الجمعة، 23 أكتوبر 2026

تحرير وتصور مختصر في مسألة تبديع المعين

 تحرير وتصور مختصر في مسألة تبديع المعين 

بقلم: د. أحمد محمد الصادق النجار 

طلب مني بعض الإخوة الأفاضل أن أكتب تصورا مختصرا ومفهوما يلم بشتات قضية تبديع المعين 

وحتى يتصور الباحث هذه المسألة تصورا صحيحا لا بد أن يدرك بداية أنه لا يوجد عن السلف نص صريح مباشر عام على جميع الصور ينص على أن تبديع المعين لا يشترط في العلم وعدم التأويل أو أنه يشترط فيه ذلك، وإنما غاية ما أُثِر عنهم في هذا الباب يعود إلى ثلاثة موارد استدلالية: 

1. النص المأثور عن الإمامين الرازيين 

وهو حكايتهما لإجماع السلف في شأن من قال في القرآن بالوقف:( ومن وقف في القرآن جاهلا بدع وعلم ولم يكفر)

ولا يخفى على كل من يدرك دلالات الألفاظ حقا أنه ليس في هذا القول ما يدل دلالة واضحة على اشتراط العلم في التبديع أو عدم اشتراطه؛ لأن العطف بالواو يفيد مطلق الجمع ولا يفيد الترتيب، ولأن العبارة قد تحتمل أنها خرجت مخرج التغليظ في مسألة الوقف؛ لكونها كانت من المسائل التي يتخفى بها الجهمية في عصرهم، ولحماية أصل القرآن من تسلل مقالات الجهمية في زمن المحنة، وقد وضحت ذلك في ردي على الشيخ الريس وقبله في ردي على الحدادية، فلا يكفي هذا الأثر وحده للجزم بقاعدة عامة في تبديع المعين. 

وبالتالي لا يمكن أن يبنى اعتقاد على احتمال، فضلا أن يبنى عليه منهج عام... 


2. الإطلاقات والنصوص العامة عن السلف كقولهم من قال كذا فهو مبتدع

ولا يخفى على كل من يعرف معنى الإطلاق أن هذه الإطلاقات قضايا عامة كلية لا تفيد حكما عينيا على شخصٍ بعينه بمجرد صدور المقالة منه، وإنما لابد في التنزيل من تحقق شروطه وانتفاء موانعه 


3. التطبيقات العملية في تبديع السلف لبعض المعينين

ولا يمكن بحال أن يصحح العقل الأصولي استنباط قاعدة كلية مطردة في تنزيل التبديع العيني بلا شروط أو موانع بناء على أعيان مخصوصين حُكِم عليهم في أحوال وظروفٍ محفوفة بالقرائن دون استقراء تام 

فكثير من مواقف السلف في تبديع أشخاص بعينهم أو هجرهم كانت مرتبطة بقرائن حالية، كظهور العناد، أو قصد هدم الأصول، أو رعاية المصلحة والمفسدة في الزجر والهجر، وقد تتخلف في غيرهم. 

ولذا لما كان شيخ الإسلام ابن تيمية يحمل عقلا أصوليا سلفيا قال عن تبديع السلف لبعض الأعيان:( وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد عام حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يثبت حكمها في نظيرها) مجموع الفتاوى (28/213) 

وكما بدّع بعض السلف الحسن بن صالح بن حي لمخالفته أصل أهل السنة في مسالة الخروج بالسبف، فإنهم لم يبدعوا من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج من خيار التابعين. 

وكما شدد السلف على من أوّل حديث الصورة فجعل الضمير يعود إلى غير الله، وعدوا ذلك من جنس تأويلات الجهمية، إلا أن الأئمة لم يبدعوا الإمام ابن خزيمة عندما مال إلى هذا التأويل. إلى غير ذلك من الامثلة 

وهذا التباين يقطع الطريق على من يحول التطبيقات العملية الجزئية إلى قواعد كلية من دون استقراء تام وتحقيق المناط.

والواجب النظر والتفصيل في أحوال المعينين قبل إلحاق الأحكام بهم. 

والذي يظهر أن الشيخ الريس والحدادية يتصورون أن الإمام أحمد يسأل عن رجل خالف في مسألة مشتهرة فيقول مباشرة وهو لا يعلم حاله ولا مصدر التلقي عنده هو مبتدع فاسق!!!! 

وهذا تصور إن صح عنهم غريب 

ففي التطبيقات العملية الجزئية نجد أن الأئمة يشددون النكير على من يحدث قولا يخالف ما عليه الجماعة، ولاسيما إذا اجتمع معه إظهار المقالة وكون صاحبها متكلما، فيحكمون عليه مباشرة بالتبديع، ولا يثبت هذا الحكم إلا في نظيره، ومن أوضح أمثلته ما فعله الإمام أحمد مع الكرابيسي ويعقوب بن شيبة. 

الكرابيسي كان

- متكلما كما ذكر ذلك الشيرازي والذهبي والنووي وابن خلكان، 

-ومستورا يذب عن السنة قبل ظهور مقالته.

-وضع كتاب «المدلسين»، وفيه الطعن في الأعمش وسليمان التيمي ونصرة الحسن بن صالح بن حي وأحاديث تقوّي الرافضة...

-أظهر مسألة اللفظ، وكان في زمن محنة القول بخلق القرآن، وأطلق هذه العبارة لفتح باب للجهمية كي يقولوا: القرآن مخلوق تحت غطاء اللفظ.

-وقد بلغه إنكار الإمام أحمد عليه فأصر، حتى قال:( أيش نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا: مخلوق؛ قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق؛ قال بدعة). 

فما كان من الإمام أحمد بعد أن علم حاله وقرائن أمره إلا أن بدعه وحذر الناس منه، 

قال أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (وأول من قال باللفظ، وقال: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة: حسين الكرابيسي. فبدعه أحمد بن حنبل، ووافقه على تبديعه علماء الأمصار....) 

فقصة الكرابيسي تصلح مثالا على تبديع السلف لبعض المعيَنين، لكنها لا تصلح دليلا على أن الشروط غير معتبرة في كل تبديع، وإنما غاية ما تدل عليه أن الإمام أحمد بدع من اجتمعت فيه قرائن احتفت به بعينه، وهذا هو معنى قضية العين التي ذكرها ابن تيمية والتي يثبت حكمها في نظيرها فقط. 


ومما يدل على أن الإمام أحمد يعتبر الأحوال، قال عبدالله بن أحمد:  سئل أبي - وأنا أسمع - عن اللفظية والواقفة؛ فقال: من كان منهم يحسن الكلام؛ فهو جهمي.

فتدل الرواية على أن الإمام أحمد لم يجعل مجرد الانتساب إلى اللفظية أو الوقف وصفا كافيا في الحكم، وإنما علق الحكم على وصف إضافي، وهو كونه يحسن الكلام.. 


وكذلك الحال في يعقوب، فقد نقل الخلال عن المروذي قال: «سألت أبا عبد الله عن يعقوب بن شيبة، فقلت: إنه أظهر الوقف، فقال: هذا مبتدع صاحب هوى، يريد أن ينفق مذهبه» 

فلاحظ هنا كيف علل الإمام أحمد الحكم بقرينة حالية وإرادة فاسدة. 


وإذا استقرينا جميع الوقائع لتبين لنا بوضوح أن التبديع العيني يتنزل بناء على القرائن والأحوال، إلا أن منه ما يتنزل مباشرة على المعين ومنه ما لا يتنزل إلا بعد إقامة الحجة بحسب حال الشخص 


وخلاصة المسألة: أن السلف والأئمة يفرقون بين صنفين من الرجال في الجملة: 

١-رجل ينطلق من أصل تعظيم النصوص الشرعية في جمبع ابواب الدين، والاعتصام بالأثر، وقبول انقياد الحق، لكنه وقع له خطأ وافق فيه أهل البدع، أو تأويل في فرع أو باب، أو عرضت له شبهة لم يستطع دفعها؛ فهذا لا يبدع مباشرة بمجرد وقوع الخطأ، وإنما لابد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع 

ولذا لم يبدع الأئمة كل من خرج على الحجاج، ولا بدعوا ابن خزيمة ولا القاضي شريحا إلى آخره 

٢-رجل ينطلق من أصول أهل البدع ومناهجهم المخالفة للمأثور مع علمه بأنه لا يعتصم بالأثر، فهذا هو المبتدع حقيقة؛ لتنكره للأصل وهدمه للسبيل. 

وقد بيت ذلك مفصلا في رسالتي تبصير الخلف بضابط الأصول التي من خالفها خرج عن منهج السلف، وفي عدة مقالات.... 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الخميس، 22 أكتوبر 2026

اعترض الشيخ #عبد_العزيز_الريس على ما كتبْته حول اشتراط #إقامة_الحجة_في_تبديع_المعين باعتراضات أقل ما يقال فيها إنها تفتقر إلى التحرير العلمي الدقيق، وفيما يأتي توضيح لذلك:


اعترض الشيخ #عبد_العزيز_الريس على ما كتبْته حول اشتراط #إقامة_الحجة_في_تبديع_المعين باعتراضات أقل ما يقال فيها إنها تفتقر إلى التحرير العلمي الدقيق، وفيما يأتي توضيح لذلك:

الاعتراض الأول: يقول:(السلف مجمعون على عدم اشتراط العلم في التبديع) ومستنده في ذلك قول الرازيين:(ومن وقف في القرآن جهلا بُدع وعُلم ولم يُكفر)

وجوابه: أن قول #الرازيين (ومن #وقف_في_القرآن جهلا #بُدِّع_وعُلِّم ولم يُكفَّر) لا يدل على نفي اشتراط العلم في التبديع، وبيان ذلك من أربعة أوجه:

الأول: الاحتمال في لفظ "جهلا" فهو يحتمل من لا يعقل، والمقلد، والمنظر الذي يجهل حقيقة بدعته، ولابد من نصوص مفسرة لحال الواقف، ولا يصح تعميم الحكم على جميع صور الجهل من غير دليل.

الثاني: الواو لمطلق الجمع، فقولهما «بُدِّع وعُلِّم» لا يفيد أن التبديع سابق للتعليم، فلا يثبت أن الحكم وقع قبل العلم، وهو يرد دعوى أن النص يثبت وقوع التبديع قبل التعليم.

الثالث: نصوص الأئمة الآخرين المفسرة في المسألة تمنع من تعميم الحكم على كل جاهل، فقد قال البغوي: (ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم). وسئل أحمد عمن وقف فقال: (من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم). فلو حمل كلام الرازيين على كل جاهل لعارض هذه النصوص، والواجب رد مجمل كلام السلف إلى مفسره.

فما المراد بالجاهل إذن الذي يبدع؟

الأظهر أن المراد به من يتبنى منهجا كلاميا استدلاليا مخالفا لمنهج السلف، مع جهله بحقيقة مخالفته لمذهب السلف أو بما تؤول إليه مقالته.
وعلى هذا يمكن فهم قول الرازيين على النحو الآتي:
«بُدِّع»: أي حكم عليه بالبدعة؛ لتبنيه منهجا كلاميا استدلاليا استدلاليًّا مخالفا لمنهج السلف.

«وعُلِّم»: أي بُيِّن له وجه المخالفة، وعُلم ما يزيل جهله بحقيقة مذهب السلف .

«ولم يُكفَّر»: أي لم يُحكم بكفره المعين، دفعا لما قد يتوهم من أن إلحاقه بالجهمية يستلزم تكفيره؛ لاحتمال انتفاء شرط من شروط التكفير أو وجود مانع من موانعه.

والأظهر أن المراد بجهمي هنا عند الإمام أحمد هو التبديع المغلظ لا الكفر العيني، بقرينة أن أحمد نفسه فرق بين المخاصم والمقلد، وأن الرازيين نفيا التكفير عن الواقف بعد التبديع.

وأما قول الإمام أحمد (من وقف فهو كافر) فحكم على النوع لا على كل معين.

الاعتراض الثاني: يقول:(إذا لم تقم الحجة عليه إذا قيل لا يبدع إذن متى يبدع)

وهو الاعتراض نفسه الذي كان يكرره من يرد عليهم الشيخ الريس نفسه ممن يسميهم بالحدادية

وجوابه: أن القول بأن اشتراط إقامة الحجة في تبديع المعيَّن يستلزم تعطيل التبديع مطلقا، بحيث لا يُبدَّع أحد،
مغالطة في تصوير المسألة؛ لأن اشتراط الحجة لا يعطل الحكم، وإنما يضبط تنزيله على الأعيان، ويميز بين الحالات التي استكملت موجبات الحكم والحالات التي لم تستكملها
وينشأ هذا الاعتراض، في جانب من عدم تحرير المراد بالحجة المشترطة في حق من كان يعتقد أنه يستمد قوله من النص الشرعي، أو يظن أنه ملتزم بمصدر التلقي الذي يحتج به أهل السنة.

والمراد بالحجة ما تزول به الشبهة ويتمكن به المكلف من العلم بحقيقة مخالفته، وليس المراد بقيامها اقتناع الشخص وإذعانه للحق بعد ما تبين.
وقدرها يختلف باختلاف حال المعين، فثمة فرق بين شخص عرف المقالة التي يتبناها وعرف وجه مخالفتها لما جاء به الشرع، ثم دافع عنها أو شخص ينطلق ابتداء من أصول عقلية فاسدة، وبين شخص يعتقد أنه يتبع النص الشرعي وينطلق منه، لكنه وقع في مخالفة كلية أو جزئية بسبب جهل بحقيقة المخالفة أو تأويل أو شبهة لم تتضح له حقيقتها.

والمستثنى بهذا الشرط هو المقلد الجاهل الذي يعتقد أنه متبع للنص، وهو صنف محدود، فلا يلزم منه تعطيل التبديع في حق رؤوس المبتدعة وأهل المقالات المستقرة العارفين بأصولها المصرين عليها بعد البيان.

ويكفي في إبطال هذا الاعتراض: قلبه عليه في التكفير؛ فلو قال مخالف الشيخ الريس: اشتراط الحجة في التكفير يلزم منه تعطيل التكفير مطلقا فلا يكفر أحد لكان رد الريس عليهم في التكفير هو عين جوابنا عليه في التبديع.

الاعتراض الثالث:يقول:( كل علمائنا فيما أعلم يقولون عن عوام الشيعة إنهم مبتدعة مع أنهم عوام...فبدعوهم مع الجهل)

وجوابه: أن دعوى اشتراط إقامة الحجة في التبديع منقوضة بتبديع العلماء لعوام الشيعة والرافضة هي من أغرب الاعتراضات وأهزلها؛ لأنها قائمة على افتراض أن الفرق متساوية في بعدها عن مصادر تلقي أهل السنة والجماعة، وفي طبيعة الأصول التي تقوم عليها مقالاتها، وهذا افتراض باطل
فالفرق المخالفة ليست على درجة واحدة في بعدها عن النصوص الشرعية ومصادر الاستدلال المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، كما أنها ليست متساوية في طبيعة الشبهات التي قد يتشبث بها أتباعها، ولا في مدى اعتقاد هؤلاء الأتباع أنهم ينتسبون إلى الدليل الشرعي
وبالتالي فإن النظر في حكم العامي المنتسب إلى فرقة معينة لا ينفصل عن النظر في حقيقة أصول تلك الفرقة، وطبيعة المقالات التي تنتسب إليها، ومدى تعلقها بشبهة دليل شرعي في نظر المنتسب إليها.
فإذا كانت الفرقة قائمة على أصول مباينة لمصادر التلقي الشرعية عند أهل السنة، ولا تتأسس مقالاتها محل البحث على شبهة دليل شرعي يتوهم العامي أنه ينطلق منها، فهنا يختلف حكم المنتسب إليها عن حكم المنتسب إلى فرقة تتعلق بعض مقالاتها بتأويل نصوص شرعية أو بشبهة استدلالية يظن معها المقلد أنه متبع للدليل.

ومن المعلوم أن مذهب الرافضة لم يقم أصلا على الاعتداد بالسنة والمأثور كمصدر للتلقي، ولا استأنس علماؤها بنصوص السنة حتى يخيل للأتباع أنهم ينطلقون منها، فانتساب العامي إليهم هو انتساب لفرقة تبنت أصولا مباينة لللشريعة بالكلية وليس فيها ما يتعلق بشبهة دليل، فيكون حكم عوامها من جهة التبديع العيني حكم الطائفة التي ينتمي إليها، وكذا القول في المنتسب إلى فرقة الجهمية المحضة وغلاة الصوفية
بخلاف غيرها من الفرق التي قد تتعلق بشبهة دليل فيظن المقلد غير المطلع على تفاصيل الفرقة أنه يبني قوله في المخالفة على نص الشرعي. ويظن أنه ينطلق منه لا من أصول أجنبية، فعوام هذا النوع من الفرق لا يأخذ حكم الطائفة بإطلاق، وإنما فيه تفصيل

الاعتراض الرابع: قوله عن قول الإمام أحمد من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". :(كلام أحمد ليس على التبديع كلام أحمد على التجهم، والتجهم أخص من التبديع....الغالب في،كلامهم أنه بمعنى الكفر ما لم تدل قرينة على خلاف ذلك)

وجوابه: أن هذا الاعتراض مبني على ظن أن اسم الجهمي يساوي التكفير، فيكون نفيه عن المعين إثباتا للإسلام لا للسنية.
والذي يظهر أن إطلاق السلف اسم الجهمي على مراتب، فيراد به تارة التبديع المغلظ ونسبة الشخص إلى أصل مقالة التعطيل، ويراد به تارة الكفر بقرينة، وقد يخرج مخرج التغليظ والمبالغ في التحذير

والإمام أحمد أثبت اسم الجهمي للمتكلم المخاصم لقيام الحجة عليه بمخاصمته ومعرفته، ونفاه عن الجاهل المقلد مراعاة لمانع الجهل؛ مما يدل على أن العوارض والأهلية وموانع الحكم معتبرة في إطلاق الأسماء والأوصاف المشتقة على الأعيان.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 19 أكتوبر 2026

نقد منهج الشيخ عبد العزيز الريس في تبديع المعين

 نقد منهج الشيخ عبد العزيز الريس في تبديع المعين 

بقلم د. أحمد محمد الصادق النجار

تصدى الشيخ عبد العزيز الريس للرد على الغلاة في باب التبديع ممن يسمونهم بالحدادية؛ لتبديعهم علماء من أمثال النووي وابن حجر وغيرهما من شراح الحديث والمفسرين والفقهاء. 


إلا أنه أخطأ في تحرير محل الخلاف معهم، فجعل إشكالية الحدادية في كونهم يبدعون بمطلق الجزئيات، 

مع أنه يعلم أن تبديعهم الجائر للنووي وابن حجر لم يكن لأجل جزئيات

ولم أقف فيما اطلعت عليه من كلام كثير منهم على أنهم يبدعون بمطلق الجزئيات، كما زعم الشيخ الريس. 


وبناء على تقرير الشيخ الريس أن مدار تبديع المعين هو المخالفة في كلي أو جزئي مشتهر 

يصبح تبديع الخليفي وحزبه لهؤلاء الأعلام مستقيما؛ لكون المخالفة عندهم كانت في أصل كلي، كتأويل الصفات الفعلية... 


وهذا يجعلني أسأل الشبخ الريس ما الفرق إذن بينك وبين الحدادية في تبديع المعين؟ 


فإن قيل: الفرق أن الشيخ الريس يخالفهم في إظهار التبديع لانتفاء المصلحة الراجحة، وفي هجر كتبهم ونحو ذلك

قلنا: هذا يجعل مخالفته لهم منحصرة في أمر ظني يحتمله الاجتهاد، وهو تقدير المصالح والمفاسد، لا في أصل منهجي منكر يستوجب تخصيصهم بلقب مستقل ولا يستدعي كل هذا الإنكار عليهم. 


والحقيقة أن المشكلة مع الشبخ الريس ومعهم في أصل تبديع المعين لا في آثاره. 


أين تكمن الإشكالية؟ 


تكمن ألإشكالية في جعل الشيخ الريس مدار التفريق بين من يبدع عينه ومن لا يبدع هو في نوع المخالفة ودرجة شهرتها، بينما قاعدة أهل السنة الصحيحة أن مدار التفريق الحقيقي هو تحقق شرط إقامة الحجة وانتفاء الموانع المعتبرة في حق المعين الذي ثبت له أصل السنة ولو في ظنه هو، سواء كانت المخالفة كلية أو جزئية. 


وهذا يعني أن الإشكال في انتقالهم من تصنيف المخالفة من حيث كونها كلية أو جزئية، ومشهورة أو غير مشهورة إلى تنزيل الحكم على الشخص المعين دون مراعاة ثبوت أصل السنة في الاحتحاج للمعين، وتوفر الشروط وانتفاء الموانع بحقه. 


وهنا يرد عليهم إشكال: لماذا يعذر المخطئ في الجزئي غير المشهور، ولا يعذر في جزئي مشتهر أو في كلي، مع أن الخطأ في الكلي أو في الجزئي المشتهر قد يكون ناشئا من الجهل بحكم المخالفة نفسها، كما هو الحال فيمن يجهل حكم جزئية معينة غير مشتهرة؟ 

يعني أن القول بأن فلانا خالف في أصل كلي أو مسألة مشتهرة فصار مبتدعا بمجرد المخالفة يلغي اعتبار الشريعة لجهل المعين إذا كان ثابتا على أصل السنة إجمالا.

والاشتهار لا يكون ضابطا في الحكم على المعين؛ لأنه نسبي، ولأن الشهرة ترفع خفاء الدليل من حيث الأصل، لكنها لا تلغي إمكانية وجود المانع لدى الشخص. 


وقد ظهر أثر هذا الإشكال عند الشيخ الريس،عمليا حين طُبِّق تأصيله على مواقف السلف، فتخبط في ضابط اشتهار الخلاف بين أهل السنة وأهل البدعة. 


وذلك أنه لما جعل ضابط تبديع المعين هو المخالفة في كلي أو في جزئي مشتهر، واجه إشكال عدم تبديع السلف للقاضي شريح وابن خزيمة، مع وقوع كل منهما في خطأ عقدي. 

وللخروج من هذا الإشكال عد إنكار القاضي شريح لصفة العجب — وهو تأويل لصفة فعلية — وإنكار ابن خزيمة إرجاعَ الضمير في حديث الصورة إلى آدم — وهو كذلك من باب التأويل الدلالي لنص — من المسائل الجزئية غير المشتهرة. 


وهذا لا يسلم له؛ لأن إنكار صفة العجب، كما فعل القاضي شريح، هو في حقيقته تعطيل لصفة فعلية كصفتي النزول والاستواء تماما 


وأما تأويل ابن خزيمة فيكفي لاشتهار مخالفته مذهب السلف أن الإمام أحمد قتل عنه هذا تأويل الجهمية، وجهَّم من أرجع الضمير في الحديث لآدم، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمة أنه لم يكن بين السلف نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، وأنه ظهر تاويل الحديث على أيدي الجهمية.

وقال إسحاق بن راهويه:(لا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي).

فرجع عدم تبديع الأئمة لهما عينا ليس لعدم اشتهار المخالفة، وإنما لوجود مانع شرعي منع من التبديع. 


ثم يأتي الشيخ الريس ويقول هي جزئية غير مشتهرة!!! 


ولتدرك الصلة الوثيقة بين تقرير الشيخ الريس وتقرير عبد الله الخليفي وأتباعه أنهما ينطلقان من نفس الاحتحاج، فكلاهما ينطلق من إطلاقات السلف وتبديعهم لبعض المعينين ظنا منهم أنه حكم يشمل كل معين، وقد بينت في ردودي على الخليفي وأمثاله أن عبارات السلف غالبها محمول على الحكم على المقالة أو النوع أو أفراد غير معينين، أو صادرة في حق من قامت عليه الحجة عندهم، وليست قاعدة مطردة على كل آحاد المعينين دون استقراء حاله. 

كما في هذا الرابط وغيره 

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post.html


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار






السبت، 17 أكتوبر 2026

اعترض بعض الأشاعرة في صفحاتهم على إثباتنا للوجه واليدين لله ك بأنها وردت في النصوص إضافات خبرية، وكونها إضافات لا تفيد أنها صفات!!!

 اعترض بعض الأشاعرة في صفحاتهم على إثباتنا للوجه واليدين لله ك

بأنها وردت في النصوص إضافات خبرية، وكونها إضافات لا تفيد أنها صفات!!! 


والرد على هذا الاعتراض:

أولا: الصحابة رضي الله عنهم آمنوا بنصوص الصفات على ظاهرها الحقيقي اللائق بالله، ولم يكن لديهم مجازات المعطلة ولا تجسيم المشبهة، ولم ينطلقوا من أن هذه الصفات وضعت في لغة العرب على العضو الحسي، فهذا لم يخطر في بالهم أصلا ولا اقتضتها عندهم الحقيقة اللغوية

ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنه: خلق الله أربعة أشياء بيده

فخص هذه الأشياء دون غيرها بخلقها بيدي الله سبحانه. ولو كانت اليد بمعنى القدرة لما كان لآدم والقلم والعرش وجنة عدن خصوصية، فكل المخلوقات بقدرته 


ثانيا: لما ظهرت بدع الجهمية والمعتزلة بإنكار الحقائق اللغوية للنصوص اضطر السلف والأئمة كأحمد بن حنبل والبخاري، وابن خزيمة والدارمي وغيرهم إلى التصريح بالإثبات ودفع التأويل لحماية فهم الصحابة الأصيل، ولم يخترعوا عقيدة جديدة بخوضهم في التفاصيل التي لم يتكلم يها الصحابة؛ لعدم حاجة الصحابة في وقتهم إلى الخوض فيها

فالإثبات هو الاستمرار على أصل فهم الصحابة، والتأويل أو النفي هو الطارئ. 


ثالثا: قول بعض المعطلة: أين في لغة العرب أن اليد والوجه والعين صفات؟

جوابه: العرب لم تضع معجما تقول فيه: هذه كلمة صفة وهذه كلمة ذات، 

​وإنما الأمر في لسان العرب أنه إذا أُضيف ما لا ينفصل عن الذات إليها كاليد والوجه والعين إضافة اختصاص، دل ذلك على نعوت ذاتية قائمة بالموصوف، كما أن الحياة والعلم نعوت ذاتية وإن لم تسمها العرب باسم الصفات كاصطلاح. 


رابعا: قول بعض المعطلة في معيارية كون اللفظ صفة أن نقول القدرة صفة للقادر، فأين في لغة العرب أن اليد صفة لليد والعين صفة للعائن

وجوابه: هذه مغالطة قياسية قائمة على توهم أن كل صفة يلزم منها اشتقاق اسم فاعل للموصوف، ومن المعلوم لغة أن انتفاء الاشتقاق الصرفي لاسم الفاعل لا ينفي كون المضاف صفة ونعتا ذاتيا، فمن الصفات ما يشتق منه اسم فاعل ومن الصفات ما لا يشتق منه اسم فاعل. 


خامسا: قولهم إن نصوص إثبات اليد والوجه وردت في سياق خبري إضافي وليس في سياق كونها وصفا

وجوابه: التفريق بين السياق الخبري والسياق الوصفي لإبطال كون اللفظ صفة: باطل إجماعا

فقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ورد في سياق خبري عن حادثة تاريخية، ومع ذلك هي من آيات الصفات إجماعا، فقد أثبتوا بها كون الكلام صفة. 


سادسا: قاعدة أهل السنة والجماعة أهل الحديث في الإضافات

أن الإضافات على نوعين:

​الأول: إضافة الأعيان المنفصلة القائمة بنفسها أو ما يقوم بالعين كالروح إلى الله، فهذه إضافة خلق وتكريم مثل: ناقة الله، بيت الله، روح الله .

​الثاني: إضافة الصفات والأوصاف التي لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بالموصوف، فهذه إضافة صفة إلى موصوفها مثل: علم الله، كلام الله، يد الله، وجه الله. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الجمعة، 16 أكتوبر 2026

سأل سائل معترضا: ما المعنى الحقيقي المحدد الذي يبقى لليد بعد تجريدها من العضوية والجسمية المحدثة؟ وما الدليل من لسان العرب على أن هذا المعنى هو أصل الوضع، وليس معنى مجازيا أو استعمالا خاصا؟

 للمتخصصين

سأل سائل معترضا:
ما المعنى الحقيقي المحدد الذي يبقى لليد بعد تجريدها من العضوية والجسمية المحدثة؟ وما الدليل من لسان العرب على أن هذا المعنى هو أصل الوضع، وليس معنى مجازيا أو استعمالا خاصا؟

وكما تلاحظ أن هذا الاعتراض ينطلق من مصادرة منهجية خاطئة مؤداها: أن حقيقة الألفاظ الذاتية الخبرية كاليد أو الوجه وضعت ابتداء للجسمية المخلوقة والأعضاء المحدثة, فمتى جردت من خصائص المخلوق خلت من المعنى!

وهذا لعمر الله خلط بين حقيقة المفهوم اللغوي الكلي وبين عوارض المحل المخلوق الذي وجدت فيه تلك الصفة

ولتفكيك هذه الشبهة لابد أن تعلم أن الألفاظ لم توضع لمعان مجردة في الأذهان قبل الاستعمال, وإنما الوضع يؤخذ من الاستعمال المتكرر الذي استقر عليه عرف أهل اللسان, فالعربي استعمل الألفاظ مطلقة ومقيدة ومضافة, ودلالتها على القدر المشترك الكلي دلالة أصيلة في صلب الاستعمال.
فليس هناك وضع مجرد للفظ, ولا وضع أول, وإنما هناك استعمالات, فحينما يستعمل العربي اللفظ في أفراد ومحال متعددة, فإن الذهن العربي ينتزع من مجموع هذه الاستعمالات معنى كليا  مجردا عن القيود والخصائص الفردية, تارة نسميه بالمسمىى الكلي الذهني, وتارة بالمفهوم الكلي, وتارة نسميه بالقدر المشترك وتارة نعبر عنه بأصل الوضع تجوزا

فالمعنى الذي فهمه السامع واستقرت عليه اللغة هو المفهوم الكلي المشترك .

بناء على هذه المقدمة نعود للجواب عن سؤال: ما المعنى الحقيقي المحدد الذي يبقى للوجه واليد بعد تجريدهما من العضوية المخلوقة والجسمية المحدثة؟

في صفة الوجه
لفظ الوجه لم يوضع له ابتداء معنى مجردا, بحيث إن العربي تصورا للوجه معنى قبل أن يستعمله, هذا لا يوجد في لغة العرب, وإنما العربي استعمل لفظ الوجه في أفراد ومحال متعددة, فتجده يقول: وجه الثوب ووجه الإنسان ووجه النهار ونحو ذلك, وهنا يأتي الذهن العربي لينتزع معنى كليا ذهنيا مجردا تشترك فيه جميع الأفراد, فيتصور معنى الوجه بصفته مفهوما كليا متواطئا مجردا عن كل القيود والخصائص, أما في الوجود العيني الخارجي فلا يوجد وجه مطلق, وإنما يتعين في الخارج بحسب ما يضاف إليه.

والقدر المشترك للوجه الذي يشترك فيه جميع الأفراد: ما تقع به المواجهة, أيا كانت صورته في الموصوف.
فوجه الإنسان: ما تقع به المواجهة الحسية, ووجه الثوب ما يواجه منه عند لبسه, ووجه النهار ما يواجه من الزمان.

فأثبتنا بذلك معنى كليا مجردا في الذهن عن العضوية المحدثة، وهذا المعنى إذا أُضيف إلى الله تعين بالإضافة على ما يليق به سبحانه، وبقيت خصائصه مناسبة لذاته سبحانه
وهذا الجامع الذي استخرجناه من شواهد اللغة أكده القرآن والسنة وصدقاه, فقد دل النص على ان الوجه المضاف إلى الله يوصف بالجلال والإكرام وأنه ينظر إليه يوم القيامة وأن له سبحات.. إلى آخر ما دل عليه النص الشرعي

[ما أروع مذهب أهل الحديث وما أسهل تصوره]

وفي صفة اليد

القدر المشترك لليد الذي يشترك فيه جميع الأفراد: ما يحصل به القبض والبسط والإمساك والتصرف, أيا كانت صورته في الموصوف.

وهذا الجامع الذي استخرجناه من شواهد اللغة أكده القرآن والسنة وصدقاه, فقد دل النص على ان اليد المضافة إلى الله يحصل بها:
- القبض والبسط والإنفاق: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾.
- الخلق، مع تخصيص آدم بقوله: ﴿خلقت بيدي﴾.
- الطي والإمساك والكتابة, إلى غير ذلك مما ورد به النص الشرعي

ننتقل بعد ذلك إلى جواب السؤال الثاني وهو ما الدليل من لسان العرب على أن هذا المعنى هو أصل الوضع، وليس معنى مجازيا أو استعمالا خاصا؟

الدليل من لسان العرب، هو: استقراء استعمالات العرب واستصحاب أصل التواطؤ, فإذا تتبعت لسان العرب وجدت العرب يطلقون اليد مثلا على الجمادات والظواهر والأدوات، فيقولون : يد القوس ويد السيف ويد الدلو، ويراد به محل الإمساك، ويد الإنسان ما يحصل به القبض والبسط، ويد الريح، أي ما يحصل به تصرفها فيما تهب عليه.
وكلها تجتمع في قدر مشترك حقيقي هو ما يحصل به القبض والإمساك والتصرف، ويدل على أنه جامع أنه يدور مع مادة لفظ اليد اشتقاقا واستعمالا, فطرده وانعكاسه في الاستعمال يدل على أنه جامع.

والاشتراك المعنوي أرجح من الاشتراك اللفظي ومن المجاز على القول به، لأنه لا يستلزم تعدد الوضع ولا قرينة صارفة، فيترجح أن اللفظ موضوع لهذا القدر في الذهن؛ لأنه إذا بطل الاشتراك اللفظي والمجاز تعين البقاء على الأصل وهو الاشتراك المعنوي

أما ادعاء المتكلمين اختصاص اللفظ ببعض أفراده المحدثة فهو تحكم لا دليل عليه, ولهذا لما ادعى بعضهم أن الذوق خاص بالفم, رده الخليل بن أحمد وبين أن الذوق  يراد به: وجود طعم الشيء والإحساس به حقيقة, لا أن أصل اللفظ مقصور على الفم..

وبهذا يتبين أن تخصيص الوجه واليد بالعضو المحدث عند السامع إنما نشأ من الإضافة والغلبة، والغلبة الاستعمالية طارئة لا تنفي أصل الاشتراك المعنوي الكلي.

فدعوى أن يد الإنسان هي أصل الوضع، وأن يد القوس مجاز: تحتاج إلى دليل تاريخي ولغوي يعين السبق الزمني لأحدهما، وهو مفقود, فمن يدعي أن اليد وضعت للعضو المحدث ثم نقلت ليد القوس مجازا فهو يدعي التقييد والنقل, وهي دعوى حادثة فإذا عجز عن إثباتها بالدليل التاريخي سقطت دعواه ورجعنا إلى الأصل.

وبهذا التحرير السلفي يتبين أن:
1-تجريد الصفة الذاتية الخبرية عن الخصائص المحدثة هو تجريد للمفهوم اللغوي عن عوارض المحل.
2-القدر المشترك هو حقيقة لغوية أصيلة ثابتة بالتواطؤ ولسان العرب.
3-مذهب أهل الحديث والسلف الصالح هو أصح المذاهب تصورا واستدلالا؛ إذ يثبت الحقائق اللغوية والشرعية للأسماء والصفات بلا تشبيه ولا تعطيل.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

إلزامٌ لمتأخري الأشاعرة لا يمكنهم الفرار منه مهما حاولوا: لماذا يلزم من إثبات اليد العضوية ولا يلزم من إثبات العلم الافتقار؟

 للمتخصصين

إلزامٌ لمتأخري الأشاعرة لا يمكنهم الفرار منه مهما حاولوا: لماذا يلزم من إثبات اليد العضوية ولا يلزم من إثبات العلم الافتقار؟ 


لهم في ذلك مخرجان في الجملة:

الأول: أن اليد والوجه وصفات الأعيان لا تنفك في الشاهد عن لوازم المخلوق، فتكون هذه اللوازم لازمة لكل موصوف بها.

الثاني: أن الوضع اللغوي لصفات المعاني كالعلم وقع ابتداء على معنى كلي مجرد بخلاف اليد وصفات الأعيان فهي وضعت على العضو المادي. 


أما الجواب عن المخرج الأول لهم فهو:

إن اقتران الصفة في الشاهد بلوازم المخلوق وخصائص الحدوث لا يكفي بمجرده لإثبات أن هذه الخصائص داخلة في أصل مدلولها اللغوي، أو لازمة لها في كل موصوف.

يعني كون اليد في المخلوق عضوا ولحما ودما لا يعني أن هذه الخصائص جزء من معناها اللغوي، ولا أنها لازمة لها في حق الله تعالى. 


فالعلم والقدرة والحياة والإرادة في حق المخلوقين لا تنفك في الشاهد عن الافتقار إلى محل مخلوق وأحوال وخصائص محدثة، فعلم الإنسان يقع ضمن أحوال مخلوقة، ويقترن في أحواله المعتادة بأسباب وآلات وحدود، كما تعرض له أحوال الجهل والنسيان؛ ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه الخصائص كلها داخلة في أصل مفهوم العلم 

ومع ذلك يثبت الأشعري هذه الصفات لله تعالى على الحقيقة، ويجردها عن سائر خصائص ولوازم النقص المحدثة والافتقار إلى محل حادث، مقرا بوجوب التمييز بين أصل الصفة وما يقترن بها في المخلوق. 


فإذا كان مجرد اقتران الصفة في الشاهد بخصائص الأجسام المخلوقة لا يقتضي دخول تلك الخصائص في حقيقة معناها اللغوي، لزم من يدعي أن صفات كالوجه واليدين تستلزم العضوية المحدثة والتركيب الجسماني المخلوق في حق الله أن يقيم دليلا مستقلا على هذا اللزوم، ولا يسوغ له الاكتفاء بالاحتجاج بالصورة المشاهدة في المخلوق.


وعليه فإن قالوا: اليد تستلزم الجارحة والعضو المركب.

قيل لهم: والعلم والإرادة يستلزمان الافتقار إلى محل حادث في الشاهد، فالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر 


وأما الجواب عن المخرج الثاني لهم فهو:

فر الأشعري إلى اللغة زاعما أن العلم والقدرة موضوعة في أصل لسان العرب لمعان مجردة، واقترانها بالأدوات عارض، بينما اليد والوجه موضوعة لأعيان وأجزاء وأعضاء مركبة، فحملها على الحقيقة مع نفي العضوية خروج عن موضوع اللفظ 


والجواب عن هذا من وجوه برهانية متظافرة، إلا أني سأذكر منها وجها واحدا على سبيل الاختصار وهو: أن صفات الأعيان كاليد لم توضع في لغة العرب على الذوات التي لا تقبل الاشتراك الكلي، وإنما وضعت على القدر المشترك الكلي الذهني (مطلق المعنى) الذي يصح صدقه على أفراد متعددة، والتخصيص إنما يقع بحسب الإضافة، لا بأصل الوضع، فاللفظ المفرد يدل على مطلق المعنى والماهية، وإنما تتحدد الكيفيات والخصائص المادية بـالإضافة والتقييد لا بمجرد الوضع؛ فالعضوية واللحم والعظم من لوازم المضاف إليه المخلوق لافتقاره وعجزه، وليست من صلب مدلول اللفظ الكلي.


وأما قول الأشعري: إن المتبادر إلى ذهن السامع عند إطلاق لفظ اليد هو الجارحة، والتبادر أمارة الحقيقة في اللغة، فإيهام التشبيه في صفات الأعيان أشد وأظهر منه في صفات المعاني.


فجوابه: أن التبادر الحاصل في ذهن السامع ليس ناشئا عن الوضع اللغوي الأصلي للفظ، وإنما هو تبادر عارض ناشئ عن إلف المشاهدة المحسوسة في الشاهد، وما كان ناشئا عن الإلف والمشاهدة لا يكون شرطا ولا جزءا في أصل وضع اللفظ. 


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

تفكيك دعوى التلازم بين إثبات الوجه واليد وإثبات الأعضاء والجسمية

تفكيك دعوى التلازم بين إثبات الوجه واليد وإثبات الأعضاء والجسمية 

زعم أحد #الأشاعرة في منشور له على الفيس أن الخلاف في إثبات اليد والوجه لله تعالى يرجع إلى كيفية تصور حقيقة الذات الإلهية ولوازم إثبات الصفات لها؛ فإن تصورت ذات متحيزة ذات حجم، لزم أن تكون اليد والوجه أعضاء مركبة منها، وإن تصورت ذات غير متحيزة، أمكن إثباتهما صفتين قائمتين بالذات على وجه التأويل أو التفويض. 

ومكمن الإشكال في هذا الاستدلال أن صاحبه المعطل جعل الصورة المشاهدة في الأعيان المخلوقة قيدا ذاتيا في مدلول اللفظ اللغوي، فظن أن لفظ اليد مثلا لا يدل إلا على عضو لحمي مركب قابل للانفكاك والتجزئة، 

ومعلوم أن هذا انتقال غير مبرهن من أصل المعنى اللغوي إلى كيفية الشاهد المخلوق. 

وبهذا يكون قد جعل تصوره الخاص لمعنى الصفة حاكما على دلالة النصوص، بدلا من أن يعرض تصوره على دلالتها.

قال ابن الزاغوني في الإيضاح: (فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي ولم يعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوا وجارحة ذات كمية وكيفية، فهذا لا يلزم من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه..) 


فمرد الخطأ هنا عند الأشعري المعطل للصفات الذاتية الخبرية هو عدم التفريق بين أصل المعنى الذي يدل عليه اللفظ، وبين حقيقة الصفة في الخارج وكيفيتها؛ فإن الاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم التماثل في الحقيقة والكيفية، كما أن ثبوت معنى في حق المخلوق مقترنا بخصائص مخلوقة لا يقتضي أن تكون تلك الخصائص لازمة له في حق الخالق سبحانه. 


والغريب أن الأشعري نفسه يثبت لله تعالى الذات والعلم والحياة والسمع والبصر، من غير أن يجعل مجرد اقتران هذه المعاني في المخلوق بخصائص الأجسام المخلوقة دليلا على امتناع ثبوتها لله، ثم يخص اليد والوجه بهذا الاعتراض، مع أن محل النزاع هو ثبوت الصفة وما يزعم أنه لازم لها، لا مجرد اقترانها في الشاهد بخصائص المخلوقين.  


وبهذا يظهر أن نفي الصفات الثابتة بالنصوص لمجرد توهم لزوم خصائص المخلوق لها هو تعطيل لها، وإن أثبت النافي غيرها من الصفات؛ إذ لا يكفي في التفريق بين الصفات إثبات بعضها ونفي بعضها الآخر، بل لا بد من دليل يبين وجه التفريق. 


وأما زعم بعضهم أن مذهب أهل الحديث والسلف هو إثبات صفات أعيان تتألف منها الذات الإلهية، وأن المعطل عندهم هو من ينفي هذا التأليف، فلم يقل أحد من السلف إن الذات مركبة من أعيان مؤلفة، وإنما نصوصهم صريحة في نفي الحد والكيف والتشبيه، وتصوير مذهبهم بالمصطلحات الفلسفية الكلامية كالتركيب والتأليف جناية على مقالتهم وإلزام لهم بما تبرؤوا منه صراحة. 


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار