الخميس، 11 يونيو 2026

هل الحق يعرف بالرجال؟


كنتُ قديمًا أردد عبارة " الحق لا يعرف بالرجال" بإطلاق، من غير تحرير لمعناها، ومن غير تفريق بين كون الرجال مصدرًا للحق، وكونهم وسيلةً للوصول إليه.

ولذا لم يكن السلف يذمون الرجوع إلى العلماء ومعرفة الحق عن طريقهم فيما لا يحتمل الخلاف، وإنما يذمون التقليد الأعمى الذي يجعل أقوال الرجال حاكمة على النص.

والذي يظهر أن علماءنا حين أطلقوا هذه العبارة إنما أرادوا التحذير من جعل الرجال مصدرًا للحق، لا نفي الحاجة إليهم في معرفة الحق وفهمه

ولا شك أن مصدر الحق هو الوحي قطعًا، أو ما دل عليه الوحي دلالة صحيحة.
لكن الوصول إلى هذا الحق وفهمه وتحريره لا يكون في الواقع إلا عبر الرجال الناقلين والمفسرين والمحررين، وهذا أمر لا مفر منه.

ولهذا نجد جميع الفرق والطوائف قد اعتمدت في تقرير مذاهبها على أعيان من علمائها.

فالمعتزلة اعتمدت على ما حرره عبد الجبار المعتزلي
والأشاعرة اعتمدت على ما حرره الجويني والرازي وما استقر عليه السنوسي...وهكذا بقية الفرق

وكذلك أهل الحديث اعتمدوا على ما قرره أئمة السنة من أمثال الإمام أحمد ومن سار على طريقته في تحريرهم ما دل عليه النص الشرعي، وما كان حقا وهدى فيما يتعلق بأصول الدين 
واعتمدوا ايضا على ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبا للسلف.

غير أن التسوية بين الفرق في الاعتماد على الرجال إنما هي من جهة الواقع لا من جهة صحة المنهج؛ إذ لا بد لكل أحد من رجال يتلقى عنهم. وإنما يقع الفرق في المنهج الذي سلكه هؤلاء الرجال في فهم الوحي والاستدلال به.
فأهل الحديث اعتمدوا على رجال يفسرون النص بالنص ويجعلون فهم الصحابة والتابعين أصلًا في الاستدلال، بينما اعتمدت فرق أخرى على رجال قدّموا العقل الكلامي على ظاهر النص، أو جعلوا الذوق والكشف ونحوهما حاكمين عليه.

فمجرد الاعتماد على الرجال في الوصول إلى الحق ليس منكرًا في نفسه؛ لأنه أمر لا بد منه، وإنما المنكر هو الاعتماد على رجال فسد أصل منهجهم في التعامل مع الوحي. ولذلك ضلت بعض الفرق حين بنت أصولها على رجال خالفوا النصوص الصريحة..

فإن قيل: إذا كانت أهلية الرجال الذين يُعتمد عليهم في الوصول إلى الحق تتوقف على موافقتهم للنص وسلامة منهجهم، وكانت سلامة المنهج لا تُعرف إلا من خلال الرجال أيضًا، لزم الدور.

قيل: لا يلزم الدور؛ لأن أصل المعرفة لا يتوقف ابتداءً على أفراد معينين من الرجال.
فثبوت القرآن والسنة، وحجية الوحي، ووجوب الرد إلى الله ورسوله، أمور ثابتة بأدلتها القطعية قبل النظر في أقوال المتنازعين من العلماء والفرق.
كما أن النصوص نفسها أرشدت إلى منهج التلقي والاستدلال، قال تعالى:﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقال﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

فالمعرفة تبدأ بالوحي الثابت ودلالاته الظاهرة، ثم يأتي دور الرجال في التفريع والتحرير والتفصيل.
فالدور إنما يلزم لو كانت المعرفة كلها موقوفة على الرجال من أولها، لكن لما كان لها أصل مستقل انكسر الدور.

وخلاصة القول:
أن الحق يُعرف بالوحي، ويُتوصل إليه بواسطة الرجال الذين سلمت منهجيتهم، ويُحكم على الرجال بالوحي لا العكس. فمن وافق الوحي نصًا ومنهجًا قُبل قوله، ومن خالفه رُدَّ عليه كائنًا من كان

هذا هو التوازن الذي حافظ عليه أهل السنة والجماعة تاريخياً، خلافاً لمن جعل العقل أو الذوق أو الكلام حاكماً، أو من جعل الرجال أنفسهم مصدراً للحق.

فإن قيل؛ من يكون الحكم عند التنازع في تحديد من وافق النص ومن خالفه؟ لأن كل فرقة تدّعي أنها هي الموافقة للنص.
قيل: المرجع عند النزاع هو الكتاب والسنة بفهم الصحابة والتابعين وأئمة القرون المفضلة؛ لأنهم أول من تلقى الوحي، وأعلم الناس بلغة القرآن، وأقرب الأمة إلى عهد النبوة.
ولهذا كانت أقوالهم وإجماعاتهم المنقولة من أعظم ما يُستعان به في فهم النصوص وترجيح معانيها.

فإن قيل: عرفنا أقوال الصحابة والتابعين وإجماعات السلف بواسطة الرجال أيضًا، فيلزم الدور.

قيل: لا يلزم ذلك؛ لأن هذه الأقوال لم تُعرف من طريق فرد واحد حتى يتوقف قبولها عليه، وإنما نقلتها جماعات من أهل العلم جيلاً بعد جيل، واشتهرت واستفاضت في الأمة، وتتابع الأئمة على حكايتها، مع عدم ظهور مخالف معتبر في كثير من المواضع، فتتكون من مجموع ذلك قرائن قوية على صحة النقل وثبوته

فإن قيل: أنا أوافقك أن الرجال وسيلة لا مصدر، لكن لماذا اخترت رجال أهل الحديث دون رجال الأشاعرة؟

قيل: المزية في رجال أهل الحديث هو في قرب منهجهم من طريقة الصحابة والتابعين واعتمادهم النصوص والآثار أصلًا في باب الاعتقاد.

فإن قيل: هل هذا التقرير يصحح عمل من اعتمد على شيخ بعينه معاصر، فصار لا يخرج عن قوله، ويرى أن قوله هو الحق دون غيره؟

قيل: من جعل شيخه حكماً فقد عكس المنهج لا طبّقه؛ لأن العبرة بالإجماع المتقدم المحكي عن أمثال الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية، فمن لا يخرج عن قول شيخه سواء وافق الإجماع المتقدم أم خالفه، فقد جعله مصدراً لا وسيلة، وهذا عين المنهي عنه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 19 مايو 2026

حقيقة #الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته عند #السبكي وابن حجر الهيتمي وأمثالهما والرد على الشيخ فيصل قزار


سمعت كثيرًا من المحاضرة الأخيرة التي ألقاها الشيخ #فيصل_قزار حول مسألة العذر بالجهل، فوجدت أنه لم يُحسن التأصيل في مواضع كثيرة منها، ولا وفِّق في تنزيل الأحكام على محالِّها، بل وقع في اضطراب ظاهر في تحرير محل النزاع، مع كثرة الأغاليط والتناقضات.

ومن كثرة ما اشتملت عليه المحاضرة من الأخطاء يصعب استقصاؤها جميعًا، غير أن أكثر ما بدا أنه أقلق الشيخ فيصل هو إلزامه في مسألة العذر بالجهل بأقوال تقي الدين السبكي، وابن حجر الهيتمي وأمثالهما ممن لم يُكفِّرهم العلماء، مع تقريرهم لما هو من الشرك الصريح في باب الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته.

ولهذا حاول جاهدًا أن يصوّر الاستغاثة التي يثبتها هؤلاء بأنها من جنس التوسل أو طلب الدعاء من الميت، وأن غاية ما يقال فيها: إنها من باب الشرك الخفي أو الشرك الأصغر، لا من الشرك الأكبر الصريح.

وهذا التصوير غير صحيح؛ فإن الذين أجازوا الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته، أو بالأولياء والصالحين بعد موتهم، إنما أجازوا دعاءهم وطلب الحاجات منهم حقيقةً، لا مجرد التوسل بهم أو طلب دعائهم.
وإن جعلوا من معاني الاستغاثة: التوسل والاستشفاع..قال السبكي الأب في شفاء السقام ((314) : ( فصار لفظ الاستغاثة بالنبي له معنيان: أحدهما أن يكون مستغاثا, والثاني أن يكون مستغاثا به)

وقد صرح بذلك ابن الحاج (ت 737هـ) في آداب الزيارة بقوله: “ثم يتوسل بالأنبياء عليهم السلام إلى الله في قضاء حوائجه ويستغيث بهم، ويطلب منهم الحوائج...” إلى آخر كلامه، الذي صرّح فيه بطلب الحاجات من النبي ﷺ والاستغاثة به بعد وفاته.

وكذلك أجاز السبكي في شفاء السقيم الاستغاثة بهذا المعنى، وذكر أنها على جهة التسبب والشفاعة لا على جهة الخلق والاستقلال، وتبعه على ذلك ابن حجر الهيتمي وغيره.
ولعل الشيخ فيصل بن قزاز لم يفهم قولهم على جهة التسبب..

ومعنى قولهم: إن الاستغاثة بالنبي ﷺ إنما هي “على جهة التسبب والشفاعة”: أن المستغيث يطلب من النبي ﷺ أن يكون واسطة في تحصيل الغوث من الله تعالى، حتى يجعلوا الطلب من المخلوق طلبًا من الله في المعنى.

وقد صرّح ابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم (٦٢٤): بقوله ( ...والمستغاث به في الحقيقة هو الله, والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بينه وبين المستغيث, فهو سبحانه مستغاث به والغوث منه خلقا وإيجادا, والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاث والغوث منه سببا وكسبا)

فهؤلاء جعلوا الطلب من الميت وسيلة في الطلب من الله, وكأنهم يجعلون نفس الطلب من الميت طلباً من الله.

وقد أداهم ذلك إلى رجاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة به من كل مكروب, وعلى وجه الرجاء والخوف
حتى قال ابن حجر الهيتمي في المنح المكية ( قد رجوناك معشر محبيك وخدامك أيها النبي الكريم ..للأمور الخطيرة العظيمة من الذنوب)

وقال عند شرح قول البوصيري في همزيته: (أناديك نداء ملهوف أي مضطر متحسر  محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه ) المنج المكية (654)

ولا ريب أن هذا من جنس ما حكاه الله عن المشركين الأولين، الذين كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق المدبر، وإنما اتخذوا معبوداتهم وسائل وشفعاء، كما قال تعالى:﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾،
وقال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

ولهذا قال سليمان بن سحمان في الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص: 464): (وأما قوله: (قال السبكي، والقسطلاني في "المواهب اللدنية" والسمهودي في "تاريخ المدينة" وابن حجر في "الجوهر المنظم": إن الاستغاثة به -عليه الصلاة والسلام- وبغيره من الأنبياء والصالحين إنما هي بمعنى التوسل بجاههم، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يجعل له الغوث ممن هو أعلى منه، فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بين المستغيث وبين المستغاث به الحقيقي، فالغوث منه تعالى إنما يكون خلقاً وإيجاداً، والغوث من النبي تسبباً وكسباً .
فالجواب أن يقال: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسول إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم، ويستغيثون بهم ويعبدونهم، وهذا هو دأب عبدة الصالحين والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم،...)

مع التنبيه إلى أني ممن أعذر بالجهل المعتبر، ولست ممن يكفر السبكي أو ابن حجر ...

لكن على كل حال
الشيخ فيصل لشدة خصومتة مع الشيخ الريس انغلق عليه باب تحرير المسائل وحسن الاستنباط

ومن عجيب ما ذكره في محاضرته أنه يخشى الردة على من وضع شروطا وقيودا في إقامة الحجة زائدة، كاشتراط أن الذي يقوم بالحجة عالم أو لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه....!!!

هدانا الله وإياهم
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/05/blog-post_19.html


السبت، 16 مايو 2026

محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟

 ما أجمل مناقشة مسائل العلم بالعلم !


محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض

والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟


والجواب باختصار: لا؛ لأن هذا احتمال طارئ على العقد, وليس جزءا من ماهية العقد, فالأصل أن العقد تحقق فيه شرط التقابض, ثم فرض بعد ذلك شك في حصول تأخير في التقابض...

هذه هي صورة المسألة, والشريعة تلغي الشك الطارئ بالاستصحاب ولا توجب التوقف..


وليس الشك في تحقق شرط التقابض هنا كالشك في التماثل في الربويات التي من جنس واحد؛ لأن التقابض شرط في صحة العقد وليس هو من ماهية العقد ولا هو علة الربا, بخلاف الجهل بالتماثل فهو جهل بوجود علة الربا نفسها, فافترق البابان.


ثم أقول:

إن الاحتجاج بقاعدة: "لا يجوز للعبد أن يُقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه" لإيجاب التوقف على الناس في معاملة 2000 دولار

إنما يستقيم لو فرض عدم وجود أصل شرعي يرجع إليه الناس في الإقدام على هذه المعاملة 

أما مع وجود أصل الاستصحاب في باب البيوع عند عدم وجود مانع معتبر فلا يستقيم استعمال هذه القاعدة ولا جعلها موجبة للتوقف...

وذلك لأن القاعدة إنما قيدت الإقدام على الفعل بالعلم بحكم الله, والعلم بجكم الله ليس مقتصرا على النص الجزئي فقط, وإنما حكم الله قد يعلم بالنص الشرعي الجزئي, كما قد يعلم بدليل كلي أو باستصحاب أصل شرعي ؛ إذ الاستصحاب من الأدلة الشرعية المعتبرة.

وعليه، فالإقدام على هذه المعاملة بناءً على استصحاب أصل الحل في البيوع: إقدام مستند إلى دليل شرعي، ولا يُعدل عنه إلا بمعتبر شرعي, أما مجرد الشكوك والاحتمالات فلا تُعد ناقلة عن الأصل وإن كانت في بيع صرف؛ لأن الشريعة ألغت اعتبار الشك المجرد ولم تجعله معارضًا للأصول المستقرة. 


فإن قيل: استصحاب الحل في معاملة 2000 دولار يعارضه وجود شك واحتمال في عدم تحقق شرط الصرف وهو التقابض, وعقد الصرف وإن كان يدخل في مطلق البيع إلا أن له شروطا خاصة

قيل: أن هذا الاحتمال ما دام باقياً في دائرة الشك غير المتيقن فإنه لا يصلح مانعًا من استصحاب أصل الحل؛ لأن الاستصحاب يعمل به في المحل الذي دخله احتمال طارئ مع بقاء الأصل السابق، ولم يقم هنا دليل معتبر يرفع ذلك الأصل. ومن ثم يبقى الاعتماد على الاستصحاب صحيحًا.

ولا يصح الانتقال من وجود احتمال في تحقق الشرط إلى إسقاط أصل الحل دون إقامة دليل أو قرينة راجحة يثبت اختلال الشرط فعلا؛ إذ لو صح ذلك لصار التعويل على مجرد فرض الاحتمالات في نقض الأصول الشرعية, وهذا باطل

ولو كان مجرد فرض الاحتمالات مؤثرا على حكم المعاملة لتعطلت أكثر المعاملات لأنها لا تخلو معاملة من وجود احتمال يمنع منها.


فإن قلت: سأعمل بالاحتياط وأتوقف ولن أستصحب الأصل؛ سدا لذريعة الربا

قيل: يسوغ لك التوقف في حق نفسك, أو تمتنع عن إعطاء حكم على ذات معاملة 2000 دولار لم يكتمل تصورك لها, لكن ليس لك إيجاب التوقف على عموم الناس؛ لوجود اشتباه عندك, فهذا تضييق ظاهر ترده أصول الشريعة وقواعدها

كما أن حالة الاشتباه إنما نشأت لعدم اكتمال تصور المعاملة, فإذا كانت صورة العقد غير مكتملة التصور فكيف يتم تصور حالة الاشتباه تصورا تاما, فادعاء هذا تناقض ظاهر

ثم إن حالة الاشتباه مبنية على فرض التأخر, وهذا غير موجود في واقع المعاملة, فإذا لم يثبت التأخر فلا اشتباه مؤثرا أصلا, ويبقى العقد على أصله وهو الصحة.

كتب د أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 8 مايو 2026

كيف تعرف الإخواني من غيره؟

 


[ سئل الشيخ الألباني عن سلمان العودة، فقال: هو ليس إخواننا، لكن منهجه منهج الإخوان المسلمين 

https://youtu.be/Xq3aqyAhDzU?si=T5_M9cehjYAG8S44

     ] انتهى كلامه 


وهنا يتبادر سؤال: كيف لا يكون إخوانيا ويكون على منهج الإخوان؟


أقول مجيبا على السؤالين:


الوصف بالإخوانية ليس مقصورًا على من دخل في تنظيم الإخوان، وبايع المرشد العام، ووالى وعادى لأجل الجماعة؛ فهذه مناطات الوصف الخاص، فالإخواني بالإطلاق الخاص هو من كان كذلك. 


لكن هناك إطلاقًا عامًا أوسع، ونظير ذلك الوصف بالجهمية. 


فالوصف بالجهمية له إطلاق خاص على من جمع بين نفي الصفات جميعها، والقول بالجبر الخالص، والقول بالإرجاء الغالي. 


وله أيضًا إطلاق عام؛ فيُطلق على كل من تبنى دليل حدوث الأجسام، 

فيُوصف المعتزلي بأنه جهمي من هذا الوجه، ويُوصف الأشعري بأنه جهمي من هذا الوجه، ويُوصف الماتريدي بذلك أيضًا، وإن لم يأخذوا حكم الجهمية من كل وجه. 


وكذلك الخارجي والمرجئ والقدري بالإطلاق الخاص غير الخارجي والمرجئ والقدري بالإطلاق العام 


وهكذا الحال في الوصف بالإخوانية؛ فالإطلاق العام يدخل فيه كل من تبنى الفكرة وشاركهم في مناط هذا الإطلاق، وإن لم يدخل في التنظيم، ولم يأخذ حكمهم من كل وجه. 


فما مناط الإطلاق العام للإخوانية؟ 


يطلق وصف الإخوانية على كل من يجعل الوصول إلى الحكم والانشغال بالعمل السياسي أصلًا تُبنى عليه الأولويات بإطلاق، حتى يُقدَّم الولاء السياسي والحركي على الولاء العقدي والمنهجي. 


ولأجل ذلك تغلب الرؤية السياسية على التصحيح العقدي، والتميز المنهجي، والوضوح في مسائل الاعتقاد والانحرافات الفكرية. 


فتجد عند هؤلاء أن الولاء ابتداء يكون على النظر السياسي والتكتل الحركي، وأما العقيدة فهي الوسيلة الخادمة، فكثيرا ما يُهون منها ... 


وباختصار فالإخواني بالإطلاق العام: من جعل الوصول إلى الحكم والتمكين السياسي أصلا في دعوته، حتى يصبح الولاء لهذا المشروع السياسي مقدما بإطلاق على الولاء العقدي والتمايز المنهجي

فالكلام فيمن يجعل السياسة أصلًا حاكمًا على العقيدة والمنهج 


ومن هنا نفهم تعاطف كثير من الرموز الدينية مع إيرااان، حيث يُهوَّنون من الانحراف العقدي لأجل الاشتراك في مشروع سياسي أو موقف مرحلي. 

ولا أتكلم هنا عن عوام الناس... 


تنبيه مهم:

ليس كل من اهتم بالسياسة يُوصف بالإخوانية، وإنما العبرة بالغلبة والأولويات. 


فإذا كان الأصل عند الشخص هو التصحيح العقدي، والتميز المنهجي، وكانت السياسة وسيلة خادمة لذلك، لم يصح وصفه بالإخوانية، لا بالمعنى الخاص ولا بالمعنى العام. 


أما إذا كانت السياسة، والوصول إلى الحكم، والعمل الحركي، هي الأصل الذي تُرتب عليه المواقف والتحالفات والأولويات، صح وصفه بالإخوانية بالمعنى العام، وإن لم يكن منتميًا تنظيميًا إلى جماعة الإخوان المسلمين. 


وكما صح توسع الأئمة في إطلاق الجهمية بالمعنى العام على من لم يكن جهميًا بالمعنى الخاص، صح ذلك أيضًا في إطلاق الإخوانية من أهله؛ لبيان خطورة الأصل الذي ضلوا فيه، وتحذير الناس من الوقوع فيه. 


وأنبه إلى أنه يجب أن يكون هذا التوسع منضبطًا بصحة تحقق المناط، لا برمي الناس بما لا يعتقدونه، ولا بنسبة الأقوال والمناهج إليهم بغير بينة وعدل. 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 7 مايو 2026

اقرأ بصبر وإنصاف هل أخطأ الإخوان المسلمون حين لم يعتنوا بتصحيح العقيدة؟

 

الشبهة التي علقت في أذهان بعض الشباب عند الكلام عن جماعة الإخوان المسلمين: أنهم جماعة سياسية وليست فرقة عقدية؛ بمعنى أنهم جماعة تُعنى بالشأن السياسي والوصول إلى سدة الحكم، وليست جماعة تبنت أصولًا عقدية مخصوصة.

وفلسفة هؤلاء أن المعركة لما كانت متجهة إلى الكافر الأصلي، وإلى العلمنة وإقصاء الشريعة؛ لم يكن للإخوان مجال للاشتغال بتصحيح المعتقد في الصف الداخلي، ولا بإعمال باب الولاء والبراء في مسائل البدع والانحرافات العقدية.

فيتفق هؤلاء معنا أن جماعة الإخوان لم تعتن بالتمييز العقدي ولا راعت الولاء والبراء على البدع في أصول الدين إلا أنهم يسوغون ذلك لهم ويعتذرون للإخوان بحجة الدفاع عن أصل الإسلام، والسعي إلى إعادة تحكيم الشريعة ...

فالمقدمات التي انطلق منها هؤلاء في الاعتذار للإخوان وتبرير منهجهم ترجع إلى مقدمتين:

الأولى: أن المرحلة التي وُجد فيها الإخوان لم تكن تسمح بالاشتغال بتصحيح العقيدة.

الثانية: أن مصلحة مواجهة العدو الخارجي مقدمة على التمييز العقدي الداخلي وإعمال باب الولاء والبراء وإعمال باب الأسماء والأحكام.

ولهذا يطالب هؤلاء السلفيين بأن يراعوا في حكمهم على جماعة الإخوان: المقاصد والظروف والملابسات التي نشأت فيها الجماعة.

لكن حتى لا يُظلم القوم، فقد عرض العلماء — قديمًا وحديثًا — منهج الإخوان على أصول الشريعة وقواعدها، ونظروا في طريقتهم بميزان الوحي ومنهج الأنبياء والسلف، فنتج عن ذلك أمور:

أولًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها وطريقة الأنبياء مع أقوامهم أن تصحيح العقيدة هو أصل مواجهة الباطل ولا يصح أن يكون أمرا مؤجلا...

فالأنبياء عليهم السلام لم يبدؤوا بمواجهة الأنظمة السياسية ولا القوى المهيمنة قبل تصحيح التوحيد.

كما أن النبي لم يؤسس تجمعًا عامًا يضم المشرك والموحد بدعوى الاتحاد ضد قريش، وإنما تحمل الأذى في سبيل تصحيح المعتقد ومحاربة الشرك.

وبهذا يتبين أن أصل الفكرة التي انطلقت منها الجماعة — وهي تجميع المتناقضات العقدية تحت راية واحدة بدعوى مواجهة العدو الخارجي في زمن يمكن معه تصحيح المعتقد — هو نفسه مخالف لطريقة الأنبياء وهدي الشريعة.

ثانيا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن الانحراف العقدي نفسه هو أعظم أسباب تسلط الأعداء
فالقرآن كثيرا ما يربط بين فساد العقائد وبين حلول الذل والهزيمة والتفرق، كما قال تعالى:{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات}
فكيف يصح تأجيل ما هو في نفسه سببٌ لتسلط العدو؟!

ثالثًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن جمع الفرق المتناقضة عقديًا ليس هو الاعتصام بحبل الله ولا يحقق الوحدة المطلوبة شرعا، وبالتالي لن يترتب عليه هزيمة العدو، ولا نصر الله لأوليائه...

ولهذا كان الإمام أحمد يحذر من الجهمية زمن الفتن، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقاتل التتار، ومع ذلك يرد على الاتحادية والباطنية والصوفية المنحرفة، ولم يُذب الفوارق العقدية بحجة مواجهة العدو الخارجي.

رابعا: النظر إلى المآلات والعاقبة أمر دلت عليه أصول الشريعة وقواعدها
ومن نظر إلى ما آل إليه حال جماعة الإخوان المسلمين التي قدمت الوحدة الحركية على تصحيح العقيدة
وجد أنهم انتهوا إلى: التميع العقدي، وتقديس التنظيم على حساب صحة لمعتقد، والغلو في الجماعة، والتنازلات الفكرية
حتى أنهم تركوا تحكيم الشريعة لما وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان، بل حكموا دساتير فيها أمور كفرية، كما فعل مرسي في مصر..

وعليه
فالسلفيون لما يظلموا الإخوان حين حكموا عليهم بالضلال والانحراف؛ لأنهم انطلقوا في حكمهم من أصول الشريعة وقواعدها والتي اقتضت هذا الحكم...

ونحن  إذ نحذر من الإخوان المسلمين ونبين ضلالهم لا يعني ذلك أننا نحكم على كل فرد منهم بأنه من أهل النار....

ومع تحذيرنا كلما استجد أمر تمدح فيه هذه الجماعة يؤسفنا حال من يدافع عن الإخوان ممن غاب عنه كون  السلف كانوا يفرقون بين التعاون المشروع وبين التمييع العقدي وتأسيس مشروع عليه

فأهل السنة لا يمنعون التعاون مع المخالف في أمرٍ مشروع إذا دعت إليه الحاجة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بهذا التعاون
لكن من دون تزكية البدع أو إسقاط التحذير بالكلية، ومن دون إلغاء أحكام التفسيق والتبديع بإطلاق....

فهناك فرق بين التعاون الجزئي المقيد وبين بناء مشروع إصلاحي كامل على تذويب الفوارق العقدية وإلغاء باب الأسماء والأحكام.

وأخيرا
إن سألتني عن أهم الفوارق بين السلفيين بحق وبين السروريين والإخوان

لكان جوابي: أن السرورية والإخوانية جعلت إقامة الإسلام مساوية للوصول إلى الحكم وإسقاط الأنظمة المسلمة القائمة.

أما السلفيون بحق فيرون أن إقامة الإسلام تبدأ بـ: تصحيح التوحيد، وتصحيح العبادة. وتربية الناس على السنة..وهم في غاية البعد عن سفك الدماء وبث الفوضى في البلدان المسلمة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار




الأربعاء، 29 أبريل 2026

ماحقيقة #تصوف_أحمد_زروق؟

 


خرجت بعض القنوات في الآونة الأخيرة لتصوّر للناس أن هناك تصوفًا حقيقيًا قد شوّه المنتسبون إليه صورته، وأن هذا #التصوف لا يخرج عن الزهد وصدق التوجه إلى الله وتحقيق مقام الإحسان. 


ودعا بعض أصحاب هذا التوجه ـ ممن يرفعون شعار #التصوف_السني وتصحيح التصوف المعاصر ـ إلى الاعتماد على التقعيد الذي وضعه #أحمد_زروق في كتابه #قواعد_التصوف، وعدّوه من أهم الكتب التي قعّدت للتصوف وربطته بالشريعة. 


غير أن الناظر في هذا الكتاب يجد فيه إشكالات ظاهرة في الأصول المعرفية والعقدية؛ إذ ينطلق المؤلف من اعتبار #التصوف علمًا مستقلًا له موازينه الخاصة ومصادر تلقيه المميزة. 

فهو وإن قرر أن أصوله الأصلية ترجع إلى الكتاب والسنة، إلا أنه يجعل طريقة أخذ #الصوفي منهما مختلفة عن طريقة الفقيه والمحدث، ويضيف إلى ذلك اعتماد الصوفي على مصادر أخرى في باب الأحوال والسلوك، كالذوق والمكاشفة والخواطر والإلهامات. 


وبناءً على ذلك، قرر أحمد زروق أنه لا يُعتمد على فقيه ولا محدث في التصوف، وإنما يرجع لأهل الطريقة فيما يختص بصلاح الباطن...


وقد أدى هذا المسلك إلى فتح باب التلقي الديني عن غير طريق الوحي المحض، ورسخ فكرة أن هناك مرتبة خاصة لا يدركها #أهل_الظاهر، وأن كمال الدين لا يتحقق إلا بسلوك الطريق الصوفي. 


●وما قرره أحمد #زروق هو خلاف ما قرره الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم، فأهل السنة تكلموا في أعمال القلوب، وتهذيب النفس، وصلاح الباطن ومقامات الإيمان من الإخلاص والخوف والرجاء والزهد والصبر والتوكل ونحوها، من غير أن يكونوا متصوفة ولا احدثوا كيفية جديدة في الأخذ من الكتاب والسنة. ولم يجعلوا لها علمًا مستقلًا له مصادر تلقٍّ خاصة وأرباب مخصوصون به. 


●ومن أخطر ما قرره أيضًا إثباته للتفسير الإشاري، القائم على دعوى أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا قد يخالف الظاهر، مع الاعتماد في ذلك على المكاشفات والذوق. وهذه الإشارات التي يعتمدها كثير من المتصوفة هي في كثير منها: تحريف لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست من باب الاعتبار الصحيح أو إلحاق غير المنصوص بالمنصوص؛ إذ إنها تعتمد على معانٍ ذوقية ورمزية لا يدل عليها اللفظ ولا السياق. 

ومن أمثلة ذلك تفسير بعضهم قوله تعالى:[تذبحوا بقرة) بذبح النفس..!!! 


●وإذا جئنا لكتاب #قواعد_التصوف لأحمد زروق وجدنا أنه في القاعدة (76) يثبت علم المكاشفة، ثم يقرر في القاعدة (77) أن الصوفية المحققين هم من يأخذون الإشارة من ظاهر اللفظ أو من باطن المعنى، مما يعيد أصل الإشكال في فتح باب الإشارات الذوقية. 


■ويبقى السؤال: كيف يصل الصوفي إلى هذه الإشارات؟ وعلى أي أساس يعتمد في التفسير الإشاري؟ 


يجيب أحمد زروق بأن هذه #الإشارات ودقائق علوم التصوف إنما هي منح إلهية ومواهب اختصاصية لا تُنال بمعتاد الطلب، كما في كلامه في ص (30). 

وهذا يجعل بعض المعارف الدينية خارجة عن طرق التلقي الشرعي المعروفة، مع تقريره في مواضع متعددة الاعتماد على الخواطر الربانية والذوق والرموز.


بل يظهر كلامه تأثر بنظرية #الفيض_الفلسفي، حين جعل من العلم ما يؤخذ من ظاهر الخطاب، ومنه ما يُؤخذ بطريق الإفاضة على القلب. 


كما قرر في كتابه قواعد التصوف أن نظر الصوفي في نصوص الكتاب والسنة يكون من حيث #الحقيقة في عين التحقيق حتى يصل ظاهره بباطنه كما في القاعدة (32)، 

وهي عبارة تجعل للنصوص ظاهرًا للعامة وباطنًا للخاصة، وهو من الأبواب التي دخل منها الانحراف الإشاري والباطني. 


●كما يقول أحمد زروق ب #التوحيد_الشهودي، الذي يقوم على أن الله يُرى ظاهرًا ومتجليًا في كل شيء من مخلوقاته.

ويرى كذلك أن العارف إذا تكلم من حيث الحال سُلِّم له ذوقه، وأن المعتبر فيه وجدانه، ولا يقتدي به إلا من كان مثله. كما القاعدة (39)  

وفي هذا تعظيم للذوق الوجداني حتى يُجعل ميزانًا في باب الإدراك والمعرفة، مع تقليل سلطان النص والبرهان في تقويم تلك الأحوال والمواجيد. 


■أما في باب الاعتقاد؛ فيسير زروق على طريقة متأخري الأشاعرة في الصفات، مع ميل ظاهر إلى #التفويض، كما في القاعدة 84، ثم يقرر في القاعدة (51) أن التأويل لا يبطل أصل التفويض ما لم يُعتقد أن المؤوَّل هو عين المراد. 

فالتفويض عنده ليس في أصل المعنى وإنما في تعيين المحتمل كما في قاعدة 51 


●كما جوز #التبرك بقبور الصالحين. بناء على أن كل من جاز التبرك به في حياته جاز التبرك به بعد موته كما قرر ذلك في قاعدة 159

ويرى أن لبسة الخرقة ومناولة السبحة وأخذ العهد جائز من باب الرواية كما في قاعدة 158

واعتبر #الخلوة في غير المسجد نوعا من أنواع الاعتكاف كما في قاعدة 114 


■فإذا كانت هذه الأصول والتقريرات هي مما يثبته أحمد زروق في كتابه قواعد التصوف؛ فكيف يُقدَّم هذا المنهج على أنه هو #التصوف_السني الموافق لمنهج أهل السنة والجماعة؟! 


●ومن المواضع الخطيرة أيضًا في كتابه: تصحيحه لتصوف ابن سبعين، وجعله مناسبًا للمشتغل بالفلسفة والمنطق كما في القاعدة (59)، 

مع أن ابن سبعين من أشهر القائلين بوحدة الوجود والاتحاد.

كما اعتذر  لابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، مع اشتهار مقالاتهم في وحدة الوجود والاتحاد، وذلك في شرحه للمباحث الأصلية. 


والكتاب فيه كثير من المخالفات الشرعية. 


هدانا الله وإياهم لسلوك الصراط المستقيم

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 27 أبريل 2026

هل المروءة والسمت العلمي للمنتسبين لعلوم الشريعة هو: في ترك ربطة العنق (الكرافته)؟

 

[الملخص: لا يليق بطالب العلم أن يلبس الكرفته؛ لأنها لا تليق بحملة الشريعة، ويصح الإنكار على من لبسها بالتوجيه والبيان]

يتساهل بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي في لبس ربطة العنق في المحافل العامة والمؤتمرات، بل تجاوز ذلك إلى مناقشات الرسائل العلمية وبحوث التخرج. وهذا يستدعي تحريرًا للمسألة وبيانًا ينضبط بالأصول والقواعد المحكمة في الشريعة..

ابتداءً: لا بد من تقرير أن لبس ربطة العنق في ذاته محل خلاف بين الفقهاء المعاصرين؛ فمنهم من منع نظرًا إلى أصل مخالفة الكفار قي لباسهم وما قد يُستصحب من دلالات تاريخية وعقدية لربطة العنق، ومنهم من جوّز باعتبار أنها صارت من اللباس العام الذي عمت به البلوى، ولم تعد شعارًا خاصًا
وقد قيل في أصلها أقوال متعددة؛ منها نسبتها إلى لباس الكروات في الحروب، ومنها ما يُذكر من ارتباطها برمز الصليب...

غير أن النظر المقاصدي لا يقف عند حدود الإباحة المجردة، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبار المقاصد الشرعية والمآلات...
ذلك أن الأحكام المتعلقة بهيئات أهل العلم يراعى في حكمها النظر إلى مقاصد الشريعة في التميّز والمخالفة وحفظ مقام العلماء وسمتهم؛ فالعالم ليس فردًا عاديًا في نظر العامة، بل هو قدوة وممثّل للشرع في ظاهره قبل باطنه.

ولذا نص الفقهاء على أن الفقيه تنخرم مروءته إذا لبس عمامة سوقي لا تليق به[انظر تحفة المحتاج شىح المنهاج لابن حجر الهيتمي]
وقال البرماوي في الفوائد السنية في بيان معنى المروءة:( توقي الإنسان ما لا يليق بحاله، ويختلف ذلك باختلاف الناس)

ولأهمية التحلي بالمروءة اشترط المحدثون في الراوي الذي تقبل رواية حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزهه عن كل ما يسقط المروءة ...

وذكر الفقهاء والأصوليون في شروط المفتي أن يكون متنزها عن مسقطات المروءة، وأن من لم يكن متنزها فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد، [انظر كلام ابن الصلاح في أدب المفتي ولمستفتي وغيره]
بل شدد الفقهاء فأسقطوا الثقة بقول من ارتكب ما لا يليق بمثله ونفوا قبول شهادته....
قال الغزالي:(فمن يرتكب ما لا يليق بأمثاله من المباحات...فتسقط الثقة بقوله ولا تقبل شهادته) العزيز شرح الوجيز للرافعي القوزيني

وعند تنزيل هذا الأصل على مسألتنا: فإن ربطة العنق – وإن لم تعد اليوم شعارًا دينيًا خاصًا – إلا أنها لم تجرِ عادة أهل العلم بلبسها، بل غلب اقترانها في الأذهان بالساسة والبرلمانيين ونحوهم ممن أفعالهم في الجملة لا تليق بأهل العلم...

وعليه؛ فكون ربطة العنق لم تعد شعارًا دينيًا خاصًا بالكفار يُخفف جانب المنع في حق عامة الناس، لكنه لا يُسقط الاعتبار بالكلية؛ لأن للهيئة الظاهرة أثرًا معتبرًا في إبراز التميّز وحفظ السمت.

ومن هنا يظهر أن محل الإشكال ليس في لبسها من عموم الناس على القول بالجواز، بل فيمن يلبسها ممن ينتسب إلى العلم الشرعي ويُعرف به؛ إذ ليس من اللائق بحملة الشريعة ودعاتها أن يتشبهوا في هيئاتهم بما لا ينسجم مع سمتهم العلمي، وليس المقصود بذلك تحريمًا لذاته، وإنما مراعاةٌ لجانب المروءة، وحفظٌ لهيبة العلم، وسدّ لما قد يُفضي إلى تمييع الفوارق الظاهرة بين أهل العلم وغيرهم.

وقد قرر الفقهاء أن من يُقتدى به عليه أن يراعي في هيئته ما يحفظ به قدر العلم في النفوس، وأن يترك ما يُنقصه في أعين الناس، ولو كان الفعل في ذاته مباحًا؛ لأن المروءة والسمت من المعاني المعتبرة شرعًا، لا سيما في حق من يتصدر للتعليم والدعوة.

كما أن تميز أهل العلم باللباس عن غيرهم أمر متقرر عند الفقهاء
فقد ذكر الخرشي في شرح مختصر خليل:(وقالوا: ينبغي للعالم أن يلبس ما يميزه عن غيره)

والحاصل أن ترك لبس ربطة العنق من أهل العلم في هذا السياق ليس من جهة تحريم لذات الفعل، وإنما من جهة تحقيق المروءة وحفظ مكانة العلم...وهو أصل معتبر عند السلف والأئمة...
ولذا صح الإنكار على من لبسها...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار