السبت، 5 سبتمبر 2026

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

ما أحوج طلبة العلم اليوم إلى تعلم تفاصيل عقيدة السلف، حتى لا تختلط عليهم المفاهيم، فيصبحوا في نهاية الأمر على مذهب المتكلمين وهم لا يشعرون.

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

وجوابي
قد يشكل هذا على من لم يدرك حقيقة مذهب أهل السنة في باب الصفات، ولم يحط بأصول مذهب الأشاعرة، فيحسب أن التعبيرين متساويان من جهة المعنى واللوازم العقدية، وليس الأمر كذلك، وهو جهل بحقيقة المذهبين.

فالتعبير بـالقصد إذا صدر من سني يراد به إثبات فعل اختياري يتعلق بمشيئة الله وقدرته، بخلاف التعبير بـتعلق الإرادة، فهو اصطلاح كلامي يفسر به حدوث الآثار وتجدد تخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ونفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله تعالى على الوجه الذي يثبته أهل السنة.

فأي دارس لعقيدة السلف وعنده خلفية جيدة بمذهب الأشاعرة ولو قليلا سيقف طويلا عند لفظ #التعلق؛ إذ هذا التعبير يقوم على أصل كلامي كبير، وهو نفي حلول الحوادث بذات الله.

والمقصود هنا ليس مجرد لفظ التعلق من حيث هو لفظ، وإنما المقصود هو البناء الكلامي الذي يجعل تعلق الإرادة تفسيرا لإيجاد  المخلوقات، مع نفي أن يكون هناك فعل اختياري متجدد قائم بذات الله تعالى.

فمصطلح #التعلق هو أداة #الأشاعرة في تفريغ #الأفعال_الإلهية من حقيقتها، فالأفعال عند جمهورهم هي التعلق التنجيزي للإرادة والقدرة بالممكنات.
فهم لا يثبتون فعلا قائما بذات الله عز وجل، وإنما يجعلون الفعل هو عين المفعول البائن أو مجرد التعلق الحادث.
مع اختلاف بينهم في مسألة التكوين.

فأهل السنة كابن عثيمين رحمه الله وغيره ممن فسر "استوى إلى السماء" بـ"قصد إلى خلق السماء"، يثبتون فعلا حقيقيا لله قائما بذاته.
بينما من فسّر "استوى إلى السماء" بـ"تعلق الإرادة" لا يثبت فعلا قائما بذات الله، وإنما يرجع الأمر كله إلى مجرد تعلق صفة الإرادة بالسموات، مع كون الفعل هو عين المفعول.

وهذا الفرق بدهيّ عند أهل التخصص في هذا الباب، ولا يشكل عليهم.

والخطأ هنا في تفسير الاستواء مرتبط بكارثة عقدية نبهت عليها في مقالي السابق مما هو موجود في التفاسير الكلامية، وما انتخب منها في بعض التفاسير المعاصرة والمختصرات،

وهذه الكارثة لن يجدوا جوابا عنها يستقيم مع أصول أهل السنة
وهي في تفسيرهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بأن الإيجاد لا يكون بقول الله المتجدد الحقيقي، وإنما يكون بمجرد تعلق الإرادة والقدرة، بما يستلزم نفي أن الله يقول قولا متجددا متعلقا بمشيئته واختياره عند كل تكوين على الوجه الذي يثبته أهل السنة من الصفات الاختيارية. وبما يستلزم أيضا نفي فعل الخلق القائم بذات الله المتجدد.

فتخيل أن تجد تفاسير قديمة كتفسير البيضاوي الكلامي وتفسير الرازي وتفاسير معاصرة كتفسير طنطاوي وغيره
تتداول بين الناس تقول بأن إيجاد المخلوقات يكون فقط بتعلق القدرة والإرادة، وليس بقوله كن عند كل تكوين،
هذه هي حقيقة مذهب جمهور الأشاعرة في أفعال الله سبحانه، فهم لا ينفون لفظ "كن"، وإنما يؤولونه إما بكونه تمثيلا لسرعة نفاذ القدرة والإرادة دون امتناع، أو بكونه تعلقا للكلام النفسي الأزلي، نافين بذٰلك صفة القول المتجدد الحقيقي بصوت وحرف بحسب مشيئته سبحانه واختياره عند كل تكوين.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_05.html


الجمعة، 4 سبتمبر 2026

الفرق بين التفسير السني والتفسير البدعي

 الفرق بين التفسير السني والتفسير البدعي

التفسير السني يعتمد في تفسيره على الكتاب والسنة وعلى أقوال السلف ومفتضى اللغة ليصل إلى المعنى من الآية في آيات العقيدة وغيرها
وأما التفسير البدعي فيعتمد في تفسيره على أصل كلامي أو فلسفي أو إشاري صوفي يقرر خارج النص الشرعي ثم يدخل على النص الشرعي إدخالا، ويسقط على الآية قسرا

فكل تفسير يفسر القرآن -لاسيما آيات العقيدة- بمقتضى أصل عقلي أو كلامي أو ذوقي مقرر سلفا، ثم يُحمَّل النص عليه، فليس من تفاسير أهل السنة وإن كان المؤلف منتسبا للسنة..

مثلا
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، في التفسير السني يرجع المؤلف لأقوال السلف ومقتضى اللغة، فبفسر الاستواء ب علا، ارتفع، أما في التفسير البدعي فيرجع المؤلف لأصل كلامي وهو امتناع الجهة على الله ثم يؤول النص ليوافق هذا الأصل المسبق.

ولا نتكلم هنا عن خطأ في موضع أو موضعين، وإنما نتكلم عن شيء يتكرر
وهذا التكرار قد يطرد وقد لا يطرد، فإن اطرد في جميع آيات العقيدة أو في كل آيات الصفات دل ذلك على تبني أصل كلامي يطبقه بانضباط،
وأما إذا لم يطرد لكنه تكرر فهذا يدل على اضطراب في تبني الأصل الكلامي، وتأثر بالمتكلمين .

ويبقى الحكم على المؤلف نفسه، هل هو سني أو لا؟ من أضيق الدوائر وأشدها احتياطا، فلا يبنى على مجرد ظهور تأويل أو أكثر في كتابه، بخلاف الحكم على تفسيره بأنه تفسير بدعي لا سني.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 3 سبتمبر 2026

حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

 حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

سلامة المعتقد شرط في كل كتاب يراد اتخاذه مرجعا في بيان مراد الله تعالى؛ إذ التفسير في حقيقته إخبار عن مراد المتكلم سبحانه، فإذا حرف المفسر مراده الله في أعظم أبواب العلم لم يصح الاعتماد على تفسيره بإطلاق، وأما الانتفاع به ففيه تفصيل سيأتي

فكتب التفاسير المعاصرة التي لم تسلم من الأخطاء العقدية من حيث الانتفاع بها تدور بين حالين لا ثالث لهما:

الحال الأولى: كتاب فيه إضافة علمية مستقلة، كأن يضيف إضافة علمية مستقلة، أو يخدم جانبا من العلوم الشرعية، كتفسير التحرير والتنوير فيما يتعلق بعلوم اللغة والبلاغة، أو عنايته بمقاصد السور ونحو ذلك،
فهذا يجوز الانتفاع به بضابطين:
الأول: أن يتنبه القارئ للخلل العقدي الموجود فيه.
الثاني: أن يكون القارئ مؤهلا علميا قادرا على التمييز.

فإن انتفى الشرطان أو أحدهما لم يجز الانتفاع؛ لأن جواز الانتفاع مشروط بألا تترتب عليه مفسدة راجحة، وأما قراءة العامي لكتاب فيه تحريف لصفات الله دون تمييز فمفسدتها راجحة على منفعتها اللغوية.

الحال الثانية: كتاب لا يعدو أن يكون تلخيصا أو منتخبات من كتب أخرى وليس فيه إضافة علمية تذكر، وإنما هو نقل عن كتب التفسير الكلامية كالنقل من تفسير الرازي والزمخشري والبيضاوي والطنطاوي ونحوها دون تمحيص عقدي، وقد يشتمل كذلك على نقول من تفاسير سنية..
فهذا لا داعي له أصلا؛ إذ في القديم والمعاصر السليم من الأخطاء العقدية غنية عنه.

ومن الأخطاء العقدية التي في كتب التفاسير الكلامية والتي لم تخل منها بعض المنتخبات والملخصات:

1-تفسير قوله تعالى: [الله يستهزئ بهم] وقوله تعالى: [ومكروا ومكر الله]
بالمشاكلة، أي فسروا الاستهزاء بالمستهزئ والمكر بالماكر بأنهما مجرد جزاء أو مجاز على طريقة المشاكلة اللفظية والازدواج، أي تسمية الشيء باسم غيره لمشاكلته له في اللفظ فقط، وليس حقيقة؛ اعتمادا على قرينة عقلية مبنية على تصورهم الفلسفي لمعنى هذه الألفاظ في حق المخلوق فقط، لا في حق الخالق، وهذا مبني على قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو قياس ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.

2-تفسير قوله تعالى: [ ثم استوى إلى السماء]
بتعلق إرادته سبحانه بخلق السموات، كما في تفسير الطنطاوي وغيره
وهو تأويل أشعري للاستواء بـالإرادة، مفاده صرف الاستواء عن معناه العلو والارتفاع إلى مجرد الإرادة، مع خلل عقدي خطير، وهو جعل إيجاد الشيء وخلقه متعلق بالإرادة فقط، وسيأتي توضيحه

3'تفسير المتشابه في قوله تعالى:[وأخر متشابهات] بالخفي الذي لم يتضح معناه، والتمثيل عليه بنصوص الصفات السمعية...

والخطأ الكلامي المرفوض: أن يجعل أصل المعنى نفسه من المتشابه الخفي.

4-نفي صفة الحياء في تفسير قوله تعالى[إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا بعوضة فما فوقها]
بناء على أن أصل الاستحياء في اللغة استقباح فعل الشيء لنقص فيه, وترتب عليه تأويله بأنه مجرد كناية عن عدم الامتناع عن ذكر المثل الذي يريده.

وهذا النفي مبني على مقدمات كلامية فاسدة:
الأولى: المعنى اللغوي للاستحياء حمل على الصورة المشاهدة المتحققة منه في المخلوق، ولم يُنظر إلى أصله الكلي الذي يشترك فيه أفراد المعنى مع اختلاف حقائقها، وهذه هي طريقة المتكلمين في المعاني اللغوية .
الثانية: إلزام الخالق بما يقتضيه المعنى المتحقق في المخلوق من خصائص ولوازم.
الثالثة: التأويل بناء على أصول كلامية.

ومن أخطر ما اشتملت علبه كتب التفاسير الكلامية وملخصاتها ومنتخباتها
قولهم في تفسير قوله تعالى: [وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون]
حيث جعلوا إيجاد الشيء لا يكون بقول الله تعالى له: «كن»، وإنما جعلوا الإيجاد حاصلا بمجرد تعلق الإرادة به، أو بتعلق الإرادة والقدرة به، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فيوجد من غير قول كن....فليس هناك صفة خلق قائمة بذات الله. ولا يثبتون قولا من الله تعالى متعلقا بالإيجاد، كقوله سبحانه: «كن».

فعندما ينتخب مثل هذا القول الفاسد الذي ينفي وجود قول من الله، ويجعل إيجاد المخلوقات هو مجرد تعلق إرادة وقدرة كما هو مذهب الأشاعرة
يتبين بذلك مدى خطورة هذه التفاسير التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.

كما اشتملت أيضا على خطأ عقدي متكرر وهو نفي تأثير الأسباب في مسبباتها، وأن المسبب يحصل عند السبب لا به.
ومن ذلك جعلهم السحر الحقيقي يخلق الله عنده الضر والنفع.

وهناك أخطاء كثيرة، هذا شيء يسير جدا منها.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار



الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

شبهات حول حديث الجساسة

 السلام عليكم أخانا الكريم، رفع الله قدرك ودرجتك في جناته

خرج قوم ينكرون صحة حديث تميم الداري والجساسة في صحيح الإمام مسلم، بحجة أن الحديث يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس في المسجد ليخبرهم بقصة تميم الداري، ثم لم يأت هذا الحديث إلا من طريق واحد، وهو طريق فاطمة بنت قيس.

والرد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: لابد أن نفرق بين التدوين وبين اشتهار الحديث واستفاضته عند جيل من الأجيال؛ إذ لا يلزم من اشتهاره واستفاضته وتواتر علم الناس به في جيل من الأجيال أن ينقل في الدواوين والكتب بتواتر أسانيده أو استفاضتها.

فقد كان الأئمة يحفظون آلاف الطرق، ولم ينقل لنا منها في المدوّنات إلا القليل، فكون الحديث يأتي من طريق واحد في التدوين لا يلزم منه ألا يكون مشتهرا في عصره.

وقد خلط المشككون في إيراد هذه الشبهة العليلة بين التحمل والتحديث، فسماع الحديث والاطلاع عليه هو ما شهده الجمع الكبير من الصحابة، لكن التصدي للتحديث به لم يكن من الصحابة جميعا، فلم يكونوا كلهم مشتغلين بالتحديث والرواية؛ فمنهم من اشتغل بالفتوحات، ومنهم من كان يتهيب باب الرواية والتحديث، ومنهم من اكتفى بتحديث غيره.

فباب التدوين أضيق من باب التحديث؛ إذ ليس كل ما حُدِّث به الجمع دُوِّن عن الجمع.
والله سبحانه تكفّل بحفظ دينه، ولم يقيد الحفظ بأن يصل إلى الأمة مدونا بطريق التواتر.

وهذا أشهر حديث "إنما الأعمال بالنيات" حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، ولم يدون إلا عن صحابي واحد هو عمر بن الخطاب، ولم يصح عن التابعين إلا من طريق علقمة، ولا عمن بعدهم إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عمن بعدهم إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري! ورغم هذا التفرد في طبقاته الأولى، تلقته الأمة بالقبول والتصديق وجعلته أصلا من أصول الدين.
وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة كانت أمام أكثر من مائة ألف، ومع ذلك لم يصلنا كثير من تفاصيلها إلا من طرق محدودة، ولم يقل أحد ببطلانها لذلك.

وإذا كان هذا موجودا في حياة الناس اليوم، إذ يشتهر خبر ما في بلد، ولا يصل إلى غيرهم إلا بطريق الآحاد، من غير أن يقدح ذلك في ثبوته ووقوعه، فالعادة لا تمنع نقل الواقعة المشتهرة إلى الأمة عن طريق الآحاد. فإذا كان هذا غير ممتنع عقلا ولا عادة، فكيف ينكر؟!

ولو كان ثبوت الخبر متوقفا على نقله متواترا إذا أُلقي في جمع كبير، للزم رد كل خبر كان كذلك، لكنه لم يرد.

والمعهود في طبائع البشر أن يلقي الحاكم خطابا أمام الآلاف، ثم لا ينقله للأجيال موثقا إلا صحفي واحد، ويقبل من غير ان يطعن فيه.

الوجه الثاني: الحديث لم تنفرد به فاطمة بنت قيس، بل جاء أيضا عن أبي هريرة وعائشة وجابر وتميم، قال الحافظ ابن حجر: (وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر)
وكون البخاري لم يخرجه قي صحيحه لا يدل على عدم ثبوته؛ لأن البخاري لم يتعهد بإخراج كل ما كان صحيحا، ويكفي أن مسلما أخرجه في الصحيح ...

​وأما عن وجود الدجال وكونه حيا إلى أن يأذن الله له بالخروج وهو في جزيرة، فهذا مما خرج عن العادة الجارية، وهو آية من آيات الله سبحانه؛ فلا تورد هنا أسئلة الاستبعاد العادي نحو: كيف يكون حيا؟ وكيف يأكل؟ وكيف لم تكتشف الجزيرة التي يعيش فيها؟ فهذه الأسئلة لا مدخل لها ههنا؛ لأن وجوده وحياته وخروجه في آخر الزمان حالة خاصة خارقة للمعتاد، متعلقة بقدرة الله تعالى وحكمته وإرادته.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

 هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

أرسل إلي أحد الإخوة مقطعا  للشيخ #عبد_العزيزالريس ينتقد فيه قول الشيخ العلامة #صالح_آل_الشيخ: (إذا أثنى على المبتدع في بدعته فهذا يخرج من دائرة أهل السنة والجماعة، أما إذا أثنى على مبتدع في غير بدعته، فهذه مسألة اجتهاد، وتبع للمصالح والمفاسد...
إذا صار كل واحد يثني على عالم ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا  يقال إنه ليس من أهل السنة، فهنا ما بقي أحد )

فرد الشيخ الريس هذا التقصيل ووصف كلام الشيخ صالح بأنه #تمييع وأنه يفرح به #السروريون...محتجا بإطلاقات السلف في هجر أهل البدع وإجماعهم على ذلك.
قال الشيخ الريس: (هذا الكلام قطعا خطأ، ...ومما يدل على خطئه الأدلة على هجر أهل البدع وإجماع السلف على هجرهم. وأنه لا تذكر حسنات أهل البدع في مقابل الرد عليهم..)
واستدل بالآثار أن من عظم أهل البدعة فقد أعان على هدم الإسلام...

وفيما يلي بيان لموضع الغلط عند الشيخ الريس:

مدار الخطأ في رد الشيخ الريس أنه لم يميّز بين نوعين مختلفين: الثناء المطلق على المبتدع والوصف المقيد.
فالثناء المطلق، كقول القائل: فلان إمام هدى بإطلاق، لا يجوز إطلاقه على صاحب بدعة؛ لأن إطلاقه يوهم تزكية دينه ومذهبه كليا، ولا يجيزه الشيخ صالح آل الشيخ أصلا.

والوصف المقيد، كقول القائل: فلان أجاد في ردوده على النصارى، هذا  يجوز إظهاره عند قيام المصلحة الشرعية وانتفاء ما يترتب عليه من مفسدة راجحة،، مع بقاء الحكم عليه بالبدعة والتحذير من بدعته بحسب مقتضى الحال
وهو الذي دار عليه كلام الشيخ صالح، ولذا مثل بالثناء على صلاح الدين الأيوبي في جهاد.ده.

فرد الشيخ الريس ألغى هذا التفصيل جملة، وجعل كل ثناء جزئي في حكم الموالاة المطلقة والتعظيم الكامل للمبتدع، وهذا من أعجب ما يقال!!

ثم إن الناظر في طريقة استدلال الشيخ الريس في هذه المسألة يجد أنه أوقع إطلاقات السلف — وهي أقوال وردت في سياق التأصيل العام، أو ما ورد عن السلف في معين علموا حاله — موقع الحكم على كل معين في كل حال وزمان ومكان، فهو يمنع الثنلء مطلقا على كل مبتدع محتجا بإطلاقات السلف، وهذا المسلك فيه إغفال لقاعدة تحقيق المناط في المعين واعتبار المصالح، إذ إن الحكم بالكليات لا يلزم منه طرد التطبيق على كل الأعيان دون اعتبار للموانع والمصالح والمفاسد الشرعية.

فليس الخلل في الاستدلال بإطلاقات السلف من حيث الأصل، وإنما في دعوى أن تلك الإطلاقات تقتضي حكما واحدا على كل معين في كل حال.

ومن ذلك احتجاجه بإجماعات السلف في الهجر على رد كلام الشيخ صالح في المعين الذي اقتضت المصلحة الثناء عليه في غير بدعته
فليس النزاع في أصل الهجر، وإنما في دعوى كونه حكما لازما لكل مبتدع معين، في كل ظرف، بحيث لا تدخل المصلحة والمفسدة في تقدير فعله ولا يجوز معه الثناء عليه مطلقا، وهذا يخالف ما حرره علماء أهل السنة، ولا يمكن للشيخ الريس أن يلتزم بهذه الدعوى مطلقا.
قال ابن تيمية: «إن أقواما جعلوا ذلك عاما، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به مما لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ...ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابًا أو استحبابًا ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه»
فهذا نص صريح من الإمام ابن تيمية في أن إطلاق الهجر على كل معين خروج عن منهج السلف الوسط.

ويستأنس لهذا الأصل بصنيع #الأئمة مع إبراهيم بن طهمان:
قال أبو زرعة: كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر إبراهيم بن طهمان، وكان متكئًا من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فَيُتَّكأ.
وقال أحمد كان مرجئا  شديدا على الجهمية
فهذا الأثر شاهد على أصل مهم، وهو أن ثبوت البدعة في المعين لا يستلزم بالضرورة إسقاط جميع أوصاف الخير عنه، ولا يمنع من الاعتراف بفضله في وجه آخر، وإنما ينظر في كيفية إظهار ذلك وآثاره بحسب المصلحة والمفسدة، ولذا لم يمنع الإمام أحمد وجود الإرجاء عند إبراهيم من إثبات صلاحه وإظهار الثناء على شدته على الجهمية.

ومن أعظم ما تضمنه رد الشيخ #الريس من هفوات: إغفاله أصلا مجمعا عليه عند السلف، وهو أن المعين الواحد قد يجتمع فيه خير وشر، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية، ومقتضى ذلك جواز إعمال الثناء المقيد عند اقتضاء المصلحة الشرعية.

وأما الأثر المروي في أن تعظيم #صاحب_البدعة يهدم الإسلام فمحله من عظمه لأجل بدعته أو من أقره عليها أو من قدمه في الدين مطلقا
أما الاعتراف بفضله في غير بدعته إذا اقتضت المصلحة ذلك فهو من جنس ما فعله الأئمة مع إبراهيم بن طهمان.

وأما وصف الريس كلام الشيخ صالح بالتمييع فهذا من التلبيس وينطوي على مغالطة #رجل_القش؛ إذ صور  الشيخ صالح وكأنه يدعو لمذهب الموازنات أو تسوية السني بالمبتدع، أو اتخذ من المصلحة ذريعة لإسقاط حكم التبديع بعد ثبوت موجبه، أو استعمل المصلحة لتحرير موالاة أهل البدع بإطلاق ونصرتهم..
والله المستعان
ولو كان كلام الشيخ صالح #تمييعا لكان فعل الأئمة كأحمد تمييعا، وهذا لا يقوله سني في حق أولئك الأئمة.

فليتق الله الشيخ الريس وليعلم أن الذي فعله في رده أنه أبطل كلام الشيخ صالح بإطلاقات السلف التي لا تتوجه إلى كل معين، فشابه ذلك جزئيا ما فعله #عبدالله_الخليفي وأتباعه في إسقاط النصوص المطلقة على كل معين دون تحقيق مناط.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

السبت، 29 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟

للمتخصصين


استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟ 


قبل الجواب لابد أن نبين أن حقيقة الفعل الشركي أو المقالة البدعية ماهية واحدة لا تتجزأ ولا تختلف باختلاف الفاعلين؛ فصرف العبادة لغير الله شرك أكبر، ولا تختلف هذه الحقيقة باختلاف المعينين 


وأما كيف لا يكون مشركا مع تحقق الوصف الشركي في الفعل الصادر من المعين؟ 


فأظهر ما يبين إمكان الانفكاك بين وصف القول بالكفر  والحكم على قائله هو حال الإكراه، فالمكره على التلفظ بكلمة الكفر يقصد النطق بعينه، وتحققت حقيقة الكفر في القول، والشرع يصف نفس القول بأنه كفر: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ}، ثم يستثني حال المكره من الحكم لا من وصف القول، فإذا صح تصور الانفكاك في الإكراه وهو مانع صح تصوره في غيره من الموانع. 


ومعنى قيام حقيقة الشرك في المعين هنا هو تحقق وصف الشرك في الفعل الصادر من المعين من حيث ماهيته، لا من حيث الحكم على الشخص المعين. 


والسؤال الذي هو حقيقة البحث: هل قولنا: هذا الفعل شرك يوجب تسمية الفاعل مشركا شرعا؟

والمعين الذي نبحث فيه هو من ثبت له أصل الإسلام، وليس النفي في كل  معين، فقد تقوم حقيقة الشرك بمعين ويكون مشركا وقد لا يكون مشركا ..


ولكي نجيب على هذا السؤال

لابد أن نفهم كيف كيفت الشريعة هذه الحقائق إذا قامت بمعين: هل بمجرد قيام حقيقة الشرك في معين يكون قد قام به سبب موجب لتسميته مشركا على أي حال، أو يكون سببا مقتضيا بحيث لا يسمى مشركا إلا بعد إقامة الحجة، لكونه سببا لا يوجب الاسم وحده؟ 


نعم، إذا نظرنا في لغة العرب وجدنا أن من قام به الفعل اشتق له منه اسم فاعل؛ فمن قامت به الحركة سمي متحركا،

لكن في الشرع اختلف الأمر من جهة كون الأسماء تترتب عليها أحكام دنيوية وأخروية، فلا ينزل الاسم المترتب عليه أحكام شرعية على المعين حتى تتحقق شروطه وتنتفي موانعه المعتبرة في الباب. 


فإن قيل: هل إقامة الحجة شرط في الاسم أو في الحكم؟ 


قيل: إن أريد بالاسم مجرد الوصف المشتق من الفعل، فهذه مسألة لغوية والخلاف فيها لفظي، وإن أريد به الاسم الشرعي الذي يترتب عليه حكم الكفر أو الفسق، فالنزاع في تنزيله على المعين. 


والذي تدل عليه الأدلة أنه يمتنع تنزيل اسم الشرك على المعين في مقام الحكم إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. 


ومن ذلك حديث ذات أنواط، فقد خرج جماعة من الصحابة إلى حنين وهم حديثو عهد بإسلام، فمروا بشجرة كان المشركون يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مثلها يتبركون بها، فأنكر عليهم  وشبه قولهم بقول قوم موسى: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة}. 


فلم يقع من الصحابة هنا فعل تعبدي عند الشجرة؛ فهم لم يعكفوا عندها ولم يعلّقوا أسلحتهم، وإنما صدر منهم طلب وسؤال بأن يجعل لهم مثل ما للمشركين، فهو طلب يتضمن الإذن بمعنى شركي، 

ومن الدليل على أن المطلوب من جنس ابشرك الأكبر لا الأصغر قوله :( ويعكفون عندها)، والعكوف في لغة العرب فعل تعبدي وليس مجرد الجلوس، كما أن التشبيه الصريح من النبي بطلب بني إسرائيل يدل على شدة مشابهة مطلوبهم لما وقع فيه أولئك من طلب اتخاذ إله أو معبود، وإنما منع من ثبوت اسم الفاعل وحكمه كونهم حديثي عهد، فكان الجهل متعلقا بحكم الفعل الشرعي، لا بحقيقة ما طلبوه من حيث التصور..

فهم لم يباشروا الفعل الذي كان عليه المشركون، وإنما صدر منهم طلب يطلبون فيه إنشاء مثل ما يفعله المشركون، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعهم فيها.

فالحديث شاهد على أن صدور القول أو الفعل المتضمن لتحويز معنى شركي لا يستلزم بذاته ثبوت الاسم الحكمي على فاعله؛ لأنه سبب مقتض لا موجب. 


فإن قيل: أليس هناك تناقض عندما تثبت قيام حقيقة الشرك في المعين ثم تنفي عنه أن يكون مشركا؟ 


قيل: لا؛ لأن التناقض يقع لو قلنا: هذا الفعل ليس شركا لكن الفاعل مشرك، أو قلنا: هذا الفعل شرك، والفاعل لم يفعل الشرك. 

أما قولنا: هذا الفعل شرك والفاعل ليس مشركا فلا تناقض فيه؛ لانفكاك الجهة. 

فالحكم على الفعل بالشرك من جهة تحقق ماهية الشرك فيه، وعدم الحكم على الفاعل بأنه مشرك من جهة عدم استيفاء شروط الاسم الشرعي في المعين 

ونظيره أن يقال: القول كفري، وقائله المعين قد لا يحكم بكفره.

وهذا لا يعني أن القول صار غير كفري او انتفت حقبقة الكفر قي المعين من حبث الفعل. 


وأما ما يرد من إطلاق بعض النصوص اسم الشرك أو المشركين على أقوام قبل بلوغ الرسالة، فليس ذلك نقضا لأصل التفريق؛ لأن الكلام في تنزيل الأسماء الشرعية على المعين بعد قيام موجب الإسلام في حقه، وهي مسألة تختلف باختلاف حال المخاطَب وبلوغ الرسالة وقيام الحجة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_29.html


الخميس، 27 أغسطس 2026

إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

 إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

لا ريب أن إنكار علو الله بالتأويل مقالة بدعة معلظة، وقد تواترت نصوص أئمة السلف على إطلاق الكفر على منكري العلو
وهي في أصلها واردة في الحكم على المقالة وأهلها من حيث الجملة، وورد عنهم تكفير عيني لمن تبين لهم حاله بخصوصه.

إلا أن تحرير محل البحث ينعقد قي السؤال الآتي: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل، وإنما حمله على ذلك ظنه أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا تأويل العلو تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل؟

وبطبيعة الحال البحث هنا بمعزل تام عن رؤوس المتكلمين ودعاتهم المنظرين الذي،يحرمون الايطستدلال بالواي في الإلهيات والنبوات كبشر المريسي والجويني والرازي وأمثالهم من دعاة الكلام المنظرين، وإنما البحث في حق شراح الحديث ممن غلب علبهم جانب الاتباع وتقديم الاحتجاج بالكتاب والسنة إلا أنه شابت أفهامهم بعض الشبهات الكلامية المتوارثة ظنا منهم أنها دل عليها الوحي...

للإجابة على السؤال: يجب الإقرار ابتداء بأن مساحة الإعذار في مسألة العلو ونحوها أضيق بكثير من مساحة الإعذار في مسائل الإرجاء مع اشتراك المسألتين في أصل الظهور؛ لكن امتازمت مسالة العلو بتكاثر الأدلة وتنوعها والتي منها الفطرة ..

نعم
الأصل في تحقيق المناط واحد في كل الأبواب ومطرد، لكن سعة تطبيقه تضيق جدا في مسألة العلو خصوصا والمسائل الظاهرة عموما
ولذا فإن تمثيل بعض العلماء كابن تيمية بمن نشأ في البادية أو كان حديث عهد بإسلام لم يكن على سبيل الحصر الحقيقي للموانع
وإنما سيق لبيان تضييق دائرة الإعذار في المسائل الواضحة قي نفسها لا إغلاق باب الإعذار بالكلية على من سواهم

وأما الجواب عن سؤال: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل؟
فنعم، يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية بناء على ظن أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه، كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا التأويل تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل، ومن غير أن يتبين له أصلا كلاميا مخالفا للوحي، ولم تبلغه الحجة على وجه تقوم به عليه، وليس من رؤوس المقالة والمنظرين لها.
فهذا يعذر في خطئه، ولا يلزم من وقوعه في هذه المقالة أن يُحكم عليه بأنه مبتدع ....

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: (ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه).
فمن ينفي العلو متؤولا ظانا منه أنه يطلب الحق من جهة الرسول معتقدا أن هذا هو اعتقاده -وإن كان ظنه لا يوافق نفس الأمر-: يعذر ولا يستحق التبديع العيني فضلا عن التكفير؛ إذ ليس كل من نفى العلو بالتأويل ينطلق من عقليات قدمها على النص الشرعي.
قال ابن تيمية في منهاج السنة: (أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها. وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين).
وهذا بخلاف من يؤول من غير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما من جهة تقديم العقل الكلامي كالجويني..

وأما الدعوى القائمة على أن المسألة إذا كانت أدلتها ظاهرة، فلا حاجة لإقامة حجة إضافية على الظهور؛ لأن الظهور نفسه يغني عن اشتراط قيام الحجة؛ فهي دعوى مردودة؛ لأن الظهور والخفاء عند المحققين كابن تيمية وغيره ليسا وصفين ذاتيين لازمين للمسألة نفسها بمعزل عن حال الناظر فيها وبيئته، وإنما هما أمران نسبيان إضافيان يختلفان باختلاف بيئة المعين وعصره وما بلغه من العلم، فقد تكون المسألة في غاية الظهور عند طالب علم صغير نشأ في بيئة سنية محضة، وتكون خفية أو محل اشتباه عند عالم متبحر في الفنون الشرعية لكنه نشأ في بيئة كلامية ورث فيها هذا التأويل عن مشايخه دون نظر مستقل.

وكثيرا ما أمثل على نقض مسألة الظهور بمسألة إرجاع الضمير في حديث الصورة إلى الله
فقد كان أمرا ظاهرا في القرون الثلاثة، حتى قال الإمام أحمد. لما قيل له: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته؛ أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وفي رواية قال عنه مبتدع
ومع ذلك أرجع ابن خزيمة الضمير لآدم؛ موافقا بذلك قول الجهمية
فلو كان مجرد الظهور موجبا للتبديع وكافيا لإسقاط شرط قيام الحجة، للزم من ذلك تبديع ابن خزيمة مباشرة بلا نظر، وهذا ما لم يفعله أحد من أئمة أهل السنة، وبقي ابن خزيمة إماما معدودا من أئمة السنة وحفاظ الحديث.

وذكرت ابن خزيمة هنا ليكون شاهدا على أن الوقوع في نتيجة قول الجهمية لا يستلزم التبديع الفوري بمجرد الظهور

ولو طرد معيار الظهور يغني عن الحجة للزم منه هدم قول ابن تيمية الذي يحكي فيه ما عليه السلف والأئمة في قوله: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة"
فإن كانت بدعة الإرجاء ظاهرة بحيث تغني عن قيام الحجة، فكيف بقي هؤلاء الفقهاء والعباد معدودين من أهل السنة عند ابن تيمية نفسه ومن يحكي عنهم من السلف؟

إذن لابد من التفريق بين ظهور الدليل نفسه، كوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة وتواترها وبين ظهور الدليل عند المعين بحيث نسأل: هل بلغه هذا الدليل على وجه يقطع عذره، أو نشأ في بيئة أخفت عنه وجه الدلالة وأوهمته أن منطلق التأويل هو الكتاب والسنة؟

والحكم على المعيّن لا يتعلّق بمجرد ظهور المسألة في نفسها، وإنما بتحقيق قيام الحجة المعتبرة في حقه، مع النظر في موانع الحكم، ومن ذلك مدى بلوغه الدليل وفهمه وقيام موجب العلم عليه.

ولذا عندما نناقش الإعذار  في مسألة العلو نناقشه من هذا الجانب، وليس من جانب الدفاع عن إنكار العلو، ولا من جانب الدفاع عن الأشعرية، وإنما هو من جانب تقرير ضابط الحكم على لمعين
فكون إنكار العلو كفرا وبدعة مغلظة لا يعني بالضرورة أن منكر العلو بالتأويل كافر، والأشكال في إثبات التلازم ...
ولذا قال ابن تيمية في عدم تكفير من ينكر العلو ممن يقدم العقل على النقل قي الاستدلال: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم).
هذا فيمن أول من غير جهة الرسول لكن لا على وجه التكذيب والعناد، فانتفى عنه التكفير إلا أنه مستحق للتبديع العيني .
وهذا بخلاف شراح الحديث كالنووي وابن حجر، فالحق أنهم ليسوا من أهل البدع؛ لأن أصل منهجهم هو الاستدلال بالكتاب والسنة والتعظيم للأثر، وإنما وقعت لهم الهفوة تقليدا فبما ظن ه أنه م أفق للكتاب والسنة

فإن قيل: ألا يعارض ما تقدم إطلاقات أئمة السلف أن من أنكر العلو فهو كافر

قيل: لا تعارض، فنصوص السلف جارية على منهج القرآن والسنة في الوعيد العام والتكفير المطلق للنوع، قال ابن تيمية (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ، وإن كان مخطئا ...)

فإن قيل: ما توجيه قول الدارمي لما قال عن مسألة العلو : (وظَاهِرُ القرآنِ وباطِنُهُ كُلُّه يَدُلُّ على ذلك، لا لبس فيه ولا تأول، إلا لِمُتَأَوِّلٍ جَاحِدٍ، يُكَابِرُ الحُجَّةَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ)

قيل: كلام الدارمي في سياق رده على رؤوس الجهمية كبشر المريسي ممن تبين له مكابرتهم وعنادهم، فالدارمي يصف هنا نوعا مخصوصا من المتأولين، وهو المتأول الجاحد المكابر للحجة مع العلم بها، فلا يصح نقل وصفه هذا إلى كل من وقع في التأويل دون تحقق وصف الجحود والمكابرة في حقه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار