#نظام_الطيبات من منظور شرعي
[تنبيه: أنا لا آكل الدجاج وبعض الاطعمة، وتركي لأكل بعض الأطعمة إنما هو لثبوت ضرر معين يتعلق بطريقة إنتاجه أو حقنه بمواد ثبت ضررها طبيًا، لا لأن جنس الدجاج محرم، ولا لأنه يقتات على القاذورات، فالفرق كبير بين اجتناب صورة ثبت ضررها وبين تحريم جنس الطعام الذي أحله الله
يقول د. ضياء في مقطع مرئي:( ما فيش احد يأكل دجاج ولا يخاف من الظلمة، ولا تأتيه كوابيس)
ويقول:( أعجب ممن يأكل البيض المسلوق وينام ولا يموت) ]
مقدمة
الأصل المقرر عند الفقهاء أن جميع الأطعمة والأشربة مباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ولا يخرج شيء من هذا الأصل إلا بأحد أمرين: دليل شرعي خاص، أو ضرر معتبر تثبته وسائل الإثبات العلمية المعتبرة.
وقبل بيان الاشكالات لابد من تعريف موجز بالنظام
نظام الطيبات نظام غذائي وضعه الدكتور ضياء العوضي، يقوم على تقسيم الأطعمة إلى أطعمة مسموحة وأخرى ممنوعة. ويمنع النظام - على وجه العموم - أصنافًا كثيرة من الأغذية، من أبرزها: جميع أنواع الدواجن، والبيض، والألبان ومشتقاتها، والبقوليات كالعدس والحمص والفول، وعددًا من الخضروات النيئة كالخس والجرجير والجزر والخيار، وبعض الفواكه كالبرتقال والليمون، كما يدعو إلى اجتناب كثير من الأدوية الكيميائية، ومنها المضادات الحيوية، وأدوية الضغط والسكري، مكتفيًا بعبارة "استشر طبيبك".
وعلى هذا النظام ملاحظتان جوهريتان: الأولى عقدية، والثانية فقهية.
أولًا: إشكال عقدي في باب الأسباب
لا يُقصد هنا الحكم على الأشخاص، وإنما بيان ما قد يشتمل عليه البناء النظري للنظام من إشكال يتعلق بباب الاعتقاد.
يقوم النظام على تصورات قريبة من بعض مدارس الطب الطبيعي والفلسفات الحيوية، التي تبالغ في إبراز قدرة الجسم على استعادة توازنه والشفاء الذاتي بمجرد إزالة السموم والعوائق، مع التقليل من شأن الأسباب العلاجية الخارجية.
ومن هذه الجهة فإن النظام لا يمثل طرحًا جديدًا بقدر ما يعيد إنتاج كثير من الأفكار التي اشتهرت بها مدارس الطب الطبيعي والفلسفة الحيوية، وينص النظام على أن الجسم يصنع جميع احتياجاته بنفسه ولا يحتاج إلى مدخلات معقدة، بل يصرّح بأن الجسم هو السيد.
ولا إشكال في أصل اعتقاد أن الله تعالى أودع في جسم الإنسان آليات عظيمة للشفاء؛ كالتئام الجروح، وعمل الجهاز المناعي؛ فهذا من سنن الله في خلقه، وإنما محل الإشكال في تصوير هذه الآليات تصويرًا يوهم استقلالها وكفايتها عن بقية الأسباب التي جعلها الله جزءًا من نظام الكون.
فمن المقرر عند أهل السنة والجماعة أن الأسباب لا تستقل بإيجاد مسبباتها، وإنما تعمل بإذن الله، ومع اجتماع ما جعله الله من الأسباب الأخرى.
وهذه سنة مطردة في جميع الموجودات؛ فالزرع لا ينبت بمجرد البذر، ولا بالماء وحده، ولا بالشمس وحدها، وإنما يحصل باجتماع أسباب متعددة ربط الله بعضها ببعض.
وكذلك صحة الإنسان لا تقوم على آلية واحدة، بل على منظومة متكاملة تشمل: سلامة البنية الداخلية، والغذاء المناسب، والبيئة الصحية، والدواء عند الحاجة، وسائر ما أجرى الله العادة بترتب الصحة عليه.
فحين يُصوَّر النظام الجسم بأنه سبب تام مكتفٍ بنفسه كما في عبارة "الجسم يصنع كل ما يحتاج إليه بنفسه ولا يحتاج إلى مدخلات خارجية" على إطلاقها، بينما هو في حقيقته جزء سبب يحتاج لانضمام أسباب أخرى إليه لينتج الأثر المقصود، فهذا خلل في تصور آلية الأسباب ذاتها التي أقرّها الشرع، لا مجرد خطأ تقديري في مقدار النافع والضار.
وهو إخلال بدقيقة من دقائق التوحيد في باب الأسباب: أن يُنسب للسبب المخلوق من الاستقلال والكفاية ما لا يليق إلا بمن جعل الأسباب مترابطة بحكمته، فعبارات مثل "الجسم هو السيد" أو "الجسم يصنع كل شيء بنفسه" تدل - وإن لم يقصد قائلها هذا اللازم - على استقلال الجسم بما جعله الله قائمًا على تكامل الأسباب لا على انفراد سبب واحد بها.
والاخطر أن النظام يقترب من الاعتماد على الجسم كأنه بديل شامل، مع إهمال أن الله جعل الأسباب الطبية بما فيها الأدوية المكتشفة جزءًا من سننه أيضًا.
ثانيًا: إشكال فقهي من جهتين:
١- من جهة المنع العام من بعض الأطعمة المباحة
المنع العام لجنس الدجاج، أو البيض، أو اللبن، أو البقول، لمجرد القول بأنها ليست نافعة في ذاتها للإنسان، أو أنها ليست الغذاء الأمثل، أو لاستقذارها= لا يكفي شرعًا لنقلها من أصل الإباحة إلى المنع.
أما إذا ثبت وفق الدراسات العلمية الرصينة أن صورة معينة من هذه الأطعمة يغلب فيها الضرر، كإكثار استخدام الهرمونات أو المضادات الحيوية، فإن المنع حينئذ يتعلق بهذه الصورة لا بجنس الطعام، وتكون العلة هي الضرر العارض، لا ذات الطعام.
ولهذا لو ثبت أن محصولًا معينًا من الطماطم في بلد ما ملوث بنسبة عالية من المبيدات، فإن المنع يتعلق بذلك المنتج، ولا يقال بتحريم الطماطم في نفسها؛ وهذا هو الميزان الموافق للقواعد الأصولية، إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
٢- من جهة ترك التداوي
الأصل أن التداوي مباح عند جمهور العلماء، بل مستحب عند كثير منهم؛ فقد نقل ابن عبد البر قول الجمهور على إباحته، وقرر ابن تيمية أن التداوي بالحلال لا يجب في الأصل عند أكثر أهل العلم.
لكن هذا الأصل لا يشمل الحالتين اللتين اشتمل عليهما نظام الطيبات:
الأولى: أن يترك الإنسان التداوي بناءً على اعتقاد أن الجسم يغني بنفسه عن جميع الأسباب العلاجية الخارجية، وهذه ليست مجرد مسألة فقهية، بل ثمرة للخلل العقدي في تصور الأسباب الذي سبق بيانه.
والثانية: أن يقطع المريض دواءً ثبتت حاجته إليه واستقرت منفعته، كإيقاف الأنسولين لمريض السكري من النوع الأول، أو ترك أدوية الضغط لمن يعتمد عليها في منع المضاعفات، فهذه ليست من باب ترك التداوي ابتداء، وإنما هي من باب إزالة سبب قائم يغلب على الظن توقف السلامة عليه، ولذا نص كثير من الفقهاء على أن التداوي قد يجب إذا غلب على الظن حصول الهلاك بتركه، قياسًا على استعمال الترياق المعلوم النفع لدفع خطر السم القاتل، مع الفارق بين فورية خطر السم وتراكمية خطر الأمراض المزمنة، وهو فارق لا يمنع أصل القياس في وجوب دفع الهلاك المتيقن أو الراجح، وإن تفاوتت درجة الاستعجال فيه.
ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».
فالكلام هنا ليس عن مجرد ترك دواء مباح، بل عن تعريض النفس أو الغير لضرر غالب أو متحقق بإزالة سبب ثبتت منفعته.
يقول د. ضياء في مقطع مرىي:( ما فيش دواء سيولة. لا أحد يأخذ دواء سيولة)
ويقول:( ما فيش دواء على وجه الأرض مفيد)
ثالثا: من الإشكالات الطبية
هناك تناقض داخلي في النظام مؤثر على صحة الإنسان
حيث إنه يحرم أطعمة طبيعية مثبت نفعها علميًا (خضروات ورقية، بقوليات، بيض، ألبان)، بينما يسمح في بعض السياقات بنكهات صناعية أو منتجات تحتوي على سكر مضاف (نوتيلا، عصائر محلاة)، وهذا التناقض يُضعف الادعاء بأن الحكم مبني على الضرر، ويجعله اجتهادًا شخصيًا غير منضبط.
وكذلك تقييده شرب الماء عند العطش فقط وهذا قد يؤدي إلى خطر الجفاف، لاسيما مع الصيام المتكرر أو في الطقس الحار.
وكذلك منع الخضروات الورقية، البقوليات وهذا قد يؤدي إلى نقص حاد محتمل في: الألياف الغذائية والبروتين إلى غير ذلك
وأخيرا أقول:
يقوم الميزان الشرعي في هذه المسألة على أصلين متلازمين: التفريق بين الجنس والصورة في باب الأطعمة، فلا يُحرَّم جنس بعارض صورة؛ والتفريق بين الأسباب المفردة والأسباب المركّبة في باب الاعتقاد، فلا يُنسب لسبب واحد ما لا يكون إلا باجتماع أسباب.
ونظام الطيبات، حين أخلّ بالأصل الثاني، انتهى عمليًا إلى الإخلال بالأصل الأول أيضًا: فمن اعتقد أن الجسم يكفي نفسه، لزمه أن يستغني عن الغذاء المتنوع والدواء معًا، ولو لم يقصد هذا اللازم ابتداءً. والله أعلم.
بقي سؤال: هل من الممكن أن أستفيد من بعض ما في نظام الطيبات؟
الجواب: نعم، مما ثبت نفعه للإنسان عبر دراسات معتبرة وتحت إشراف طبيب لمن يعاني من مرض مزمن..
مع الابتعاد عن فلسفة النظام وأن الجسم هو السيد...
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار