الأحد، 27 سبتمبر 2026

رحم الله ابن باز والعثيمين. البوصلة -ولله الحمد- لم تنحرف بين موقفنا من القتال في اليمن وموقفنا من القتال في غزة وأفغانستان، وإنما دعوى التناقض مبنية على تصوير غير دقيق لموقفنا.

 البوصلة -ولله الحمد- لم تنحرف بين موقفنا من القتال في اليمن وموقفنا من القتال في غزة وأفغانستان، وإنما دعوى التناقض مبنية على تصوير غير دقيق لموقفنا.

فموقفنا في غزة لم يسقط مشروعية دفع الصائل إطلاقا، وإنما نصصت صراحة في بيان موقفي من القتال في غزة على أن: «القتال قد حصل، وهجوم اليهود على المسلمين قد وقع... فلم يبقَ لنا إلا تأييد المقاومة في دفعهم العدو».
وهذا هو عين دفع الصائل من حيث الأصل، ولم أتردد في تأييده..

فالذي انتقدته لم يكن دفع الصائل ذاته، وإنما انتقدت قرار المبادأة بالشروع في العمليات الكبرى في وقت كانت فيه الحال محسوبة على التهدئة الميدانية النسبية؛ إذ إن قرار المبادأة في هذه الحال تراعى فيه شرعا اعتبارات القدرة والإعداد، ودرء المفسدة الراجحة، وما قد يترتب على ذلك من أضرار بالمدنيين.

أما قتال الحوثي فيندرج تحت ثلاثة أصول متضافرة، فهو من جهة دفع صائل؛ إذ الحوثيون جماعة صائلة باغتت السلطة الشرعية واستمرت في استهداف الأراضي بالصواريخ والمسيرات، وهذا اعتداء فعلي متواصل، وهو من جهة أخرى قتال بغاة خارجين بالسلاح على ولي الأمر الشرعي، وهو من جهة ثالثة قتال طائفة ممتنعة بالشوكة عن التزام الشرائع وحرمة الدماء.

وإنما الفارق بين هذه النازلة ونازلة غزة ليس في نفي وصف دفع الصائل عن أحدهما، وإنما في طبيعة الفعل المدفوع، ففي اليمن: الاعتداء الحوثي حاصل وواقع بالفعل ومتواصل، فاندرج تحت جهاد الدفع الذي لا يشترط له شرطٌ زائد؛ وفي غزة: انتقدنا تحديدا لحظة المبادأة الاختيارية في وقت كانت الحال فيه أقرب إلى الهدوء النسبي الميداني، لا لحظة دفع الهجوم الواقع فعلا.

فالمعيار إذن واحد مطرد في النازلتين، وهو: التفريق بين قتال وقع هجومه بالفعل، وبين قرار المبادأة بالقتال ابتداء
فنحن لم نستدع هذا التفريق في فلسطين للحكم على دفع الهجوم الواقع، وإنما استدعيناه في تقويم قرار المبادأة؛ وهذا فرق جوهري أغفلته بعض الاعتراضات.

ووجود فصيل منحرف منهجيا كالإخوان أو غيرهم ضمن جبهة دفع الصائل في اليمن لا يمنع من أصل الدفع، كما أن وجودهم في غزة لا يمنع من أصل دفع العدو الصهيوني.
والنقد الموجه لحركة حماس في غزة لم يكن لمجرد كونها إخوانية كما يتوهم أصحاب النظرة السطحية، وإنما كان النقد على تأصيل قرار المبادأة بالشروع وحساب القدرة والمفسدة المترتبة على الأمة والمدنيين،

والخسائر الكارثية التي نتجت بسبب قرارهم لا تخطئها عين ناظر سليم العقل والتفكير.

وأما في جهاد أفغانستان، فإننا لم نقل يوما إن الجهاد هناك سقط وصفه بمجرد تغيّر المحتل من الشيوعي إلى الأمريكي، وإنما الذي قلناه بنصه: «حين انحرف المسار لاحقا إلى الاقتتال الداخلي وتسميم أفكار من يذهب إلى أفغانستان، وجعله قنبلة موقوتة بين أهله وفي بلده».
وهذا ليس تفسيرا اخترعناه بعد وقوع أحداث 2001؛ بل له أصل صريح في كلام الشيخ ابن عثيمين نفسه، كما خاطب الشيخ ابن باز المسؤولين الأفغان بعد وقوع الاقتتال بينهم، وعبّر صراحة عن حزنه لما وقع من الفتن والقتال، وما ترتب عليه من إزهاق النفوس وإتلاف الأموال وتشتيت الشعب، ودعاهم إلى حل خلافاتهم بالوسائل السلمية.

فالمناط الذي تغير في المرحلة اللاحقة هو نشوء اقتتال بين الفصائل المسلمة نفسها، وتحول بعض الفاعلين إلى مصدر تهديد داخلي، وليس مجرد تغير هوية المحتل، أو مجرد وجود تنظيمات حزبية...

والتغير في الفتوى من مشايخنا كابن باز والعثيمين في الساحة الأفغانية لم يقع مفاجأة سنة 2001 كما يزعم المعترضون، وإنما كان مرتبطا قبل ذلك بما آلت إليه الساحة من اقتتال داخلي ونتائج ومفاسد؛ فقد صرح ابن عثيمين بأنهم كانوا يؤيدون الذهاب في أول الحرب، ثم تغير موقفهم عندما صارت النتائج عكس المقصود، وظهرت الحروب الطاحنة بين الفصائل.

وعليه، فلا يصح اختزال تغير الموقف سنة 2001 في مجرد تغير جنس المحتل؛ لأن التحفظ على الذهاب إلى أفغانستان كان قد ظهر قبل ذلك، ولما جاء الاحتلال الأمريكي لم تكن الساحة مهيأة لدعوة الناس إلى الجهاد، فقد مرت الساحة بسنوات من التناحر والتفرق وتمكن التكفيريين بغير حق، فلم يعد توصيف النازلة كتوصيفها عند بداية الغزو السوفييتي.

وأما استدلالنا بقتال الحجاج للخوارج، فكان لتقرير أصل محدد، وهو أن فسق القائد أو ظلمه لا يسقط وصف الجهاد عن الفعل إذا تحققت أصوله، وهذا الأصل لم نستدعه لنفي وصف الجهاد عن أفغانستان، بل العكس، فنحن نقر بأن جهاد الأفغان ضد السوفييت كان جهادا مع وجود التقصير أو الانحراف لدى بعض المشاركين فيه.

وما تغير في أفغانستان لاحقا لم يكن مجرد فسق قائد أو ظلمه، وإنما تحوّل الساحة إلى اقتتال بين المسلمين أنفسهم، وتغيّر طبيعة الصراع ومناط الحكم فيه، وهذا مناط آخر، لا يصح الخلط بينه وبين مجرد وجود الظلم أو الانحراف لدى بعض أطراف القتال.

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 24 سبتمبر 2026

مناقشة أسباب استمرار مجلس البحوث في تحريم معاملة الألفي دولار

 مناقشة أسباب استمرار مجلس البحوث في تحريم معاملة الألفي دولار

وكأن المسألة أخذت منعطفا جديدا؛ إذ أعلن المانعون استمرارهم بالمنع ولم يكتفوا بما بينوه سابقا.

والأسباب التي صرحوا بها مؤخرا تتلخص في ثلاثة أسباب، نناقشها تباعا:

السبب الأول للمنع: قولهم: ذكر السعر عند الوعد بالصرف والاتفاق عليه هو في حكم العقد.

والتعقيب عليه:
اعتبار تحديد سعر الصرف وقت حجز العملة بمثابة إبرام عقد صرف مؤجل البدلين، هو عين محل النزاع، فكيف يجعل سببا ومقدمة لإثبات التحريم؟!!

والذي يقتضيه التحقيق الفقهي أن تثبيت السعر في منظومة الحجز لا يعدو كونه إعلاما وتواعدا غير ملزم؛ إذ تتيح المنظومة للزبون إلغاء الحجز والعدول عنه في أي وقت قبل التنفيذ دون أن يترتب عليه أي التزام مالي أو جزائي، فإن كان الحجز في حقيقته لا ينشئ التزاما ملزما على أي من الطرفين، ولا تنتقل به ملكية العملة ولا تنشغل به الذمة، وإنما يتم إنشاء عقد الصرف عند التنفيذي، فإن تثبيت السعر لا ينشئ عقدا محرما بذاته.

وقد ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين، وهو المعتمد في المعيار الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة أيوفي وفتاوى الهيئات الشرعية إلى جواز الوعد بالصرف إذا كان من طرف واحد، أو كان غير ملزم للطرفين بحيث يحق للزبون التراجع والعدول عن إتمام العملية قبل القبض والتنفيذ الفعلي.

وعليه، فإن محل البحث هنا ليس مجرد ذكر سعر الصرف، وإنما هل أدى الحجز إلى إنشاء التزام ملزم على الطرفين أو بقي في دائرة التواعد غير الملزم؟
فإذا كان غير ملزم للطرفين، وكان لكل منهما العدول عنه قبل إنشاء عقد الصرف، فلا يصح جعله عقد صرف آجل لمجرد تثبيت السعر.

السبب الثاني:  قولهم: إعطاء الخيار للزبون بعد العقد وما في حكمه لا يحل الإشكال لسببين:
أ- عقد الصرف لا يجوز فيه الخيار.
ب- الخيار لا معنى له لأن الزبون مجبر على شراء النقد الأجنبي (عقد إذعان)

والتعقيب عليه:
هذا القول مبني على افتراض أن العقد قد وقع بمجرد الحجز، وهذا هو عين محل النزاع في السبب الأول، فلا يصح البناء عليه هنا كمسلمة.
وأما القول بمنع الخيار في الصرف فصحيح في أصله إذا كان المقصود به خيار الشرط في عقد قائم تم تقابضه؛ لأن اشتراط الفسخ بعد تمام العقد ينافي استقرار الملكية والتقابض الناجز.
​أما في معاملة (2000 دولار)، فإن خيار الزبون عند الحجز ليس خيار فسخ لعقد ناجز، وإنما هو خيار الإقدام أو العزوف في مرحلة المواعدة وقبل التنفيذ والانعقاد، وهذا ليس خيار شرط في عقد صرف قائم، وإنما هو حق في العدول عن إبرام العقد أصلا ما دام الحجز لم ينشئ عقد الصرف.

وأما دعوى أن الزبون مجبر على شراء النقد الاجنبي.
فهذا يحتاج تفريقا بين اضطرار عموم الناس للتعامل عبر القنوات الرسمية لغياب البديل، وهذه حاجة عامة لا تسلب الرضا في صفقة بعينها، وإلا لبطلت عقود الإذعان في الخدمات الاحتكارية العامة كالكهرباء والماء، وبين إلزام الزبون بعينه بإتمام هذا الحجز بعينه.
فمجرد حاجة العميل إلى العملة الأجنبية، واقتصار الحصول عليها نظاما على هذه القناة: لا يساوي شرعا الإكراه على إبرام هذا العقد المعين، ما دام له أن يعدل عن الحجز المعين دون جزاء.

السبب الثالث: قولهم: شركات الصرافة وكيل عن المصرف، فلا تأخذ أجرتها من العميل، والمصرف يطلب منها ضمانا بجعل وهو غير جائز.

والتعقيب عليه:
تكييف عمل شركة الصرافة لا ينحصر في الوكالة المحضة عن المصرف، وإنما تكييفها المركب والدقيق هي أنها وسيط تنفيذي ومقدم خدمة تقنية ولوجستية للزبون والمصرف معا.
وقد أباح الشارع أخذ العوض على الدلالة والوساطة والخدمة من أحد الطرفين أو كليهما بالمعروف.

وتحديد المصرف المركزي لسقف العمولة هو تنظيم لتحديد معلومية الأجرة، فتدخل من حيث الأصل في باب الجعالة أو الإجارة على تقديم الخدمة، متى كانت العمولة في مقابل خدمة مباحة معلومة وليست في مقابل محض الضمان.

وأما قولهم: المصرف يطلب ضمانا من شركات الصرافة ويعطيها مقابلا على ذلك، وهذا ضمان بجعل وهو غير جائز.

فالتعقيب عليه:

هذا مبني على أن المقابل الذي تحصل عليه شركة الصرافة هو في مقابل الضمان، وهو غير صحيح وتصور ناقص، فالعمولة إنما هي في مقابل الخدمات التي تقدمها الشركة في تنفيذ العملية من وساطة ومعالجة وتسوية وخدمات تقنية وإدارية، أما الضمان وحجز القيمة المقابلة بالدينار فهو وسيلة لتأمين تنفيذ هذه الخدمة وتسوية العملية، وليس هو محل الأجرة.

وعليه، فلا يصح تكييف العمولة بأنها جعل على الضمان لمجرد اقترانها به، ما دام المقابل في حقيقته عن خدمة فعلية مستقلة، والضمان مجرد وسيلة لتأمين تنفيذ الالتزام.

والخلاصة
1-تكييف الحجز: هو وعد غير ملزم للطرفين معا، ولا يعد عقد صرف ناجزا إلا عند التنفيذ والتقابض الحكمي
2- العمولة: عمولة وساطة وخدمات تقنية وتنفيذية مأذون بها شرعا وعرفا.
3- الضمان: حجز غطاء الدينار هو وسيلة لتأمين تنفيذ الالتزام وتسوية العملية، وليس هو محل الأجرة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

زعم #مفتي_سوريا أسامة الرفاعي في كلمته: (كيف يكون الله في السماء وهو أكبر من السماء والأرض والمكونات كلها!!!)..

 للمتخصصين

زعم #مفتي_سوريا أسامة الرفاعي في كلمته: (كيف يكون الله في السماء وهو أكبر من السماء والأرض والمكونات كلها!!!)..

وأنا مستاء أن يكون مفتي سوريا على مذهب متأخري الأشاعرة، ولله الأمر من قبل ومن بعد

وهذا الإيراد منه ناتج عن فهم خاطئ لقول أهل السنة: "الله في السماء"؛ إذ ظن أن المراد بالسماء: الأجرام المخلوقة المبنية (الأفلاك)، وأنها تكون بذلك ظرفا مكانيا يحوي الذات الإلهية ويحيط بها، فنفى هذا القول تنزيها لله -بزعمه- عن أن يحويه مخلوق، وهذا الظن مبني على أصل كلامي حادث، لا على استقراء كلام السلف واستعمال العرب.

ومقصود أهل السنة بكون الله في السماء أي في العلو، على حد قوله تعالى: [أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ]،  لا أن السماء المخلوقة ظرف يحويه أو يحيط به.

فمعنى السماء في لغة العرب ليس محصورا في الأجرام المبنية المخلوقة، وإنما لها معنى كلي، وهو: العلو، ولما كانت الأجرام المبنية في العلو سميت سماء، فكل ما علاك فهو سماء.
وعلو الله ذاتي، وهو معلوم بالفطرة الضرورية، فعند الاضطرار في الحاجات لا يقصد القلب إلا العلو، وهذه الضرورة الفطرية لا يمكن دفعها أو نفيها إلا بخلع الفطرة نفسها.

والتوجه إلى العلو لا يختص بأهل الملل والشرائع، وإنما يفعله المشركون وغيرهم ممن لا يعرف العرش ولا سمع به، ولو كان رفع الأيدي إلى السماء مجرد اتخاذ للعرش كقبلة للدعاء كما ادعاه الرازي وغيره لكان ذلك مختصا بمن يعلم وجود العرش، كما لا يقصد التوجه إلى الكعبة في الصلاة إلا من علم وجود الكعبة..
لكن الواقع يؤكد أن الناس يجدون في أنفسهم طلبا ضروريا متجها لما فوق، لا لكونه قبلة مُتَّخَذة، وإنما لكون المعبود سبحانه في العلو، وهو ما دل عليه الشرع.

فمهما أورد متأخرو الأشاعرة من شبهات واعتراضات كلامية، فإنها تصطدم بهذه الحقيقة الفطرية الضرورية التي لا يمكن زوالها، فتسقط أمامها نظرياتهم ومحاجاتهم.

وهنا سؤال: لماذا ينفي #أسامة_الرفاعي أن الله في السماء؟
لأنه يتوهم أن إثبات أن الله في السماء،بمعنى علو الذات
يستلزم إثبات الجهة، والجهة تستلزم التحيز بمعنى أن الله يكون في مكان يحيط به ويحوزه، والله منزه عن ذلك.

والرد عليه من وجوه، منها:
​الوجه الأول: دعوى التلازم باطلة، فمن أين لكم إثبات التلازم بين كون الله في السماء وبين التحيز بمعنى أن تحويه المخلوقات؟
فهذا التلازم لا يعرف عن أحدٍ من الأنبياء ولا الصحابة وهم أكمل الخلق عقلا وعلما، ولا هو قول عامة الناس الباقين على فطرتهم؛ إذ لم يخطر ببال أحدٍ منهم أنه إذا قال: الله في السماء لزم من ذلك أن السماء المخلوقة تحيط به أو تحويه!
لكن هذا نتاج علم الكلام!!!!
الوجه الثاني: أهل السنة لا ينازعون في تنزيه الله عن خصائص المخلوقات وأوصاف الحدوث، وينفون أن يحويه مكان مخلوق؛ فهذا أمر معلوم البطلان بالضرورة؛ لامتناع أن تكون المحدثات حاوية للقديم الخالق سبحانه.
​وإنما النزاع معهم في تحقيق ما هو من سمات الحدوث، وهل من لازم كون الله في السماء أن تحويه الحوادث؟

أهل السنة ينفون هذا التلازم نفيا قاطعا، ويعتقدون أن الله تعالى بائن من خلقه فوق سماواته منفصل عن مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته.

الوجه الثالث: المفتي الرفاعي بنى فهمه على افتراض ثنائية حاصرة باطلة وهي إما أن الله في السماء بمعنى تحويه، أو نفي عن الله أنه في السماء مطلقا
فينتج عن هذه القسمة أن الله لا داخل العالم ولا خارجه....!!!

فهو لما نزه الله أن تحويه السماء وهذا حق ظن أنه لا يبقى إلا نفي علو الذات مطلقا وبالتالي يكون لا داخل العالم ولا خارجه
وهذا غلط ظاهر؛ لأن الحق أن القسمة ثلاثية وليست ثنائية، فإما احتواء وهو منفي، وإما نفي العلو مطلقا وهو باطل نصا وفطرة وإجماع السلف، وإما إثبات أن الله قوق سمواته بائن من خلقه، وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة والقدرة والعقل وإجماع السلف

وأما القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارج فهذا رفع للنقيضين، ورفع النقيضين محال كما أن جمع النقيضين محال.

ثم قال الرفاعي:( كلمة الله أكبر تتناقض تناقضا كبيرا مع قولنا الله في السماء).

والجواب: لا تناقض بحال؛ لأن إثبات كونه في السماء لا يعني أن السماء تحيط به، فالله أكبر من كل شيء، وهو العلي الأعلى فوق كل شيء، وهو المحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

حين يقدم المعيار السياسي على الأصول العقدية والمصالح الإسلامية الكبرى حقيقة العقيدة الحوثية ومخاطر مشروعها الإقليمي

حين يقدم المعيار السياسي على الأصول العقدية والمصالح الإسلامية الكبرى

حقيقة #العقيدة_الحوثية ومخاطر مشروعها الإقليمي

قاد بدر الدين #الحوثي ثم ابنه حسين من بعده، تحولا عقائديا أخرج الجماعة من دائرة الزيدية التقليدية إلى أحضان الفكر #الصفوي الباطني.

وينبني هذا المعتقد في أساسه على سب صحابة رسول الله صلى اللهعليهوسلم، والطعن في أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وتقرير نظرية الإمامة وجعلها ركنا من أركان الدين، والإيمان بعقيدة المهدي المنتظر على الطريقة الاثني عشرية، إلى آخره
ومن حيث التلقي، ترفض الحوثية السنة النبوية المروية من طريق الصحابة.

ولا يمكن فصل هذه الحركة عن المخطط الأشمل للتمدد #الإيراني في البلاد الإسلامية القائم على استحلال دماء أهل السنة، وإشاعة الفوضى، ونشر الفكر الرافضي، وتشويه تاريخ المسلمين؛ إذ تعد حركة الحوثي ذراعا عسكريا يدار بالكلية من نظام طهران، ضمن استراتيجية تصدير الثورة، فهي نسخة مكررة على نمط #حزب_الله اللبناني الطائفي، تسخر لزعزعة استقرار المنطقة، وتحويلها إلى مسرحٍ لنفوذ مشاريع طائفية هادمة، تدين بالولاء لولاية الفقيه..

وبعد هذا البيان، فإن من يسوق للحوثي اليوم بحجة موقف عارض من قضية فلسطين أو بناء على خصومة مع الدولة #السعودية، إنما يقع في واحدة من ثلاث: إما جهل بحقيقة هذا المشروع وخلفياته العقدية، فذلك يعالج بالبيان والتعليم ومنعه من الكلام..

أو تلبيس متعمد يقدم فيه الباطل في صورة الحق طلبا لمصلحة سياسية أو استقطاب جماهيري، فذلك خيانة للأمانة العلمية وغش للأمة

أو انسياق عاطفي خلف الشاشات والسرديات المؤدلجة دون تحقيق مناط ولا تثبت، فذلك ما حذرنا منه مرارا في هذا الباب.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_384.html


تأصيل فقهي لقتال الحوثيين في اليمن

تأصيل فقهي لقتال الحوثيين

بقلم د. أحمد محمد الصادق النجار

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فمن المقرر أصوليا وفقهيا أن القتال ضد المعتدي لا يثبت له حكم واحد على الإطلاق، وإنما يختلف باختلاف الأحوال والوقائع والقدرة والمآلات،
فمنه حال دفع الصائل الذي يهجم فعلا وحالا، فلا يشترط فيه حال هجومه شرط زائد على أصل القدرة الحسية
ومنه حال القتال عند التمكن والهدوء النسبي، حيث تراعى فيه شروط الإعداد والقدرة والاستطاعة وما يترتب على الفعل من مصالح ومفاسد، كما قررته بوضوح في كلامي حول أحداث غ زة.

وهذا التفصيل هو أحد الموازين الفقهية التي تنزل على نازلة القتال ضد الجماعة الحوثية، وإن كان الأصل الفقهي الحاكم للنازلة لا ينحصر في هذا الباب وحده، وإنما تتضافر عليه أصول ثلاثة:

الأصل الأول: دفع الصائل
فالحوثيون اليوم جماعة صائلة تباشر العدوان، إذ باغتوا السلطة الشرعية، واستولوا على المؤسسات بالقوة، واستمروا في استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ الباليستية والمسيرات؛ فهذا من حيث الأصل اعتداء قائم متواصل، فيكون دفعه متعينا بحسب الإمكان، كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية معنى ذلك في قوله المشهور: "يُدفع بحسب الإمكان"
والواجب دفعه بحسب القدرة، وبالقدر الذي يتحقق به دفع العدوان أو تقليله.

الأصل الثاني: قتال البغاة الخارجين على ولي الأمر، قَالَ النووي:( وأجمعت الصَّحَابَة رضي الله عنهم على قتال الْبغاة)
فالحوثيون خرجوا بالسلاح على السلطة الشرعية القائمة، وامتنعوا عن أدلء،الحقوق، واستولوا على مقاليد الأمر قهرا وعدوانا، فوجب قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله وينقادوا لولي الأمر.

الأصل الثالث: قتال الطائفة الممتنعة عن التزام الشرائع والحقوق
فكل جماعة امتنعت بقوة وشوكة.عن التزام هذه الأحكام، وجب قتالها، والحوثيون اليوم يمتنعون بشوكتهم عن رد الحقوق الشرعية والمظالم الواقعة على المسلمين، ويستبيحون الدماء والأموال بغير موجب شرعي، ولا خلاف على قتال من امتنع عن أداء الواجبات.

فإذا اجتمعت هذه الأصول الثلاثة في نازلةٍ واحدة، تقوّى بها الحكم وترسخ، وصار القتال متعينا.من عدة أوجه لا من وجهٍ واحد..
فكيف إذا كانوا ينفذون مشروعا صفويا يقوم على سفك دماء أهل السنة وتكفيرهم ونشر الشرك والكفر؟!!

ووجوب الدفع، وإن ثبت أصله باعتبار وقوع العدوان، فإن اختيار وسائل الدفع وتكتيكاته يبقى مقيدا بعدم ترتب مفسدة راجحة على عامة المسلمين والمدنيين تفوق مصلحة الدفع نفسه؛ فالقدرة المعتبرة شرعا تشمل القدرة على تحقيق المقصود من الدفع مع مراعاة ما يترتب عليه من آثار ومآلات.

ويمكن تلخيص ما سبق فأقول:

إن قتال التحالف وقوات الحكومة الشرعية للجماعة الحوثية يندرج في أصله تحت ثلاثة أبواب فقهية متضافرة: دفع الصائل، وقتال البغاة، وقتال الطائفة الممتنعة عن التزام الشرائع والحقوق، وتجري عليه بذلك أحكام الجهاد المشروع من وجوهٍ متعددة، ويبقى مع ذلك تحت قيد القدرة الشرعية التي تضبط وسائله وتدفع المفاسد الراجحة عن المدنيين.

فإن قيل: "كيف توجبون هذا القتال وفي صفّ المقاتلين من فيه تقصير ديني أو فساد نية أو مصالح سياسية مصاحبة؟
قيل: وجود الفجور أو فساد النية عند بعض من يقاتل لا يسقط وجوب الجهاد معه، ما دامت مفسدة تركه أعظم من مفسدة القتال معه على هذا الوجه، وأن هذا من أصول أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والروافض.

والله أعلم.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_18.html

الخميس، 17 سبتمبر 2026

حين تصبح الفتوى تحليلا سياسيا تفتقر إلى أدوات تحقيق المناط التصريح بأن العمليات العسكرية التي تخوضها #السعودية في #اليمن إنما هي #حرب_بالوكالة عن أمرييكا.

 حين تصبح الفتوى تحليلا سياسيا تفتقر إلى أدوات تحقيق المناط

التصريح بأن العمليات العسكرية التي تخوضها #السعودية في #اليمن إنما هي #حرب_بالوكالة عن أمرييكا. هو في حقيقته: خطاب سياسي مبني على توجيه إعلامي، لا صلة له بالاجتهاد الفقهي، يخدم في مآله المشروع الإيرااني الحووثي؛ إذ يلمع صورته، ويضفي شرعية على اعتدائه على بلاد أهل السنة، ومنها الحرمان الشريفان.

ومما يكشف هشاشة هذا التوصيف وتسرعه: أن المشهد الميداني نفسه أكثر تعقيدا وتضاربا مما تصوره السردية الجاهزة؛ فقد تناقلت وسائل الإعلام تعهدا حوثيا لأمريبكا بالكف عن استهداف سفنها في باب المندب، وهو خبر إن صح فإنه ينقض دعوى الوكالة.

وأنا هنا لا أسوق هذا الخبر دليلا قطعيا، وإنما أسوقه لأبين أن الواقع العسكري والسياسي أشد تركيبا وتقلبا من أن يختزل في توصيف واحد.

فليس الإشكال في تناول #الفتيا للواقع السياسي، وإنما الإشكال في غياب أدوات تحقيق المناط. ذلك أن إقحام #المؤسسات_الفقهية ومناصب #الإفتاء في تحليلات عسكرية، معتمدة في ذلك على متابعة الشاشات والقنوات المؤدلجة ومنصات التواصل الاجتماعي، يوقعها في إشكالات منهجية عميقة؛ إذ من المقررات الأصولية أن الفتوى تقوم على محورين اثنين: تكييف الحكم الشرعي (تنزيل النص)، وتحقيق المناط (فهم الواقع).

والإشكال في مثل هذه الفتاوى أن تحقيق المناط في القضايا العسكرية والنزاعات الإقليمية المعاصرة مناط مركب بالغ التعقيد، لا يقطع به أو يرجح فيه إلا بتوافر أدوات تخصصية: كالتقارير الميدانية، وموازين القوى، والمعلومات الموثقة. ..

أما الاعتماد على الخطاب الإعلامي الموجه والسرديات الدعائية، فلا يورث علما ولا ظنا راجحا، وإنما يبنى على شبهات وظنون فاسدة لا تصلح أساسا لبناء الأحكام الشرعية.

فحين يصدر الشيخ أو طالب العلم حكما على حرب بأنها وكالة لدولة ما، فإنه في الحقيقة يمارس عملية تحقيق مناط بغير أدواتها المؤهلة لذلك، فيتحول بذلك حكمه الفقهي إلى #رأي_سياسي يتدثر برداء الشريعة، ويصور للناس على أنه حكم قاطع تترتب عليه الجنة والنار، لا مجرد رأي اجتهادي قابل للنقاش والمراجعة.
!!!!!!!
إن إسباغ صفة الحكم الشرعي على تحليلات سياسية ظنية متغيرة هو من باب القول على الله بغير علم، ويترتب عليه مفسدتان شرعيتان:

الأولى: تضليل العامة، وخلط الثوابت الدينية بالمتغيرات السياسية.

الثانية: إقحام المؤسسات الإفتائية في الصراعات الدعائية، وتحويل الخطاب الديني إلى ورقة استقطاب وأداة من أدوات الحرب، مما يسقط هيبة الفتوى ومصداقيتها عند الناس.

وهنا يجب التذكير بأن الأصل الشرعي يوجب العدل والإنصاف، وعدم حمل الخصومات السياسية على إطلاق الأحكام، وتكييف الوقائع من غير بيّنة قطعية أو ظاهرة راجحة، لقوله تعالى: [وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ]

فوصف استراتيجية عسكرية لدولة كالسعودية بأنها حرب بالوكالة يستلزم أدلة إثبات قطعية أو ظنية راجحة، لا الاعتماد على السرديات الشائعة في الإعلام.

د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

المذهب المالكي لم يولد أشعريا ولا صوفيا، ويعني

 المذهب المالكي لم يولد أشعريا ولا صوفيا، ويعني هذا أن المعتقد الأشعري والمسلك الصوفي ليسا جزءا تأسيسيا من هوية المذهب الفقهي المالكي، وإنما هما أمران طارئان عليه، اختارهما بعض أتباعه في طبقات متأخرة. 


والملاحظ أن هذا الطارئ لم يكن من قبيل التفريع أو التخريج الذي تحتمله طبيعة الاجتهاد الفقهي، وإنما كان تغيرا منهجيا في الأصل الاستدلالي نفسه، انتقالا من التسليم للنص الشرعي في باب العقيدة إلى معارضته أو تأويله بمقتضى الأصول العقلية الكلامية، وهذا مسلك لم يرتضه الإمام مالك، ولا ارتضاه أئمة مذهبه المتقدمون. 


يعني تتكلم على منهج ربط بالذهب المالكي لا يرتضيه صاحب المذهب، بل يذمه ويبدعه..وهو يغير المنهج الاستدلالي 


كما أن اشتراط الأشعرية كجزء لا يتجزأ من هوية المالكي الحقيقي يلزم منه لازم باطل، وهو وصف الإمام مالك نفسه، وجمهور المتقدمين من أصحابه بأنهم مالكية ناقصو الهوية العقدية! 

وهذا لازم لا يقبله عاقل منصف..ويبطل أصل الربط... 


وتبني بعض علماء المالكية المتأخرين للأشعرية مهما بلغ عددهم أو مكانتهم، لا يدل على أن هذا هو أصل الهوية المالكية، ولا يجعلها معيارا أصيلا لها، فالانتشار اللاحق يصف واقعًا تاريخيا، ولا يؤسس أصالة. 


أما استقرار العقيدة الأشعرية فترة من الزمن في ليبيا، فلم يكن استقرارا اختياريا نابعا عن قناعة، وإنما هو نتاج فرضٍ بالقوة توارثته الأجيال بعد ذلك كأمر واقع. 


وما تمكين القذافي للصوفية والأشعرية في المناهج والمساجد عنا ببعيد، فهو شاهد معاصر على فرض توجه عقدي معين بقرار سلطوي، بمعزل عن الاختيار. 


فشتان بين عقيدة أثرية دخلت مع الفتح الإسلامي الأول برعاية الصحابة والتابعين وأئمة أهل المدينة، وبين تأويلات كلامية فرضتها الظروف السياسية لاحقا. 


وعليه، فإن العودة إلى المعتقد الأثري ليست استيرادا لفكر خارجي، وإنما هي عودة جادة إلى الأصل والجذر الذي انقطع استمراره الطبيعي بفعل القوة لا بفعل الاختيار. 


إن ربط #المذهب_المالكي بما استقرت عليه #العقيدة_الأشعرية تكتنفه عدة إشكالات منهجية وتاريخية، منها: 


١. التأخر الزمني والمضموني للعقيدة الأشعرية يلزم من هذا التأخر عدم صحة الربط أصالة؛ إذ لم يعتنق مؤسس المذهب ولا أكابر أصحابه هذا المعتقد، فقد توفي الإمام مالك (ت 179هـ) قبل ظهور أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ) وتأسيس مدرسته بعقود طويلة. 


٢. تصريح أئمة المذهب المتقدمين بما يخالف المقررات الأشعرية المتأخرة

ومن ذلك ما صرح به إمام المذهب مالك بن أنس نفسه في مسألة الاستواء والصفات، وما دونه كبار المالكية من بعده كابن أبي زيد القيرواني في مقدمة رسالته، وابن عبد البر، والطلمنكي، وغيرهم؛ وهذا يمنع صحة الربط مضمونا وإسنادًا معا. 


٣. اعتناق جمع من المتأخرين المنتسبين للمذهب المالكي للمدرسة الأشعرية لا يسوغ جعلها متلازمة حتمية له؛ لأن إثبات الملازمة يتطلب إثبات الاعتناق الكلي الشامل عبر كافة طبقات المذهب، وهذا افتراض وهمي يخالف الواقع، فمتقدمو أئمة المالكية لم يعتنقوا هذا المذهب الكلامي المتأخر زمنا ومضمونا، ولا يُتصوَّر منهم ذلك. 


٤. عُرف عن الإمام مالك وأصحابه إنكارهم الشديد لعلم الكلام وأهله، وتحذيرهم منه، في حين بُنيت العقيدة الأشعرية في أصولها واستدلالاتها على المناهج الكلامية؛ فكيف يصح إذن ادعاء التلازم بين أصلٍ وفرعٍ يناقضه في المنهج نفسه؟!


لا يشك كل متأمل مطّلع متجرد للحق أن الإمام مالكا وجماهير أئمة المذهب المتقدمين كانوا على عقيدة أهل الحديث والأثر، وهو المسلك الذي يتناسب مع عصر مالك والعصور الفاضلة التي سبقت استقرار التمذهب الكلامي، وشهدت الإنكار الشديد على المتكلمين. 


وما يقال في المذهب المالكي يقال نظيره تماما في بقية المذاهب الفقهية. 


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار