الثلاثاء، 7 يوليو 2026

نقول لمن يتهمنا بالإرجاء في تحرير الفعل التعبدي عند الاشتباه

 نقول لمن يتهمنا بالإرجاء:

محل البحث في المنشورات السابقة هو تمييز الفعل العبادي عن مجرد صورته الظاهرة عند الاشتباه، لا نفي كون أعمال الجوارح عبادة، ولا إرجاع العبادة إلى مجرد أعمال القلوب.

فعندما يقول الأشعري: إن صورة سجود الملائكة لآدم هي نفس صورة سجود الرجل لله، وهي نفس صورة السجود عند القبور؛ فكيف تكون الصورة واحدة، ثم يكون بعضها جائزًا في شريعة، وبعضها عبادةً، وصرفها لغير الله شركًا في شريعة أخرى؟

فهذه هي الشبهة التي تعلّق بها الأشاعرة والمتصوفة، ومن تأثر بهم، في نفي وصف الفعل الظاهر بالعبادة، إلا إذا انضم إليه اعتقاد مخصوص في القلب.

ومن هنا جاء التفريق الذي قررناه في المنشورات السابقة؛ لضبط هذا الباب، وقطع الطريق على هذه الشبهة. فالفارق بين الصورتين ليس نية باطنة نفتش عنها، ونشترط التصريح بها للمناط العبادي، وإنما قرينة ظاهرة مقترنة بالفعل، تصرفه إلى معنى دون آخر

فليس كل صورة دعاء، أو سجود، أو ذبح، تكون بمجرد صورتها عبادة شرعية؛ إذ النصوص نفسها دلت على وجود صور تتحد في الظاهر، وتختلف في الحكم باختلاف متعلقها وسياقها.

فالملائكة سجدوا لآدم، وإخوة يوسف سجدوا له، ولم يكن ذلك عبادة له، مع اتحاد الصورة الظاهرة. فدل ذلك على أن مجرد الصورة لا يكفي في جميع المواضع لإثبات حقيقة العبادة.

ومع ذلك، فلم نُرجع العبادة إلى أمور قلبية محضة، ولم نجعل القصد الباطن منشئًا للعبادة، ولا شرطًا في تحققها كما يقول المرجئة، وإنما جعلنا القرينة الظاهرة الملازمة للفعل هي التي تحدد نوعه عند احتمال الصورة لأكثر من معنى، وتكشف عن الجهة التي وقع عليها الفعل.

فنحن لا نعلّق الحكم على أمر خفي في القلب، وإنما على وصف ظاهر يلابس الفعل نفسه.

فسجود الملائكة وإخوة يوسف لم ننف عنه وصف العبادة لعلمنا بما في القلوب، وإنما نفيناه للقرينة الظاهرة التي بينت أنه سجد على جهة التحية والتكريم، لا على جهة التعبد.

وللأسف، ظن بعض من اتهمنا بالإرجاء أننا نشترط أمرًا باطنًا خفيًا حتى نحكم على الفعل بأنه عبادة، بينما الذي نجعله مناط التمييز هو القرينة الظاهرة الملازمة للفعل، وهي أمر يُدرك بالمشاهدة والاستقراء، لا بالتنقيب في القلوب.

وانتبه أن الكلام عند الاشتباه؛ وأما السجود عند القبور في واقع المسلمين، فالأصل حمله على جهة التعبد والتقرب؛ لأن هذا هو الظاهر المتبادر من وقوعه في هذا الموطن، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بقرينة صارفة معتبرة، لا بمجرد احتمال عقلي بعيد.

وعلى هذا الأصل نفسه يُحمل الكلام في الدعاء والسجود جميعًا: فلم نجعل الدعاء من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين الدعاء اللغوي ودعاء العبادة، وهذا تفريق دل عليه استعمال الشرع نفسه؛ إذ استُعمل لفظ الدعاء في أكثر من معنى، فلا يصح إبطال هذا التفصيل لمجرد الاشتراك اللفظي.
وكذلك لم نجعل السجود من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين صوره بحسب القرائن التي صاحبتها، كما دلت عليه النصوص الشرعية المذكورة آنفًا.
د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 6 يوليو 2026

الخلط بين صور الإنكار العلني على الحاكم

أطلعني أحد الإخوة على مقال بعنوان: "كلمات كبار علماء الدعوة السلفية حول الإنكار العلني على الحاكم". وقد ختم كاتبه – هداني الله وإياه إلى تحقيق السنة واتباعها – بقوله: "أما المنع المطلق من الإنكار العلني وفي كل الأحوال! فهو حصانة سلطانية غير شرعية." 


وهذه دعوى خطيرة، ولا أدري عمَّن يتحدث؛ إذ لا أعلم أحدًا من أهل العلم يمنع الإنكار العلني مطلقًا وفي جميع الأحوال، بل الذي قرره أهل العلم هو مشروعية صور متعددة من الإنكار، منها: الإنكار سرًّا، والإنكار أمام الحاكم، والإنكار على فعله في حضوره، والإنكار على المنكر في غيبته من غير تعيين فاعله. 


وإنما منعوا صورة واحدة بعينها، وهي: تسمية الحاكم بشخصه والطعن فيه علنًا في غيبته. 

وهذه الصورة جاءت الشريعة بمنعها، لا لأنها علة تامة مستقلة تستلزم المفسدة في كل فرد من أفرادها، بل لأنها سبب مهيئ إلى مفاسد راجحة، ومن أعظم تلك المفاسد إضعاف أصل السمع والطاعة، 

ولما كان الإفضاء في هذه الصورة غالبًا سدت الشريعة هذا الباب اعتبارًا بالغالب، ولم تلتفت إلى الصور النادرة؛ إذ لو رُوعي النادر من الأحوال لتعذر ضبط الباب وانفتح لكل مدّعٍ مصلحة يتوهمها. 


وهذا الباب في أصله يرجع إلى أصل قطعي عند أهل السنة، وهو لزوم السمع والطاعة، وترك الخروج على الأئمة؛ 

لكن ينبغي التنبه إلى أن منع هذه الصورة بعينها ليس هو ذلك الأصل القطعي بذاته، وإنما هو تنزيل له عبر قاعدة منع الشريعة لما يفضي غالبا: 

فهذه الصورة ذريعة ظاهرة وقوية إلى إثارة الفتنة، وإضعاف هيبة الولاية، ونشر الطعن والتباغض بين الناس، مما يفتح باب الإخلال بذلك الأصل غالبًا. 


وليس المقصود أن كل طعن علني حال غيبته يستلزم خروجًا مسلحًا، وإنما المقصود أنه سبب مهيئ لذلك عند اجتماع بقية أسبابه.. 


ومن ثم فإن تصوير هذا القول على أنه منع مطلق للإنكار في جميع الأحوال هو تشويه لمحل النزاع، فكيف إذا بُني عليه وصف المخالفين بأنهم يمنحون الحاكم "حصانة سلطانية"؟!

لا شك أنه بغي وتعد من غير تحرير ولا تحقيق علمي!! وأقرب لمغالطة استدرار العاطفة 


ومن الدعاوى التي تحتاج إلى تحقيق قوله في المقال: "تجويز كثير من السلف للإنكار العلني على الحاكم لا يعني جواز الخروج عليه بالسلاح." 


وهذا النفي لا يُستغرب ممن لم يميز بين العلة التامة المستقلة وبين السبب المهيئ . 

فلا أحد يدعي أن الإنكار العلني بمجرده علة تامة تستلزم وقوع الخروج المسلح وفي كل حال، إذ هذا باطل. 

وإنما الكلام في كونه سببًا يهيئ للخروج إذا انضمت إليه بقية أسبابه، ويعبر عنه العلماء بعبارات كنحو يفضي إلى... ويجر إلى... ويفتح الباب... ويكون ذريعة إلى... 


والأعجب أن الكاتب أورد كلام ثلاثة من أئمة العصر، ومع ذلك لم يأت بنص واحد صريح عن أحد منهم يجيز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته، أو نص على أن هذه الصورة يجوز استثناؤها إذا رجحت المصلحة، أو يقرر جوازها إذا لم يمكن إزالة المنكر إلا بها. 


أولًا: كلام الشيخ الألباني رحمه الله 


استدل بقوله: "إذا الحاكم خالف الشريعة علنًا؛ فالإنكار عليه علنًا لا مخالفة للشرع." 


وهذا نص مجمل، ولم يحرر فيه محل النزاع: هل المراد إنكار المنكر نفسه، او الإنكار على الحاكم علنا في حضوره أو المراد تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه؟ 

فأين النص الصريح الذي يقرر أن الشيخ يجيز تسمية الحاكم وذمه علنًا؟ لا يوجد. 


وأما استدلاله بكلام الشيخ في مسألة حرب الخليج، فالسياق إنما كان في مطالبة العلماء ببيان الحكم الشرعي وعدم الإفتاء بخلاف ما يعتقدونه مراعاةً لموقف الدولة على حسب ما يراه الشيخ في تلك النازلة

وهذا من باب بيان الحكم الشرعي في النوازل العامة، وليس فيه تسمية الحكام بأعيانهم ولا الطعن فيهم علنًا.


ثانيًا: كلام الشيخ ابن باز رحمه الله 


النص الذي نقله الكاتب عام، وهو قول الشيخ: "الأصل أن المنكر يتحرى ما هو الأصلح. إلخ" وهذا كلام في اختيار أسلوب الإنكار بحسب المصلحة، سواء كان سرًّا أو جهرًا، مع عموم الناس. 


أما كلامه الخاص بالحاكم فهو قوله: "فإذا كان جهره بالنصيحة في موضع يفوت الأمر فيه، مثل قصة أبي سعيد، والرجل الذي أنكر على مروان إخراج المنبر وتقديم الصلاة، فهذا لا بأس به." وهذا صريح في الإنكار على الحاكم أمام حضوره، وهو محل اتفاق، وليس فيه تصريح بجواز تسميته والطعن فيه علنًا في غيبته. 


بل قد سئل الشيخ ابن باز صراحة: هل من منهج السلف نقد الولاة من فوق المنابر؟ وما منهجهم في نصح الولاة؟ فأجاب: "ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير." 


ثم قال: "أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل، فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، فذلك واجب لعموم الأدلة... ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها، لا حاكمًا ولا غير حاكم." 


فكيف يُترك هذا النص الصريح في محل النزاع، ثم يُستدل بكلام عام لا دلالة فيه عليه؟ 


ثم يزيد الكاتب من عنده جملة اعتراضية فيقول: "والشيخ ابن باز له فتاوى منشورة أنكر فيها على الولاة علانية وسمى بعضهم باسمه." 


وهذا الإطلاق غير دقيق؛ لأن ما استدل به في الجملة إما مراسلات خاصة بينه وبين أولئك الولاة نُشرت بعد ذلك، وإما كلام فيمن ثبت عند الشيخ كفره وانتفاء ولايته الشرعية، ونحو ذلك مما نرجعه إلى محكم قوله، فلا يصح الاحتجاج به في محل النزاع. 


ثالثًا: كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله 


استدل بقوله: "فإذا رأينا أن الإنكار علنًا يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علنًا." 


وهذا من أوضح أمثلة الخلط؛ فإن كلام الشيخ كله يدور حول الموازنة بين المصلحة والمفسدة في الإنكار على المنكر، وليس فيه تصريح بجواز تسمية الحاكم المسلم بعينه وذمه أو الطعن فيه علنًا في غيبته. 


بل إن الشيخ نفسه يقول في لقغء الباب المفتوح: "وهناك فرق بين كون الأمير حاضرًا أو غائبًا؛ فالفرق أنه إذا كان حاضرًا أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيبًا ونحن مخطئون، لكن إذا كان غائبًا وبدأنا نفصل الثوب عليه على ما نريد، فهذا هو الذي فيه الخطورة، والذي ورد عن السلف كله مقابلة الأمير أو الحاكم. ومعلوم أن الإنسان لو وقف يتكلم في واحد من الناس - فضلًا عن ولاة الأمور - في غيبته لقيل: هذه غيبة، إذا كان فيك خير فاذهب إليه وانصحه." 


وهذا نص ظاهر في التفريق بين الإنكار على الحاكم في حضوره وبين ذكره والطعن فيه في غيبته. 


فتبين أن جميع النقول التي استدل بها الكاتب خارجة عن الصورة لتي منعها السلف؛ لأنها تدور بين الإنكار على المنكر، أو الإنكار في حضور الحاكم، أو بيان الحكم الشرعي، ولا واحد منها نص في جواز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته. 


نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف، وأن يوفقنا لاتباع السنة، وأن يجنبنا الزلل في الفهم والاستدلال. 


كتبه ناصحًا

د. أحمد محمد الصادق النجار



الأحد، 5 يوليو 2026

هل كانت شفاعة الشفعاء عند المشركين شفاعة إلزام أو شفاعة رجاء محض؟

 هل كانت شفاعة الشفعاء عند المشركين شفاعة إلزام أو شفاعة رجاء محض؟ 

للإجابة عن هذا السؤال نسلك مسلك الاستقراء القطعي الذي يدفع كل شبهة، مع التنبيه إلى أن محل البحث هو تصور المشركين للشفاعة، لا حقيقة الشفاعة عند الله تعالى. 

أولًا: ثبت بالاستقراء القطعي أن مشركي العرب كانوا يقرّون بانفراد الله بالملك والتدبير والتصرف في الكون. وهذا الإقرار يستلزم -عقلًا وشرعًا- انتفاء تصور الإلزام في حق الله؛ إذ لا يُتصور إلزام من ثبت له الانفراد بالسلطان المطلق. 

ولو كانوا يعتقدون أن أحدًا يُلزم الله بشيء، لكان ذلك ناقضًا لإقرارهم الأول، والقرآن لا يحكي عنهم اجتماع هذين الاعتقادين المتناقضين في محل واحد. 

ثانيًا: لو كانوا يعتقدون أن آلهتهم تُلزم الله بالشفاعة، للزم من ذلك أن يثبتوا لها أحد أمرين: إما قدرة مستقلة تنازع سلطان الله، وإما استحقاقًا ذاتيًا يجعل لها حقًّا واجبًا على الله. 

إلا أن الاستقراء التام السابق يثبت أنهم لم يعتقدوا في آلهتهم شيئًا من ذلك، فينتج قطعًا أنهم لم يتصوروا الشفاعة على جهة الإلزام. 

ويتضح هذا أيضًا من زاوية أخرى: فلو كانوا يعتقدون في آلهتهم استقلالًا حقيقيًا، لكانت شفاعتها من جنس آخر تمامًا، وهي شفاعة الند المستقل الذي يتصرف بذاته، وليست شفاعة الوسيط الذي يُرجى قبوله عند الله، وبما أن هذا الاستقلال منفي كما تقرر، فلا يبقى إلا تصور قائم على الرجاء لا الإلزام. 

فالنتيجة أن اعتقاد مشركي العرب في شفعائهم كان من قبيل الرجاء المحض، لا من قبيل الإلزام. 


هل اعتقدوا أن الله محتاج إلى الشفعاء؟ 

والجواب من جهة التصريح والاعتقاد المباشر لم يكونوا يعتقدون حاجة الله إلى شفعائهم؛ إذ هذا يستلزم نقصًا في كمال الله لم يُنقل عنهم اعتقاده، وإنما صرحوا بضده حين أقروا بكمال قدرته وتدبيره، وهذا ثابت بالاستقراء القطعي..

إلا أنه ينبغي التفريق بين الاعتقاد الصريح واللازم العقلي؛ فإنهم وإن لم يصرحوا بحاجة الله إلى الشفعاء، فإن تصورهم للشفاعة كان مبنيًا على قياس علاقة الشفيع بالله على علاقة الوجيه بالملك في الدنيا، وهذا القياس يتضمن في لوازمه معنى لا يليق بالله، إذ يجعل قبول الشفاعة جارياً على سنن العلاقات البشرية، لا على مقتضى كمال الرب سبحانه. فالحاجة هنا ليست معتقدًا مصرحًا به، وإنما هي لازم فاسد لتلك البنية القياسية 

وهنا يأتي سؤال هل هذا الاعتقاد بالحاجة (اللازم الكامن) هو نفسه المناط المطلوب إثباته لإجراء حكم الشرك المخرج من الملة على المعيّن؟

بمعنى هل من طلب الشفاعة من ميت أو صنم لا يكون طلبه شركا إلا إذا صرح أنه يعتقد حاجة الله إلى الشفعاء؟

وااجواب: لا يُشترط إثبات هذا الاعتقاد المخصوص  عند المعيّن لإجراء الحكم عليه بالوقوع في الشرك، وإنما يكفي الفعل الظاهر نفسه كصرف كالدعاء أوالسجود لغير الله، وذلك لأن هذا الاعتقاد لازم لتفسير الفعل ووقوعه، لكنه ليس شرطًا للحكم بالشرك، فهو متعلق بالشرط الوجودي وليس متعلقا بالمناط الحكمي كما فصلناه في مقال سابق

فالحكم مُعلَّق على نفس الفعل الظاهر بصرف النظر عن مدى وعي الفاعل بتفاصيل هذا اللازم أو تصريحه به. 

وإذا تقرر أن الحكم لا يتوقف على هذا التصريح، فإننا نلحظ مع ذلك أن هذا اللازم نفسه (الحاجة) يزداد وضوحًا في العصر الحاضر من عدة وجوه: 

الوجه الأول: إذا كان مشركو العرب وقعوا في هذا التناقض من غير شعور وبلا تصريح، فإن بعض غلاة القبوريين المعاصرين يصرّحون بمعنى الحاجة صراحة، كقول بعضهم: "الله لا يُعطي إلا من طريقهم"، أو "أنهم باب لا يُرد"، وهذا تصريح بمضمون اللازم الذي كان كامنًا عند الأولين. 

الوجه الثاني: كما أن مشركي العرب لم يعبدوا أصنامهم على أساس أنها تُلزم الله أو تقهر إرادته، وإنما عبدوها رجاء أن تكون وسائط تقرّبهم إليه، كما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فكذلك عامة القبوريين المعاصرين؛ فإنهم حين يقفون عند القبور داعين أصحابها من دون الله لا يعتقدون أن الولي يُلزم الله بشيء، وإنما يرجون أن تكون له عند الله منزلة أو وجاهة يكون معها دعاؤهم أقرب إلى القبول. 

فالبنية العقدية المحركة في الفعلين واحدة؛ إذ تقوم على توهم وجود نسبة خاصة تجعل التوسل بهذا الوسيط أرجى للقبول من التوجه إلى الله مباشرة، مع الإقرار -إذا سُئلوا- بأن الله وحده صاحب المشيئة والقرار المطلق. 

الوجه الثالث: كما أن هُبل واللات ومناة لم تُعبد لخصوصية ذاتية في الحجر، وإنما لما نُسب إليها من ارتباط بأشخاص معظمين أو أرواح يُعتقد صلاحها، فكذلك القبور المعبودة اليوم لا تُقصد لذات القبر أو الجسد، وإنما لما يُنسب إلى صاحب القبر من الولاية أو الصلاح. 

فالعلة المحركة في الحالين واحدة، وهي الاعتقاد بوجود ارتباط خاص يجعل هذا الوسيط أقرب إلى الله، لا الاعتقاد بامتلاكه خصائص ذاتية مستقلة. 

للوجه الرابع: كما أن مشركي العرب أنكروا عن أنفسهم وصف الشرك يوم القيامة، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، لأنهم كانوا يحصرون معنى الشرك في إثبات شريك مستقل في الربوبية، وهو ما لم يكونوا يعتقدونه؛ فكذلك ينكر كثير من القبوريين المعاصرين وصف الشرك عن أنفسهم بالمنطق نفسه. 

وهذا كله يدل على تماثل أصل التصور الذي بُني عليه اتخاذ الوسائط في التقرب إلى الله قديما وحديثا. 


تنبيه أخير

ولا يعني أننا نكفر أعيانهم بإطلاق...فليس (كل) من وقع الشرك أصبح كافرا عينا 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مشارك بكلية علوم الشريعة

تخصص عقيدة



لماذا عبد مشركو العرب هبل واللات ومناة بعينها؟

 

تقدم معنا بالدليل القطعي أن المشركين لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالخلق والرزق والملك والتدبير, ولم يثبتوا لها  قدرة كونية عامة مستقلة, ولا قدرة جزئية غيبية مستقلة
كما تقدم أن مناط الحكم بالشرك: هو الفعل التعبدي كالسجود الموجه لغير الله.

فإن قيل: إن هذا التقرير لا يفسر سبب اختيار حجر بعينه دون غيره، فلماذا خُصَّ هذا الحجر، كهُبل أو اللات أو مناة، بالعبادة ؟

قيل: إن رجاء الزلفى باتخاذ الوسائط في العبادة أو طلب الشفاعة مباشرة من الميت
إنما هو أثر لمقدمة اعتقادية سابقة؛ إذ لا يقع تخصيص شيء بالتعظيم إلا لمرجح يقتضي هذا التخصيص, وقد أحال القرآن نفسه على أصل هذا التخصيص, فقال تعالى حاكيا عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23], فالأصنام التي جعلت على صورة ود وسواع ويغوث ويعوق, عبدت على أنها تماثيل رجال صالحين تحل أرواحهم فيها, أو ترتبط بها ارتباطا خاصا, ومن هنا نشأ رجاء الشفاعة.

فإن قيل: لا يُتصور رجاء الزلفى من حجر أو صالح إلا مع اعتقاد سابق فيه بنوع من التأثير، ولو لم يبلغ حد الاستقلال.

قيل: هذا مسلم, فإن رجاء الزلفى والشفاعة لا يتصور إلا مع اعتقاد خاص في ذلك الوسيط يقتضي تخصيصه إلا أن هذا الاعتقاد بهذا القدر جزء لا ينفك عن وجود الفعل نفسه في الخارج؛ إذ لا يتصور دعاء موجه إلى جماد أو ميت, إلا مع ظن نوع تأثير فيه غير مستقل عن الله، لكن يجب التمييز بين كون الاعتقاد شرطًا في وجود الفعل في الخارج، وكونه شرطًا لإجراء الحكم على الفاعل، ولا تلازم بين الأمرين...

وإذا تبين هذا ظهر وجه تقرير أهل السنة في هذه المسألة؛ فإن الذي عليه تحقيقهم أن الاعتقاد جزء لا ينفك عن وجود الفعل، إلا أن الحكم الشرعي بالشرك يكتفى فيه بالفعل التعبدي الظاهر؛ لأن الشارع علق الحكم على وجود هذا الفعل، كالسجود، وهو في نفسه مستلزم لكفر الباطن. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (14/ 120): ( وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن )

فالفعل التعبدي الظاهر، كالسجود لغير الله، هو نفسه مناط الحكم بالشرك شرعًا؛ إذ علق الشارع حكم الشرك على هذا الجنس من الأفعال، وجعله مناطًا ظاهرًا للحكم، فلا يفتقر في إجرائه إلى إقامة الدليل على الاعتقاد الباطن، وإن كان الفعل في نفسه لا يوجد إلا مستلزمًا له.

وعليه فالزلفى والشفاعة هما الدافع والباعث على الفعل, لكنهما قائمان على اعتقاد باطل في الوسيط جعله في نظرهم محلا للتقرب, ومع ذلك فإن القرآن نفسه مع وصفه آلهتهم بأنها لا تملك شيئا لم يعلق الحكم بالشرك على مجرد ذلك الاعتقاد, وإنما علقه على العبادة المصروفة إليهم.
وهذا تحقيق هذه المسألة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الجمعة، 3 يوليو 2026

مختصر تحرير مفهوم الشرك عند مشركي العرب زمن الوحي

مختصر
تحرير مفهوم الشرك عند #مشركي_العرب زمن الوحي

عندما نبحث في معنى العبادة، ومعنى الإله، ومتى يقع الشرك، فلا بد أن ننطلق من نقطة جوهرية وهي: ما هي العقيدة التي أثبتها القرآن لمشركي العرب زمن النبي صلىاللهعليهوسلم، والتي احتج بها عليهم؟

والقرآن الكريم هو المصدر القطعي الذي كشف حقيقة حالهم وواقع معتقدهم.

والمقصود هنا هو تحديد عقيدة عموم مشركي العرب التي جعلها القرآن أساسًا لمحاجتهم بها، وليس المقصود نفي وجود انحرافات متفرقة في باب الربوبية.

قد يعترض معترض فيقول: أليس من العرب من زعم أن الملائكة بنات الله، وهذا اعتقاد يتعلق بالربوبية؟
والجواب من وجوه:
أولًا: هذا اعتقاد فئة من العرب لا عموم جمهورهم.
وثانيًا: وهو الأهم: لم يجعل القرآن هذا الزعم (بنوة الملائكة) هو علة عبادتهم لأصنامهم؛ فالله لم يقل إنهم عبدوا الأصنام لأجل زعمهم أن الملائكة بناته
وثالثا: هو زعم في النسب وليس في الاستقلال بالفعل، فهم لم يعتقدوا في الملائكة استقلالها بالخلق أو الرزق أو التدبير

أعود فأقول: إليك أربعة أوجه في إثبات عقيدة عموم مشركي العرب في الربوبية والتي جعلها القرآن أساسًا لمحاجتهم:

الوجه الأول: لم يذكر القرآن في أي موضع من مواضع محاجته للمشركين، أنهم كانوا يعبدون آلهتهم لاعتقادهم أنها تخلق أو تدبر أو ترزق استقلالًا عن الله.

الوجه الثاني: تكرر في القرآن إقرار المشركين بأن الله وحده هو الخالق والمدبر، وجاء هذا في مناسبات متعددة ومختلفة
سُئلوا عن الخلق تارة، وعن الرزق تارة، وعن المُلك أو الربوبية أو التدبير تارة أخرى
وكان جوابهم واحدًا في كل مرة: أن ذلك كله لله وحده، دون أن يُنقل عنهم رد مخالف ولو مرة واحدة.

الوجه الثالث:جاءت أغلب هذه الآيات بصيغة ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، وهي من أشد صيغ التوكيد في اللغة العربية؛ فاللام فيها موطئة لقسم محذوف تقديره "والله لئن سألتهم"، وجاء جواب الشرط ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ مؤكدًا بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، مما يزيد المعنى قوة وتوكيدًا.

الوجه الرابع: يؤكد هذا المعنى ما حكاه الله تعالى عنهم في حال الشدة، فقال سبحانه:﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
فهذه الآية لا تنقل مجرد جواب لفظي يصدر عند السؤال، وإنما تكشف عن حقيقة الاعتقاد الكامن في نفوسهم؛ فإن الإنسان عند انقطاع الأسباب وتمحض الحاجة لا يلجأ إلا إلى من يعتقد أنه يملك القدرة المطلقة على كشف الضر.

أفاد هذا الاستقراء التواتر المعنوي؛ فالنصوص الواردة في سور لقمان والزخرف والعنكبوت ويونس والمؤمنون وغيرها، ليست تكرارًا للفظ واحد في سياق واحد، وإنما وردت في سور مختلفة، نزلت في أوقات متعددة، وبمناسبات متنوعة، وجاءت بألفاظ متغايرة؛ فتارة في الخلق، وأخرى في الرزق، وثالثة في التسخير، ورابعة في الإحياء، وخامسة في الملك أو التدبير، وكلها قد اتفقت على معنى واحد، وهو إقرار المشركين بانفراد الله تعالى بالخلق واستقلاليته بالتصرف والتدبير،
فصار من جملة المعاني المعلومة من القرآن بالضرورة، لا من المسائل الاجتهادية

وبذلك ثبت — بدرجة القطع لا الظن — أن مناط الكفر الذي حكم به القرآن عليهم لم يكن اعتقاد خالق مع الله مستقل، ولا رازق مستقل، ولا مالك أو مدبر مستقل

وعليه
فكل فهم لآية من القرآن معارض لهذا الأصل القطعي يكون مردودًا من جهة المنهج قبل النظر في تفاصيله؛ لأن من القواعد المحكمة عند أهل الأصول أن الدليل الظني لا يعارض الدليل القطعي.

ونزيد الأمر توضيحا بطريقة السؤال والجواب:

س/ ما الذي أثبته القطع المتقدم بالضبط؟

ج/القطع الثابت بالتواتر المعنوي انصبّ على أمر محدد: أن مشركي العرب كانوا يقرّون بأن الله وحده هو الخالق، والرازق، وأنه المستقل بالملك والتدبير.

س/هل كانوا مع ذلك يعتقدون أن لآلهتهم تأثيرًا جزئيًا محدودًا، كالشفاعة، أو التقريب من الله؟
ج: نعم، وهذا ثابت بنص القرآن نفسه، إذ وصف حالهم فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
فهم لم يزعموا لآلهتهم ملكا مستقلًا، بل توسّطًا وشفاعة عند الله، أي تأثيرًا متوقفًا على إذنه لا مستغنيًا عنه.

س/ هل اعتقاد التأثير الجزئي ينافي القطع المتقدم؟

ج/ لا ينافيه؛ لأن القطع المتقدم إنما نفى اعتقادهم استقلال آلهتهم بالخلق والرزق والتدبير، ولم يتعرض لمسألة الشفاعة والتوسط أصلًا، فليس بين الأمرين تعارض حتى يُحتاج إلى دفعه.

س/أين وقع شركهم إذن؟

ج/لم يقع فيمن يخلق أو يرزق أو يدبر استقلالًا، بل وقع في باب العبادة؛ إذ حوّلوا رجاء تلك الشفاعة إلى عبادة صُرفت لغير الله.

س/ هل جعلت النصوص الشرعية اعتقاد التأثير الجزئي هو مناط شرك العرب؟
ج/ التأثير الجزئي المزعوم كان هو الدافع الذي حملهم على الشرك، وأما الشرك نفسه فقد تحقق حين حوّلوا هذا الرجاء إلى عبادة صُرفت لغير الله.
فاعتقاد النفع الجزئي لم يكن استقلالًا عن الله حتى يكون هو المناط، بل هو الباعث النفسي، والمناط الشرعي هو الفعل التعبدي المترتب عليه.
[لو فهمت هذا زال عنك الإشكال من أصله]

س/ ما الدليل على أن النصوص الشرعية جعلت التأثير الجزئي دافعًا لا مناطًا؟

ج/ قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
فالآية بنَتْ الجملة على فعلين متعاطفين: "يعبدون" ثم "يقولون".
والفعل الأول (وَيَعْبُدُونَ) هو محل الذم والحكم، والثاني (وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) مجرد حكاية لتعليلهم وتبريرهم.
ولم تقل الآية "لاعتقادهم أنهم شفعاؤهم استحقوا الذم"، بل رتّبت الذم على نفس العبادة، وجاء ذكر الشفاعة تعليلًا لسبب توجههم لا شرطًا لتحقق الحكم عليهم.

وأيضا في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81-82].
قوله "لِيَكُونُوا" يدل على العلة الباعثة وهي طلب العزة
وقوله: ﴿بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الباء هنا سببية، فعلّق الكفر على العبادة ذاتها، لا على العلة الباعثة عليها. فلو كان الاعتقاد بالتأثير الجزئي هو مناط الكفر لعلق الكفر علبه ولم يعلقه بالعبادة.

ويُضاف إلى ما تقدم أن القرآن لم يفرّق في الحكم بين المشركين بحسب تفاوت درجة ما توهموه من تأثير لآلهتهم، بل ساواهم جميعًا في وصف الشرك الأكبر ما داموا قد عبدوا تلك الآلهة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/07/blog-post.html


الثلاثاء، 30 يونيو 2026

تحرير محل النزاع بين الأشاعرة وأهل السنة في مسألة الاستغاثة بالميت هل كون الله هو الفاعل الحقيقي يبيح الاستغاثة بالأموات؟

 للمتخصصين


تحرير محل النزاع بين الأشاعرة وأهل السنة في مسألة الاستغاثة بالميت

هل كون الله هو الفاعل الحقيقي يبيح الاستغاثة بالأموات؟ 


كثيراً ما ينتقل الأشاعرة عند مناقشة أهل السنة في حكم دعاء الميت والاستغاثة به من الكلام عن حكم سؤال الميت وتوجيه الطلب إليه، إلى الكلام عن أصل آخر، وهو أن الله هو الفاعل الحقيقي لكل شيء، وهذا انتقال من مسألة إلى أخرى مغايرة لها، فلا يصح أن يُجعل أحدهما دليلاً على الآخر. 


فلو سلم جدلا بما يقرره الأشاعرة من أن العبد له قدرة غير مؤثرة وأنه مجرد محل يجري الفعل عنده، فإن إثبات أن الله هو الفاعل الحقيقي لا يستلزم أن كل محل يُجري الله الفعل عنده يصلح أن يكون محلاً لتوجيه الطلب إليه. 


فالمقدمة (الله هو الفاعل الحقيقي) لا تُنتج النتيجة (فيجوز سؤال كل من جرى الفعل عنده) إلا بإضافة مقدمة مضمرة فاسدة، وهي: "كل ما جرى الفعل عنده يجوز توجيه الطلب إليه". 

وهذه المقدمة باطلة لا يلتزم بها الأشاعرة أنفسهم؛ إذ لو صح أن مجرد كون الشيء محلاً لفعل الله يبيح سؤاله لجاز سؤال الجماد والحيوان وسائر المخلوقات؛ لأنها على أصلهم محالَّ يجري الله الفعل عندها. وهذا لا يقول به الأشعري نفسه، لأنه لا يجيز سؤال كل شيء. 


وعليه، فالاستدلال بالفاعلية الحقيقية لله تعالى ليس جوابًا عن محل النزاع، وإنما هو تبديل لموضوعه. 


وأهل السنة لا يجعلون مناط الشرك في الاستغاثة بالميت مجرد اعتقاد استقلال المخلوق بالفعل حتى يلزموا بأن الله هو الفاعل الحقبقي على التصور الأشعري، وإنما يجعلون مناطه توجيه الطلب الذي،لا يقدر عليه إلا الله إلى الميت، سواء اعتقد الداعي استقلاله بالفعل أو جعله مجرد سبب؛ لأن هذا النوع من الطلب لا يتوجه به الطالب إلا إلى من يثبت له سماعا عاما مطلقا، وعلما بحال الداعي، وقدرة على الاستجابة. 

فهذه اللوازم من مقتضيات الفعل نفسه، لا من الاعتقادات التي يلزم التصريح بها، ولذلك كان صرف هذا الطلب إلى غير الله إخلالًا بالتوحيد .. 


ولا يندفع هذا الإلزام بقول الأشاعرة: "إن الميت مجرد سبب ولا قدرة له مؤثرة"، لأنه سيقال لهم الجماد -الذي يعتقد الأشاعرة أن الله هو خالق كل الأحداث فيه وإن لم يكن للجماد كسب أصلًا- والحيوان وسائر الكائنات: قدرتهم غير مؤثرة عندكم ولم تجوزوا الطلب منهم .. 


ولو كانت العلة مجرد كون الله هو الفاعل الحقيقي، لما كان لعدم السماع أثر؛ لأن محل الاستدلال عندكم هو الفاعلية الإلهية لا السماع. فإذا جعلتم السماع شرطًا، فقد تركتم الاستدلال الأول وانتقلتم إلى استدلال آخر.. 


على أن أهل السنة أنفسهم يقررون أن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن العبد له قدرة مؤثرة داخلة تحت مشيئة الله، ومع ذلك يفرقون بين سؤال الحي الحاضر القادر وسؤال الميت أو الغائب غيبة الموت. وسبب هذا التفريق ليس اعتقاد استقلال الحي بالفعل دون مشيئة الله، بل لأن الله جعل أفعال الأحياء أسبابًا معتادة، وأذن في مخاطبتهم وطلب ما يقدرون عليه عادة، من غير أن يلزم على الطلب نفسه لوازم فاسدة عقديا. 

فالفارق إذن ليس في إثبات القدرة المؤثرة أو نفيها. 


أما الاستدلال بالمعجزات والكرامات وخوارق العادات على جواز الاستغاثة بالميت فليس في موضعه؛ لأن المعجزة والكرامة ليستا ناشئتين عن سؤال الناس لأصحابها بعد موتهم، وإنما هي أفعال يجريها الله في حياتهم عند من شاء وفي الوقت الذي شاء 


فوقوع الكرامة للنبي أو للولي لا يستلزم جواز سؤاله بعد موته، كما أن وقوع المعجزة لموسى عليه السلام لا يبيح لبني إسرائيل بعد موته أن يقولوا: يا موسى اشقق لنا البحر. 


ووقوع خرق العادة بإذن الله لفلان لا يستلزم شرعية اتخاذه محلاً للدعاء بعد موته... 


ومن أدلتهم أيضًا أنهم يرتبون على القول بأن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن الميت مجرد سبب، أن ثبوت سماع الميت يكفي لجواز توجيه الطلب إليه، مستدلين بأحاديث سؤال الميت في قبره، وسماعه قرع نعال المشيعين، وسماعه سلام من يسلم عليه، ويقولون: إذا ثبت السماع جاز توجيه الخطاب والطلب. 


والجواب عن ذلك من وجوه: 


أولًا: الذي ثبت في النصوص هو سماعٌ خاص ومحدود، وليس سماعًا عامًا لكل الدعوات والطلبات في كل زمان ومكان، وهو السماع الذي تتوقف عليه دعوى جواز الاستغاثة بالأموات. 


ثانبا: مجرد ثبوت السماع وحده ليس كافيا لتجويز السؤال

والذي فعله الأشاعرة أنهم جعلوا من ثبوت سماع الميت في مواطن لازما لمشروعية سؤاله، وهذا انتقال غير صحيح، فالملائكة تسمع وتحضر وتكتب الأعمال، ومع ذلك لم يُشرع دعاؤها وسؤالها مباشرة. 


ثالثا: أن مجرد السماع لا يستلزم الاستجابة ولا القدرة على التصرف، قال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:14].

فهذه الآية تبطل دعوى صلاحية المدعو للاستجابة، وهي الأساس الذي تقوم عليه دعوى اتخاذه سببًا.. 


وبهذا يتبين أن محل النزاع ليس في أن الله هو الفاعل الحقيقي، ولا في إمكان وقوع الكرامات، ولا في أصل ثبوت نوع من السماع للميت، وإنما في مشروعية توجيه هذا النوع من الطلب إلى الميت، واتخاذه سببًا في تحصيل المطلوب. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 29 يونيو 2026

كشف المزاعم التي أطلقها #عبد_القادر_حسين على من يسميهم " #الوهابية" حول الدعاء والاستغاثة

 

أطلق عبد القادر حسين على خصومه الذين يسميهم "الوهابية" عدداً من المزاعم والافتراءات التي لا تصدر عن نقل دقيق لمذهبهم، ولا عن مناقشة منصفة لأقوالهم. ولئن أحسنّا الظن بصاحب هذه المزاعم، قلنا: أُتي من سوء فهمه، وقلة اطلاعه على تقريرات القوم بأنفسهم..

ومن أبرز ما زعمه هذا الرجل المفتري:

1. أن  الوهابية بزعمه يقولون: كل دعاء عبادة.
2. أن الوهابية بزعمه يقولون مجرد نداء النبي صلى الله عليه وسلم يُعَدّ عندهم شركاً أكبر، مطلقاً وبلا تفصيل.

واستدل لنقض هذين الزعمين بدليلين:
- حديث: «إذا ضلّت دابة أحدكم بأرض فلاة فليقل: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا».
- أثر ابن عمر رضي الله عنه، حين خَدِرَت رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك، فقال: «يا محمد».

وفيما يلي الجواب على هذه المزاعم:

١-دعوى: " أن الوهابية بزعمه يقولون: كل دعاء عبادة

وجوابي:
لم يجعل علماء السنة الدعاء بمعناه العام كله عبادة، وإنما خصّوا نوعاً معيناً من الدعاء بأنه عبادة، وهو الذي تنطبق عليه حدّ العبادة بمعناها الشرعي، أي: الدعاء الذي يكون على وجه غاية الخضوع مع غاية المحبة. هذا النوع وحده هو الذي وُصف بكونه عبادة..

لكن من أين سيفهم مذهبهم وهو ينطلق من قراءة غير دقيقة لتقريراتهم؟!!

فمن قال من علماء أهل السنة: "كل دعاء عبادة"، فإنما يقصد بذلك الدعاءَ الذي تحقق فيه معنى العبادة، لا مطلقَ الدعاء بكل صوره وأحواله.
لكن للأسف هذا الرجل ينطلق في نقده من فهمه المنكوس لمذهبهم، لا من تقريراتهم هم وعباراتهم في مصنفاتهم.!!!!

أما الدعاء الذي هو بمعنى الطلب المجرد، ولم يبلغ حدّ العبادة، فهذا منه ما هو جائز، ومنه ما هو شرك. والحدّ الفاصل بين الجائز والممنوع، هو موضوع الطلب نفسه:

- فمن طلب من مخلوق ما يقدر عليه المخلوق، فهذا جائز.
- ومن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك.

ووجه كون هذا النوع شركاً ليس كما زعمه هذا المتقوّل لأنه عبادة، وإنما لأن التوجه بهذا السؤال في نفسه لا يتصور إلا مع تضمُّنه نسبة خصائص لا تكون إلا لله إلى المسؤول، كاعتقاد أنه يسمع النداء، ويعلم حال الداعي، ويقدر على إجابته، ولذلك حكم أهل السنة عليه بالشرك، ولم يشترطوا أن يصرح الداعي بهذا الاعتقاد، لأن الاعتقاد اللازم للفعل يُحكم به من نفس الفعل.

وطلب الشفاعة من الميت البعيد داخل فيه؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، وليست هي خدمة يقدمها الميت متى شاء ....

وحتى لو قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع بعض الأصوات فليس في ذلك دليل على ثبوت القدرة على الإجابة والتأثير..

وانتبه هنا أن أهل السنة لم يجعلوا التصريح بالاعتقاد شرطاً للحكم بالشرك في هذا النوع من السؤال، فضلاً عن السؤال الذي بلغ حدّ العبادة.

٢- دعوى: " ان الوهابية على زعمه يجعلون نداء النبي صلى الله عليه وسلم شركا أكبر مطلقاً"

هذا وهم فاحش، أو تعمد للكذب..

أولاً: حديث "يا عباد الله احبسوا"

فليس الحديث دليلاً على جواز سؤال الأموات، لأن المخاطَب في الحديث موجود حي يسمع بإخبار الشارع، بخلاف الميت الذي لم يثبت سماعه لهذا النداء ولا قدرته على إجابته.
فالنداء في الحديث موجه لمن أخبر الله بوجودهم في الأرض وسماعهم لمثل هذا النداء، فانتفى المناط الموجب للشرك بهذا الخبر الشرعي، والقياس بين هذا النداء ونداء الميت أو الغائب الذي يلزم من سؤاله أنه يسمع أصوات الداعين في كل مكان ويعلم أحوالهم ويقدر على إجابتهم قياس غير صحيح، لاختلاف المناط بينهما.

ثانياً: أثر ابن عمر "يا محمد"

أما ما استُدل به من أثر ابن عمر رضي الله عنه، فقد رُوي من طرق متعددة،  لكن النظر في صحة الإسناد ليس هو موضع الخلاف الجوهري، فحتى لو سُلِّم بثبوت الأثر، فلا حجة فيه على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وذلك من وجهين:

الوجه الأول: أن مجرد النداء الخالي من الطلب ليس عبادة ولا شركًا، وإنما يكون النداء شركًا إذا اقترن بطلب يختص بالله تعالى. ولذلك لم يكن قول النبي صلى اله عليه وسلم: «وإن لفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، ولا قول المصلي: «السلام عليك أيها النبي»، من الشرك، لعدم اقترانهما بطلب.

الوجه الثاني: أن قول ابن عمر «يا محمد» مجرد ذكر للاسم، لا يتضمن طلبًا، وهو من باب عادات التداوي بذكر المحبوب

فمن أراد مناقشة مذهب القوم، فالواجب عليه أن يناقش تقريراتهم كما قرروها هم، لا كما يتوهمها هو، فذلك أقرب إلى العدل والإنصاف الذي توجبه أخلاق المناظرة.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار