الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله
نشر محمد بن شمس الدين منشورا بعنوان #نواقض_إسلام_السيوطي، انتهى فيه إلى الحكم على الحافظ جلال الدين السيوطي بالردة والكفر. !!
ومقصودي في هذا المقال: بيان الخلل المنهجي عنده في الانتقال من الحكم على القول إلى الحكم على القائل المعين؛ إذ إن هذا الانتقال ليس لازما بمجرد ثبوت كون القول كفرا أو شركا أو مخالفا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنما له ضوابط وشروط مقررة عند أهل العلم.
وهذا أعظم خلل منهجي استدلالي عند هؤلاء، ترتب عليه الغلو في تكفير المعينين وتبديعهم، ولذا كانت قراءتهم لكتب السلف وأقوالهم قراءة منحرفة...
ما هي نواقض إسلام السيوطي عند محمد شمس الدين؟
1. أنه دعا إلى عبادة قبره، واستند محمد شمس الدين في إثبات ذلك إلى قول الشاذلي بأن السيوطي أوصى أهل بيته أن يذكروا حاجتهم عند قبره فتقضى.
فقفز محمد شمس من فعل جزئي إلى حكم كلي بأنه يدعو إلى عبادة قبره!!!
2. أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم.
3. أنه أهان القرآن باستعمال كلماته في كتاب رشف الزلال من السحر الحلال
وهذه النقطة تحتاج إلى وقفة، فهذا الكتاب شكك في نسبته للسيوطي جماعة، والشك في أصل النسبة كاف في باب درء العقوبة، وإن لم يكن كافيا في باب الجزم بالنفي.
وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فكيف بأعظم الأحكام وهو التكفير؟!!
وأما تكرار استخدام المصطلحات الشرعية والقرآنية في هذا السياق الأدبي الجنسي، فيبقى لها تأويل يمنع من التكفير وهو استغلال الازدواج الدلالي للألفاظ بأن يكون للفظ الواحد معنى شرعي ومعنى آخر عادي، فيستعمله على المعنى العادي دون أن يقصد بذلك التقليل من قيمة المعنى الشرعي نفسه، والدافع له هو الصنعة اللفظية، لا الاستهزاء بالدين، وهذا احتمال يكفي لدرء الحكم بالتكفير وإن كان لا يدرأ قبح الاستخدام
أقول هذا ليس لتسويغ الاستعمال وإنما أقوله لنفي كونه استهزاء موجبا للتكفير على كل حال؛ لأن التكفير في هذا النوع يشترط فيه انتفاء الاحتمال الراجح المعارض، وهذا الاحتمال هنا راجح لقيام قرينة السياق الأدبي المعروف.
4. أنه يقول بأن الله موجود في كل مكان.
5. أنه يرى أن النبي حي بجسده يتصرف في الكون.
وهذه النقطة أيضا تحتاج إلى وقفة تحرير وتحقيق، فقد استند الكاتب فيها إلى قول السيوطي:"إن النبي حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته".
فحمل محمد بن شمس الدين لفظ "يتصرف" على التصرف في الكون وتدبير شؤونه.!!!!
إلا أن الاقرب من سياق هذا النص أن المراد بـالتصرف هنا هو الحركة والسير والانتقال من مكان إلى آخر بهيئته البشرية، لا تدبير الكون وتصريف أموره، فهذه النقطة الخامسة مبنية على سوء فهم للنص منه.
والحاصل أن المآخذ التي ذكرها هي في الحقيقة ما بين كفر وشرك وضلال من حيث حكم الأقوال ذاتها، وليس هذا هو محل النزاع أصلا معه متى صحت النسبة، لكن محل النزاع الحقيقي هو: هل يستلزم كون هذه الاقوال كفرا أو شركا: الحكم على قائله المعين بالكفر مباشرة؟
وحتى يتضح الجواب، ونفصح عن الخلل المنهحي الذي وقع فيه محمد بن شمس لابد من تقسيم صور الكفر من حيث تنزيل حكم التكفير على المعين إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: كفر ينافي أصل الإيمان ولا يجتمع معه
كسبّ الله تعالى، فهذا يوقع الحكم بالكفر على القائل مباشرة دون توقف على إقامة حجة؛ لأنه من الألفاظ أو الأفعال الصريحة التي لا تحتمل التأويل غالبا، فلا يفتقر الحكم فيها إلى إقامة الحجة البيانية، إلا إذا وجد مانع معتبر كالإكراه أو ذهاب العقل ونحوه.
النوع الثاني: كفر ينافي حقيقة توحيد العبادة دون أصل الإقرار بالشهادتين من جهة تنزيل الحكم على المعيّن، لا من جهة وصف الفعل في نفسه، كالاستغاثة الشركية ودعاء الأموات.
وهذا النوع وإن كان شركاً في ذاته إلا أنه لا يستلزم كفر المعين بالضرورة كالنوع الأول؛ لكثرة وقوع الجهل والتأويل في هذا الباب عند كثير من المتأخرين.
النوع الثالث: ما يستلزم إنكاره تكذيب الله ورسوله أو الامتناع عن التسليم، كجحد وجوب الصلاة، أو كإنكار ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف من علو الله، وهذاالنوع مما يُعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، ورغم كونه من الضروريات إلا أنه لا يُكفر صاحبه إلا بعد إقامة الحجة عليه؛ لأن الكفر إذا كان راجعاً إلى التكذيب أو الامتناع، فإن ذلك لا يتحقق إلا فيمن تبيّن له الحق على وجهه ثم أعرض عنه، لا فيمن لم يتبين له الحق أصلا.
ومما يحسم الخلاف قي هذا الباب: موقف السلف من الجهمية
فرغم أن مقالة الجهمية في نفي الصفات من أوضح الأقوال بطلانا، وتتعلق بمسائل من الضروريات المعلومة من الدين إلا أن السلف مع ذلك لم يكفروا جميع أعيان الجهمية مع تصريح كثير منهم بتكفير مقالتهم، وإنما التزموا شرط إقامة الحجة قبل إطلاق الحكم على الأشخاص.
والذي أختم به أن ما نُقل عن السيوطي من استغاثة ودعوة لقصد قبره وقول بأن الله في كل مكان، وإن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده يسير
وإن كانت هذه الأقوال ـ إذا صحت نسبتها ـ أقوالاً كفرية أو شركية أو بدعية بحسب كل مسألة إلا أنها من النوع الذي يتوقف الحكم على المعيّن فيها على تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ومن أعظمها قيام الحجة الرسالية.
وهذه هي الفوارق المنهجية التي أغفلها محمد بن شمس الدين في بنائه للحكم على السيوطي.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار