حد العبادة بين أهل السنة ومخالفيهم
النزاع بين أهل السنة وبين الأشاعرة والمتصوفة ليس في كون الشرك حرامًا وكفرًا، ولا في عدم جواز صرف العبادة لغير الله، فهذا متفق عليه، وإنما النزاع في حد العبادة الذي يتميز به الفعل المشروع من الفعل الشركي.
فأهل السنة يقررون أن حقيقة العبادة هي غاية الخضوع والتذلل مع كمال المحبة، وأن صرف هذه الحقيقة لغير الله شرك، سواء صرّح الفاعل باعتقاد ربوبية المعبود أو لم يصرح بذلك.
أما المخالفون فيجعلون التصريح الباطن باعتقاد الألوهية أو الربوبية شرطًا لازمًا للحكم على الفعل بأنه عبادة، فلا يكفي عندهم وقوع الفعل ولا ما يصاحبه من قرائن ظاهرة تدل على التأله، حتى يُستفصل عن عقيدة الفاعل النظرية.
ولذلك فالمخالف إذا رأى رجلًا يسجد لميت فإنه لا يستطيع أن يحكم على الفعل بأنه عبادة أو شرك حتى يستفصل عن الاعتقاد الباطن للفاعل؛ لأن مناط العبادة ليس الفعل وما دل عليه من الخضوع والتأله، وإنما اعتقاد الربوبية الذي يزعم اقترانه بالفعل...!!!
ومن أشهر إشكالاتهم: لو كانت العبادة تتحقق بمجرد الفعل الظاهر دون اعتبار التصريح بالاعتقاد، للزم أن يكون الله قد أمر الملائكة بالشرك حين أمرهم بالسجود لآدم.
والجواب:
أهل السنة لا يقولون إن مجرد صورة السجود عبادة بإطلاق، وإنما يقولون إن العبادة هي خضوع القلب وتألهه وتوجهه وذله مع كمال المحبة، وأن الشارع جعل الأفعال الظاهرة دالة عليه ولازمة له
وتخصيص هذه الأفعال بكونها لا تصلح إلا لله استُفيد ابتداءً من النص الشرعي نفسه؛ فالقرآن والسنة نهيا عن السجود لغير الله، وعن الذبح والنذر لغير الله، وعن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو
فهناك عبادات محضة دالة بذاتها على غاية الخضوع والمحبة، كالصلاة والحج والصيام، وهي ثابتة صورة ومعنى معًا في كل شريعة،
وهناك هيئات شرعية لاتدل بذاتها، كالسجود؛ إذ إن صورته الخارجية: مجرد الانحناء أو وضع الجبهة على الأرض وهي قابلة للإذن بها أو نسخها بين الشرائع بحسب ما يأذن به الشارع، وأما معناها التعبدي بأن يفعل على وجه غاية الخضوع للمسجود له
فهذا لا يُنسخ أبدًا في أي شريعة، ولا يجوز صرفه لغير الله بحال.
فالسجود عبادة محضة من جهة معناه إذا قُصد به غاية الخضوع والمحبة، وهيئة قابلة للنسخ من جهة صورته إذا لم يُقصد به ذلك.
ولهذا لم يكن سجود الملائكة لآدم عبادة لآدم، لأن قلوبهم لم تتوجه إليه بالتأله والخضوع، ولم يأمر الله الملائكة بخضوع قلوبهم لآدم، وإنما كانوا عابدين لله بذلك السجود؛ لأنه وقع امتثالًا لأمره سبحانه.،والخضوع إنما كان لله لا لآدم
وهذا نظير استقبال الكعبة في الصلاة؛ فالمصلي يتوجه ببدنه إلى الكعبة، لكنه لا يعبد الكعبة، وإنما يعبد الله الذي أمره بهذا التوجه.
قال ابن تيمية:(أما الخضوع والقنوات بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله وحده، وهو في غيره ممتنع باطل، وأما السجود فشريعة من الشرائع، إذ أمرنا الله أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله) مجموع الفتاوى (٤/٣٦٠)
فإن قيل: إذا كانت حقيقة العبادة غاية الخضوع والمحبة، فماهو الحد الفاصل بين ما يكون غاية وما لا يكون غاية؟
قيل: العلماء لم يتركوا غاية الخضوع مجردة عن الضبط، بل ردّوها إلى معايير موضوعية تخرجها عن كونها مجرد شعور نفسي يصعب قياسه. والضبط يكون من جهات:
أولا: ربط الغاية بالأفعال التي خصّها الشارع بالعبادة
فالشارع نفسه ضبط هذا الإجمال بأن جعل أفعالًا معينة لا تصلح إلا لله، فإذا وُجدت كانت دليلًا على بلوغ الغاية، ولو لم نطّلع على القلب، كالسجود تعظيمًا، والذبح تقربًا، والنذر
فهذه الأفعال بذاتها في عرف الشريعة علامة على بلوغ الغاية، فصار الإجمال في المفهوم النظري مردودًا إلى تفصيل في الأفعال العملية.
ثانيا: ربط الغاية بالاحوال المصاحبة للفعل.
ثالثا: ربط الغاية بـمتعلَّق الخضوع لا بـشدته وكماله، فإذا كان الخضوع مصحوبًا بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا بذاته دليل على أن الخضوع بلغ الغاية، أي تجاوز حد ما يُعطى للمخلوق عادة.
فالسني يكتفي بظهور القرينة الفعلية كوقوع السجود للحكم على الفعل بأنه عبادة، دون توقف الحكم على استفصال الفاعل عن عقيدته هل يعتقد فيه الربوبية أو لا؟
والمخالف يعلّق الحكم على التصريح الباطن ذاته، فلا يكفيه ظهور القرينة، بل يشترط أن يصرح الفاعل أنه يعتقد في المعبود خصائص الربوبية، وإلا توقف عن الحكم.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار