وإعداد العدة لإرهاب أعداء الله هو الذي أمرنا بالاجتماع على أصول أهل السنة ومنهجهم كما قال تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا» [آل عمران: 103]....وهو الذي حذرنا من البدعة وأهلها...وأمر بالولاء والبراء على السنة... واستعمال أحكام التبديع والتفسيق والتكفير إذا وجد موجبها الشرعي..

وهو الذي أمرنا عند ظهور البدع أن نبين حقيقة البدعة ونحذر الأمة منها ومن أهلها، ... ولا يمكن أن يقع تعارض حقيقي بين أوامر الله سبحانه، فضلا عن التناقض والاختلاف.. 


ثانيا: إن التحذير من أهل البدع بضوابط الشرع ليس صراعًا حزبيًا ولا تعصبًا طائفيًا، بل هو امتثال لأمر شرعي، يُراد منه صيانة الدين وحماية السنة. 


ثالثا: إقامة الواجب الشرعي لا تتحقق في الأصل إلا بمن سلمت أصوله وصح منهجه، ولهذا كان السلف أشدَّ ما يكونون حرصًا على تصحيح العقيدة والتحذير من أهل الانحراف وحضوا على هجرهم إذا اقتضت المصلحة الراجحة

إلا أنهم أجازوا التعاون في البر مع أهل البدع في الحالات العارضة التي لا يمكن تحقيق الواجب إلا بهذا التعاون، كما قال ابن تيمية: «فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس»

فهذه حال طارئة ومصلحة عارضة، ويغلط من يجعل العارض أصلا ثابتا، ويخاطب الناس به في جميع الأحوال ... 


رابعا: إن وجود الهيمنة الغربية والاستعمار الحديث ليس مسوّغًا شرعيًا مطلقًا لاجتماع الفرق والطوائف والجماعات على ما يسمونه “أصول الإسلام الكبرى” دون تصحيح الانحراف العقدي والتحذير من الخطأ وأهله..

فالإصلاح يبدأ من تحقيق التوحيد والاتباع؛ لأن فقدان النقاء العقدي هو الذي جعل الأمة مهيمنة عليها. 


وعليه

فـالمعركة الحقيقية مزدوجة:

داخلية: لتصحيح العقيدة والمنهج، وخارجية: لمواجهة الهيمنة والاستعمار.

ولا يمكن خوض الثانية بنجاح حقيقي قبل إصلاح الأولى. 


خامسا: أثبت الواقع أن هذا النوع من الخطاب هو خيال لا يمكن تحققه إلا في الحالات الطارئة والعارضة، وليس هو مما يريده الله شرعا، فانتفى فيه الوقوع والإرادة الشرعية... 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار