الشبهة التي علقت في أذهان بعض الشباب عند الكلام عن جماعة الإخوان المسلمين: أنهم جماعة سياسية وليست فرقة عقدية؛ بمعنى أنهم جماعة تُعنى بالشأن السياسي والوصول إلى سدة الحكم، وليست جماعة تبنت أصولًا عقدية مخصوصة.
وفلسفة هؤلاء أن المعركة لما كانت متجهة إلى الكافر الأصلي، وإلى العلمنة وإقصاء الشريعة؛ لم يكن للإخوان مجال للاشتغال بتصحيح المعتقد في الصف الداخلي، ولا بإعمال باب الولاء والبراء في مسائل البدع والانحرافات العقدية.
فيتفق هؤلاء معنا أن جماعة الإخوان لم تعتن بالتمييز العقدي ولا راعت الولاء والبراء على البدع في أصول الدين إلا أنهم يسوغون ذلك لهم ويعتذرون للإخوان بحجة الدفاع عن أصل الإسلام، والسعي إلى إعادة تحكيم الشريعة ...
فالمقدمات التي انطلق منها هؤلاء في الاعتذار للإخوان وتبرير منهجهم ترجع إلى مقدمتين:
الأولى: أن المرحلة التي وُجد فيها الإخوان لم تكن تسمح بالاشتغال بتصحيح العقيدة.
الثانية: أن مصلحة مواجهة العدو الخارجي مقدمة على التمييز العقدي الداخلي وإعمال باب الولاء والبراء وإعمال باب الأسماء والأحكام.
ولهذا يطالب هؤلاء السلفيين بأن يراعوا في حكمهم على جماعة الإخوان: المقاصد والظروف والملابسات التي نشأت فيها الجماعة.
لكن حتى لا يُظلم القوم، فقد عرض العلماء — قديمًا وحديثًا — منهج الإخوان على أصول الشريعة وقواعدها، ونظروا في طريقتهم بميزان الوحي ومنهج الأنبياء والسلف، فنتج عن ذلك أمور:
أولًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها وطريقة الأنبياء مع أقوامهم أن تصحيح العقيدة هو أصل مواجهة الباطل ولا يصح أن يكون أمرا مؤجلا...
فالأنبياء عليهم السلام لم يبدؤوا بمواجهة الأنظمة السياسية ولا القوى المهيمنة قبل تصحيح التوحيد.
كما أن النبي لم يؤسس تجمعًا عامًا يضم المشرك والموحد بدعوى الاتحاد ضد قريش، وإنما تحمل الأذى في سبيل تصحيح المعتقد ومحاربة الشرك.
وبهذا يتبين أن أصل الفكرة التي انطلقت منها الجماعة — وهي تجميع المتناقضات العقدية تحت راية واحدة بدعوى مواجهة العدو الخارجي في زمن يمكن معه تصحيح المعتقد — هو نفسه مخالف لطريقة الأنبياء وهدي الشريعة.
ثانيا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن الانحراف العقدي نفسه هو أعظم أسباب تسلط الأعداء
فالقرآن كثيرا ما يربط بين فساد العقائد وبين حلول الذل والهزيمة والتفرق، كما قال تعالى:{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات}
فكيف يصح تأجيل ما هو في نفسه سببٌ لتسلط العدو؟!
ثالثًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن جمع الفرق المتناقضة عقديًا ليس هو الاعتصام بحبل الله ولا يحقق الوحدة المطلوبة شرعا، وبالتالي لن يترتب عليه هزيمة العدو، ولا نصر الله لأوليائه...
ولهذا كان الإمام أحمد يحذر من الجهمية زمن الفتن، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقاتل التتار، ومع ذلك يرد على الاتحادية والباطنية والصوفية المنحرفة، ولم يُذب الفوارق العقدية بحجة مواجهة العدو الخارجي.
رابعا: النظر إلى المآلات والعاقبة أمر دلت عليه أصول الشريعة وقواعدها
ومن نظر إلى ما آل إليه حال جماعة الإخوان المسلمين التي قدمت الوحدة الحركية على تصحيح العقيدة
وجد أنهم انتهوا إلى: التميع العقدي، وتقديس التنظيم على حساب صحة لمعتقد، والغلو في الجماعة، والتنازلات الفكرية
حتى أنهم تركوا تحكيم الشريعة لما وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان، بل حكموا دساتير فيها أمور كفرية، كما فعل مرسي في مصر..
وعليه
فالسلفيون لما يظلموا الإخوان حين حكموا عليهم بالضلال والانحراف؛ لأنهم انطلقوا في حكمهم من أصول الشريعة وقواعدها والتي اقتضت هذا الحكم...
ونحن إذ نحذر من الإخوان المسلمين ونبين ضلالهم لا يعني ذلك أننا نحكم على كل فرد منهم بأنه من أهل النار....
ومع تحذيرنا كلما استجد أمر تمدح فيه هذه الجماعة يؤسفنا حال من يدافع عن الإخوان ممن غاب عنه كون السلف كانوا يفرقون بين التعاون المشروع وبين التمييع العقدي وتأسيس مشروع عليه
فأهل السنة لا يمنعون التعاون مع المخالف في أمرٍ مشروع إذا دعت إليه الحاجة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بهذا التعاون
لكن من دون تزكية البدع أو إسقاط التحذير بالكلية، ومن دون إلغاء أحكام التفسيق والتبديع بإطلاق....
فهناك فرق بين التعاون الجزئي المقيد وبين بناء مشروع إصلاحي كامل على تذويب الفوارق العقدية وإلغاء باب الأسماء والأحكام.
وأخيرا
إن سألتني عن أهم الفوارق بين السلفيين بحق وبين السروريين والإخوان
لكان جوابي: أن السرورية والإخوانية جعلت إقامة الإسلام مساوية للوصول إلى الحكم وإسقاط الأنظمة المسلمة القائمة.
أما السلفيون بحق فيرون أن إقامة الإسلام تبدأ بـ: تصحيح التوحيد، وتصحيح العبادة. وتربية الناس على السنة..وهم في غاية البعد عن سفك الدماء وبث الفوضى في البلدان المسلمة..
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار