الخميس، 27 أغسطس 2026

إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

 إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

لا ريب أن إنكار علو الله بالتأويل مقالة بدعة معلظة، وقد تواترت نصوص أئمة السلف على إطلاق الكفر على منكري العلو
وهي في أصلها واردة في الحكم على المقالة وأهلها من حيث الجملة، وورد عنهم تكفير عيني لمن تبين لهم حاله بخصوصه.

إلا أن تحرير محل البحث ينعقد قي السؤال الآتي: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل، وإنما حمله على ذلك ظنه أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا تأويل العلو تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل؟

وبطبيعة الحال البحث هنا بمعزل تام عن رؤوس المتكلمين ودعاتهم المنظرين الذي،يحرمون الايطستدلال بالواي في الإلهيات والنبوات كبشر المريسي والجويني والرازي وأمثالهم من دعاة الكلام المنظرين، وإنما البحث في حق شراح الحديث ممن غلب علبهم جانب الاتباع وتقديم الاحتجاج بالكتاب والسنة إلا أنه شابت أفهامهم بعض الشبهات الكلامية المتوارثة ظنا منهم أنها دل عليها الوحي...

للإجابة على السؤال: يجب الإقرار ابتداء بأن مساحة الإعذار في مسألة العلو ونحوها أضيق بكثير من مساحة الإعذار في مسائل الإرجاء مع اشتراك المسألتين في أصل الظهور؛ لكن امتازمت مسالة العلو بتكاثر الأدلة وتنوعها والتي منها الفطرة ..

نعم
الأصل في تحقيق المناط واحد في كل الأبواب ومطرد، لكن سعة تطبيقه تضيق جدا في مسألة العلو خصوصا والمسائل الظاهرة عموما
ولذا فإن تمثيل بعض العلماء كابن تيمية بمن نشأ في البادية أو كان حديث عهد بإسلام لم يكن على سبيل الحصر الحقيقي للموانع
وإنما سيق لبيان تضييق دائرة الإعذار في المسائل الواضحة قي نفسها لا إغلاق باب الإعذار بالكلية على من سواهم

وأما الجواب عن سؤال: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل؟
فنعم، يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية بناء على ظن أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه، كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا التأويل تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل، ومن غير أن يتبين له أصلا كلاميا مخالفا للوحي، ولم تبلغه الحجة على وجه تقوم به عليه، وليس من رؤوس المقالة والمنظرين لها.
فهذا يعذر في خطئه، ولا يلزم من وقوعه في هذه المقالة أن يُحكم عليه بأنه مبتدع ....

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: (ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه).
فمن ينفي العلو متؤولا ظانا منه أنه يطلب الحق من جهة الرسول معتقدا أن هذا هو اعتقاده -وإن كان ظنه لا يوافق نفس الأمر-: يعذر ولا يستحق التبديع العيني فضلا عن التكفير؛ إذ ليس كل من نفى العلو بالتأويل ينطلق من عقليات قدمها على النص الشرعي.
قال ابن تيمية في منهاج السنة: (أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها. وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين).
وهذا بخلاف من يؤول من غير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما من جهة تقديم العقل الكلامي كالجويني..

وأما الدعوى القائمة على أن المسألة إذا كانت أدلتها ظاهرة، فلا حاجة لإقامة حجة إضافية على الظهور؛ لأن الظهور نفسه يغني عن اشتراط قيام الحجة؛ فهي دعوى مردودة؛ لأن الظهور والخفاء عند المحققين كابن تيمية وغيره ليسا وصفين ذاتيين لازمين للمسألة نفسها بمعزل عن حال الناظر فيها وبيئته، وإنما هما أمران نسبيان إضافيان يختلفان باختلاف بيئة المعين وعصره وما بلغه من العلم، فقد تكون المسألة في غاية الظهور عند طالب علم صغير نشأ في بيئة سنية محضة، وتكون خفية أو محل اشتباه عند عالم متبحر في الفنون الشرعية لكنه نشأ في بيئة كلامية ورث فيها هذا التأويل عن مشايخه دون نظر مستقل.

وكثيرا ما أمثل على نقض مسألة الظهور بمسألة إرجاع الضمير في حديث الصورة إلى الله
فقد كان أمرا ظاهرا في القرون الثلاثة، حتى قال الإمام أحمد. لما قيل له: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته؛ أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وفي رواية قال عنه مبتدع
ومع ذلك أرجع ابن خزيمة الضمير لآدم؛ موافقا بذلك قول الجهمية
فلو كان مجرد الظهور موجبا للتبديع وكافيا لإسقاط شرط قيام الحجة، للزم من ذلك تبديع ابن خزيمة مباشرة بلا نظر، وهذا ما لم يفعله أحد من أئمة أهل السنة، وبقي ابن خزيمة إماما معدودا من أئمة السنة وحفاظ الحديث.

وذكرت ابن خزيمة هنا ليكون شاهدا على أن الوقوع في نتيجة قول الجهمية لا يستلزم التبديع الفوري بمجرد الظهور

ولو طرد معيار الظهور يغني عن الحجة للزم منه هدم قول ابن تيمية الذي يحكي فيه ما عليه السلف والأئمة في قوله: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة"
فإن كانت بدعة الإرجاء ظاهرة بحيث تغني عن قيام الحجة، فكيف بقي هؤلاء الفقهاء والعباد معدودين من أهل السنة عند ابن تيمية نفسه ومن يحكي عنهم من السلف؟

إذن لابد من التفريق بين ظهور الدليل نفسه، كوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة وتواترها وبين ظهور الدليل عند المعين بحيث نسأل: هل بلغه هذا الدليل على وجه يقطع عذره، أو نشأ في بيئة أخفت عنه وجه الدلالة وأوهمته أن منطلق التأويل هو الكتاب والسنة؟

والحكم على المعيّن لا يتعلّق بمجرد ظهور المسألة في نفسها، وإنما بتحقيق قيام الحجة المعتبرة في حقه، مع النظر في موانع الحكم، ومن ذلك مدى بلوغه الدليل وفهمه وقيام موجب العلم عليه.

ولذا عندما نناقش الإعذار  في مسألة العلو نناقشه من هذا الجانب، وليس من جانب الدفاع عن إنكار العلو، ولا من جانب الدفاع عن الأشعرية، وإنما هو من جانب تقرير ضابط الحكم على لمعين
فكون إنكار العلو كفرا وبدعة مغلظة لا يعني بالضرورة أن منكر العلو بالتأويل كافر، والأشكال في إثبات التلازم ...
ولذا قال ابن تيمية في عدم تكفير من ينكر العلو ممن يقدم العقل على النقل قي الاستدلال: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم).
هذا فيمن أول من غير جهة الرسول لكن لا على وجه التكذيب والعناد، فانتفى عنه التكفير إلا أنه مستحق للتبديع العيني .
وهذا بخلاف شراح الحديث كالنووي وابن حجر، فالحق أنهم ليسوا من أهل البدع؛ لأن أصل منهجهم هو الاستدلال بالكتاب والسنة والتعظيم للأثر، وإنما وقعت لهم الهفوة تقليدا فبما ظن ه أنه م أفق للكتاب والسنة

فإن قيل: ألا يعارض ما تقدم إطلاقات أئمة السلف أن من أنكر العلو فهو كافر

قيل: لا تعارض، فنصوص السلف جارية على منهج القرآن والسنة في الوعيد العام والتكفير المطلق للنوع، قال ابن تيمية (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ، وإن كان مخطئا ...)

فإن قيل: ما توجيه قول الدارمي لما قال عن مسألة العلو : (وظَاهِرُ القرآنِ وباطِنُهُ كُلُّه يَدُلُّ على ذلك، لا لبس فيه ولا تأول، إلا لِمُتَأَوِّلٍ جَاحِدٍ، يُكَابِرُ الحُجَّةَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ)

قيل: كلام الدارمي في سياق رده على رؤوس الجهمية كبشر المريسي ممن تبين له مكابرتهم وعنادهم، فالدارمي يصف هنا نوعا مخصوصا من المتأولين، وهو المتأول الجاحد المكابر للحجة مع العلم بها، فلا يصح نقل وصفه هذا إلى كل من وقع في التأويل دون تحقق وصف الجحود والمكابرة في حقه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 26 أغسطس 2026

الرد على #عبد_الله_الخليفي في نفي اجتماع وصف صاحب سنة والوقوع في بدعة

 الرد على #عبد_الله_الخليفي

(لولا  شفقتي على أتباعه الصغار وحبي في الله لإخواني في سوريا والجزائر ما اشتغلت بالرد عليه، فلا يعرف بشيء في فنون العلم الشرعي)

أرسل إليّ أحد أتباع عبد الله الخليفي مقطعا له في الرد على مقالي الأخير حول إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة، وقد بدعني فيه، وأما تكفيري فمحل بحث عنده، فيمكن أن يكفرني بعد البحث عينا..
جرأة غريبة!!
والخليفي فيما يظهر أنه لا يحسن فهم المقالات التي تكشف غلوه، فضلا عن أن يحسن فهم إطلاقات السلف ومناطات كلامهم، ومن لا بضاعة له في أصول الفقه ومقاصد الشريعة كيف له أن يفهم حقيقة الإطلاق ومقييداته ابشرعية؟!!

المقال الذي يرد عليه الخليفي بينتُ فيه بوضوح أن وصف صاحب سنة قد يجتمع في كلام المتقدمين مع إثبات مخالفة بدعية في الشخص المعين، ونصصت بصريح العبارة أن هذا لا يعني التسوية بين جميع البدع، ولا أن كل مبتدع يسمى سنيا.

فما الذي أفهمه الخليفي أتباعه ومحبيه؟
أفهمهم أني أسوي بين البدع كلها، حيث يقول: "قد يجتمعان: يكون الإنسان مرجئا ومن أهل السنة، شيعيا ومن أهل السنة، وعلى قياسه قدريا ومن أهل السنة، وأشعريا ومن أهل السنة"،
ويقول واصفًا مقالي: "أقام هذا المقال على قياس بشر المريسي، وهو أن الخلاف في القدر والإيمان ومسائل التفضيل كالخلاف في مسائل الصفات".

مع أني قلت في المقال بصريح العبارة: "فالآثار حجة على أصل إمكان الجمع بين إطلاق صاحب سنة ووجود بدعة في المعين، وليست حجة على التسوية بين جميع أنواع البدع في هذا الحكم، ولا على كل معين"

فلا أدري ما الذي اضطره لهذا الخلط؟ والعجيب أنه مع طعنه في الدكاترة بأنهم أصحاب مذكرات، وتبديعه لي، وتلميحه بأني ربما أُكفَّر، لم يستطع أن ينقض محل الدعوى، وإنما ناقش دعوى أخرى لم أقل بها أصلا في هذا المقال.

وحتى أوضح للقارئ الكريم ولأتباعه، أقول: محل النزاع ليس: هل كل مرجئ سني؟ وهل كل أشعري سني؟ وهل كل من وقع في مخالفة أصل فإنه بطلق عليه صاحب سنة؟ ولا محل النزاع في التسوية بين بدعة إرجاء الفقهاء وبدعة الأشاعرة، هذا كله من تخبطاته

وإنما محل النزاع: هل دل كلام أئمة السلف واستعمالاتهم على أن الشخص المعين قد يوصف بأنه صاحب سنة مع إثبات مخالفة بدعية فيه؟ أو لابد أن تجتمع فيه خصال السنة كلها حتى يوصف بأنه صاحب سنة؟!!

فأتى الخليفي بدعاوى أخرى وأصبح يرد عليها، وهي التي أشار إليها بسؤاله الاستنكاري: متى يكون الإنسان مرجئا مبتدعا، ومتى يكون مرجئا سنيا؟
فكأن الفكرة التي يريد إيصالها لأتباعه أني أقول: كل من وقع في بدعة فهو سني، وأن بدع الجهمية والمرجئة والقدرية والأشاعرة في رتبة واحد،. وأنا لا أقول بهذا.

ما هي الدعوى محل البحث ؟

الدعوى التي أقول بها: وصف صاحب سنة عند المتقدمين قد يثبت للشخص مع وجود مخالفة بدعية فيه، فلا يلزم من ثبوت المخالفة نفي وصف السنة عنه من كل وجه.

فإذا أراد المعترض إبطال هذه الدعوى، فعليه أن يجيب عن الآثار على محل دلالتها، لا أن يرد على قاعدة أوسع لم أدّعها.

ومن قال: قد يوجد في السني بدعة جزئية لا تخرجه عن كونه صاحب سنة: لا يلزمه أن يقول: كل مبتدع سني.

(تنبيه: الأصل من أصول أهل السنة لا يجب أن يكون كليا أو بابا كاملا. وإنما قد يكون جزئية بعينها باعتبار اشتهار المخالفة فيها)

ومن قال: قد يجتمع في المعين وصف السنة ووصف المخالفة من جهتين مختلفتين: لا يلزمه القول بتساوي السنة والبدعة في المعين من كل وجه، ولا تساوي البدع في أنفسها.

وأما قوله: متى يكون الإنسان مرجئا مبتدعا ويكون مرجئا سنيا؟
فجوابه:
مقالات مرجئة الفقهاء مقالات تخالف أصول أهل السنة وإن كانت أخف من مقالات المتكلمين، ومع ذلك ليس كل من ثبتت فيه مقالة من مقالات إرجاء الفقهاء يكون مرجئا بمعنى مبتدع، وإنما قد يكون مرجئا بمعنى وقع في بدعة الإرجاء، ولا يلزم من الوقوع: الإخراج من دائرة أهل السنة.
وهذه ليست دعوى مستحدثة، فابن تيمية يقول عن المرجئة: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة، حتى تغلّظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة"

فإن كان هذا الكلام مقبولا عند المعترض، فقد انتهى أصل النزاع، وإن أراد رده، فعليه أن يرد كلام ابن تيمية نفسه ويجعل الخصومة معه؛ لأن كلامه يتضمن: طوائف دخلت في قول المرجئة، وليست مجرد موافقة عابرة، ومع ذلك كانوا يعدون من أهل السنة، ثم تغلّظ الأمر عليهم على مراتب، مع العلم أن شيخ الإسلام يُبدّع فرقة المرجئة كفرقة قائمة بذاتها.

فتبين أن الدخول في بعض قول طائفة بدعية كالمرجئة لا يستلزم مباشرة سلب وصف السنة عنه من كل وجه.

إلا أن #الخليفي له رأي آخر، حيث يقول: "أما أمثال أبي حنيفة وأصحابه فهؤلاء لا يُقال فيهم إرجاء، بل هم المرجئة الذين أصلا يُقاس عليهم".
وإقحامه لأبي حنيفة وأصحابه في هذا الموضع لا يغير محل النزاع؛ لأن البحث ليس في الحكم التفصيلي على أبي حنيفة الذي نعتقد سنيته، وإنما في القاعدة التي يقررها الخليفي: هل مجرد الدخول في قول المرجئة يستلزم خروج المعين من السنة؟
وكلام ابن تيمية صريح في أن طوائف من أهل الفقه دخلوا في قول المرجئة مع بقائهم معدودين من أهل السنة.

ومادام أن ابن تيمية يعد طوائف من أهل الفقه ممن أخذوا بمذهب مرجئة الفقهاء من أهل السنة، فننتظر من #الخليفي وجماعنه أن يعلنوها صراحة أن ابن تيمية مبتدع؛ لأنه يدافع عن المبتدعة، كما بدعني وبدع غيري، وقد قال هو بنفسه: "أما مسألة أنك دخلت في حيّز الابتداع، هذه ما فيها نقاش... أنت خرجت من السنة، هذه لا نقاش فيها"، فليُطبّق هذا الإلزام على ابن تيمية نفسه إن كان مطردا عنده.

مناقشة الآثار الثلاثة

الأثر الأول: قلت في مقالي السابق: قال أبو داود السجستاني في ورقاء بن عمر: "صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء". وهذا من أوضح الآثار؛ إذ جمع أبو داود في وصف واحد بين إثبات كونه صاحب سنة والإخبار عن وجود الإرجاء فيه، فلم يقل: "ليس بسلفي، بل هو مرجئ"، ولا: "ليس بسلفي لكنه كذا وكذا".
وقد نقله غير واحد من العلماء...

قال الخليفي معترضا: فلو فرضنا أن هذه الرواية ثابتة، فيكون ورقاء قد وقع في موافقة المرجئة في بعض مقالتهم.

والرد عليه:إن ما فرضه جوابا هو نفسه محل النزاع!
فلم أقل: "ورقاء من المرجئة من كل وجه"، ولم أقل: "كل المرجئة من أهل السنة"، وإنما استدللت بقول أبي داود لأثبت إمكان اجتماع الوصفين في الشخص المعين.
فقول الخليفي "قد وقع في موافقة المرجئة في بعض مقالتهم" إقرار.منه بأن وقوع ورقاء في بعض مقالات المرجئة لم يمنع أبا داود من وصفه بأنه صاحب سنة، وهذا عين المطلوب.

وكون أبي داود جمع بين "صاحب سنة" و"فيه إرجاء" لا يعني أن أبا داود جعل الإرجاء من السنة، ولا أن كل مرجئ سني، وإنما يعني أن وجود هذه المخالفة لم يمنعه من إطلاق وصف صاحب سنة عليه، والتفريق بين "فيه إرجاء" و"هو مرجئ" هو عين التفريق بين الوقوع في المقالة والانتساب التصنيفي إلى الطائفة.

أما قول الخليفي إن الإرجاء عدة مقالات (إخراج العمل من مسمى الإيمان، وعدم الزيادة والنقصان وعدم الاستثناء): فصحيح، لكن لما كان الإرجاء جنسا تحته صور متعددة، فقول أبي داود "فيه إرجاء" لا يحدد وحده أي مقالة، ولا درجتها، لكن يبقى أن في الرجل نسبة إلى مقالة من مقالات الإرجاء المبتدعة، وأن أبا داود مع إثباته هذه النسبة لم يمنعه ذلك من وصفه بأنه صاحب سنة، وهذا هو القدر الذي يهمنا في أصل الاستدلال.

وأما استدلاله بأثر مسعر بن كدام أن الإمام أحمد قال: "أرجو أن لا يكونوا مرجئة"، ولم يقل: "هو مرجئ" فهذا يدل على التفريق نفسه، فالرجل يقول قول أهل السنة في الإيمان إلا أنه خالف في الاستثناء، فهل جعله أحمد مرجئا مباشرة؟
لم يفعل، وإنما قال بصيغة الرجاء المتحفظة، وهذا يدل على أن الموافقة الجزئية لمقالة طائفة لا تستلزم بمجردها الانتساب إليها.

ومن أخطر ما في رده قوله: "من قال كذا فهو جهمي، وجهمي تساوي كافر"، وقوله: "مرجئ تساوي مبتدع، كقولك يهودي ونصراني تساوي كافر".

والرد عليه من وجهين:

الوجه الأول: عبارات السلف في التغليظ على الجهمية لها سياقاتها، وليس كل من وافق الجهمية في مسألة واحدة فهو جهمي من كل وجه؛ إذ لا يلزم من الاشتراك في وصف جزئي الاشتراك في جميع الأوصاف المقومة للماهية أو الطائفة.
فإذا قال السلف: "من قال كذا فهو جهمي"، فهذا يحتمل أن يكون حكما على المقالة بأنها من مقالات الجهمية، أو حكمًا على قائلها بحسب حاله بأنه دخل في مسمى الجهمية في هذا الباب بعينه؛ لكن لا يجوز نقل هذا إلى قاعدة كلية لم يقل بها أحد: "من وافق الجهمية في أي جزئية فهو جهمي، وجهمي تساوي كافر".

الوجه الثاني، وهو الفيصل في هذا القياس: قياسه مرجئ بـيهودي ونصراني قياس فاسد من أصله؛ لأن الكفر الذي يلزم من وصف يهودي أو نصراني قائم.على نصوص قطعية مجمع عليها في تكفير أصحاب هذين الوصفين، فلا يحتاج إطلاقهما إلى نظر أو تفصيل، أما لفظ مرجئ فهو وصف اجتهادي، لا نص قطعي فيه بالتكفير، بل ولا بالتبديع الشامل بذاته، وتندرج تحته صور متفاوتة الحكم، فقياس ما لا نص قطعي فيه ولا إجماع على ما اجتمعت الأمة على تكفير أصحابه: قياس مع الفارق المؤثر.

وأما قوله: "من قال كذا وكذا فهو مرجئ، والمرجئ مبتدع" فخطأ ظاهر؛ لأن مدلول مرجئ ليس واحدا في كلام جميع السلف، فألفاظ الأئمة ليست قوالب رياضية ثابتة لا تتغير دلالتها بالسياق.

الأثر الثاني: قلت: نقل ابن الجنيد عن يحيى بن معين في بيان اصطلاح أبي نعيم الفضل بن دكين: "إذا أثنى على رجل فقال: هو جيد، فهو شيعي، وإذا قال عنه: كان مرجئًا، فهو صاحب سنة لا بأس به". وهذا الأثر يدل على أن كون الرجل عند أبي نعيم فيه إرجاء لم يكن مانعا من إبقائه في دائرة صاحب السنة.

قال الخليفي: إن أبا نعيم شيعي معروف، وإنه يُطلق مرجئ على من قدم عثمان على علي.

والرد عليه: أثر أبي نعيم لا يصح إسقاطه بمجرد القول إن أبا نعيم كان شيعيا، ولا بمجرد حمله على نوع من الإرجاء غير مشهور، فالذهبي لم يفهم من كلمة مرجئ إلا المعنى العقدي المعروف، ولذا علق عليه بقوله: ( هذا قول دال على أن يحيى كان يميل الى الارجاء، وهو خير من القدر بكثير). [ميزان الاعتدال (٣/ ٣٤٩)].
ولا شك أن حمل كلام ابن معين على أن مقصوده بالمرجئ من وقع في الإرجاء أولى من حمله على أن ابن معين كان بميل إلى الإرجاء
ومع أن الذهبي يحتمل هذا الاحتمال إلا أنه لم يخرج ابن معين من دائرة أهل السنة.
وعلى كل حال لا يلزم من كلام ابن معين أن يكون مائلا إلى الإرجاء؛ إذ الكلام محتمل، وقد ذكر ابن الوزير احتمالًا آخر في تفسيره.
فقد استدرك في إيثار الحق ص 368  على الذهبي بقوله:( قلت وَهُوَ يحْتَمل ان ابْن معِين يَعْنِي أَن الْفضل كَانَ يُسَمِّي الرَّجَاء ارجاء تحاملا على أهل السّنة أَو عدم معرفَة بِالْفرقِ بَينهمَا كَمَا هُوَ عمل كثير من الْمُتَأَخِّرين)

الأثر الثالث: قلت: قال العجلي في الحكم بن عتيبة: "كان صاحب سنة وأتباع"، ثم قال: "وكان فيه تشيع". فهذا شاهد آخر على إمكان اجتماع وصف صاحب سنة مع إثبات مخالفة معينة في الشخص نفسه.

قال الخليفي: إن التشيع اليسير (تقديم علي على عثمان) كان شائعا في زمن الحكم بن عتيبة في الكوفة، فتُسومح معهم فيه.

والرد عليه: كون لتشيع مراتب صحيحا، لكن الذي لا يستطيع الخليفي دفعه أن العجلي جمع في ترجمة الرجل الواحد بين وصفه بصاحب السنة وإثبات التشيع فيه، وهذا هو أصل الاستدلال، وهو باق على التقديرين: فإن قال الخليفي: إن التشيع المذكور هنا كان مما يُتسامح فيه، أو لم يكن مانعا من إطلاق وصف السنة في ذلك السياق، فهذا لا يهدم الاستدلال، بل يثبت أن وصف صاحب سنة لا يستلزم انتفاء كل مخالفة أو نسبة عقدية عن المعين.
وإن قال: بل كان بدعة، لكنه من البدع الخفيفة، فقد أقر بأن وجود المخالفة البدعية لا يستلزم في كل صورة سلب وصف السنة عن المعين.

وأما قول الإمام أحمد: «هذا الآن شديد»، فلا يدل بمجرده على أن كل من قال بهذه المقالة يُبدّع عينا على كل حال، وإنما يدل على اشتداد حكم هذه المقالة في ذلك السياق، ولا يصح جعله ناقضا لأصل إمكان اجتماع وصف السنة مع وجود مخالفة معينة في المعين.

ومما سبق يتضح أنه ليس النزاع في أن كل مبتدع سني، ولا في أن كل بدعة لا تؤثر، وإنما النزاع في دعوى التلازم: هل كل من ثبتت فيه مخالفة بدعية لزمه أن يسلب عنه وصف صاحب سنة؟
والآثار المذكورة تدل على عدم هذا التلازم، فمن أراد نقضها فعليه أن يثبت أن المخالفات المذكورة لم تكن بدعا في حق أولئك الأعيان، أو أن وصف صاحب سنة في تلك النصوص لم يكن يراد به الوصف العقدي محل النزاع.
أما مجرد القول بأن البدع متفاوتة، أو أن الموافقة الجزئية لا تستلزم الانتساب إلى الطائفة، فلا ينقض أصل الدعوى.

فإن قيل: فهمنا هذا في موافقة فبعض مقالات بدعتي الإرجاء واتشيع القديم، فكيف بالموافقة في بعض مقالات الأشاعرة؟

قيل: مناط تبديع المعين ليس مجرد الوقوع في المخالفة، ولا في ظهور المخالفة أو عدم ظهورها؛ لأن الظهور وعدم الظهور أمر نسبي، وإنما في مناط تبديع المعين الذي ثبت له أصل السنة وينطلق فيما يظن أنه موافقة للكتاب والسنة لا خلافها لابد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهذا عام لم يقصره أحد من المحققين على المخففة دون المغلظة.
وابن تيمية نفسه طبّقها في مسألة إنكار صفة العجب في قصة القاضي شريح، فلم يُخرجه من الإمامة رغم أن إنكار الصفة من جنس ما تبنى عليه بدعة التعطيل المغلظة.
وطبق ابن تيمية هذه الآلية نفسها على ابن خزيمة رغم موافقته للجهمية في إرجاع الضمير إلى آدم في حديث الصورة، بل مع تنصيص الإمام أحمد وإسحاق على أن من أرجع الضمير إلى آدم فهو مبتدع، فلم يُخرجه شيخ الإسلام من زمرة أهل السنة

فالمعيار الحقيقي إذن ليس هل المسألة مغلظة أو مخففة؟ بمعزل عن كل اعتبار، مع أن غلظة المسألة نفسها ترفع سقف ما يقبل كعذر، فلا يُقبل فيها من ضروب التأويل ما يُقبل في غيرها مما هو أخف منها.

فإن قيل: هل تسوي في العذر بين إنكار العلو وعدم زيادة الإيمان ونقصانه؟
قيل: لا أسوي بينهما، فوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة، وتواترها، أعظم من وضوح مسألة الزيادة والنقصان، لكن ذلك لا يجعلنا نلغي الإعذار بالكلية، وإنما يجعل شروط العذر أضيق، فإنكار العلو عند متأخري الأشاعرة قائم على أصل كلامي وهو تقديم القواطع العقلية على ظواهر النصوص، وهذا الأصل بعينه هو علة التبديع المباشرة، لا مجرد النتيجة، لكن بقيد أن يعلم المعين أنه ينطلق منه.

فالذي غلظ فهمه على الخليفي وأتباعه أن تجويز اجتماع الوصفين في إرجاء الفقهاء لا يستلزم تجويزه بنفس السهولة في إنكار العلو، لا لتناقض في الأصل، وإنما لتفاوت تحقق الشروط والموانع المعتبرة بين البابين.

وقد تناقض الخليفي مع نفسه، فالموطن الذي ينقض فيه الخليفي أصل موقفه بيده، ولم يتنبه له: قوله في ختام كلامه : "ألفاظ التعديل منها ألفاظ تطلق ومنها ألفاظ تقيد... فقد يقول إنسان: فلان من فقهاء الحديث، يقصد أنه ليس من أهل الرأي، ولا يقصد تفكيك عقيدته"

والكلام يطول، وهناك ملحوظات أخرى على مقطعه الصوتي ...

كتب الدكتور أحمد محمد الصادق النجار 

الاثنين، 24 أغسطس 2026

إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة

إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة 


١- قال أبو داود السجستاني في ورقاء بن عمر: «صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء».

وهذا من أوضح الآثار؛ إذ جمع أبو داود في وصف واحد بين إثبات كونه صاحب سنة والإخبار عن وجود الإرجاء فيه. 

فوجود هذه المخالفة لم يمنع من أصل إطلاق وصف صاحب سنة، ولم يقل: ليس بسلفي بل هو مرجئ، أو ليس بسلفي لكنه كذا وكذا 


٢- وسئل الإمام أحمد عن ورقاء فقال: «ثقة، صاحب سنة»، فلما قيل له: «كان مرجئا؟» قال: «لا أدري».

فلم يُدفع الإمام أحمد إلى التراجع عن أصل وصفه بأنه صاحب سنة لما قيل له: كان مرجئا؛ وإنما توقف في ثبوت المخالفة نفسها. 


٣- نقل ابن الجنيد عن يحيى بن معين في بيان اصطلاح أبي نعيم الفضل بن دكين: «إذا أثنى على رجل فقال: هو جيد، فهو شيعي، وإذا قال عنه: كان مرجئا، فهو صاحب سنة لا بأس به».

وهذا الأثر يدل على أن كون الرجل عند أبي نعيم فيه إرجاء لم يكن مانعا من إبقائه في دائرة صاحب السنة. 


ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أن أبا نعيم يجعل إرجاء الفقهاء من السنة، وإنما المقصود أن وجود هذه المخالفة بعينها لم يكن قادحا عنده في إطلاق أصل وصف السنة على كل معين. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».

يعني وقع في الإرجاء ومع ذلك لا يعد المعين منهم إلا من أهل السنة

فهل أصبح ابن تيمية مميعا عندهم؟!!!

مع العلم أن ابن تيمية يبدع المرجئة كفرقة، فلا يكفي أن تكون فرقة المرجئة مبتدعة لأن ينزل التبديع على كل معين منتسب إليها.. 


٤- قال العجلي في الحكم بن عتيبة: «كان صاحب سنة وأتباع»، ثم قال: «وكان فيه تشيع».

فهذا شاهد آخر على إمكان اجتماع وصف صاحب سنة مع إثبات مخالفة معينة في الشخص نفسه، والتشيع هنا ليس هو الرفض. 


فهذه الآثار، بمجموعها، تقوي أن إطلاق صاحب سنة عند المتقدمين لم يكن لازما منه استجماع الموصوف لكل خصال السنة في جميع أبواب الاعتقاد بحيث تنتفي عنه كل مخالفة.

وليس المقصود من هذه الآثار تعميم الحكم على كل مخالف، وإنما المقصود إثبات أن وصف صاحب سنة عند المتقدمين لم يكن يستلزم دائما الانتفاء التام لكل مخالفة في كل معين، فالآثار حجة على أصل إمكان الجمع بين إطلاق صاحب سنة ووجود بدعة قي المعين، وليست حجة على التسوية بين جميع أنواع البدع في هذا الحكم ولا على كل معين. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 23 أغسطس 2026

وقفة مع قول البربهاري: (ولا يحل لرجل أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، فلا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها)

وقفة مع قول البربهاري: (ولا يحل لرجل أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، فلا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها)

ظاهر كلام البربهاري أنه يتحدث عن إطلاق وصف صاحب سنة على الشخص المعين، لا عن الحكم على جنس الأقوال والأفعال والأفراد.
فالمعنى: لا يُطلق على كل شخص معين وصف صاحب سنة بإطلاق ولا يشهد لمعين بذلك حتى يُتأكد من اجتماع خصال السنة كلها فيه، أي أصول السنة وقواعد الاعتقاد
فلو سُئلنا عن زيد بعينه وخالد بعينه فعلى كلام البربهاري لا نطلق عليهما وصف صاحب سنة ولا نشهد لهما بذلك حتى نتأكد من اجتماع خصال السنة فيهما، وإلا لم نطلق عليهما هذا الوصف.

وهذا النص ليس من جنس إطلاقات الأئمة كأحمد وابن المديني والثوري وغيرهم، الذين يقولون: «السنة كذا، ومن ترك منها خصلة لم يكن من أهلها»، ويقولون: «من فعل كذا فهو مبتدع».
لماذا؟
لأن هذه من عبارات الحكم العام على الأوصاف والأفعال، وقد تتناول المعين عند تحقق شروط تنزيل الحكم عليه، لكنها لا تعني تنزيل الحكم على كل معين بعينه، ولا نفي إطلاق الاسم على كل شخص بعينه حتى يستجمع خصال السنة كلها، كما فعل البربهاري.
فقد قرر الأئمة إمكانية اجتماع السنة والبدعة في رجل واحد إذا كان أصله على السنة وتأوّل في بعض المسائل أو قلد فيها.

وهذا فارق دقيق بين كلام السلف وكلام البربهاري لا يتفطن له من لا يدقق،
فظاهر كلام البربهاري رحمه الله أنه ينفي عمن لم تجتمع فيه أصول السنة كلها أن يقال عنه صاحب سنة، لكنه لم يقترح وصفه بلقب آخر كمبتدع أو خارجي أو قدري أو مرجئ بحسب ما وقع فيه من مخالفة، وإنما اقتصر على نفي وصف صاحب سنة عنه، أي ينفي عنه أن يكون سنيا على وجه الإطلاق، من غير أن يضيف: هو مبتدع أو هو خارجي أو هو مرجئ، فلم يقل: ليس بسني لكنه قدري مثلا، ولم يقل: كل من لم تجتمع فيه خصال السنة فهو مبتدع أو يوصف بالبدعة التي خالف بها أصول أهل السنة.

وبهذا يظهر الفرق المنهجي المهم بين كلام البربهاري وبين من يقول عن المعين ابتداء: «ليس بسني، بل هو مرجئ».

وحتى نفهم كلام البربهاري نسأل سؤالا: هل نفي وصف السني على وجه الإطلاق نفي لكونه سنيا في بعض الأبواب دون بعض؟ بمعنى: هل يمكن أن يقال: سني فيما وافق فيه أهل السنة، ومبتدع فيما خالف فيه؟

الذي فهمه الشيخ عبد العزيز الراجحي من كلام البربهاري أن النفي منصب على الإطلاق، وهو لا ينافي التبعيض.
أي أنه حمل كلام البربهاري على نفي أن يكون صاحب سنة على وجه الإطلاق، مع إمكان أن يقال عنه هو سني فيما وافق فيه أهل السنة، ومبتدع فيما وافق فيه أهل البدعة.
ولما سُئل الشيخ العثيمين عن ابن حجر والنووي قال: من خالف السلف في صفات الله لا يعطى الاسم المطلق وإنما يقيد يقال هم أهل السنة والجماعة في طريقتهم الفقهية مثلا، أما في طريقتهم البدعية فلا يقال من أهل السنة والجماعة
https://youtu.be/m0RQH_CE1fw?si=Md7xSIklILwggei4

وعليه، فكلام البربهاري تقعيد لمنع تنزيل وصف المدح بإطلاق على كل معين إلا باستجماع الخصال كلها، لكنه ليس تقعيدا لإثبات وصف الذم المقابل (البدعة) بإطلاق ومباشرة.

وقول الشيخين مبني على أن نفي وصف السنة المطلق عن المعين لا يلزم منه بالضرورة إثبات وصف البدعة المطلق عليه؛ لأنه ليس لازمًا من مجرد نفي أحدهما إثبات الآخر ما لم يثبت أن التقسيم بينهما حاصر، بحيث لا توجد واسطة بينهما.

وهنا يمكن أن نقول: كلام البربهاري يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون مراده التشديد في إطلاق اسم صاحب سنة على كل معين، بحيث لا يطلق عليه هذا الوصف المطلق ولا يشهد به على كل معين إلا بعد استجماع خصال السنة كلها دون أن يستلزم ذلك الحكم عليه بالضد، وإنما هناك واسطة، كما قرره الراجحي في شرحه، والعثيمين عندما تكلم عن النووي وابن حجر، وكذلك اللجنة الدائمة.

الثاني: أن يكون صاحب سنة عنده وصفا في مقابلة صاحب بدعة، بحيث يكون التقابل بينهما مقصودا  وحينئذ يكون نفي الأول عن المعين إثباتا للثاني؛ لأن كلامه تقعيد للحكم على كل معين، وليس كلاما عن جنس الأقوال والأفراد.
بمعنى أن بكون مقصوده من نفي أن يكون صاحب سنة إثبات أنه صاحب بدعة، فهو إما أن يكون سنيا وإما أن يكون مبتدعا. ولا واسطة بينهما.

الإيرادات التي ترد على الاحتمالين:

يرد على الاحتمال الأول أن إثبات واسطة بين إطلاقي صاحب سنة وصاحب بدعة لا يُعرف عن السلف من جهة التسمية؛ فمن نفوا عنه السنة عينا أثبتوا له البدعة مباشرة.
ويمكن دفع هذا الإيراد بحمل القول بأنه مبتدع من وجه على مجرد الوقوع في البدعة، لا على إسقاط أصل السنة أو الحكم بالفسق الاعتقادي.

وأما الاحتمال الثاني فصحيح أن التقابل بين السني والمبتدع تقابل ضدين من جهة التسمية، بحيث إنهما لا يجتمعان في معين واحد، فالمعين إما أن بكون سنيا وإما أن يكون مبتدعا
إلا أنه لا يسلم للبربهاري أن إثبات كون المعين مبتدعا يكون بمجرد عدم استجماعه خصال السنة كلها أو بمجرد مخالفة لأصل؛ لأن هذا المعنى يخالف طريقة أهل السنة كأحمد وغيره في المعين الذي ثبت له أصل السنة الاستدلالي، فالأئمة عذروا جملة من المعينين الذين ثبت لهم أصل السنة الاستدلالي وكانوا جهالا لم تقم عليهم الحجة فيما وقعوا فيه من بدعة تخالف أصلا من أصول أهل السنة ولم يطلقوا عليهم وصف البدعة بمجرد وقوعهم في المخالفة.
فإذا حمل كلام البربهاري على أن مجرد عدم استجماع خصال السنة يوجب تبديع كل معين من غير اعتبار للعلم والقصد وقيام الحجة وسائر الفروق التي قررها السلف في تنزيل الأحكام على الأعيان، فهذا الحمل يرد عليه إشكال قوي؛ لأنه لا ينسجم مع ما ثبت عن أحمد وغيره من التفريق بين أحوال المعيّنين وعدم تبديع الجاهل أو غير المتأهل لمجرد وقوعه في المقالة المخالفة إذا ثبت له أصل السنة الاستدلالي.

يؤيد ذلك:
قال أحمد بن منيع البغوي: «من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم». فلم يصفه بالبدعة، وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه.

وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يسأل عمن وقف؟ قال أبي: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».

فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف:
الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلَّم ولا يُبدَّع.
الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليداً، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع.
الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظِّرا لمقالته، فهذا جهمي. ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال؛ إذ لا بد في تكفيره عينا من توفر الشروط وانتفاء الموانع.

كتب الدكتور أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_23.html

الخميس، 20 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة تعقبي على الشيخ #محمد_بن_هادي بحسب ما نقلت عنه في المقال، إذ لم يجد وقتا لسماع مقطع الشيخ محمد المعنون ب بمن هو السلفي؟ والذي مدته تقر،يبا 25دقيقة

 استشكل بعض الإخوة تعقبي على الشيخ #محمد_بن_هادي بحسب ما نقلت عنه في المقال، إذ لم يجد وقتا لسماع مقطع الشيخ محمد المعنون ب بمن هو السلفي؟ والذي مدته تقر،يبا 25دقيقة 


وخلاصة الاستشكال: إذا كان قول الإمام أحمد: «من ترك منها خصلة لم يكن من أهلها»، لا يعني عندي أن مقصود الإمام أحمد كل معين وقع في مخالفة خصلة من خصال السنة يُحكم عليه بمجرد ذلك بأنه مبتدع خارج عن أهل السنة؛ فلماذا جعلت قول الشيخ محمد بن هادي: «السلفي هو من استجمع خصال السنة» محمولا على هذا المعنى؟ وما القرينة التي نقلت كلامه من باب بيان حقيقة السلفية وتمييز أهل السنة عن أهل البدع من حيث الجنس والوصف العام إلى باب تنزيل الحكم على كل معين؟ 


وجوابي: 

أن الأخ لو سمع المقطع لاتضح له أن الشيخ #ابن_هادي لا يتكلم عن جنس وأوصاف عامة وإطلاق في التعيين، وإنما يتكلم عن تحقيق المناط عند التنزيل على المعين

يعني يتكلم عن كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة، كمن وقع في بدعة الإرجاء أو القدر، هل نسميه سلفيا؟ وهل نعتبره سنيا؟ 


فالشيخ ابن هادي يدور مقطعه على عدم إمكانية اجتماع الوصف بالسنية أو السلفية مع مخالفة أصل في معين واحد...

والسلفي والسني يصدقان على شيء واحد، فنفي كون المعين سلفيا هو نفي لكونه سني، كما هو معلوم وقرره الشيخ ابن هادي في مقطعه... 

يقول الشيخ محمد بن هادي:( المرء لا يقال فيه من أهل السنة إلا إذا اجتمعت فبه خصال السنة جميعا)

ويقول وهو يتكلم عن معينين:(فالذي صار بيننا وبينهم وارتفع الأمر إلى أشياخ البلاد الكبار مع هؤلاء إنما هو مسألة السمع والطاعة وهم فيه على مذهب الخوارج ولكنهم في باب الأسماء والصفات مستقيمين على الجادة فهل يقال عن هؤلاء سلفيين؟! ما يمكن أن يقال..

اعكس المسألة إذا جئت إلى مسألة السمع والطاعة ووجدت الأبواب الأخرى فيها خلل عنده لا يمكن أن يكون سلفيا مهما كان) 


فكانت الفكرة التي يدعو إليها الشيخ ابن هادي ألا نسمي المخالف المعين بالسلفي ولا بالسني، وإنما نسميه بنوع البدعة التي وقع فيها، فيقال مرجئ وقدري

لأن اسما السني والسلفي لا يتحققان في المعين إلا إذا استجمع خصال السنة كلها

يقول الشيخ ابن هادي:(ما المانع أن تقول فيه عالم لكنه خارجي، فقيه لكنه رافضي، مفسر له ناصبي)

ويقول:(يماشي أهل البدع. أخلاقه أهل البدع أصفياؤه أهل البدع .. ما يمكن أن يكون ، والله ما يمكن أن يكون سلفيا) 


فهو لا يتكلم عن مطلق المعين. وإنما يتكلم عن كل معين....وأنه لا يمكن أن يجتمع وصف السني بوقوع مخالفة لأصل من أصول أهل السنة.. 


وكلامه هذا يختلف عن جنس إطلاقات السلف المقصود بها بيان الجنس والوصف العام ومطلق المعينين...

فإطلاقات أحمد وسفيان وابن المديني هي وضع قاعدة لبيان الحكم المطلق، ثم عند التنزيل على المعينين راعوا الشروط والموانع .

ولذا قد يجتمع عند الإمام أحمد الوصف بالسنية والوقوع في الإرجاء مثلا، وهذا ينفيه ابن هادي..!!! 


فكلام الشيخ محمد بن هادي هو في وضع قاعدة في التنزيل نفسه، بمعنى أن نفي السلفية عن كل من خالف في خصلة هو صلب ما يقرره، لا نتيجة عارضة يحتمل تقييدها... 


فالشيخ #ابن_هادي يتكلم عن تحقيق مناط نفي السلفية ونفي السنية في كل معين، 

فهو يضع قاعدة في التنزيل على كل معين، وأما السلف فوضعوا قاعدة لبيان الحكم المطلق سواء في لنوع أو في العين، ولماجاؤوا للمعينبن راعوا موانع التنزيل، ولم يقترحوا الفكرة التي اقترحها الشيخ ابن هادي، فشتان بين الموقفين.. 


والغريب أن الشيخ #ابن_هادي له مقطع يذكر فيه أن #التبديع لابد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فلا أدري ما محل التبديع عنده الذي يشترط فيه توفر الشروط وانتفاءالموانع؟ 


وهذا يفتح ثلاثة احتمالات:


الاحتمال الأول: أن يكون هناك تراجع فعلي عن هذا القول الذي يشترط في التبديع إقامة الحجة؛ لأن العبرة بالمتأخر. 


الاحتمال الثاني: أن يكون الموضعان في مقامين مختلفين، فمقطع من هو السلفي في مقام هل يسمى سلفيا أولا، ومقطع الشروط والموانع في هل يُبدَّع أو لا، فيكون عند الشيخ فرق بين نفي التسمية بالسلفية والسنية وإثبات التبديع، وهذا خطأ ظاهر، فنفي التسمية بالسلفية والسنية إثبات للتبديع. 


الاحتمال الثالث: أن يكون هذا تناقضا في كلامه، لم يتنبه له. 


نعم، أوافق الشيخ أن مخالطة الحزبيين كان له أثر سيء على كثير من الشباب السلفي حتى اختلطت عندهم المفاهيم...وهذا يستدعي التحذير من مماشاة أهل البدع لغير مصلحة شرعية من غير أن نغير قواعد أهل السنة. 


وفقني الله وإياه لما يحب ويرضى 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

ما صحة عبارة (فلان وافق الخوارج لكنه ليس خارجيا مبتدعا) (وافق فلان الأشاعرة لكنه ليس أشعريا مبتدعا) ؟

 فقه كلام السلف في التبديع


ما صحة عبارة (فلان وافق الخوارج لكنه ليس خارجيا مبتدعا) (وافق فلان الأشاعرة لكنه ليس أشعريا مبتدعا) ؟ 


لا نستطيع الحكم بصحة العبارة أو عدم صحتها إلا بعد النظر في حقيقة الموافقة 

فالموافقة لفظ مجمل لا يجوز تنزيله على حكم واحد حتى يُنظر في متعلَّق الموافقة نفسها، لا في مجرد وقوعها. 

تنقسم الموافقة إلى أربعة أقسام بحسب اختلاف هذا المتعلَّق:

1-الموافقة في المنظومة الاستدلالية ذاتها على وجه يتحقق فيها علم المعين بمخالفتها للكتاب والسنة بحيث يكون تعطيل النص عند التعارض وتقديم العقل عليه هو أصل طريقته في التلقي، لا مجرد نتيجة عرضت له في مسألة بعينها.

فهذا يكون مبتدعا، ويدخل في ذلك الجويني والرازي والآمدي ووو 


2-الموافقة التفصيلية في جملة المذهب، بأن يأخذ المعين بمذهبهم على وجه التفصيل والاطراد، بحيث تتسق عنده جميع فروع المذهب اتساق من يتبنى المنظومة كاملة، فهذا أيضا يكون مبتدعا عينا، فلا بتصور الانفكاك بين الأخذ،بجميع فروع المذهب العقدي المبتده واطراد المنظومة الاستدلالية البدعية، لكن يمكن إدراك الانفكاك في الأخذ ببعض فروع المذهب وعدم الاطراد. 


3-الموافقة الجزئية في مذهبهم غير المطردة 

كأن يوافق في تأويل جملة من الصفات لا على سبيل الموافقة الكلية لهم في المذهب

وهذا القسم بين احتمالين في حكم المعين:

الأول: أن ينطلق من نفس المنظومة البدعية مع علمه أنه يقدّم الدليل العقلي أو الذوقي على الدليل الشرعي، فهذا مبتدع؛ لتحقق العلة وهي علمه بمخالفة مصدر تلقيه للكتاب والسنة، وإن قلّت مسائله الموافقة.

الثاني: أن ينطلق مما ظنه موافقا للدليل الشرعي نفسه، فلا يكون منطلقه في ظنه من العقل أو الذوق أصلا، وإنما ينطلق من تعظيم النص والاعتماد عليه، فهذا لا يُبدَّع مباشرة؛ لتخلف العلة، وإن وافقت نتيجته نتيجة أهل الكلام، ولو انتسب إلى الأشعرية

فالحكم على الفرقة بالبدعة لا يستلزم تنزيل حكمها على كل معين وافقها في بعض أقوالها أو انتسب إليها

وكون المخالف متبعا للنص في ظنه لا يمنع من وصف القول بالخطأ أو البدعة، وإنما يمنع من التسرع في تنزيل حكم التبديع على عينه قبل النظر في حاله وقيام الحجة وانتفاء الموانع. 


4- الموافقة في مسألة واحدة عن نظر في دليل شرعي بعينه كحال ابن خزيمة في حديث الصورة؛ فموافقته لم تصدر عن تقديم كلامي، ولا عن اطراد مذهبي، وإنما عن فهم ظنه هو مقتضى النص، وهذا لا يستلزم تبديع المعين بمجرد هذه الموافقة، وإنما ينظر في حاله، وما قامت عليه الحجة فيه، وما يعترض ذلك من الشبه والموانع. 


وبهذا يمكن أن نفهم لماذا لم يبدع الأئمة ابن خزيمة، ولم يبدع علماؤنا النووي وابن حجر ولا كثيرا من شراح الحديث والمفسرين...

فهؤلاء العلماء وقعت منهم موافقات غير مطردة لأهل الكلام إلاأنها صدرت عن تعظيم النص الشرعي لا عن تقديم علم الكلام عليه، فتخلفت علة التبديع المباشر وإن قامت صورة الموافقة. 


وقياس هذا على البدع المخففة أولى، فإذا كان هذا التفصيل جاريا في البدع المغلظة كتأويل الصفات، فهو في البدع المخففة كإرجاء الفقهاءأولى بالجريان

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة». 


فتأمل قوله: «دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة»، وقوله: «ما كانوا يعدون إلا من أهل السنة»،


فإن قيل: ما ذكرته من تفصيل منقوض بالواقفة واللفظية فهم ليسوا في الأصل جهمية؛ لكن لما وافقوا الجهمية؛ حكم عليهم أئمة السلف بأنهم جهمية، ولم يكتفوا بمجرد قولهم: إنهم وافقوا الجهمية

قال الإمام أحمد: «الجهمية على ثلاث ضروب: فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله، وتقف، وفرقة قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ فهم عندي في المقالة واحد».

وقال: «الواقفة واللفظية؛ جهمية».

 ومن حيث التعيين؛ قال الإمام أحمد في يعقوب بن شيبة لما وقف: «مبتدع صاحب هوى». 


والجواب عن هذا الإيراد من أوجه: 


الوجه الأول: مسألة خلق القرآن وقعت في زمن المحنة، وهي مسألة ثنائية الطرفين لا تحتمل توسطا حقيقيا، فالقرآن إما مخلوق وإما غير مخلوق، وكان الوقف نفسه ينظر إليه من أئمة السنة كموقف تحايلي مراوغ يخفي وراءه الموافقة الباطنة على قول الجهمية مع تجنب التصريح، ولهذا غلّظ أحمد فيه تغليظا خاصا، فجاءت إطلاقاتهم على وجه التحذير. 


الوجه الثاني: كما وردت عن السلف روايات أطلقوا فيها القول يأن الواقفة جهمية جاءت أيضا عنهم روايات بالاستفصال، وبوجود نصوص الاستفصال نفسها عند الأئمة تكون هي الحاكمة على المطلق


قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم". 

فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه.

وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". 


فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف:

الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع.

الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع.

الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي


وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم". 

فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره. 


فإطلاقات الأئمة كقولهم"الواقفة جهمية"، "شر من الجهمية"، إنما تحمل ابتداء على الصنف الثالث وهو المتكلم المنظِّر، لا على كل من وقف بإطلاق؛ لأن هذا هو الغالب على من كان يخاصم في هذه المسألة بالذات في تلك الحقبة، فجرى الإطلاق مجرى الغالب، لا لأن الاستفصال ساقط الاعتبار.


الوحه الثالث: من بدعه الأئمة بعينه كيعقوب بن شيبة والكرابيسي وغيرهما فمحمول على أنه تبين حاله عندهم وقيام الحجة عليه، كما قال ابن تيمية:( وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد عام حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيانةالصادرة عن ابرسول، إنما يثبت حكمها في نظيرها) مجموع الفتاوى (28/213) 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا] وبقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] على مشروعية #الاحتفال_بالمولد_النبوي، والتعلق بزمان ظهوره صلى الله عليه وسلم

 مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا]  وبقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] على مشروعية #الاحتفال_بالمولد_النبوي، والتعلق بزمان ظهوره صلى الله عليه وسلم 


مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا]  

أولا: لم يفهم هذا الفهم أحد من السلف 

فقد دارت أقوال السلف والمفسرين على أن المفروح به في هذه الآية هو الإسلام والإيمان واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولم تدل الآية على أن المفروح به يوم مولده صلى الله عليه وسلم والتعلق بزمن ظهوره

فالمفروح به في الآية بالنظر إلى سياقها هو كون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين 

ولما كان هذان من فضل الله ورحمته بهم حُق لهم أن يفرحوا بهما...

فالله فرع الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته على قوله تعالى: ((يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين)) مما يدل على أن الفضل والرحمة المفروح بهما هو مجموع ما ذكره الله في قوله [قد جاءتكم موعظة من ربكم] الآية

ولو كانت الآية دليلا على الاحتفال بمولده والتعلق بزمن ظهوره لم يغب ذلك على الصحابة والتابعين وأهل القرون الثلاثة، بل لم يغب على أكثر العلماء ...

ثم إن عدم احتفالهم يدل على أنه فهم محدث لا تدل عليه الآية

إذ كيف تدل عليه وهم لم يفهموه؟!!! 


وبهذا يتبين لنا بوضوح أن حمل الآية على الفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم مخالف لفهم السلف وعملهم...

وتكفي هذه المعارضة لإبطال هذا الاحتجاج...

نعم 

نفرح بيوم مولده لكن من غير أن نعظم هذا الزمن لذاته ونحتفل به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعظمه لذاته ولا احتفل به. 


ثانيا: هو فهم غريب عن الشريعة؛ لأننا إذا نظرنا لمجموع نصوص الشريعة وجدنا أنها تعلق رحمة الناس بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته، ولم تعلق ذلك بيوم مولده، قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }[الأنبياء (107)]

وقال تعالى[ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم] الآية

فالنبي صلى الله عليه وسلم رحمة للناس بإرساله لهم وبما تضمنته بعثته من صلاحهم في الدنيا والآخرة. 

فالفرح به فرح من جهة كونه سببا في الفضل والرحمة

ولا علاقة لذلك بتعظيم الزمن الذي ولد فيه لذاته. 


وأما قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الآية : (فضل الله العلم ، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) 

فلو صح 

فالمقصود به أنه رحمة بإرسال الله له، لا بيوم مولده، ولذا استدل بالآية التي فيها التنصيص على الإرسال. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار 


مناقشة استدلال من جوز #الاحتفال_بالمولد بقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] 


الآية أمرت أمرا مطلقا بالتذكير بنعم الله ووعظهم بالأيام السالفة

إلا أن هذا التذكير يجب أن يكون خاليا من البدع في نفس التذكير وموضوعه. 


هل دلت الآية على جواز الاحتفال بالمولد؟ 


الآية دلت على الأمر بالتذكير بإطلاق 

ولم تدل على خصوص الأمر بالتذكير بالسيرة والمولد في يوم مولده صلى الله عليه وسلم 

فلا نعتمد في مشروعية التذكير بالسيرة في خصوص يوم مولده صلى الله عليه وسلم على الدلالة المطلقة للآية

لماذا؟

لأن غاية ما تفيد الآية هو السكوت عن هذا التخصيص، وهو التذكير بالسيرة في يوم المولد،  ولا يكفي مجرد تناولها له الدلالة على مشروعيته بخصوصه

وعليه فيشترط لمشروعيته ألا يصادمه ترك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة؛ لأن تركهم دليل على أن هذه الصورة غير مقصودة لله من الآية 


فالصحابة هم أعلم الناس بمراد الله ورسوله صلى اله عليه وسلم

ومع ذلك لم يحتفلوا مع أنهم يقرؤون هذه الآية، ويعلمون التعليل في قوله صلى الله علبه وسلم:(ذاك يوم ولدت فيه)

ويقرؤون قوله تعالى[ فبذلك فليفرحوا ] 

فدليل الترك هنا أقوى من سكوت الآية ومجرد تناول النصوص المطلقة لهذا التخصيص. 


وأما تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بنجاة موسى في يوم عاشوراء 

فهذا ورد فيه دليل خاص من النبي صلى الله عليه وسلم 

ولم نعتمد في تخصيص يوم عاشوراء على ما أطلقته الآية

ولا يصح هنا القياس؛ لمصادمته الدليل. 


والخلاصة أن تخصيص التذكير بشهر بيع الأول أو بيوم مولده قدر زائد على ما أطلقته الآية، فالآية أطلقت زمن التذكير ولم تقيده بوقت مخصوص

فتخصيص التذكير بالسيرة في يوم مولده ليس مقصودا لله في الآية ولا تدل عليه... 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار