الاثنين، 7 سبتمبر 2026

مسألة #النقد_الأجنبي 2000 دولار

 مسألة #النقد_الأجنبي 2000 دولار

هذا سؤال من أحد الإخوة:

بالله الفتوى هذه اليوم صدرت، بالله لو تقرأها ،انا كنت واخذ بفتوتك بالجواز 

لو تكرمت بارك الله فيك فإذا غيرت فتوتك فذكرني ونبهني جزاك الله خيرا 


بارك الله فيك 

لم تتغير فتواي، فأنا أقول بالجواز، والآن أقدم للانتفاع بهذه المعاملة

وأما الفتوى التي سألت عنها، فهذا رأيي فيها: 


تحليل فقهي لفتوى تحريم التعامل بمبلغ 2000 دولار الصادق من مجلس البحوث (مدارسة فقهية) 


لقد صدرت فتوى تمنع التعامل بمبلغ 2000 دولار، منطلقة في حكمها من أن تحديد السعر عند الحجز المبدئي يجعل الحجز مواعدة في حكم العقد، ويعتبرها مصارفة مؤجلة التنفيذ، مما يؤدي إلى ربا النسيئة؛ لتأخر قبض البدلين. 

بناء على المشهور عند المالكية من منع المواعدة التي تكون عن مراوضة في الصرف، والمراوضة تعني الاتفاق على سعر الصرف عند المواعدة

وأما المواعدة فتعني التوافق بين الطرفين على إيقاع الصرف في وقت لاحق سواء حدد السعر أو لا

قال المازري : (وقد اختلف في المواعدة على الصرف، فأجيزت في قول، ومنعت في قول، وكرهت في قول ثالث..)

وابن رشد الجد حمل الكراهة والجواز على غير المراوضة...

وتخصيص ابن رشد الكراهة والجواز بغير المراوضة هو توفيق اجتهادي منه، وليس نصا منصوصا عنهم، ولا قوله يمنع أصل الخلاف في المسألة، وكثير من شراح المذهب أطلق الخلاف ولم يخصص. 


وتكمن إشكالية الفتوى في الصورة التي فرضتها وبنت عليها الحكم، 

فصورت أن السعر الذي يظهر عند الحجز هو سعر تعاقدي ملزم للطرفين، بحيث إذا تغير السعر الرسمي للدولة قبل التنفيذ، فإن العقد سيكون على السعر الأول لا السعر الجديد.

وأهملت أن العميل له خيار إلغاء المعاملة. 


بينما الصورة الصحيحة أن السعر يذكر باعتباره السعر الرسمي النافذ في ذلك الوقت، مع بقاء الحق في تغييره إذا تغير السعر الرسمي قبل التنفيذ، وبقاء حق الإلغاء من العميل.


وانا الاستناد على المجمع الفقهي فهو في غير محله، فقد نص على منع المواعدة الملزمة للطرفين، ومسألتنا ليس فيها إلزام للطرفين!!!! 


والرد على الفتوى من أوجه:

الوجه الأول: الحجز المبدئي لا يعتبر وعدا ملزما؛ لأنه يحق للعميل إلغاؤه دون تحمل أي تبعات مالية أو غرامات 

ويتضح من ذلك أن الحجز إجراء تمهيدي وتنظيم إداري سابق على العقد، لا يترتب عليه إنشاء بيع ولا التزام بإبرامه.

وبالتالي لا يصح أن يقال: لماذا تأخر التقابض؟ لأن الحجز ليس عقدا ولا وعدا ملزما فمن الطبيعي ألا يحصل تقابض عند الحجز... 


فما يجري عند دخول العميل إلى المنظومة مجرد حجز للحق في طلب النقد الأجنبي، لا عقد صرف ولا مواعدة ملزمة.

وقد استقرت قرارات المجامع الفقهية وفتاوى الهيئات على جواز مثل هذه المواعدات الإدارية التنظيمية التي لا تنشئ التزاما تعاقديا.. 


الوجه الثاني: قد أجاز المواعدة غير الملزمة للطرفين معا على الصرف حتى مع الاتفاق على سعر الصرف عند المواعدة: عدد من الهيئات العلمية الشرعية، كما في فتاوى ندوات البركة، وقرارات المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت في مارس ١٩٨٣، والفتاوى الشرعية للبنك الإسلامي الأردني، وغيرها

وقبلهم ابن حزم فإنه يرى جواز المواعدة على الصرف مطلقا؛ لأنه ليس بيعا، حيث قال "والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وفي بيع الفضة بالفضة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك، أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعا"

مع التنبيه إلى أن ابن حزم يقول بعدم الإلزام بالوعد. 


الوجه الثالث: طبيعة السعر المحدد في ليبيا أنه إعلام بالسعر التظامي الرسمي الصادر عن الجهة النقدية في الدولة، مع بقاء العقد إلى حين التنفيذ، وإذا تغير السعر الرسمي قبل التنفيذ طبق السعر الجديد. 


إذن هو سعر نظامي عام، الإعلام به وتحديده عند الحجز هو بمثابة الإعلام بالسعر الساري في المنظومة المصرفية 

ولا يترتب على تحديده إنشاء العقد أو اعتباره مواعدة ملزمة؛ لأن آثار العقد من الخصم والإيداع تترتب من حين إنشائه يوم التنفيذ ولا تترتب من حين المواعدة والحجز. 


وأما كون الصرف يتم لاحقا بالسعر المعلن يوم الحجز، فليس ناتجا عن تواطؤ أو اتفاق مسبق بين الطرفين على تثبيت سعر مستقبلي ملزم للطرفين، وإنما هو ناتج عن استقرار السعر الرسمي بحكم النظام العام بصرف النظر عن إرادة المتعاقدين. 


كما أن المشتري له حق الرجوع والإلغاء، فليس في المعاملة أي وعد ملزم للطرفين بالصرف، وأما ما يظن من إلزام المصرف فهو ليس التزاما بعقد صرف آجل، وإنما هو التزام تنظيمي إداري من جهة عامة بتقديم خدمة بيع العملة بالسعر الرسمي المعتمد يوم التنفيذ لمن استوفى الشروط. 


والملاحظ أن الفتوى المانعة الصادرة من المجلس لم تراع الفرق بين أن يتواطأ طرفا الصرف على سعر خاص بينهما يطبق مستقبلا على وجه الإلزام ولو تغير السعر الحقيقي في السوق، وبين أن يكون السعر ثابتا بقرار رسمي من الدولة على التفصيل السابق ... 


وبما أن العقد والتقابض يقعان معا يوم التنفيذ بالسعر الرسمي النافذ حينها، وليس هناك مواعدة ملزمة، فإن المعاملة تخرج تماما من محذور الصرف الآجل لتكون جائزة شرعا. 

يسأل بعض الإخوة
توجد عمولة في معانلة 2000  دولار تخصم من العميل لصالح #شركة_الصرافة.
والعميل لابد أن يحدد شركة عند الحجز
فهل هذا يؤثر في جواز معاملة 2000 دولار؟

الجواب:

عقد الصرف الذي يتم بين الزبون والمصرف مكتمل الأركان في نفسه، وهذه الأركان لا علاقة لها بالعمولة المقتطعة لصالح شركة الصرافة؛ إذ العمولة التزام فرضته المنظومة الإجرائية على العميل، لا جزء من عقد المعاوضة نفسه.

فحتى لو قيل بتحريم هذه العمولة لعدم مقابلتها بخدمة حقيقية، فإن عقد الصرف بين الزبون والمركزي يبقى صحيحا مستقلا بذاته، والتحريم يقتصر على العمولة نفسها، ولا يسري بطلانه إلى عقد الصرف الأساسي.

وتكبير موضوع شركة الصرافة بحيث يستثمر لإبطال أصل المعاملة تكبير في غير محله ولا يصدر من فقيه؛ لأن محل النظر في هذه العمولة مستقل عن محل النظر في عقد الصرف نفسه، ولكل منهما حكمه الخاص به،إلا في حالات استثنائية لا تتحقق هنا.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 5 سبتمبر 2026

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

ما أحوج طلبة العلم اليوم إلى تعلم تفاصيل عقيدة السلف، حتى لا تختلط عليهم المفاهيم، فيصبحوا في نهاية الأمر على مذهب المتكلمين وهم لا يشعرون.

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

وجوابي
قد يشكل هذا على من لم يدرك حقيقة مذهب أهل السنة في باب الصفات، ولم يحط بأصول مذهب الأشاعرة، فيحسب أن التعبيرين متساويان من جهة المعنى واللوازم العقدية، وليس الأمر كذلك، وهو جهل بحقيقة المذهبين.

فالتعبير بـالقصد إذا صدر من سني يراد به إثبات فعل اختياري يتعلق بمشيئة الله وقدرته، بخلاف التعبير بـتعلق الإرادة، فهو اصطلاح كلامي يفسر به حدوث الآثار وتجدد تخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ونفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله تعالى على الوجه الذي يثبته أهل السنة.

فأي دارس لعقيدة السلف وعنده خلفية جيدة بمذهب الأشاعرة ولو قليلا سيقف طويلا عند لفظ #التعلق؛ إذ هذا التعبير يقوم على أصل كلامي كبير، وهو نفي حلول الحوادث بذات الله.

والمقصود هنا ليس مجرد لفظ التعلق من حيث هو لفظ، وإنما المقصود هو البناء الكلامي الذي يجعل تعلق الإرادة تفسيرا لإيجاد  المخلوقات، مع نفي أن يكون هناك فعل اختياري متجدد قائم بذات الله تعالى.

فمصطلح #التعلق هو أداة #الأشاعرة في تفريغ #الأفعال_الإلهية من حقيقتها، فالأفعال عند جمهورهم هي التعلق التنجيزي للإرادة والقدرة بالممكنات.
فهم لا يثبتون فعلا قائما بذات الله عز وجل، وإنما يجعلون الفعل هو عين المفعول البائن أو مجرد التعلق الحادث.
مع اختلاف بينهم في مسألة التكوين.

فأهل السنة كابن عثيمين رحمه الله وغيره ممن فسر "استوى إلى السماء" بـ"قصد إلى خلق السماء"، يثبتون فعلا حقيقيا لله قائما بذاته.
بينما من فسّر "استوى إلى السماء" بـ"تعلق الإرادة" لا يثبت فعلا قائما بذات الله، وإنما يرجع الأمر كله إلى مجرد تعلق صفة الإرادة بالسموات، مع كون الفعل هو عين المفعول.

وهذا الفرق بدهيّ عند أهل التخصص في هذا الباب، ولا يشكل عليهم.

والخطأ هنا في تفسير الاستواء مرتبط بكارثة عقدية نبهت عليها في مقالي السابق مما هو موجود في التفاسير الكلامية، وما انتخب منها في بعض التفاسير المعاصرة والمختصرات،

وهذه الكارثة لن يجدوا جوابا عنها يستقيم مع أصول أهل السنة
وهي في تفسيرهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بأن الإيجاد لا يكون بقول الله المتجدد الحقيقي، وإنما يكون بمجرد تعلق الإرادة والقدرة، بما يستلزم نفي أن الله يقول قولا متجددا متعلقا بمشيئته واختياره عند كل تكوين على الوجه الذي يثبته أهل السنة من الصفات الاختيارية. وبما يستلزم أيضا نفي فعل الخلق القائم بذات الله المتجدد.

فتخيل أن تجد تفاسير قديمة كتفسير البيضاوي الكلامي وتفسير الرازي وتفاسير معاصرة كتفسير طنطاوي وغيره
تتداول بين الناس تقول بأن إيجاد المخلوقات يكون فقط بتعلق القدرة والإرادة، وليس بقوله كن عند كل تكوين،
هذه هي حقيقة مذهب جمهور الأشاعرة في أفعال الله سبحانه، فهم لا ينفون لفظ "كن"، وإنما يؤولونه إما بكونه تمثيلا لسرعة نفاذ القدرة والإرادة دون امتناع، أو بكونه تعلقا للكلام النفسي الأزلي، نافين بذٰلك صفة القول المتجدد الحقيقي بصوت وحرف بحسب مشيئته سبحانه واختياره عند كل تكوين.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_05.html


الجمعة، 4 سبتمبر 2026

الفرق بين التفسير السني والتفسير البدعي

 الفرق بين التفسير السني والتفسير البدعي

التفسير السني يعتمد في تفسيره على الكتاب والسنة وعلى أقوال السلف ومفتضى اللغة ليصل إلى المعنى من الآية في آيات العقيدة وغيرها
وأما التفسير البدعي فيعتمد في تفسيره على أصل كلامي أو فلسفي أو إشاري صوفي يقرر خارج النص الشرعي ثم يدخل على النص الشرعي إدخالا، ويسقط على الآية قسرا

فكل تفسير يفسر القرآن -لاسيما آيات العقيدة- بمقتضى أصل عقلي أو كلامي أو ذوقي مقرر سلفا، ثم يُحمَّل النص عليه، فليس من تفاسير أهل السنة وإن كان المؤلف منتسبا للسنة..

مثلا
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، في التفسير السني يرجع المؤلف لأقوال السلف ومقتضى اللغة، فبفسر الاستواء ب علا، ارتفع، أما في التفسير البدعي فيرجع المؤلف لأصل كلامي وهو امتناع الجهة على الله ثم يؤول النص ليوافق هذا الأصل المسبق.

ولا نتكلم هنا عن خطأ في موضع أو موضعين، وإنما نتكلم عن شيء يتكرر
وهذا التكرار قد يطرد وقد لا يطرد، فإن اطرد في جميع آيات العقيدة أو في كل آيات الصفات دل ذلك على تبني أصل كلامي يطبقه بانضباط،
وأما إذا لم يطرد لكنه تكرر فهذا يدل على اضطراب في تبني الأصل الكلامي، وتأثر بالمتكلمين .

ويبقى الحكم على المؤلف نفسه، هل هو سني أو لا؟ من أضيق الدوائر وأشدها احتياطا، فلا يبنى على مجرد ظهور تأويل أو أكثر في كتابه، بخلاف الحكم على تفسيره بأنه تفسير بدعي لا سني.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 3 سبتمبر 2026

حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

 حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

سلامة المعتقد شرط في كل كتاب يراد اتخاذه مرجعا في بيان مراد الله تعالى؛ إذ التفسير في حقيقته إخبار عن مراد المتكلم سبحانه، فإذا حرف المفسر مراده الله في أعظم أبواب العلم لم يصح الاعتماد على تفسيره بإطلاق، وأما الانتفاع به ففيه تفصيل سيأتي

فكتب التفاسير المعاصرة التي لم تسلم من الأخطاء العقدية من حيث الانتفاع بها تدور بين حالين لا ثالث لهما:

الحال الأولى: كتاب فيه إضافة علمية مستقلة، كأن يضيف إضافة علمية مستقلة، أو يخدم جانبا من العلوم الشرعية، كتفسير التحرير والتنوير فيما يتعلق بعلوم اللغة والبلاغة، أو عنايته بمقاصد السور ونحو ذلك،
فهذا يجوز الانتفاع به بضابطين:
الأول: أن يتنبه القارئ للخلل العقدي الموجود فيه.
الثاني: أن يكون القارئ مؤهلا علميا قادرا على التمييز.

فإن انتفى الشرطان أو أحدهما لم يجز الانتفاع؛ لأن جواز الانتفاع مشروط بألا تترتب عليه مفسدة راجحة، وأما قراءة العامي لكتاب فيه تحريف لصفات الله دون تمييز فمفسدتها راجحة على منفعتها اللغوية.

الحال الثانية: كتاب لا يعدو أن يكون تلخيصا أو منتخبات من كتب أخرى وليس فيه إضافة علمية تذكر، وإنما هو نقل عن كتب التفسير الكلامية كالنقل من تفسير الرازي والزمخشري والبيضاوي والطنطاوي ونحوها دون تمحيص عقدي، وقد يشتمل كذلك على نقول من تفاسير سنية..
فهذا لا داعي له أصلا؛ إذ في القديم والمعاصر السليم من الأخطاء العقدية غنية عنه.

ومن الأخطاء العقدية التي في كتب التفاسير الكلامية والتي لم تخل منها بعض المنتخبات والملخصات:

1-تفسير قوله تعالى: [الله يستهزئ بهم] وقوله تعالى: [ومكروا ومكر الله]
بالمشاكلة، أي فسروا الاستهزاء بالمستهزئ والمكر بالماكر بأنهما مجرد جزاء أو مجاز على طريقة المشاكلة اللفظية والازدواج، أي تسمية الشيء باسم غيره لمشاكلته له في اللفظ فقط، وليس حقيقة؛ اعتمادا على قرينة عقلية مبنية على تصورهم الفلسفي لمعنى هذه الألفاظ في حق المخلوق فقط، لا في حق الخالق، وهذا مبني على قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو قياس ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.

2-تفسير قوله تعالى: [ ثم استوى إلى السماء]
بتعلق إرادته سبحانه بخلق السموات، كما في تفسير الطنطاوي وغيره
وهو تأويل أشعري للاستواء بـالإرادة، مفاده صرف الاستواء عن معناه العلو والارتفاع إلى مجرد الإرادة، مع خلل عقدي خطير، وهو جعل إيجاد الشيء وخلقه متعلق بالإرادة فقط، وسيأتي توضيحه

3'تفسير المتشابه في قوله تعالى:[وأخر متشابهات] بالخفي الذي لم يتضح معناه، والتمثيل عليه بنصوص الصفات السمعية...

والخطأ الكلامي المرفوض: أن يجعل أصل المعنى نفسه من المتشابه الخفي.

4-نفي صفة الحياء في تفسير قوله تعالى[إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا بعوضة فما فوقها]
بناء على أن أصل الاستحياء في اللغة استقباح فعل الشيء لنقص فيه, وترتب عليه تأويله بأنه مجرد كناية عن عدم الامتناع عن ذكر المثل الذي يريده.

وهذا النفي مبني على مقدمات كلامية فاسدة:
الأولى: المعنى اللغوي للاستحياء حمل على الصورة المشاهدة المتحققة منه في المخلوق، ولم يُنظر إلى أصله الكلي الذي يشترك فيه أفراد المعنى مع اختلاف حقائقها، وهذه هي طريقة المتكلمين في المعاني اللغوية .
الثانية: إلزام الخالق بما يقتضيه المعنى المتحقق في المخلوق من خصائص ولوازم.
الثالثة: التأويل بناء على أصول كلامية.

ومن أخطر ما اشتملت علبه كتب التفاسير الكلامية وملخصاتها ومنتخباتها
قولهم في تفسير قوله تعالى: [وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون]
حيث جعلوا إيجاد الشيء لا يكون بقول الله تعالى له: «كن»، وإنما جعلوا الإيجاد حاصلا بمجرد تعلق الإرادة به، أو بتعلق الإرادة والقدرة به، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فيوجد من غير قول كن....فليس هناك صفة خلق قائمة بذات الله. ولا يثبتون قولا من الله تعالى متعلقا بالإيجاد، كقوله سبحانه: «كن».

فعندما ينتخب مثل هذا القول الفاسد الذي ينفي وجود قول من الله، ويجعل إيجاد المخلوقات هو مجرد تعلق إرادة وقدرة كما هو مذهب الأشاعرة
يتبين بذلك مدى خطورة هذه التفاسير التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.

كما اشتملت أيضا على خطأ عقدي متكرر وهو نفي تأثير الأسباب في مسبباتها، وأن المسبب يحصل عند السبب لا به.
ومن ذلك جعلهم السحر الحقيقي يخلق الله عنده الضر والنفع.

وهناك أخطاء كثيرة، هذا شيء يسير جدا منها.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار



الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

شبهات حول حديث الجساسة

 السلام عليكم أخانا الكريم، رفع الله قدرك ودرجتك في جناته

خرج قوم ينكرون صحة حديث تميم الداري والجساسة في صحيح الإمام مسلم، بحجة أن الحديث يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس في المسجد ليخبرهم بقصة تميم الداري، ثم لم يأت هذا الحديث إلا من طريق واحد، وهو طريق فاطمة بنت قيس.

والرد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: لابد أن نفرق بين التدوين وبين اشتهار الحديث واستفاضته عند جيل من الأجيال؛ إذ لا يلزم من اشتهاره واستفاضته وتواتر علم الناس به في جيل من الأجيال أن ينقل في الدواوين والكتب بتواتر أسانيده أو استفاضتها.

فقد كان الأئمة يحفظون آلاف الطرق، ولم ينقل لنا منها في المدوّنات إلا القليل، فكون الحديث يأتي من طريق واحد في التدوين لا يلزم منه ألا يكون مشتهرا في عصره.

وقد خلط المشككون في إيراد هذه الشبهة العليلة بين التحمل والتحديث، فسماع الحديث والاطلاع عليه هو ما شهده الجمع الكبير من الصحابة، لكن التصدي للتحديث به لم يكن من الصحابة جميعا، فلم يكونوا كلهم مشتغلين بالتحديث والرواية؛ فمنهم من اشتغل بالفتوحات، ومنهم من كان يتهيب باب الرواية والتحديث، ومنهم من اكتفى بتحديث غيره.

فباب التدوين أضيق من باب التحديث؛ إذ ليس كل ما حُدِّث به الجمع دُوِّن عن الجمع.
والله سبحانه تكفّل بحفظ دينه، ولم يقيد الحفظ بأن يصل إلى الأمة مدونا بطريق التواتر.

وهذا أشهر حديث "إنما الأعمال بالنيات" حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، ولم يدون إلا عن صحابي واحد هو عمر بن الخطاب، ولم يصح عن التابعين إلا من طريق علقمة، ولا عمن بعدهم إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عمن بعدهم إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري! ورغم هذا التفرد في طبقاته الأولى، تلقته الأمة بالقبول والتصديق وجعلته أصلا من أصول الدين.
وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة كانت أمام أكثر من مائة ألف، ومع ذلك لم يصلنا كثير من تفاصيلها إلا من طرق محدودة، ولم يقل أحد ببطلانها لذلك.

وإذا كان هذا موجودا في حياة الناس اليوم، إذ يشتهر خبر ما في بلد، ولا يصل إلى غيرهم إلا بطريق الآحاد، من غير أن يقدح ذلك في ثبوته ووقوعه، فالعادة لا تمنع نقل الواقعة المشتهرة إلى الأمة عن طريق الآحاد. فإذا كان هذا غير ممتنع عقلا ولا عادة، فكيف ينكر؟!

ولو كان ثبوت الخبر متوقفا على نقله متواترا إذا أُلقي في جمع كبير، للزم رد كل خبر كان كذلك، لكنه لم يرد.

والمعهود في طبائع البشر أن يلقي الحاكم خطابا أمام الآلاف، ثم لا ينقله للأجيال موثقا إلا صحفي واحد، ويقبل من غير ان يطعن فيه.

الوجه الثاني: الحديث لم تنفرد به فاطمة بنت قيس، بل جاء أيضا عن أبي هريرة وعائشة وجابر وتميم، قال الحافظ ابن حجر: (وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر)
وكون البخاري لم يخرجه قي صحيحه لا يدل على عدم ثبوته؛ لأن البخاري لم يتعهد بإخراج كل ما كان صحيحا، ويكفي أن مسلما أخرجه في الصحيح ...

​وأما عن وجود الدجال وكونه حيا إلى أن يأذن الله له بالخروج وهو في جزيرة، فهذا مما خرج عن العادة الجارية، وهو آية من آيات الله سبحانه؛ فلا تورد هنا أسئلة الاستبعاد العادي نحو: كيف يكون حيا؟ وكيف يأكل؟ وكيف لم تكتشف الجزيرة التي يعيش فيها؟ فهذه الأسئلة لا مدخل لها ههنا؛ لأن وجوده وحياته وخروجه في آخر الزمان حالة خاصة خارقة للمعتاد، متعلقة بقدرة الله تعالى وحكمته وإرادته.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

 هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

أرسل إلي أحد الإخوة مقطعا  للشيخ #عبد_العزيزالريس ينتقد فيه قول الشيخ العلامة #صالح_آل_الشيخ: (إذا أثنى على المبتدع في بدعته فهذا يخرج من دائرة أهل السنة والجماعة، أما إذا أثنى على مبتدع في غير بدعته، فهذه مسألة اجتهاد، وتبع للمصالح والمفاسد...
إذا صار كل واحد يثني على عالم ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا  يقال إنه ليس من أهل السنة، فهنا ما بقي أحد )

فرد الشيخ الريس هذا التقصيل ووصف كلام الشيخ صالح بأنه #تمييع وأنه يفرح به #السروريون...محتجا بإطلاقات السلف في هجر أهل البدع وإجماعهم على ذلك.
قال الشيخ الريس: (هذا الكلام قطعا خطأ، ...ومما يدل على خطئه الأدلة على هجر أهل البدع وإجماع السلف على هجرهم. وأنه لا تذكر حسنات أهل البدع في مقابل الرد عليهم..)
واستدل بالآثار أن من عظم أهل البدعة فقد أعان على هدم الإسلام...

وفيما يلي بيان لموضع الغلط عند الشيخ الريس:

مدار الخطأ في رد الشيخ الريس أنه لم يميّز بين نوعين مختلفين: الثناء المطلق على المبتدع والوصف المقيد.
فالثناء المطلق، كقول القائل: فلان إمام هدى بإطلاق، لا يجوز إطلاقه على صاحب بدعة؛ لأن إطلاقه يوهم تزكية دينه ومذهبه كليا، ولا يجيزه الشيخ صالح آل الشيخ أصلا.

والوصف المقيد، كقول القائل: فلان أجاد في ردوده على النصارى، هذا  يجوز إظهاره عند قيام المصلحة الشرعية وانتفاء ما يترتب عليه من مفسدة راجحة،، مع بقاء الحكم عليه بالبدعة والتحذير من بدعته بحسب مقتضى الحال
وهو الذي دار عليه كلام الشيخ صالح، ولذا مثل بالثناء على صلاح الدين الأيوبي في جهاد.ده.

فرد الشيخ الريس ألغى هذا التفصيل جملة، وجعل كل ثناء جزئي في حكم الموالاة المطلقة والتعظيم الكامل للمبتدع، وهذا من أعجب ما يقال!!

ثم إن الناظر في طريقة استدلال الشيخ الريس في هذه المسألة يجد أنه أوقع إطلاقات السلف — وهي أقوال وردت في سياق التأصيل العام، أو ما ورد عن السلف في معين علموا حاله — موقع الحكم على كل معين في كل حال وزمان ومكان، فهو يمنع الثنلء مطلقا على كل مبتدع محتجا بإطلاقات السلف، وهذا المسلك فيه إغفال لقاعدة تحقيق المناط في المعين واعتبار المصالح، إذ إن الحكم بالكليات لا يلزم منه طرد التطبيق على كل الأعيان دون اعتبار للموانع والمصالح والمفاسد الشرعية.

فليس الخلل في الاستدلال بإطلاقات السلف من حيث الأصل، وإنما في دعوى أن تلك الإطلاقات تقتضي حكما واحدا على كل معين في كل حال.

ومن ذلك احتجاجه بإجماعات السلف في الهجر على رد كلام الشيخ صالح في المعين الذي اقتضت المصلحة الثناء عليه في غير بدعته
فليس النزاع في أصل الهجر، وإنما في دعوى كونه حكما لازما لكل مبتدع معين، في كل ظرف، بحيث لا تدخل المصلحة والمفسدة في تقدير فعله ولا يجوز معه الثناء عليه مطلقا، وهذا يخالف ما حرره علماء أهل السنة، ولا يمكن للشيخ الريس أن يلتزم بهذه الدعوى مطلقا.
قال ابن تيمية: «إن أقواما جعلوا ذلك عاما، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به مما لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ...ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابًا أو استحبابًا ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه»
فهذا نص صريح من الإمام ابن تيمية في أن إطلاق الهجر على كل معين خروج عن منهج السلف الوسط.

ويستأنس لهذا الأصل بصنيع #الأئمة مع إبراهيم بن طهمان:
قال أبو زرعة: كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر إبراهيم بن طهمان، وكان متكئًا من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فَيُتَّكأ.
وقال أحمد كان مرجئا  شديدا على الجهمية
فهذا الأثر شاهد على أصل مهم، وهو أن ثبوت البدعة في المعين لا يستلزم بالضرورة إسقاط جميع أوصاف الخير عنه، ولا يمنع من الاعتراف بفضله في وجه آخر، وإنما ينظر في كيفية إظهار ذلك وآثاره بحسب المصلحة والمفسدة، ولذا لم يمنع الإمام أحمد وجود الإرجاء عند إبراهيم من إثبات صلاحه وإظهار الثناء على شدته على الجهمية.

ومن أعظم ما تضمنه رد الشيخ #الريس من هفوات: إغفاله أصلا مجمعا عليه عند السلف، وهو أن المعين الواحد قد يجتمع فيه خير وشر، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية، ومقتضى ذلك جواز إعمال الثناء المقيد عند اقتضاء المصلحة الشرعية.

وأما الأثر المروي في أن تعظيم #صاحب_البدعة يهدم الإسلام فمحله من عظمه لأجل بدعته أو من أقره عليها أو من قدمه في الدين مطلقا
أما الاعتراف بفضله في غير بدعته إذا اقتضت المصلحة ذلك فهو من جنس ما فعله الأئمة مع إبراهيم بن طهمان.

وأما وصف الريس كلام الشيخ صالح بالتمييع فهذا من التلبيس وينطوي على مغالطة #رجل_القش؛ إذ صور  الشيخ صالح وكأنه يدعو لمذهب الموازنات أو تسوية السني بالمبتدع، أو اتخذ من المصلحة ذريعة لإسقاط حكم التبديع بعد ثبوت موجبه، أو استعمل المصلحة لتحرير موالاة أهل البدع بإطلاق ونصرتهم..
والله المستعان
ولو كان كلام الشيخ صالح #تمييعا لكان فعل الأئمة كأحمد تمييعا، وهذا لا يقوله سني في حق أولئك الأئمة.

فليتق الله الشيخ الريس وليعلم أن الذي فعله في رده أنه أبطل كلام الشيخ صالح بإطلاقات السلف التي لا تتوجه إلى كل معين، فشابه ذلك جزئيا ما فعله #عبدالله_الخليفي وأتباعه في إسقاط النصوص المطلقة على كل معين دون تحقيق مناط.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

السبت، 29 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟

للمتخصصين


استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟ 


قبل الجواب لابد أن نبين أن حقيقة الفعل الشركي أو المقالة البدعية ماهية واحدة لا تتجزأ ولا تختلف باختلاف الفاعلين؛ فصرف العبادة لغير الله شرك أكبر، ولا تختلف هذه الحقيقة باختلاف المعينين 


وأما كيف لا يكون مشركا مع تحقق الوصف الشركي في الفعل الصادر من المعين؟ 


فأظهر ما يبين إمكان الانفكاك بين وصف القول بالكفر  والحكم على قائله هو حال الإكراه، فالمكره على التلفظ بكلمة الكفر يقصد النطق بعينه، وتحققت حقيقة الكفر في القول، والشرع يصف نفس القول بأنه كفر: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ}، ثم يستثني حال المكره من الحكم لا من وصف القول، فإذا صح تصور الانفكاك في الإكراه وهو مانع صح تصوره في غيره من الموانع. 


ومعنى قيام حقيقة الشرك في المعين هنا هو تحقق وصف الشرك في الفعل الصادر من المعين من حيث ماهيته، لا من حيث الحكم على الشخص المعين. 


والسؤال الذي هو حقيقة البحث: هل قولنا: هذا الفعل شرك يوجب تسمية الفاعل مشركا شرعا؟

والمعين الذي نبحث فيه هو من ثبت له أصل الإسلام، وليس النفي في كل  معين، فقد تقوم حقيقة الشرك بمعين ويكون مشركا وقد لا يكون مشركا ..


ولكي نجيب على هذا السؤال

لابد أن نفهم كيف كيفت الشريعة هذه الحقائق إذا قامت بمعين: هل بمجرد قيام حقيقة الشرك في معين يكون قد قام به سبب موجب لتسميته مشركا على أي حال، أو يكون سببا مقتضيا بحيث لا يسمى مشركا إلا بعد إقامة الحجة، لكونه سببا لا يوجب الاسم وحده؟ 


نعم، إذا نظرنا في لغة العرب وجدنا أن من قام به الفعل اشتق له منه اسم فاعل؛ فمن قامت به الحركة سمي متحركا،

لكن في الشرع اختلف الأمر من جهة كون الأسماء تترتب عليها أحكام دنيوية وأخروية، فلا ينزل الاسم المترتب عليه أحكام شرعية على المعين حتى تتحقق شروطه وتنتفي موانعه المعتبرة في الباب. 


فإن قيل: هل إقامة الحجة شرط في الاسم أو في الحكم؟ 


قيل: إن أريد بالاسم مجرد الوصف المشتق من الفعل، فهذه مسألة لغوية والخلاف فيها لفظي، وإن أريد به الاسم الشرعي الذي يترتب عليه حكم الكفر أو الفسق، فالنزاع في تنزيله على المعين. 


والذي تدل عليه الأدلة أنه يمتنع تنزيل اسم الشرك على المعين في مقام الحكم إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. 


ومن ذلك حديث ذات أنواط، فقد خرج جماعة من الصحابة إلى حنين وهم حديثو عهد بإسلام، فمروا بشجرة كان المشركون يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مثلها يتبركون بها، فأنكر عليهم  وشبه قولهم بقول قوم موسى: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة}. 


فلم يقع من الصحابة هنا فعل تعبدي عند الشجرة؛ فهم لم يعكفوا عندها ولم يعلّقوا أسلحتهم، وإنما صدر منهم طلب وسؤال بأن يجعل لهم مثل ما للمشركين، فهو طلب يتضمن الإذن بمعنى شركي، 

ومن الدليل على أن المطلوب من جنس ابشرك الأكبر لا الأصغر قوله :( ويعكفون عندها)، والعكوف في لغة العرب فعل تعبدي وليس مجرد الجلوس، كما أن التشبيه الصريح من النبي بطلب بني إسرائيل يدل على شدة مشابهة مطلوبهم لما وقع فيه أولئك من طلب اتخاذ إله أو معبود، وإنما منع من ثبوت اسم الفاعل وحكمه كونهم حديثي عهد، فكان الجهل متعلقا بحكم الفعل الشرعي، لا بحقيقة ما طلبوه من حيث التصور..

فهم لم يباشروا الفعل الذي كان عليه المشركون، وإنما صدر منهم طلب يطلبون فيه إنشاء مثل ما يفعله المشركون، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعهم فيها.

فالحديث شاهد على أن صدور القول أو الفعل المتضمن لتحويز معنى شركي لا يستلزم بذاته ثبوت الاسم الحكمي على فاعله؛ لأنه سبب مقتض لا موجب. 


فإن قيل: أليس هناك تناقض عندما تثبت قيام حقيقة الشرك في المعين ثم تنفي عنه أن يكون مشركا؟ 


قيل: لا؛ لأن التناقض يقع لو قلنا: هذا الفعل ليس شركا لكن الفاعل مشرك، أو قلنا: هذا الفعل شرك، والفاعل لم يفعل الشرك. 

أما قولنا: هذا الفعل شرك والفاعل ليس مشركا فلا تناقض فيه؛ لانفكاك الجهة. 

فالحكم على الفعل بالشرك من جهة تحقق ماهية الشرك فيه، وعدم الحكم على الفاعل بأنه مشرك من جهة عدم استيفاء شروط الاسم الشرعي في المعين 

ونظيره أن يقال: القول كفري، وقائله المعين قد لا يحكم بكفره.

وهذا لا يعني أن القول صار غير كفري او انتفت حقبقة الكفر قي المعين من حبث الفعل. 


وأما ما يرد من إطلاق بعض النصوص اسم الشرك أو المشركين على أقوام قبل بلوغ الرسالة، فليس ذلك نقضا لأصل التفريق؛ لأن الكلام في تنزيل الأسماء الشرعية على المعين بعد قيام موجب الإسلام في حقه، وهي مسألة تختلف باختلاف حال المخاطَب وبلوغ الرسالة وقيام الحجة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_29.html