أطلق عبد القادر حسين على خصومه الذين يسميهم "الوهابية" عدداً من المزاعم والافتراءات التي لا تصدر عن نقل دقيق لمذهبهم، ولا عن مناقشة منصفة لأقوالهم. ولئن أحسنّا الظن بصاحب هذه المزاعم، قلنا: أُتي من سوء فهمه، وقلة اطلاعه على تقريرات القوم بأنفسهم..
ومن أبرز ما زعمه هذا الرجل المفتري:
1. أن الوهابية بزعمه يقولون: كل دعاء عبادة.
2. أن الوهابية بزعمه يقولون مجرد نداء النبي صلى الله عليه وسلم يُعَدّ عندهم شركاً أكبر، مطلقاً وبلا تفصيل.
واستدل لنقض هذين الزعمين بدليلين:
- حديث: «إذا ضلّت دابة أحدكم بأرض فلاة فليقل: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا».
- أثر ابن عمر رضي الله عنه، حين خَدِرَت رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك، فقال: «يا محمد».
وفيما يلي الجواب على هذه المزاعم:
١-دعوى: " أن الوهابية بزعمه يقولون: كل دعاء عبادة
وجوابي:
لم يجعل علماء السنة الدعاء بمعناه العام كله عبادة، وإنما خصّوا نوعاً معيناً من الدعاء بأنه عبادة، وهو الذي تنطبق عليه حدّ العبادة بمعناها الشرعي، أي: الدعاء الذي يكون على وجه غاية الخضوع مع غاية المحبة. هذا النوع وحده هو الذي وُصف بكونه عبادة..
لكن من أين سيفهم مذهبهم وهو ينطلق من قراءة غير دقيقة لتقريراتهم؟!!
فمن قال من علماء أهل السنة: "كل دعاء عبادة"، فإنما يقصد بذلك الدعاءَ الذي تحقق فيه معنى العبادة، لا مطلقَ الدعاء بكل صوره وأحواله.
لكن للأسف هذا الرجل ينطلق في نقده من فهمه المنكوس لمذهبهم، لا من تقريراتهم هم وعباراتهم في مصنفاتهم.!!!!
أما الدعاء الذي هو بمعنى الطلب المجرد، ولم يبلغ حدّ العبادة، فهذا منه ما هو جائز، ومنه ما هو شرك. والحدّ الفاصل بين الجائز والممنوع، هو موضوع الطلب نفسه:
- فمن طلب من مخلوق ما يقدر عليه المخلوق، فهذا جائز.
- ومن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك.
ووجه كون هذا النوع شركاً ليس كما زعمه هذا المتقوّل لأنه عبادة، وإنما لأن التوجه بهذا السؤال في نفسه لا يتصور إلا مع تضمُّنه نسبة خصائص لا تكون إلا لله إلى المسؤول، كاعتقاد أنه يسمع النداء، ويعلم حال الداعي، ويقدر على إجابته، ولذلك حكم أهل السنة عليه بالشرك، ولم يشترطوا أن يصرح الداعي بهذا الاعتقاد، لأن الاعتقاد اللازم للفعل يُحكم به من نفس الفعل.
وطلب الشفاعة من الميت البعيد داخل فيه؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، وليست هي خدمة يقدمها الميت متى شاء ....
وحتى لو قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع بعض الأصوات فليس في ذلك دليل على ثبوت القدرة على الإجابة والتأثير..
وانتبه هنا أن أهل السنة لم يجعلوا التصريح بالاعتقاد شرطاً للحكم بالشرك في هذا النوع من السؤال، فضلاً عن السؤال الذي بلغ حدّ العبادة.
٢- دعوى: " ان الوهابية على زعمه يجعلون نداء النبي صلى الله عليه وسلم شركا أكبر مطلقاً"
هذا وهم فاحش، أو تعمد للكذب..
أولاً: حديث "يا عباد الله احبسوا"
فليس الحديث دليلاً على جواز سؤال الأموات، لأن المخاطَب في الحديث موجود حي يسمع بإخبار الشارع، بخلاف الميت الذي لم يثبت سماعه لهذا النداء ولا قدرته على إجابته.
فالنداء في الحديث موجه لمن أخبر الله بوجودهم في الأرض وسماعهم لمثل هذا النداء، فانتفى المناط الموجب للشرك بهذا الخبر الشرعي، والقياس بين هذا النداء ونداء الميت أو الغائب الذي يلزم من سؤاله أنه يسمع أصوات الداعين في كل مكان ويعلم أحوالهم ويقدر على إجابتهم قياس غير صحيح، لاختلاف المناط بينهما.
ثانياً: أثر ابن عمر "يا محمد"
أما ما استُدل به من أثر ابن عمر رضي الله عنه، فقد رُوي من طرق متعددة، لكن النظر في صحة الإسناد ليس هو موضع الخلاف الجوهري، فحتى لو سُلِّم بثبوت الأثر، فلا حجة فيه على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن مجرد النداء الخالي من الطلب ليس عبادة ولا شركًا، وإنما يكون النداء شركًا إذا اقترن بطلب يختص بالله تعالى. ولذلك لم يكن قول النبي صلى اله عليه وسلم: «وإن لفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، ولا قول المصلي: «السلام عليك أيها النبي»، من الشرك، لعدم اقترانهما بطلب.
الوجه الثاني: أن قول ابن عمر «يا محمد» مجرد ذكر للاسم، لا يتضمن طلبًا، وهو من باب عادات التداوي بذكر المحبوب
فمن أراد مناقشة مذهب القوم، فالواجب عليه أن يناقش تقريراتهم كما قرروها هم، لا كما يتوهمها هو، فذلك أقرب إلى العدل والإنصاف الذي توجبه أخلاق المناظرة.
كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار