الاعتصامات
أين محل المنهج السلفي مما يحصل في ليبيا اليوم؟
في ظل التصاعد المستمر للاحتجاجات المعيشية في ليبيا، والتنديد الشديد بظواهر الفساد الإداري وتفاوت المرتبات بين الموظفين، تتكرر تهمة جاهزة تلقى على المنهج السلفي: أنه منهج يدعو إلى السكوت المطلق عن الظلم، ويوجب طاعة السلطة على كل حال، ويوفر غطاء تشريعيا للاستبداد.
إن هذا التصور السائد لا يعبر عن حقيقة التأصيل الفقهي للمنهج السلفي، وإنما هو نتاج خلط بين ثلاثة محاور متمايزة: حكم طاعة ولي الأمر، ووجوب إنكار المنكر، والميزان الشرعي لوسائل الإنكار والتغيير.
أولا: ما حدود طاعة الحاكم في المنهج السلفي؟
ليست الطاعة في المنهج السلفي مطلقة بغير قيد، وإنما هي طاعة مقيدة بحدود الشرع، وتابعة لتحقيق مقصود الولاية.
ولهذا يفرق المنهج السلفي بين الحاكم العدل الذي يطاع في المعروف ابتداء، وبين الحاكم الذي عرف بالظلم، فهذا الأخير لا تكون أوامره محل امتثال تلقائي حتى تختبر بميزان الشرع ويعلم خلوها من المعصية.
وعليه، فإن مناط الطاعة التفصيلية ليس مجرد وحود السلطة وثبوت أصل الولاية، وإنما مناطها تحقيق المصلحة الشرعية الراجحة، فإذا اقترن الأمر بما يفوت المصالح الراجحة انتفى موجب الطاعة التفصيلية؛ لأن أوامره محكومة بميزان الشريعة.
فإن قيل: هذا التأصيل النظري غالبا ما يتعطل في الممارسة العملية؛ حيث يطالب بعض الأفراد المنتسبين للمنهج السلفي واقعيا بالطاعة المطلقة تحت غطاء المحافظة على استقرار الدولة، وتتحول القيود النظرية مثل اشتراط موافقة الشرع إلى شعارات غير مفعلة.
قيل: المنهج السلفي يقرر هذه القيود باعتبارها أحكاما شرعية ملزمة، ووقوع الخلل في التطبيق من بعض الأفراد يحسب على الممارسين فقط، ولا يتخذ حجة لإبطال النصوص والأصول الشرعية الحاكمة للعلاقة بين الراعي والرعية، ولا يتخذ حجة أيضا للقدح في المنهج السلفي.
فإثبات أصل الولاية للحاكم الظالم لحفظ عقد الجماعة ومنع الفوضى، لا يعني مطلقا التفويض له بأن يأمر بما يشاء، فالمنهج السلفي يتوسع في إثبات أصل الولاية حماية للاستقرار، لكنه يضيق في الطاعة التفصيلية حفظا لأحكام الشريعة.
ثانيا: هل مشروعية إنكار المنكر تستلزم مشروعية كل وسيلة إليه؟
هنا يكمن موضع النزاع الجوهري بين المنهج السلفي وغيره من التيارات.
فالمنهج السلفي لا ينازع أبدا في وجوب إنكار الفساد والظلم الصادر من المسؤولين، فكون الإنسان حاكما لا يمنحه حصانة تشرع منكره، وإنما يقع الخلاف في مدى مشروعية الوسائل المستخدمة للإنكار.
وبهذا يتبين لك بوضوح أن الموقف السلفي يقوم على أصلين متكاملين:
الأول: رفض الظلم والفساد من الحاكم، وعدم التسليم بشرعية الطاعة التفصيلية المطلقة للحاكم الظالم.
الثاني: إخضاع وسائل الإنكار للميزان الشرعي، بحيث لا تُختار وسيلة يغلب على الظن أن تفضي إلى مفسدة أعظم من المصلحة المرجوة.
هذا هو المنهج السلفي باختصار، فهو يجمع بين رفض المنكر والتحفظ على بعض وسائل تغييره إذا غلب على الظن أنها تؤول إلى نتائج أشد ضررا.
ويستند هذا البناء إلى قاعدة مقاصدية معروفة، وهي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض، وهذا الميزان يوازن بين نوعين من المفاسد: مفاسد قائمة: كالفساد الإداري وسوء الأوضاع المعيشية، ومفاسد متوقعة أشد خطورة: كحروب الأهلية، وسفك الدماء، وانهيار كيان الدولة، والتدخل الأجنبي.
قد يعترض معترض فيقول: إذا منعت الاعتصامات والمظاهرات فلن يتغير المنكر، بل سيزداد الحكام استبدادا؛ لأن الوقائع أثبتت أنهم لا يتراجعون إلا تحت ضغط الشارع.
والجواب عنه بالمنظور السلفي من جهتين:
أولًا: ليس كل وسيلة تحقق قدرا من المصلحة تكون مشروعة في نفسها؛ إذ لا يقتصر النظر الشرعي على النتائج المرجوة دون النظر إلى ما يترتب على الوسيلة نفسها من مفاسد، فمجرد كون بعض الحكام يخشون المظاهرات أو يقدّمون تنازلات تحت ضغطها لا يكفي للحكم بمشروعيتها على الإطلاق، ما لم تثبت رجحان مصالحها على مفاسدها في مجموع الأحوال.
ثانيًا: الاستدلال ببعض الوقائع لا يكفي لإثبات قاعدة عامة؛ فكما أن الواقع نفسه يشهد بأن المظاهرات والاعتصامات أفضت في بعض البلدان إلى إصلاحات، كذلك الواقع نفسه يشهد بأنها كانت في بلدان أخرى سببا في انهيار الأمن وسفك الدماء، واتساع الفوضى، والتدخلات الخارجية وانقسام المجتمعات، وإذا كان الواقع متنوعا امتنع بناء حكم عام على جزء منه وإهمال بقيته.
كما أن غلبة ما تفضي إليه في نفسها من مفاسد تمس الضرورات تجعل الحكم بمنعها مطلقا هو الأقوى؛ لقاعدة ترجيح المفاسد الغالبة على المصالح المرجوحة أو المتوهمة.
فالمنهج السلفي لا ينازع في أن بعض الاحتجاجات قد تحقق مكاسب سياسية، وإنما ينازع في صلاحية هذه الوسيلة لتكون أصلا عاما يُدعى إليه؛ لأن العبرة في الشريعة ليست بمجرد إمكان تحقق المصلحة، وإنما برجحانها عند موازنتها بالمفسدة.
فإن قيل: في غياب البدائل ألا يكون رفض وسائل الضغط الشعبي يعد انحيازا ضمنيا لاستمرار الواقع الفاسد؟.
قيل: هذه الثنائية مغالطة وهي إما الاعتصامات أو الانحياز للظلم والفساد، ووجه كونها مغالطة: أن رفض وسيلة معينة كالاعتصامات والمظاهرات لا يعني بحال تعطيل الإنكار أو القبول بالاستبداد، فالشريعة لم تحصر الإنكار في وسيلة واحدة، وإنما وضعت منظومة متكاملة لإنكار المنكر تتضمن: النصح المباشر والمكاتبة، والاحتساب العلمي والدعوي والتوجيه المجتمعي لإصلاح الأفراد والمجتمع، وإنكار المنكر نفسه علنا وبيان حكمه للناس.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار