الاثنين، 5 أكتوبر 2026

الاعتصامات أين محل المنهج السلفي مما يحصل في ليبيا اليوم؟

 الاعتصامات

أين محل المنهج السلفي مما يحصل في ليبيا اليوم؟ 


في ظل التصاعد المستمر للاحتجاجات المعيشية في ليبيا، والتنديد الشديد بظواهر الفساد الإداري وتفاوت المرتبات بين الموظفين، تتكرر تهمة جاهزة تلقى على المنهج السلفي: أنه منهج يدعو إلى السكوت المطلق عن الظلم، ويوجب طاعة السلطة على كل حال، ويوفر غطاء تشريعيا للاستبداد. 


إن هذا التصور السائد لا يعبر عن حقيقة التأصيل الفقهي للمنهج السلفي، وإنما هو نتاج خلط بين ثلاثة محاور متمايزة: حكم طاعة ولي الأمر، ووجوب إنكار المنكر، والميزان الشرعي لوسائل الإنكار والتغيير. 


أولا: ما حدود طاعة الحاكم في المنهج السلفي؟ 


ليست الطاعة في المنهج السلفي مطلقة بغير قيد، وإنما هي طاعة مقيدة بحدود الشرع، وتابعة لتحقيق مقصود الولاية.

ولهذا يفرق المنهج السلفي بين الحاكم العدل الذي يطاع في المعروف ابتداء، وبين الحاكم الذي عرف بالظلم، فهذا الأخير لا تكون أوامره محل امتثال تلقائي حتى تختبر بميزان الشرع ويعلم خلوها من المعصية. 


وعليه، فإن مناط الطاعة التفصيلية ليس مجرد وحود السلطة وثبوت أصل الولاية، وإنما مناطها تحقيق المصلحة الشرعية الراجحة، فإذا اقترن الأمر بما يفوت المصالح الراجحة انتفى موجب الطاعة التفصيلية؛ لأن أوامره محكومة بميزان الشريعة. 


فإن قيل: هذا التأصيل النظري غالبا ما يتعطل في الممارسة العملية؛ حيث يطالب بعض الأفراد المنتسبين للمنهج السلفي واقعيا بالطاعة المطلقة تحت غطاء المحافظة على استقرار الدولة، وتتحول القيود النظرية مثل اشتراط موافقة الشرع إلى شعارات غير مفعلة. 


قيل: المنهج السلفي يقرر هذه القيود باعتبارها أحكاما شرعية ملزمة، ووقوع الخلل في التطبيق من بعض الأفراد يحسب على الممارسين فقط، ولا يتخذ حجة لإبطال النصوص والأصول الشرعية الحاكمة للعلاقة بين الراعي والرعية، ولا يتخذ حجة أيضا للقدح في المنهج السلفي. 


فإثبات أصل الولاية للحاكم الظالم لحفظ عقد الجماعة ومنع الفوضى، لا يعني مطلقا التفويض له بأن يأمر بما يشاء، فالمنهج السلفي يتوسع في إثبات أصل الولاية حماية للاستقرار، لكنه يضيق في الطاعة التفصيلية حفظا لأحكام الشريعة. 


ثانيا: هل مشروعية إنكار المنكر تستلزم مشروعية كل وسيلة إليه؟ 


هنا يكمن موضع النزاع الجوهري بين المنهج السلفي وغيره من التيارات. 

فالمنهج السلفي لا ينازع أبدا في وجوب إنكار الفساد والظلم الصادر من المسؤولين، فكون الإنسان حاكما لا يمنحه حصانة تشرع منكره، وإنما يقع الخلاف في مدى مشروعية الوسائل المستخدمة للإنكار. 


وبهذا يتبين لك بوضوح أن الموقف السلفي يقوم على أصلين متكاملين: 


الأول: رفض الظلم والفساد من الحاكم، وعدم التسليم بشرعية الطاعة التفصيلية المطلقة للحاكم الظالم. 


الثاني: إخضاع وسائل الإنكار للميزان الشرعي، بحيث لا تُختار وسيلة يغلب على الظن أن تفضي إلى مفسدة أعظم من المصلحة المرجوة. 


هذا هو المنهج السلفي باختصار، فهو يجمع بين رفض المنكر والتحفظ على بعض وسائل تغييره إذا غلب على الظن أنها تؤول إلى نتائج أشد ضررا. 


ويستند هذا البناء إلى قاعدة مقاصدية معروفة، وهي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض، وهذا الميزان يوازن بين نوعين من المفاسد: مفاسد قائمة: كالفساد الإداري وسوء الأوضاع المعيشية، ومفاسد متوقعة أشد خطورة: كحروب الأهلية، وسفك الدماء، وانهيار كيان الدولة، والتدخل الأجنبي. 


قد يعترض معترض فيقول: إذا منعت الاعتصامات والمظاهرات فلن يتغير المنكر، بل سيزداد الحكام استبدادا؛ لأن الوقائع أثبتت أنهم لا يتراجعون إلا تحت ضغط الشارع. 


والجواب عنه بالمنظور السلفي من جهتين: 


أولًا: ليس كل وسيلة تحقق قدرا من المصلحة تكون مشروعة في نفسها؛ إذ لا يقتصر النظر الشرعي على النتائج المرجوة دون النظر إلى ما يترتب على الوسيلة نفسها من مفاسد، فمجرد كون بعض الحكام يخشون المظاهرات أو يقدّمون تنازلات تحت ضغطها لا يكفي للحكم بمشروعيتها على الإطلاق، ما لم تثبت رجحان مصالحها على مفاسدها في مجموع الأحوال. 


ثانيًا: الاستدلال ببعض الوقائع لا يكفي لإثبات قاعدة عامة؛ فكما أن الواقع نفسه يشهد بأن المظاهرات والاعتصامات أفضت في بعض البلدان إلى إصلاحات، كذلك الواقع نفسه يشهد بأنها كانت في بلدان أخرى سببا في انهيار الأمن وسفك الدماء، واتساع الفوضى، والتدخلات الخارجية وانقسام المجتمعات، وإذا كان الواقع متنوعا امتنع بناء حكم عام على جزء منه وإهمال بقيته.

كما أن غلبة ما تفضي إليه في نفسها من مفاسد تمس الضرورات تجعل الحكم بمنعها مطلقا هو الأقوى؛ لقاعدة ترجيح المفاسد الغالبة على المصالح المرجوحة أو المتوهمة. 


فالمنهج السلفي لا ينازع في أن بعض الاحتجاجات قد تحقق مكاسب سياسية، وإنما ينازع في صلاحية هذه الوسيلة لتكون أصلا عاما يُدعى إليه؛ لأن العبرة في الشريعة ليست بمجرد إمكان تحقق المصلحة، وإنما برجحانها عند موازنتها بالمفسدة. 


فإن قيل: في غياب البدائل ألا يكون رفض وسائل الضغط الشعبي يعد انحيازا ضمنيا لاستمرار الواقع الفاسد؟. 


قيل: هذه الثنائية مغالطة وهي إما الاعتصامات أو الانحياز للظلم والفساد، ووجه كونها مغالطة: أن رفض وسيلة معينة كالاعتصامات والمظاهرات لا يعني بحال تعطيل الإنكار أو القبول بالاستبداد، فالشريعة لم تحصر الإنكار في وسيلة واحدة، وإنما وضعت منظومة متكاملة لإنكار المنكر تتضمن: النصح المباشر والمكاتبة، والاحتساب العلمي والدعوي والتوجيه المجتمعي لإصلاح الأفراد والمجتمع، وإنكار المنكر نفسه علنا وبيان حكمه للناس. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 4 أكتوبر 2026

الجماعات والطوائف والفرق لا تحاكم إلى أخطاء بعض أفرادها

 من أبجديات العدل والإنصاف: أن الجماعات والطوائف والفرق لا تحاكم إلى أخطاء بعض أفرادها التي لا تعبر عن أصول الجماعة أو الطائفة، وإنما تحاكم إلى أصولها ومقولاتها الثابتة أو ما كان لازما لها لزوما بينا لا يمكن انفكاكه عن الأصل أو المقالة. 


فإذا ثبت أن بعض المنتسبين إلى طائفة حول حكمه على المخالف بالتبديع إلى استباحة دمه 

فهذه مواقف خاطئة ينكر على أصحابها بأعيانهم بحسب ما ثبت عنهم، أما أن ينتقل من مواقف معينة لبعض الأشخاص إلى إطلاق أحكام على عموم المنتسبين بأوصاف جامعة، ويجعل مواقف بعض الأفراد دليلا على حقيقة الطائفة كلها، فهذه هي مغالطة التعميم.

ومن عاب على غيره ترك التفريق بين القول وقائله، لزمه ألا يقع في ترك التفريق بين فعل الفرد وأصل الجماعة. 


ولا يستقيم تشبيه من يبدع مخالفه بمن يكفره بجامع استباحة الدم؛ إذ لا تلازم بين مجرد التبديع وسفك الدم، فالتبديع العيني هو حكم شرعي على قائل ثبتت مخالفته للسنة وتحقق مناط الحكم، وليس حكما بإهدار دم. 

وإن وقع التبديع تعسفا وظلما، فعلى المتعدي إثم الظلم، ولا يلزم من مجرد تبديعه تعسفا أنه استباح دمه

بخلاف التكفير بغير حق فيسهل على المكفر أن يحول حكمه إلى استباحة الدم كما وقع في تيارات الغلو التكفيري؛ لأن التكفير حكم يتعلق بإخراج المعين من الإسلام، وتترتب على ثبوت الكفر أحكام تتعلق بالدم والمال والنكاح وغيرها، ولذلك كان باب التكفير أخطر من هذه الجهة. 


فإن تجاوز شخص بعينه فسفك دما بسبب التبديع، فالمؤاخذة عليه بعينه، ولا تحمل الطائفة ما ليس من أصولها ولا من لازمها اللزوم البيّن.


وأما القول بعدم اعتبار الجهل والتأويل في بعض صور التبديع العيني فلا يلزم منه استباحة دم المخالف بحال..... 


ومن ادعى أن الاستباحة أصل عندهم أو لازم بين لأصولهم، أو نتيجة يلتزمونها، فليأت بنصوص أئمتهم على ذلك إن استطاع.. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 3 أكتوبر 2026

سجن الدعاة نقض دعوى مساواة العقوبة التعزيرية المشروعة باستباحة الدماء زعم بعضهم أن الدواعش يستبيحون دم المسلم وعرضه وماله بدعوى التكفير، وأن من يسميهم بالجامية والمداخلة يفعلون الشيء نفسه بدعوى التبديع. !!!

 سجن الدعاة

نقض دعوى مساواة العقوبة التعزيرية المشروعة باستباحة الدماء 


زعم بعضهم أن الدواعش يستبيحون دم المسلم وعرضه وماله بدعوى التكفير، وأن من يسميهم بالجامية والمداخلة يفعلون الشيء نفسه بدعوى التبديع. !!! 


ولنضع هذا الكلام على ميزان التحقيق الشرعي والعقلي؛ ليتبين تهافته ويظهر بطلانه: 


اعتمد في الشبهة الأولى للتدليل على كلامه على قياس اقتراني: ويمكن صياغتها:

- المقدمة الصغرى: الجامية يحكمون على المخالف بالبدعة فيستبيحون دمه وعرضه وماله.

- المقدمة الكبرى: كل من استباح دم المسلم المعصوم بالحكم على المخالف بالبدعة فهو كالدواعش والخوارج

- النتيجة: الجامية والدواعش وجهان لعملة واحدة. 


وتفنيدها: 


1.الخلل كما تلاحظ هو في أصل الدعوى وهو الانتقال من ثبوت التبديع إلى دعوى استباحة الدم والعرض والمال، من غير إثبات الملازمة بين الأمرين

ولذا نمنع ابمقدمة الصغرى وهي أن الحكم بالتبديع يساوي استباحة الدم، فالتبديع حكم علمي لا يستلزم استباحة الدم والعرض والمال؛ ذلك أن المبتدع مسلم معصوم الدم ما لم يرتكب جناية توجب العقوبة. 

والعقوبة التعزيرية اي تكلمت عنهم حول سجن الدعاة  مقيدة بتحقق الموجب كبدعة يظهر أثرها المتعدي في الإفساد أو التحريض أو الإخلال بالأمن عند ثبوت موجب العقوبة شرعا، وبعد قيام الحجة، وتصدر عن الجهة صاحبة الولاية المختصة وفق الضوابط الشرعية والقضائية المعتبرة

فالعقوبة التعزيرية ليست أثرا لازما لمجرد وصف الشخص بالبدعة، وإنما تكون عند ثبوت موجب معتبر شرعا، وهذا ضد الاستباحة، لأن الاستباحة إطلاق للعدوان بغير حق، أما التعزير فعقوبة شرعية منضبطة بموجبها وولايتها وإجراءاتها ومقاصدها. 


(يكذب من يسوي بين الحكم بالتبديع واستباحة الدماء بمجرد الحكم بالتبديع

فالحكم على الشخص بالبدعة لا يستلزم الحكم باستخقاقه لعقوبة معينة، والحكم باستحقاقه لعقوبة معينة لا يساوي استباحة دمه أو ماله أو عرضه بغير حق.) 


2. فساد الجامع بين الفرع والأصل، فالداعشي يقتل بلا ولاية شرعية معتبرة ولا قضاء معتبر ولا نظر في المفاسد، وأما التعزير المشروع فلا يكون بمجرد مبادرة الأفراد، وإنما مرده إلى ولاية معتبرة، ويثبت بموجب شرعي معتبر، وتراعى فيه الضوابط القضائية والمصالح الشرعية. 

فالتسوية بين القتل العدواني الواقع بغير حق وبين العقوبة الشرعية التي توقعها الجهة المختصة بموجب معتبر وضوابط شرعية: قياس ظاهر الفساد 


وأما مناط حديث«يقتلون أهل الإسلام» فهو القتل بغير حق بناء على التكفير والخروج بالسيف، ولا يدخل فيه من يقرر حرمة الدماء ويجيز العقوبة بحق، ومجرد اشتراك العقوبتين في وقوع الأذى على البدن لا يجعلهما من جنس واحد؛ وإلا لزم التسوية بين العقوبة القضائية المشروعة وبين القتل العدواني، وهو باطل 


واعتمد في الشبهة الثانية على صورة قياس شرطي متصل، ويمكن صياغته:

المقدمة الأولى: إذا صار كل من أنكر ظلم الحاكم خارجيا، وكل من خالفهم في مسألة مبتدعا، وكل مبتدع مستحقا للعقوبة، اكتملت حلقة تبرير الظلم والاستبداد.

المقدمة الثانية: وهذا هو مذهب الجامية

النتيجة: فمذهبهم غطاء شرعي لتبرير الظلم وتحويل للتبديع إلى سيف على المخالفين. 


وتفنيدها:

1-منع المقدمة الثانية، فلا يقولون: إن كل منكر على الحاكم: خارجي، ولا إن كل مخالف: مبتدع عينا، ولا إن كل مبتدع عينا: يعاقب، فهذا كذب على الخصوم وتقويل لهم ما لا يقولون!!!

وقد عرف عن هؤلاء المدعين: الكذب والتدليس، فلا يستغرب منهم هذا، بل هذا ما اعتدناه منهم!!! 


وإنما العقوبة مقيدة بالداعي إلى البدعة المفسدة للعقيدة والأمن العام، وبعد قيام الحجة، وبالفعل أو التحريض المحقق، وبالحكم القضائي 


ومن هنا لا يصح إلزامنا بتصحيح سجن الإمام أحمد أو ابن تيمية لمجرد قولنا بجواز التعزير في بعض صور البدع؛ لأن الكلام في أصل مشروعية التعزير بضوابطه، لا في صحة كل واقعة تاريخية نسبت إلى التعزير، ولا في مشروعية كل حبس وقع باسم حماية العقيدة. 


2-فساد الملازمة، فلو سلمنا جدلا بتحقق الشرط والمقدمة الثانية، فالتلازم بين العقوبة على البدعة وبين تبرير الظلم غير لازم؛ إذ العقوبة على المبتدع المفسد مشروعة إذا وقعت بضوابطها، والظلم ما خرج عنها. فمن أثبت جواز التعزير بضوابطه لم يبرر الظلم، بل ضيق بابه، وإنما يكون تبريرا إذا أطلق الحكم بلا قيد أو أنزله بلا بينة. 


أما شبهة تحويل السمع والطاعة والتبديع إلى أداة لتبرير الاستبداد

​ففيها مغالطتان: تشويه أصل السمع والطاعة وجعله حماية للفساد، وتقويل الخصم ما لم يقل. 

والجواب:

١-وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية ثابت بالنصوص القطعية من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وليس خطة سياسية لحماية حاكم بعينه، فالشرع لم يربط الطاعة بكمال في الحاكم المسلم، وإنما أمر بها لحفظ جماعة المسلمين ودرء الفوضى وسفك الدماء. 


٢-من يقرر حرمة الخروج ويضبط الإنكار بالضوابط الشرعية لا يحمي الاستبداد، فالنصيحة مشروعة، وإنكار المنكر ثابت في الشريعة، وله ضوابطه وطرقه الشرعية

والخطاب الشرعي المنضبط لا يجعل التبديع سببا لاستباحة الدماء، كما لا يجعل السمع والطاعة ذريعة إلى إقرار الظلم؛ وإنما يضع لكل باب أحكامه وضوابطه ومناطاته. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الجمعة، 2 أكتوبر 2026

(سجن الدعاة واضطهادهم!!)

 

سمعت مقطعا لأحمد السيد يتكلم فيه عن مشابهة عصرنا للعصر الذي بعث فيه موسى عليه السلام، من جهة طغيان الحاكم واستبداده، ومن جهة اضطهاد من سماهم أهل الحق من الدعاة.

ولنا وقفة مع من وصفهم بأهل الحق ممن هم في السجون.

أولا: قرر ابن تيمية وغيره أن الداعي إلى البدعة ومن ثبتت مخالفته الشرعية الموجبة للتعزير فإنه يستحق العقوبة بعد قيام الحجة، وتحقق موجبها
وقرر العلماء في السياسة الشرعية أن الجنايات التي تضر بالمجتمع والنظام العام يعاقب فاعلها تعزيرا وتأديبا بالحبس وغيره، بقدر ما يتحقق به الزجر ودرء الفساد وبما يتناسب مع الجرم، على أن يكون التعزير مبنيا على فعل ثابت أو تحريض محقق، لا على مجرد التهمة.

ثانيا: لقد كان لبعض منظري التيارين القطبي والسروري دور بارز في زعزعة استقرار المجتمعات الإسلامية، بسبب ما بثوه من فكر تكفيري، وتأليب للشباب ضد الحكومات، وإذكاء للنزاعات السياسية والاجتماعية.

فمن ثبت في حقه تبني هذه الأفكار أو الدعوة إليها، أو التحريض على العنف والاعتداء، أو المشاركة في أعمال تضر بالامن وحقوق الناس، فللجهات المختصة اتخاذ الإجراءات الشرعية والقانونية بحقه، بما في ذلك المحاكمة والعقوبة المناسبة اذا ثبت موجبها، وبما يحقق حفظ الامن والاستقرار.

ثالثا: لا تعارض بين هذا الطرح وموقف ابن تيمية حين عفا عن خصومه، كالقاضي ابن مخلوف وغيره ممن سعوا في حبسه وأفتوا بقتله، رافضا طلب السلطان الناصر محمد بن قلاوون الانتقام منهم؛ لأن ابن تيمية عفا عن حقه الشخصي.

وأما ما يمس أمن المجتمع وعقائد الناس واستقرارهم، فهو حق عام متعلق بحفظ بيضة المسلمين وأمنهم، لا يسقطه عفو الأفراد.

رابعا: تنزيل حالة موسى مع فرعون على واقعنا المعاصر هو من تأثير الفكر القطبي السروري على أحمد السيد، ويعد قياسا مع الفارق؛ إذ لا يصح بناء القياس على مجرد وجود الظلم في الحالتين، دون النظر إلى اختلاف الظروف والأحكام والملابسات،

ولا يصح أيضا نقل الأحكام المتعلقة بمواجهة فرعون مباشرة إلى التعامل مع حاكم مسلم بمجرد وجود ظلم أو استبداد،

فالشريعة جاءت بأحكام مخصوصة في التعامل مع ولاة أمور المسلمين، من النصيحة والإنكار بالضوابط الشرعية، والصبر على الجور، وتحريم الخروج الذي يفضي إلى الفتنة والفساد.

ومن أوجه الفرق بين الواقعين:

1. حكام المسلمين الذين ثبت إسلامهم واستقر حكمهم يقرون بالإسلام، وتقام في دولهم الصلاة وشعائر الإسلام ويتحقق فيها الأمان، أما فرعون فكافر أصلي ادعى الربوبية، ولا تقام في دولته شعائر الدين الذي جاء به موسى.

2. حكام المسلمين لهم أصل عقد الولاية الشرعية، أما فرعون فلا ولاية له أصلا على بني إسرائيل.

3. الرعية والمجتمع تحت ولاية حكام المسلمين مسلمون يقيمون شعائر دينهم، أما بنو إسرائيل تحت حكم فرعون فقد كانوا مستضعفين.

4. الواجب نحو حكام المسلمين الصبر والنصيحة وتحريم الخروج، أما الواجب نحو فرعون فالمفاصلة التامة.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 1 أكتوبر 2026

تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار

 تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني 

بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار 


1. دعوى: يناقض السلفيون أنفسهم حين يعتذرون للنووي وابن حجر وامثالهما بغلبة البيئة #الأشعرية في عصريهما، وهو اعتراف منهم بانتشارها، ثم ينكرون أن الاشاعرة هم أغلب الأمة. 


التعقيب: لا تعارض بين الأمرين؛ فغلبة المنهج التأويلي في بيئة زمانية أو مكانية متأخرة لا تعني غلبته على مجموع تاريخ الأمة ولا على القرون الفاضلة الأولى، والاستدلال بغلبة المذهب في عصر أو مصر مخصوص على مشروعيته أو غلبته المطلقة استدلال بالخاص على العام، وهو استدلال باطل عقلا ومنطقا. 


2. دعوى: يحتج السلفيون بأقوال أئمة الأشاعرة، وفي الوقت ذاته ينفون إحاطتهم بحقيقة التوحيد. 


التعقيب:الاحتجاج بنصوص فقهائهم في إنكار التوسل البدعي والشركيات هو من باب إقامة الحجة عليهم بلوازم مذهبهم ومقررات فقهائهم، أما نفي إدراكهم لحقيقة التوحيد، فإنما يتوجه إلى ما قررته متون علم الكلام التي قصرت حقيقة التوحيد على نفي التعدد والتركيب والشرك في الربوبية دون توحيد الإلهية والعبادة. 

كما أن الاحتجاج بالعالم في مجاله كالحديث أو الفقه أو التفسير لا يقتضي تصويبه في كل مسألة عقدية، فلا يلزم من ذلك تناقض؛ لاختلاف جهة الاحتجاج. 


3. دعوى: يذم السلفيون علم الكلام ويحرمونه، بينما يستعملون الأدلة العقلية. 


التعقيب:ذم السلف لعلم الكلام متجه إلى المناهج المبتدعة القائمة على القواعد الفلسفية الفاسدة وتقديمها على النصوص الشرعية وتأويلها، أما الاستدلال العقلي الصحيح، واستعمال القياس المنطقي المستقيم، والاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية الفطرية، فليس من الكلام المذموم في شيء، وإنما هو من صميم المنهج الشرعي. 


4. دعوى: ينقل السلفيون نصوص السلف في النهي عن الجدال والخصومات، ويمارسون المناظرة والردود. 


التعقيب: النهي عن الجدال منصرف إلى المماراة العبثية والجدال بالباطل، ومقصوده حماية العامة من الشبهات ، أما المجادلة بالتي هي أحسن ومناظرة أهل الأهواء لدحض شبهاتهم عند ظهورها وانتشارها، فذلك واجب شرعي على الكفاية لحفظ بيضة الدين، اقتداء بمناظرة عبد الله بن عباس للخوارج ومناظرات أئمة السنة لمنكري الصفات. 


5. دعوى: ينسب السلفيون موافقة بعض كبار المحدثين للأشاعرة إلى الجهل بالسنة. 


التعقيب: الإمامة في رواية الحديث ونقده لا تستلزم العصمة من التأثر بالمسالك التأويلية السائدة في العصر، فالقصور هنا ليس في معرفة الرواية والحديث النبوي مجردا، وإنما في إدراك لوازم المنهج السلفي التفصيلي في نصوص الصفات ومفارقة التأويلات الكلامية التي راجت عند المتأخرين. 


6. دعوى: يذم السلفيون الفلسفة ويحرمون الاشتغال بها، بينما يمتدحون استبحار ابن تيمية فيها وتفوقه على أربابها. 


التعقيب: الثناء على علم ابن تيمية بالفلسفة هو ثناء على قدرته الفائقة على نقضها وتفكيك أصولها من داخل منظومتها، وبالاستفادة من مصطلحات أصحابها، لا إقرار بمنهجها ولا حث على اتخاذها مصدرا للمعرفة؛ فتعلم الباطل لغرض نقضه وإبطاله يباين ممارسته والاعتقاد به. 


7. دعوى: يذم السلفيون التصوف بإطلاق، وينقلون في الوقت نفسه ثناء ابن تيمية عليه. 


التعقيب: الموقف السلفي مبني على التفصيل لا الإطلاق الموهم؛ فيذم من التصوف ما اقترن بالبدع العقدية والشطحات الفلسفية كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ويُقبل منه ما وافق الكتاب والسنة من حقائق الزهد الشرعي، ومقامات الإحسان، وأعمال القلوب؛ فباختلاف المحل يرتفع الإشكال.

كماأن بعض من أطلق ذم التصوف إنما نظر إلى ما غلب على بعض مراحله المتأخرة من ممارسات ومقولات لا تنسجم مع الزهد الموافق للسنة. 


8. دعوى: يستشهد السلفيون بردود الفلاسفة على المتكلمين، مع أن الأصل والإنصاف يقتضيان تقديم الأقرب إلى السنة كالأشعري على الأبعد كالفيلسوف. 


التعقيب:الاستشهاد برد الفيلسوف على المتكلم يقع في باب الإلزام وتبيين الاضطراب والتناقض الداخلي في المنظومة الكلامية، وإلزام الخصم بما هو معتبر عند أهل فنه، وليس فيه تفضيل للفيلسوف على الأشعري في الدين والاعتقاد؛ إذ الأشاعرة أقرب طوائف المتكلمين إلى السنة في بعض الأبواب، وقبول مقدمة صحيحة أو إلزام عقلي من الفيلسوف لا يستلزم تقديمه في الرتبة على من هو أقرب منه للإسلام. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مشارك بقسم أصول الدين

كلية علوم الشريعة

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

ملاحظات عقدية على تفسير بعض الآيات في كتاب المنتخب من صحيح التفسير

 ملاحظات عقدية على تفسير بعض الآيات في كتاب المنتخب من صحيح التفسير

هذا البحث لا يقصد الحكم على مؤلف الكتاب ولا تصنيفه في فرقة أو مذهب، وإنما يدرس عبارات محددة ويقارنها بأصول أهل السنة في باب الصفات والكلام والقدر.

وقد سألني بعض المشايخ: هل توجد أخطاء عقدية في كتاب «المنتخب من صحيح التفسير»؟

فلم أجبه حينها بشيء يتعلق بالأخطاء العقدية، ثم بعد تصفح سريع لتفسير بعض الآيات العقدية في سورتي البقرة وآل عمران فقط، وقفت على مواضع يظهر فيها أن بعض التفسيرات قد اختير من تفاسير المتكلمين، ولا علاقة لها بتفاسير أهل السنة كتفسير الطبري وابن كثير وابن سعدي وأمثالهم
فأحببت أن أنبه من يريد قراءة الكتاب على هذه المواضع؛ نصحا لعامة الناس، ومن غير تعرض لشخص الكاتب  ولا عقيدته، ولا يلزم من نقد هذه العبارات الطعن في المؤلف أو تصنيفه في أهل الكلام؛ إذ المقصود بيان ما يظهر من موافقة بعض العبارات لمناهج كلامية وأصولهم وتفسيراتهم.
وإليك بيان هذه المواضع:

■تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
قال الكاتب: (وسمي جزاء الاستهزاء، وهو إنزال الهوان والعذاب بالمنافقين، استهزاء من باب المشاكلة والازدواج في الكلام، باستعمال ما يماثل اللفظ السابق عندما يكون جزاء له وجوابا).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾: (والمكر إيصال الضر إلى الغير بوجه فيه خفاء، والله لا يحتاج في إيصال الضر لمن استحقه إلى شيء من هذا، فنسبته إلى الله إنما هو من باب المشاكلة والمقابلة بمكرهم).

●التعقيب:
حمل الاستهزاء والمكر على المشاكلة والمقابلة، بحيث يترتب عليهما نفي حقيقة المعنى الذي أخبر الله به عن نفسه
وطريقة أهل السنة أن هذه الصفات وردت مقيدة بمقابلة فعل المخلوقين، كقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، فتثبت حقيقة على وجه الجزاء العادل اللائق بالله، ولا يشتق منها له اسم، ولا تطلق عليه إطلاقا بلا تقييد.

وأما تفسير الكاتب المنتخب فمبني على تصور كلامي مفاده قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.

■تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
قال: (وأصل الاستحياء استقباح فعل الشيء لنقص فيه، وهو محال على الله تعالى، والمعنى: إن الله لا يمتنع عن ذكر المثل الذي يريده).

●التعقيب:
الملاحظة على هذا التفسير أنه جعل أصل معنى الاستحياء: ما يقع للمخلوق من استقباح لنقص فيه، وجعل ذلك مسوغا للتأويل، فوافق المتكلمين في حمل أصل معاني الألفاظ من جهة لغة العرب على الحقائق التي تختص بالمخلوق، لا على المعنى الكلي الذهني، ثم رتبوا على ذلك التأويل...

فوافقهم الكاتب لما فسر أصل الاستحياء بأنه استقباح فعل الشيء لنقص فيه، وهذا في حق المخلوق
ورتب عليه تأويله بأنه كناية عن عدم الامتناع من ذكر المثل.
قوله بعدم الامتناع مبني على مقدمة كلامية.
والصواب أن الحياء ثابت لله في النصوص على الوجه اللائق به، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله حيي ستير...» وهو حياء كامل لا نقص فيه،

ثم إن الآية نفسها وردت في سياق نفي، فيحسن التفريق بين الاستحياء المنفي هنا، والحياء المثبت في الحديث.

■تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾
قال: (تعلقت إرادته سبحانه بخلق السموات).

●التعقيب:
هذا التفسير لا يتضمن إثبات الاستواء الوارد في الآية على أنه فعل قائم بذات الله، فتفسيره بتعلق الإرادة نفي لكونه فعلا قائما بذات الله بمشيئه واختياره، وهو موافق لتأويل متأخري الأشاعرة للاستواء بالإرادة ومتعلقها، فيجعلون الاستواء نفسه معناه تعلق الإرادة بخلق السماوات
ثم التعبير بتعلق الإرادة اصطلاح كلامي، يفسر به حدوث الآثار وتخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ويلزم منه نفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله على الوجه الذي يثبته أهل السنة.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ﴾
قال: (وخطاب الله للملائكة متقرر ثابت في علم الله تعالى أزلا، وتعلقت إرادة الله بتوجيهه إلى الملائكة عند خلق آدم، وهكذا يقال في كل أمر الله وقضائه، هو متقرر في علم الله في الأزل بأن يحصل في الوقت الذي أراده سبحانه أن يحصل).

●التعقيب:
ليس الإشكال في العبارة في كون الله كان عالما أزلا بأنه سيخاطب الملائكة.
وإنما الإشكال في جعل علم الله السابق بالقول أو إرادته السابقة لوقوعه، هو عين القول والخطاب الواقع.
فالمسألة ليست: هل كان الله عالما أزلا بأنه سيتكلم؟ وإنما المسألة: هل القول الذي أخبر الله عنه هنا قول حقيقي صدر منه حين شاء كما هو مذهب أهل السنة، أو أن الموجود حقيقة ليس إلا تعلق الإرادة القديمة بوقوع خطاب في ذلك الوقت، بينما الكلام نفسه لا يتعلق بالمشيئة والاختيار كما هو مذهب الأشاعرة؟
فكلام الكاتب يدل على أن الكلام نفسه ليس من الأفعال الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله، وإنما الموجود هو معنى أزلي واحد تتعلق الإرادة بتوجيهه إلى المخاطب في وقت معين.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾
قال: (وعند أهل السنة: السحر له حقيقة، يخلق الله عنده من الضر والنفع أو غير ذلك من خوارق العادات ما شاء).

●التعقيب:
جعل الكاتب الضر والنفع يحصل عند وجود السحر، لا به، وهذه هي حقيقة مذهب الأشاعرة في نفي تأثير الأسباب في مسبباتها بإذن الله
كما أن الكاتب أثبت أن السحر من جنس خوارق العادات. وهذا يوهم أنه لا فرق بين ما يجري على أيدي السحرة وبين معجزات الأنبياء إلا في ادعاء النبوة والتحدي، وهذا هو مذهب الأشاعرة

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
قال: (إذا أراد إيجاد شيء فبمجرد إرادة إيجاده يكون موجودا... وإنما أمره سبحانه إذا أراد حصول شيء هو مجرد أن تتعلق به إرادته، فيحصل بلا توقف على شيء، فلا يحتاج سبحانه وتعالى حقيقة في إيجاد شيء إلى قول «كن»، وإنما هو تمثيل للتقريب في سرعة إيجاد ما يريد).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: (كان يقول الله له «كن فيكون»، أي بمجرد تعلق القدرة بخلقه دون توقف على شيء).

●التعقيب:
هذا من أظهر ما في الكتاب مخالفة لظاهر النص، فقد جعل الإيجاد لا يكون بقول الله تعالى للشيء «كن»، وإنما بمجرد تعلق الإرادة به، أو تعلق الإرادة والقدرة، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فوجد من غير قول. وعلى هذا القول لا يثبت قول من الله متعلق بالإيجاد كقوله سبحانه: «كن».
والآية صريحة في إثبات القول، فجعله تمثيلا مخالف لظاهرها ولإجماع السلف، وهو يرجع إلى أصل مسألة الكلام عند المتكلمين. ويتبين بذلك أثر الانتخاب من كتب المتكلمين التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
قال: (والمتشابه في هذه الآية له معنيان: ... والمعنى الثاني للمتشابه في الآية هو الخفي الذي لم يتضح معناه، ويكد فيه الراسخون في العلم أذهانهم لبيان معانيه ورده إلى المحكم الواضح، كما في إثبات الصفات السمعية لله سبحانه على ما يليق به دون خوض في كيفيتها).

●التعقيب:
مثّل الكاتب للمتشابه الخفي الذي لم يتضح معناه بنصوص الصفات السمعية، وهذا جار على طريقة المتكلمين، وفيه إيهام أن معاني الصفات غير معلومة، والسلف فرقوا بين معنى الصفة، وهو معلوم، وكيفيتها، وهي المجهولة.

كتبه نصحا
د. أحمد محمد الصادق النجار
أستاذ مشارك بقسم أصول الدين

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

هل تغيرت فتاوى مشايخ أهل السنة في أفغانستان لتغير جنس المحتل؟

 

هل تغيرت فتاوى مشايخ أهل السنة في أفغانستان لتغير جنس المحتل؟

يتهم بعض خصوم الدعوة #السلفية المباركة علماءها بأن فتاواهم في #الجهاد_الأفغاني تغيرت تبعا لتغير جنس المحتل من روسي إلى أمريكي، وأن الباعث للتحريض على النفير العام أو النهي عنه إنما كان يتشكل وفق الإرادة الأمريكية!!!
وهذه دعوى لا تصمد أمام النظر في نصوص المشايخ وتعليلاتهم، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ الألباني والشيخ صالح اللحيدان رحمهم الله.

ومن المقرر عقلا وشرعا أن تقاطع المصلحة بين طرفين مختلفين في عقيدتيهما ومبادئهما أمر وارد،  فالأمريكيون حاربوا الروس في أفغانستان بـدافع سياسي واستراتيجي؛ لإضعاف الاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة، بينما انطلق علماء أهل السنة في فتواهم بجهاد الروس من دافع إيماني شرعي وهو نصرة شعب مسلم صالت عليه دولة شيوعية ملحدة وسعت لطمس دينه.
واستغلال دولة كبرى للظرف الشرعي وتحويله لخدمة أجندتها هو شأن السياسات الدولية، ولا يلزم منه بحال أن مفتي النازلة كان أداة في تلك الأجندة؛ لأن المفتي ينظر في تحقق شروط الوجوب أو الاستحباب الشرعي في عين الواقعة.

ولفهم المسألة على وجهها الأصولي الصحيح يجب ابتداء التفريق بين أمرين:
​الأول: أصل مشروعية دفع العدو الصائل عن البلد، وهو من الأحكام المقررة عند أهل العلم.
​الثاني: حكم نفير الأفراد من خارج الساحة لنصرة أهل البلد، وهو حكم آخر تتعلق به اعتبارات القدرة والمصلحة والمفسدة وتنظيم القتال وغير ذلك.

فتغير الفتوى لم يكن تغييرا في الحكم الشرعي الثابت في أصل مشروعية دفع المحتل، وإنما كان تغيرا في الحكم التنزيلي المتعلق بنفير الأفراد من الخارج؛ لتغير المناط والأحوال والنتائج والمآلات.

​ويظهر ذلك جليا عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى إبان دخول الروس إلى أفغانستان وهجومهم على المسلمين

كان الظاهر من حال الفصائل في أول الجهاد اجتماعها على دفع الجيش السوفيتي المحتل، وكانت الغاية المعلنة تحرير البلاد لتكون كلمة الله هي العليا.
فجاء تأييد المشايخ وحثهم من هم خارج البلاد على الجهاد في أفغانستان؛ بناء على ظاهر الحال وما تحقق فيه من أوصاف الجهاد الشرعي.
سئل الشيخ العثيمين عن الجهاد في أفغانستان، فقال: «لا شك أنه جهاد إسلامي، فيه قمع للكفرة وأعوانهم». (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، ٢٥/٤٢٦)

وقال: «الذي أرى أن هذا الجهاد جهاد في سبيل الله؛ لأن المعروف عن قادته وزعمائه أنهم يريدون أن يحرروا بلادهم من الكفر وأتباعه، لتحرر فيها كلمة الله وتكون كلمة الله هي العليا، وهذه هي نية الجهاد الإسلامي، هذا هو المعروف عنهم، وبناء عليه فإن الجهاد في أفغانستان يُعتبر من الجهاد في سبيل الله». (٢٥/٤٢٨)

المرحلة الثانية ما بعد الجلاء وقبل الدخول الأمريكي

آلت الأمور إلى الصراع بين الفصائل، ووقعت الفوضى، وسالت الدماء بين الإخوة، فتغير الواقع وتغيرت معه النتائج والمآلات، وظهرت موانع شرعية ومصلحية من الاستمرار في الحث على الذهاب إلى أفغانستان.

وهنا تأتي أهمية تحقيق المناط؛ إذ ليس السؤال عن حكم الجهاد في صورة مجردة، وإنما عن الواقعة الماثلة: هل ما زالت الأوصاف التي بني عليها الحكم في المرحلة الأولى متحققة، أو طرأ ما يمنع من تنزيله؟

سئل الشيخ العثيمين في مجموع فتاويه: سبق أن أفتيتم بالذهاب إلى بعض الأماكن كأفغانستان ثم الآن لا تفتون بذلك، فلماذا؟
فأجاب: «لأن الأمور تتغير بتغير النتائج، ففي بداية ظهور الحرب في أفغانستان كنا نؤيد الذهاب، ولكن صارت النتائج بخلاف ما نريد، فالراجعون من هناك معروف حالهم إلا من سلّمه الله، والباقون لا يخفى ما يقع بينهم من الحروب الطاحنة». (٢٥/٣٣١)

والنص صريح في أن تغير النتائج والمآلات كان سببا مباشرا في تغير الفتوى.

والأهم من ذلك أن هذا الكلام سابق زمنيا على الغزو الأمريكي لأفغانستان، فينتفي بذلك أن يكون الاحتلال الأمريكي سببا في هذا التغير بعينه.
وكذلك سئل الشيخ الألباني عن الاقتتال الذي وقع بين الفصائل الأفغانية وتأييد بعض الأطراف، فأجاب: «هذا خطأ فيما أرى؛ لأن ثمة فرقا كبيرا جدا بين الجهاد الذي كان قائما سابقا ضد الشيوعيين... ولذلك فأنا مع هؤلاء العلماء... بأن هذه فتنة الآن يجب الاعتزال وعدم التأييد، وأرى أن المساعدات التي كانت تقدم من قبل للمجاهدين الآن يجب تقليصها وعدم الاستمرار في إرسالها؛ لأن الواقعة ستقع بين المسلمين أنفسهم»

فمنع العلماء من الذهاب إلى أفغانستان، والتوقف عن الحث عليه أو المساعدة فيه، وقع في أوائل ومنتصف التسعينيات الميلادية، أي قبل مجيء الجيش الأمريكي إلى أفغانستان بسنوات.
وهذا وحده كاف في إبطال دعوى أن تغير الفتوى كان بسبب تغير جنسية المحتل من الروسي إلى الأمريكي.

وفي بيان شرط ضبط النفير بإذن الإمام وإدارته: سئل الشيخ العثيمين عن القول بجواز الجهاد دون إذن أحد لعدم وجود الإمام أو تخاذله، فقال: «هذا غير صحيح، الجهاد ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، ولكن الجهاد يجب أن يكون مدبَّرًا من قبل ولي الأمر؛ لأنه إذا كان غير مدبَّر صار فيه فوضى، وصارت كل طائفة تفتخر على الأخرى بأنها هي التي فعلت كذا، وفي التالي ربما لا تُحمد العقبى، كما جرى في أفغانستان مثلًا، فإن الناس ساعدوا الأفغان مساعدة عظيمة بالغة، وكانت النتيجة ما تسمعون الآن». (٢٥/٣٦٧)

المرحلة الثالثة إرهاصات الغزو الأمريكي وما بعده

إضافة إلى التناحر والتنازع سيطرت على الساحة الأفغانية تيارات تبنت التكفير والخروج المسلح، ووقعت تفجيرات في بلدان المسلمين نفذها أناس عائدون من أفغانستان باسم الجهاد، ثم جاءت أحداث سبتمبر وإعلان القاعدة عداءها الصريح للمملكة العربية السعودية.

ولذلك حذر العلماء من دفع الشباب إلى مواطن الفتن والجهالات، حيث سئل الشيخ صالح اللحيدان عن ذلك فقال: «الناس اللي ذهبوا إلى قتال الشيوعيين في أفغانستان وإذا بهم يصدرون كتابا في تكفير الدولة السعودية.. ومن يذهب لا يرجع كما كان»، ولم يكن العلماء حينئذ يحثون على الذهاب كما كانوا يحثون سابقا.

يتبين مما سبق أن الموقف من النفير مر بمراحل متأثرة بتغير الواقع ومآلاته، لا برغبات دولية كما يروج الخصوم، ويرجع اختلاف الحكم في هذه المراحل إلى قواعد أصولية مقررة، من أهمها:
-تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف والمناط
-درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
-اعتبار المآلات في تنزيل الأحكام.
-أن الحكم على النازلة يتبع تحقق أوصافها المؤثرة، لا مجرد الأوصاف الطردية.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار