هل هذه العبارة التي صدرت من بعض الإخوة وهي أن "تطبيق شرع الله من جميع الناس هو التوحيد ومناط كلمة لا إله إلا الله" عبارة صحيحة؟ وهل تنسجم مع أصول أهل السنة؟
وجوابي:
أولا: هذه العبارة ليس فيها تفسير التوحيد بالحاكمية على الوجه الذي قرره المودودي وسيد قطب؛ لأن الأخ لم يقصر تطبيق الشريعة على الحكام والقضاة وإنما عممه على جميع الناس...ولم يتكلم عن التحاكم..
ثانيا: المقصود بتطبيق الشريعة: العمل بأوامر الشريعة في جميع أبواب الدين؛ فيدخل في ذلك باب العقائد، والعبادات، والمعاملات، وسائر التكاليف..
وهذا هو الانقياد العملي
ثالثا: ومع هذا، فالعبارة غير صحيحة، وفيها خلط بين التوحيد نفسه ومناطه، وبين لوازمه وواجباته.
فتطبيق الشريعة الذي هو الانقياد العملي من لوازم التوحيد ومقتضياته، لكنه ليس هو التوحيد نفسه، ولا هو مناط كلمة لا إله إلا الله. والتفريق بين الأصل ولازمه أصلٌ مهم في تقرير مذهب أهل السنة، ويترتب على الخطأ فيه اضطراب في باب التكفير.
وبيان ذلك أن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة، فمناطه مركب من إفراد الله بالعبادة مع الانقياد القلبي والخضوع والقبول
أما تطبيق الشريعة فهو العمل بأحكامها في أصولها وفروعها، وهذا من لوازم التوحيد ومقتضياته، لا أنه عين التوحيد ولا مناطه.
لماذا لا يكون تطبيق الشريعة مناطًا للتوحيد؟
لأن المناط في اصطلاح الأصوليين: هو الوصف الذي يدور معه الحكم وجودًا وعدمًا.
فإذا قيل: إن تطبيق الشريعة مناط التوحيد، لزم من ذلك أن التوحيد ينتفي بانتفائه، ولا يبقى مع ترك التطبيق شيء من أصل التوحيد.
وهذا غير صحيح؛ لأن ما يندرج تحت تطبيق الشريعة جنسٌ واسع، يشمل: ما يذهب تركه أصل التوحيد، وما يذهب تركه كمال التوحيد الواجب، وما يذهب تركه كمال التوحيد المستحب
فما يدخل تحت تطبيق الشريعة متفاوت الأحكام، لا يستقيم جعله مناطًا واحدًا يدور معه التوحيد وجودًا وعدمًا.
ولأن الذي ينتفي به أصل التوحيد هو ما يزول بزواله القبول والانقياد القلبي والخضوع لا مطلق ترك تطبيق الشريعة..
فإن قلت: مقصودي بترك تطبيق الشريعة الذي ينتفي بانتفائه التوحيد هو الترك بالكلية
قيل: الخطاب هو للمسلم، ولا يتصور من مسلم أن يترك تطبيق جميع ما أمر به الشرع بالكلية؛ لأن الترك بالكلية يلزم منه ترك جزء من أوامر الشريعة المتعلق بإفراد الله بالعبادة، ومن تركه لم يدخل في الإسلام أصلا..ولذا لم يصح مخاطبته بتطبيق الشريعة لعدم دخوله في الإسلام ابتداء
ولأن الترك بالكلية يلزم منه زوال القبول لكلمة التوحيد وزوال الخضوع والانقياد القلبي..
ومن هنا يظهر أن خطورة هذه العبارة في أنها:
1-جعلت اللازم مناطا للتوحيد
2-جعلت جميع جزئيات تطبيق الشريعة ينتفي التوحيد بانتفائه، وهذا يلزم منه: تكفير عموم العصاة؛ لتركهم جزئيات من الشريعة لم يطبقوها، فيكون توحيدهم قد بطل لانتفاء مناطه....
ثالثا: ما تقدم تقريره بناء على أن مفهوم تطبيق الشريعة ليس محصورا في باب المنازعات والخصومات أو في جانب القضاء والحدود فقط، بل هو أوسع من ذلك، فيشمل باب العقائد والعبادات وسائر أبواب الدين.
وعلى هذا الفهم الشامل، لا يُتصوَّر من مسلم أن يترك تطبيق الشريعة بالكلية، وإنما يقع الترك جزئيًا لا كليًا.
أما إذا قُصِر المفهوم على الجانب القانوني أو القضائي، وجُعل خاصًا بالحكام أو القضاة، ثم جُعل هذا هو التوحيد ومناطه، فهذا مسلك لا ينسجم مع أصول أهل السنة، وهو الذي أوقع الخوارج قديمًا، وبعض المعاصرين في توسيع دائرة التكفير؛ إذ ضيّقوا مفهوم الشريعة، ووسّعوا مفهوم التوحيد عمليًا، وألغوا التفصيل بين ما يرجع إلى التكذيب أو الامتناع، وما لا يرجع إليهما.
ومن المقرر عند أهل السنة أن التوحيد لا يزول من أصله بمجرد ترك بعض تطبيقات الشريعة – بالمفهوم الضيق – ما لم يكن ذلك على وجه التكذيب أو الامتناع.
..
وقد ترك النجاشي تطبيق أكثر شرائع الإسلام لعجزه، ومع ذلك صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعده صلى الله عليه وسلم تاركا للتوحيد !
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار