الجمعة، 2 أكتوبر 2026

(سجن الدعاة واضطهادهم!!)

 

سمعت مقطعا لأحمد السيد يتكلم فيه عن مشابهة عصرنا للعصر الذي بعث فيه موسى عليه السلام، من جهة طغيان الحاكم واستبداده، ومن جهة اضطهاد من سماهم أهل الحق من الدعاة.

ولنا وقفة مع من وصفهم بأهل الحق ممن هم في السجون.

أولا: قرر ابن تيمية وغيره أن الداعي إلى البدعة ومن ثبتت مخالفته الشرعية الموجبة للتعزير فإنه يستحق العقوبة بعد قيام الحجة، وتحقق موجبها
وقرر العلماء في السياسة الشرعية أن الجنايات التي تضر بالمجتمع والنظام العام يعاقب فاعلها تعزيرا وتأديبا بالحبس وغيره، بقدر ما يتحقق به الزجر ودرء الفساد وبما يتناسب مع الجرم، على أن يكون التعزير مبنيا على فعل ثابت أو تحريض محقق، لا على مجرد التهمة.

ثانيا: لقد كان لبعض منظري التيارين القطبي والسروري دور بارز في زعزعة استقرار المجتمعات الإسلامية، بسبب ما بثوه من فكر تكفيري، وتأليب للشباب ضد الحكومات، وإذكاء للنزاعات السياسية والاجتماعية.

فمن ثبت في حقه تبني هذه الأفكار أو الدعوة إليها، أو التحريض على العنف والاعتداء، أو المشاركة في أعمال تضر بالامن وحقوق الناس، فللجهات المختصة اتخاذ الإجراءات الشرعية والقانونية بحقه، بما في ذلك المحاكمة والعقوبة المناسبة اذا ثبت موجبها، وبما يحقق حفظ الامن والاستقرار.

ثالثا: لا تعارض بين هذا الطرح وموقف ابن تيمية حين عفا عن خصومه، كالقاضي ابن مخلوف وغيره ممن سعوا في حبسه وأفتوا بقتله، رافضا طلب السلطان الناصر محمد بن قلاوون الانتقام منهم؛ لأن ابن تيمية عفا عن حقه الشخصي.

وأما ما يمس أمن المجتمع وعقائد الناس واستقرارهم، فهو حق عام متعلق بحفظ بيضة المسلمين وأمنهم، لا يسقطه عفو الأفراد.

رابعا: تنزيل حالة موسى مع فرعون على واقعنا المعاصر هو من تأثير الفكر القطبي السروري على أحمد السيد، ويعد قياسا مع الفارق؛ إذ لا يصح بناء القياس على مجرد وجود الظلم في الحالتين، دون النظر إلى اختلاف الظروف والأحكام والملابسات،

ولا يصح أيضا نقل الأحكام المتعلقة بمواجهة فرعون مباشرة إلى التعامل مع حاكم مسلم بمجرد وجود ظلم أو استبداد،

فالشريعة جاءت بأحكام مخصوصة في التعامل مع ولاة أمور المسلمين، من النصيحة والإنكار بالضوابط الشرعية، والصبر على الجور، وتحريم الخروج الذي يفضي إلى الفتنة والفساد.

ومن أوجه الفرق بين الواقعين:

1. حكام المسلمين الذين ثبت إسلامهم واستقر حكمهم يقرون بالإسلام، وتقام في دولهم الصلاة وشعائر الإسلام ويتحقق فيها الأمان، أما فرعون فكافر أصلي ادعى الربوبية، ولا تقام في دولته شعائر الدين الذي جاء به موسى.

2. حكام المسلمين لهم أصل عقد الولاية الشرعية، أما فرعون فلا ولاية له أصلا على بني إسرائيل.

3. الرعية والمجتمع تحت ولاية حكام المسلمين مسلمون يقيمون شعائر دينهم، أما بنو إسرائيل تحت حكم فرعون فقد كانوا مستضعفين.

4. الواجب نحو حكام المسلمين الصبر والنصيحة وتحريم الخروج، أما الواجب نحو فرعون فالمفاصلة التامة.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 1 أكتوبر 2026

تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار

 تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني 

بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار 


1. دعوى: يناقض السلفيون أنفسهم حين يعتذرون للنووي وابن حجر وامثالهما بغلبة البيئة #الأشعرية في عصريهما، وهو اعتراف منهم بانتشارها، ثم ينكرون أن الاشاعرة هم أغلب الأمة. 


التعقيب: لا تعارض بين الأمرين؛ فغلبة المنهج التأويلي في بيئة زمانية أو مكانية متأخرة لا تعني غلبته على مجموع تاريخ الأمة ولا على القرون الفاضلة الأولى، والاستدلال بغلبة المذهب في عصر أو مصر مخصوص على مشروعيته أو غلبته المطلقة استدلال بالخاص على العام، وهو استدلال باطل عقلا ومنطقا. 


2. دعوى: يحتج السلفيون بأقوال أئمة الأشاعرة، وفي الوقت ذاته ينفون إحاطتهم بحقيقة التوحيد. 


التعقيب:الاحتجاج بنصوص فقهائهم في إنكار التوسل البدعي والشركيات هو من باب إقامة الحجة عليهم بلوازم مذهبهم ومقررات فقهائهم، أما نفي إدراكهم لحقيقة التوحيد، فإنما يتوجه إلى ما قررته متون علم الكلام التي قصرت حقيقة التوحيد على نفي التعدد والتركيب والشرك في الربوبية دون توحيد الإلهية والعبادة. 

كما أن الاحتجاج بالعالم في مجاله كالحديث أو الفقه أو التفسير لا يقتضي تصويبه في كل مسألة عقدية، فلا يلزم من ذلك تناقض؛ لاختلاف جهة الاحتجاج. 


3. دعوى: يذم السلفيون علم الكلام ويحرمونه، بينما يستعملون الأدلة العقلية. 


التعقيب:ذم السلف لعلم الكلام متجه إلى المناهج المبتدعة القائمة على القواعد الفلسفية الفاسدة وتقديمها على النصوص الشرعية وتأويلها، أما الاستدلال العقلي الصحيح، واستعمال القياس المنطقي المستقيم، والاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية الفطرية، فليس من الكلام المذموم في شيء، وإنما هو من صميم المنهج الشرعي. 


4. دعوى: ينقل السلفيون نصوص السلف في النهي عن الجدال والخصومات، ويمارسون المناظرة والردود. 


التعقيب: النهي عن الجدال منصرف إلى المماراة العبثية والجدال بالباطل، ومقصوده حماية العامة من الشبهات ، أما المجادلة بالتي هي أحسن ومناظرة أهل الأهواء لدحض شبهاتهم عند ظهورها وانتشارها، فذلك واجب شرعي على الكفاية لحفظ بيضة الدين، اقتداء بمناظرة عبد الله بن عباس للخوارج ومناظرات أئمة السنة لمنكري الصفات. 


5. دعوى: ينسب السلفيون موافقة بعض كبار المحدثين للأشاعرة إلى الجهل بالسنة. 


التعقيب: الإمامة في رواية الحديث ونقده لا تستلزم العصمة من التأثر بالمسالك التأويلية السائدة في العصر، فالقصور هنا ليس في معرفة الرواية والحديث النبوي مجردا، وإنما في إدراك لوازم المنهج السلفي التفصيلي في نصوص الصفات ومفارقة التأويلات الكلامية التي راجت عند المتأخرين. 


6. دعوى: يذم السلفيون الفلسفة ويحرمون الاشتغال بها، بينما يمتدحون استبحار ابن تيمية فيها وتفوقه على أربابها. 


التعقيب: الثناء على علم ابن تيمية بالفلسفة هو ثناء على قدرته الفائقة على نقضها وتفكيك أصولها من داخل منظومتها، وبالاستفادة من مصطلحات أصحابها، لا إقرار بمنهجها ولا حث على اتخاذها مصدرا للمعرفة؛ فتعلم الباطل لغرض نقضه وإبطاله يباين ممارسته والاعتقاد به. 


7. دعوى: يذم السلفيون التصوف بإطلاق، وينقلون في الوقت نفسه ثناء ابن تيمية عليه. 


التعقيب: الموقف السلفي مبني على التفصيل لا الإطلاق الموهم؛ فيذم من التصوف ما اقترن بالبدع العقدية والشطحات الفلسفية كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ويُقبل منه ما وافق الكتاب والسنة من حقائق الزهد الشرعي، ومقامات الإحسان، وأعمال القلوب؛ فباختلاف المحل يرتفع الإشكال.

كماأن بعض من أطلق ذم التصوف إنما نظر إلى ما غلب على بعض مراحله المتأخرة من ممارسات ومقولات لا تنسجم مع الزهد الموافق للسنة. 


8. دعوى: يستشهد السلفيون بردود الفلاسفة على المتكلمين، مع أن الأصل والإنصاف يقتضيان تقديم الأقرب إلى السنة كالأشعري على الأبعد كالفيلسوف. 


التعقيب:الاستشهاد برد الفيلسوف على المتكلم يقع في باب الإلزام وتبيين الاضطراب والتناقض الداخلي في المنظومة الكلامية، وإلزام الخصم بما هو معتبر عند أهل فنه، وليس فيه تفضيل للفيلسوف على الأشعري في الدين والاعتقاد؛ إذ الأشاعرة أقرب طوائف المتكلمين إلى السنة في بعض الأبواب، وقبول مقدمة صحيحة أو إلزام عقلي من الفيلسوف لا يستلزم تقديمه في الرتبة على من هو أقرب منه للإسلام. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مشارك بقسم أصول الدين

كلية علوم الشريعة

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

ملاحظات عقدية على تفسير بعض الآيات في كتاب المنتخب من صحيح التفسير

 ملاحظات عقدية على تفسير بعض الآيات في كتاب المنتخب من صحيح التفسير

هذا البحث لا يقصد الحكم على مؤلف الكتاب ولا تصنيفه في فرقة أو مذهب، وإنما يدرس عبارات محددة ويقارنها بأصول أهل السنة في باب الصفات والكلام والقدر.

وقد سألني بعض المشايخ: هل توجد أخطاء عقدية في كتاب «المنتخب من صحيح التفسير»؟

فلم أجبه حينها بشيء يتعلق بالأخطاء العقدية، ثم بعد تصفح سريع لتفسير بعض الآيات العقدية في سورتي البقرة وآل عمران فقط، وقفت على مواضع يظهر فيها أن بعض التفسيرات قد اختير من تفاسير المتكلمين، ولا علاقة لها بتفاسير أهل السنة كتفسير الطبري وابن كثير وابن سعدي وأمثالهم
فأحببت أن أنبه من يريد قراءة الكتاب على هذه المواضع؛ نصحا لعامة الناس، ومن غير تعرض لشخص الكاتب  ولا عقيدته، ولا يلزم من نقد هذه العبارات الطعن في المؤلف أو تصنيفه في أهل الكلام؛ إذ المقصود بيان ما يظهر من موافقة بعض العبارات لمناهج كلامية وأصولهم وتفسيراتهم.
وإليك بيان هذه المواضع:

■تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
قال الكاتب: (وسمي جزاء الاستهزاء، وهو إنزال الهوان والعذاب بالمنافقين، استهزاء من باب المشاكلة والازدواج في الكلام، باستعمال ما يماثل اللفظ السابق عندما يكون جزاء له وجوابا).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾: (والمكر إيصال الضر إلى الغير بوجه فيه خفاء، والله لا يحتاج في إيصال الضر لمن استحقه إلى شيء من هذا، فنسبته إلى الله إنما هو من باب المشاكلة والمقابلة بمكرهم).

●التعقيب:
حمل الاستهزاء والمكر على المشاكلة والمقابلة، بحيث يترتب عليهما نفي حقيقة المعنى الذي أخبر الله به عن نفسه
وطريقة أهل السنة أن هذه الصفات وردت مقيدة بمقابلة فعل المخلوقين، كقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، فتثبت حقيقة على وجه الجزاء العادل اللائق بالله، ولا يشتق منها له اسم، ولا تطلق عليه إطلاقا بلا تقييد.

وأما تفسير الكاتب المنتخب فمبني على تصور كلامي مفاده قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.

■تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
قال: (وأصل الاستحياء استقباح فعل الشيء لنقص فيه، وهو محال على الله تعالى، والمعنى: إن الله لا يمتنع عن ذكر المثل الذي يريده).

●التعقيب:
الملاحظة على هذا التفسير أنه جعل أصل معنى الاستحياء: ما يقع للمخلوق من استقباح لنقص فيه، وجعل ذلك مسوغا للتأويل، فوافق المتكلمين في حمل أصل معاني الألفاظ من جهة لغة العرب على الحقائق التي تختص بالمخلوق، لا على المعنى الكلي الذهني، ثم رتبوا على ذلك التأويل...

فوافقهم الكاتب لما فسر أصل الاستحياء بأنه استقباح فعل الشيء لنقص فيه، وهذا في حق المخلوق
ورتب عليه تأويله بأنه كناية عن عدم الامتناع من ذكر المثل.
قوله بعدم الامتناع مبني على مقدمة كلامية.
والصواب أن الحياء ثابت لله في النصوص على الوجه اللائق به، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله حيي ستير...» وهو حياء كامل لا نقص فيه،

ثم إن الآية نفسها وردت في سياق نفي، فيحسن التفريق بين الاستحياء المنفي هنا، والحياء المثبت في الحديث.

■تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾
قال: (تعلقت إرادته سبحانه بخلق السموات).

●التعقيب:
هذا التفسير لا يتضمن إثبات الاستواء الوارد في الآية على أنه فعل قائم بذات الله، فتفسيره بتعلق الإرادة نفي لكونه فعلا قائما بذات الله بمشيئه واختياره، وهو موافق لتأويل متأخري الأشاعرة للاستواء بالإرادة ومتعلقها، فيجعلون الاستواء نفسه معناه تعلق الإرادة بخلق السماوات
ثم التعبير بتعلق الإرادة اصطلاح كلامي، يفسر به حدوث الآثار وتخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ويلزم منه نفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله على الوجه الذي يثبته أهل السنة.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ﴾
قال: (وخطاب الله للملائكة متقرر ثابت في علم الله تعالى أزلا، وتعلقت إرادة الله بتوجيهه إلى الملائكة عند خلق آدم، وهكذا يقال في كل أمر الله وقضائه، هو متقرر في علم الله في الأزل بأن يحصل في الوقت الذي أراده سبحانه أن يحصل).

●التعقيب:
ليس الإشكال في العبارة في كون الله كان عالما أزلا بأنه سيخاطب الملائكة.
وإنما الإشكال في جعل علم الله السابق بالقول أو إرادته السابقة لوقوعه، هو عين القول والخطاب الواقع.
فالمسألة ليست: هل كان الله عالما أزلا بأنه سيتكلم؟ وإنما المسألة: هل القول الذي أخبر الله عنه هنا قول حقيقي صدر منه حين شاء كما هو مذهب أهل السنة، أو أن الموجود حقيقة ليس إلا تعلق الإرادة القديمة بوقوع خطاب في ذلك الوقت، بينما الكلام نفسه لا يتعلق بالمشيئة والاختيار كما هو مذهب الأشاعرة؟
فكلام الكاتب يدل على أن الكلام نفسه ليس من الأفعال الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله، وإنما الموجود هو معنى أزلي واحد تتعلق الإرادة بتوجيهه إلى المخاطب في وقت معين.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾
قال: (وعند أهل السنة: السحر له حقيقة، يخلق الله عنده من الضر والنفع أو غير ذلك من خوارق العادات ما شاء).

●التعقيب:
جعل الكاتب الضر والنفع يحصل عند وجود السحر، لا به، وهذه هي حقيقة مذهب الأشاعرة في نفي تأثير الأسباب في مسبباتها بإذن الله
كما أن الكاتب أثبت أن السحر من جنس خوارق العادات. وهذا يوهم أنه لا فرق بين ما يجري على أيدي السحرة وبين معجزات الأنبياء إلا في ادعاء النبوة والتحدي، وهذا هو مذهب الأشاعرة

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
قال: (إذا أراد إيجاد شيء فبمجرد إرادة إيجاده يكون موجودا... وإنما أمره سبحانه إذا أراد حصول شيء هو مجرد أن تتعلق به إرادته، فيحصل بلا توقف على شيء، فلا يحتاج سبحانه وتعالى حقيقة في إيجاد شيء إلى قول «كن»، وإنما هو تمثيل للتقريب في سرعة إيجاد ما يريد).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: (كان يقول الله له «كن فيكون»، أي بمجرد تعلق القدرة بخلقه دون توقف على شيء).

●التعقيب:
هذا من أظهر ما في الكتاب مخالفة لظاهر النص، فقد جعل الإيجاد لا يكون بقول الله تعالى للشيء «كن»، وإنما بمجرد تعلق الإرادة به، أو تعلق الإرادة والقدرة، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فوجد من غير قول. وعلى هذا القول لا يثبت قول من الله متعلق بالإيجاد كقوله سبحانه: «كن».
والآية صريحة في إثبات القول، فجعله تمثيلا مخالف لظاهرها ولإجماع السلف، وهو يرجع إلى أصل مسألة الكلام عند المتكلمين. ويتبين بذلك أثر الانتخاب من كتب المتكلمين التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
قال: (والمتشابه في هذه الآية له معنيان: ... والمعنى الثاني للمتشابه في الآية هو الخفي الذي لم يتضح معناه، ويكد فيه الراسخون في العلم أذهانهم لبيان معانيه ورده إلى المحكم الواضح، كما في إثبات الصفات السمعية لله سبحانه على ما يليق به دون خوض في كيفيتها).

●التعقيب:
مثّل الكاتب للمتشابه الخفي الذي لم يتضح معناه بنصوص الصفات السمعية، وهذا جار على طريقة المتكلمين، وفيه إيهام أن معاني الصفات غير معلومة، والسلف فرقوا بين معنى الصفة، وهو معلوم، وكيفيتها، وهي المجهولة.

كتبه نصحا
د. أحمد محمد الصادق النجار
أستاذ مشارك بقسم أصول الدين

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

هل تغيرت فتاوى مشايخ أهل السنة في أفغانستان لتغير جنس المحتل؟

 

هل تغيرت فتاوى مشايخ أهل السنة في أفغانستان لتغير جنس المحتل؟

يتهم بعض خصوم الدعوة #السلفية المباركة علماءها بأن فتاواهم في #الجهاد_الأفغاني تغيرت تبعا لتغير جنس المحتل من روسي إلى أمريكي، وأن الباعث للتحريض على النفير العام أو النهي عنه إنما كان يتشكل وفق الإرادة الأمريكية!!!
وهذه دعوى لا تصمد أمام النظر في نصوص المشايخ وتعليلاتهم، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ الألباني والشيخ صالح اللحيدان رحمهم الله.

ومن المقرر عقلا وشرعا أن تقاطع المصلحة بين طرفين مختلفين في عقيدتيهما ومبادئهما أمر وارد،  فالأمريكيون حاربوا الروس في أفغانستان بـدافع سياسي واستراتيجي؛ لإضعاف الاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة، بينما انطلق علماء أهل السنة في فتواهم بجهاد الروس من دافع إيماني شرعي وهو نصرة شعب مسلم صالت عليه دولة شيوعية ملحدة وسعت لطمس دينه.
واستغلال دولة كبرى للظرف الشرعي وتحويله لخدمة أجندتها هو شأن السياسات الدولية، ولا يلزم منه بحال أن مفتي النازلة كان أداة في تلك الأجندة؛ لأن المفتي ينظر في تحقق شروط الوجوب أو الاستحباب الشرعي في عين الواقعة.

ولفهم المسألة على وجهها الأصولي الصحيح يجب ابتداء التفريق بين أمرين:
​الأول: أصل مشروعية دفع العدو الصائل عن البلد، وهو من الأحكام المقررة عند أهل العلم.
​الثاني: حكم نفير الأفراد من خارج الساحة لنصرة أهل البلد، وهو حكم آخر تتعلق به اعتبارات القدرة والمصلحة والمفسدة وتنظيم القتال وغير ذلك.

فتغير الفتوى لم يكن تغييرا في الحكم الشرعي الثابت في أصل مشروعية دفع المحتل، وإنما كان تغيرا في الحكم التنزيلي المتعلق بنفير الأفراد من الخارج؛ لتغير المناط والأحوال والنتائج والمآلات.

​ويظهر ذلك جليا عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى إبان دخول الروس إلى أفغانستان وهجومهم على المسلمين

كان الظاهر من حال الفصائل في أول الجهاد اجتماعها على دفع الجيش السوفيتي المحتل، وكانت الغاية المعلنة تحرير البلاد لتكون كلمة الله هي العليا.
فجاء تأييد المشايخ وحثهم من هم خارج البلاد على الجهاد في أفغانستان؛ بناء على ظاهر الحال وما تحقق فيه من أوصاف الجهاد الشرعي.
سئل الشيخ العثيمين عن الجهاد في أفغانستان، فقال: «لا شك أنه جهاد إسلامي، فيه قمع للكفرة وأعوانهم». (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، ٢٥/٤٢٦)

وقال: «الذي أرى أن هذا الجهاد جهاد في سبيل الله؛ لأن المعروف عن قادته وزعمائه أنهم يريدون أن يحرروا بلادهم من الكفر وأتباعه، لتحرر فيها كلمة الله وتكون كلمة الله هي العليا، وهذه هي نية الجهاد الإسلامي، هذا هو المعروف عنهم، وبناء عليه فإن الجهاد في أفغانستان يُعتبر من الجهاد في سبيل الله». (٢٥/٤٢٨)

المرحلة الثانية ما بعد الجلاء وقبل الدخول الأمريكي

آلت الأمور إلى الصراع بين الفصائل، ووقعت الفوضى، وسالت الدماء بين الإخوة، فتغير الواقع وتغيرت معه النتائج والمآلات، وظهرت موانع شرعية ومصلحية من الاستمرار في الحث على الذهاب إلى أفغانستان.

وهنا تأتي أهمية تحقيق المناط؛ إذ ليس السؤال عن حكم الجهاد في صورة مجردة، وإنما عن الواقعة الماثلة: هل ما زالت الأوصاف التي بني عليها الحكم في المرحلة الأولى متحققة، أو طرأ ما يمنع من تنزيله؟

سئل الشيخ العثيمين في مجموع فتاويه: سبق أن أفتيتم بالذهاب إلى بعض الأماكن كأفغانستان ثم الآن لا تفتون بذلك، فلماذا؟
فأجاب: «لأن الأمور تتغير بتغير النتائج، ففي بداية ظهور الحرب في أفغانستان كنا نؤيد الذهاب، ولكن صارت النتائج بخلاف ما نريد، فالراجعون من هناك معروف حالهم إلا من سلّمه الله، والباقون لا يخفى ما يقع بينهم من الحروب الطاحنة». (٢٥/٣٣١)

والنص صريح في أن تغير النتائج والمآلات كان سببا مباشرا في تغير الفتوى.

والأهم من ذلك أن هذا الكلام سابق زمنيا على الغزو الأمريكي لأفغانستان، فينتفي بذلك أن يكون الاحتلال الأمريكي سببا في هذا التغير بعينه.
وكذلك سئل الشيخ الألباني عن الاقتتال الذي وقع بين الفصائل الأفغانية وتأييد بعض الأطراف، فأجاب: «هذا خطأ فيما أرى؛ لأن ثمة فرقا كبيرا جدا بين الجهاد الذي كان قائما سابقا ضد الشيوعيين... ولذلك فأنا مع هؤلاء العلماء... بأن هذه فتنة الآن يجب الاعتزال وعدم التأييد، وأرى أن المساعدات التي كانت تقدم من قبل للمجاهدين الآن يجب تقليصها وعدم الاستمرار في إرسالها؛ لأن الواقعة ستقع بين المسلمين أنفسهم»

فمنع العلماء من الذهاب إلى أفغانستان، والتوقف عن الحث عليه أو المساعدة فيه، وقع في أوائل ومنتصف التسعينيات الميلادية، أي قبل مجيء الجيش الأمريكي إلى أفغانستان بسنوات.
وهذا وحده كاف في إبطال دعوى أن تغير الفتوى كان بسبب تغير جنسية المحتل من الروسي إلى الأمريكي.

وفي بيان شرط ضبط النفير بإذن الإمام وإدارته: سئل الشيخ العثيمين عن القول بجواز الجهاد دون إذن أحد لعدم وجود الإمام أو تخاذله، فقال: «هذا غير صحيح، الجهاد ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، ولكن الجهاد يجب أن يكون مدبَّرًا من قبل ولي الأمر؛ لأنه إذا كان غير مدبَّر صار فيه فوضى، وصارت كل طائفة تفتخر على الأخرى بأنها هي التي فعلت كذا، وفي التالي ربما لا تُحمد العقبى، كما جرى في أفغانستان مثلًا، فإن الناس ساعدوا الأفغان مساعدة عظيمة بالغة، وكانت النتيجة ما تسمعون الآن». (٢٥/٣٦٧)

المرحلة الثالثة إرهاصات الغزو الأمريكي وما بعده

إضافة إلى التناحر والتنازع سيطرت على الساحة الأفغانية تيارات تبنت التكفير والخروج المسلح، ووقعت تفجيرات في بلدان المسلمين نفذها أناس عائدون من أفغانستان باسم الجهاد، ثم جاءت أحداث سبتمبر وإعلان القاعدة عداءها الصريح للمملكة العربية السعودية.

ولذلك حذر العلماء من دفع الشباب إلى مواطن الفتن والجهالات، حيث سئل الشيخ صالح اللحيدان عن ذلك فقال: «الناس اللي ذهبوا إلى قتال الشيوعيين في أفغانستان وإذا بهم يصدرون كتابا في تكفير الدولة السعودية.. ومن يذهب لا يرجع كما كان»، ولم يكن العلماء حينئذ يحثون على الذهاب كما كانوا يحثون سابقا.

يتبين مما سبق أن الموقف من النفير مر بمراحل متأثرة بتغير الواقع ومآلاته، لا برغبات دولية كما يروج الخصوم، ويرجع اختلاف الحكم في هذه المراحل إلى قواعد أصولية مقررة، من أهمها:
-تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف والمناط
-درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
-اعتبار المآلات في تنزيل الأحكام.
-أن الحكم على النازلة يتبع تحقق أوصافها المؤثرة، لا مجرد الأوصاف الطردية.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 27 سبتمبر 2026

رحم الله ابن باز والعثيمين. البوصلة -ولله الحمد- لم تنحرف بين موقفنا من القتال في اليمن وموقفنا من القتال في غزة وأفغانستان، وإنما دعوى التناقض مبنية على تصوير غير دقيق لموقفنا.

 البوصلة -ولله الحمد- لم تنحرف بين موقفنا من القتال في اليمن وموقفنا من القتال في غزة وأفغانستان، وإنما دعوى التناقض مبنية على تصوير غير دقيق لموقفنا.

فموقفنا في غزة لم يسقط مشروعية دفع الصائل إطلاقا، وإنما نصصت صراحة في بيان موقفي من القتال في غزة على أن: «القتال قد حصل، وهجوم اليهود على المسلمين قد وقع... فلم يبقَ لنا إلا تأييد المقاومة في دفعهم العدو».
وهذا هو عين دفع الصائل من حيث الأصل، ولم أتردد في تأييده..

فالذي انتقدته لم يكن دفع الصائل ذاته، وإنما انتقدت قرار المبادأة بالشروع في العمليات الكبرى في وقت كانت فيه الحال محسوبة على التهدئة الميدانية النسبية؛ إذ إن قرار المبادأة في هذه الحال تراعى فيه شرعا اعتبارات القدرة والإعداد، ودرء المفسدة الراجحة، وما قد يترتب على ذلك من أضرار بالمدنيين.

أما قتال الحوثي فيندرج تحت ثلاثة أصول متضافرة، فهو من جهة دفع صائل؛ إذ الحوثيون جماعة صائلة باغتت السلطة الشرعية واستمرت في استهداف الأراضي بالصواريخ والمسيرات، وهذا اعتداء فعلي متواصل، وهو من جهة أخرى قتال بغاة خارجين بالسلاح على ولي الأمر الشرعي، وهو من جهة ثالثة قتال طائفة ممتنعة بالشوكة عن التزام الشرائع وحرمة الدماء.

وإنما الفارق بين هذه النازلة ونازلة غزة ليس في نفي وصف دفع الصائل عن أحدهما، وإنما في طبيعة الفعل المدفوع، ففي اليمن: الاعتداء الحوثي حاصل وواقع بالفعل ومتواصل، فاندرج تحت جهاد الدفع الذي لا يشترط له شرطٌ زائد؛ وفي غزة: انتقدنا تحديدا لحظة المبادأة الاختيارية في وقت كانت الحال فيه أقرب إلى الهدوء النسبي الميداني، لا لحظة دفع الهجوم الواقع فعلا.

فالمعيار إذن واحد مطرد في النازلتين، وهو: التفريق بين قتال وقع هجومه بالفعل، وبين قرار المبادأة بالقتال ابتداء
فنحن لم نستدع هذا التفريق في فلسطين للحكم على دفع الهجوم الواقع، وإنما استدعيناه في تقويم قرار المبادأة؛ وهذا فرق جوهري أغفلته بعض الاعتراضات.

ووجود فصيل منحرف منهجيا كالإخوان أو غيرهم ضمن جبهة دفع الصائل في اليمن لا يمنع من أصل الدفع، كما أن وجودهم في غزة لا يمنع من أصل دفع العدو الصهيوني.
والنقد الموجه لحركة حماس في غزة لم يكن لمجرد كونها إخوانية كما يتوهم أصحاب النظرة السطحية، وإنما كان النقد على تأصيل قرار المبادأة بالشروع وحساب القدرة والمفسدة المترتبة على الأمة والمدنيين،

والخسائر الكارثية التي نتجت بسبب قرارهم لا تخطئها عين ناظر سليم العقل والتفكير.

وأما في جهاد أفغانستان، فإننا لم نقل يوما إن الجهاد هناك سقط وصفه بمجرد تغيّر المحتل من الشيوعي إلى الأمريكي، وإنما الذي قلناه بنصه: «حين انحرف المسار لاحقا إلى الاقتتال الداخلي وتسميم أفكار من يذهب إلى أفغانستان، وجعله قنبلة موقوتة بين أهله وفي بلده».
وهذا ليس تفسيرا اخترعناه بعد وقوع أحداث 2001؛ بل له أصل صريح في كلام الشيخ ابن عثيمين نفسه، كما خاطب الشيخ ابن باز المسؤولين الأفغان بعد وقوع الاقتتال بينهم، وعبّر صراحة عن حزنه لما وقع من الفتن والقتال، وما ترتب عليه من إزهاق النفوس وإتلاف الأموال وتشتيت الشعب، ودعاهم إلى حل خلافاتهم بالوسائل السلمية.

فالمناط الذي تغير في المرحلة اللاحقة هو نشوء اقتتال بين الفصائل المسلمة نفسها، وتحول بعض الفاعلين إلى مصدر تهديد داخلي، وليس مجرد تغير هوية المحتل، أو مجرد وجود تنظيمات حزبية...

والتغير في الفتوى من مشايخنا كابن باز والعثيمين في الساحة الأفغانية لم يقع مفاجأة سنة 2001 كما يزعم المعترضون، وإنما كان مرتبطا قبل ذلك بما آلت إليه الساحة من اقتتال داخلي ونتائج ومفاسد؛ فقد صرح ابن عثيمين بأنهم كانوا يؤيدون الذهاب في أول الحرب، ثم تغير موقفهم عندما صارت النتائج عكس المقصود، وظهرت الحروب الطاحنة بين الفصائل.

وعليه، فلا يصح اختزال تغير الموقف سنة 2001 في مجرد تغير جنس المحتل؛ لأن التحفظ على الذهاب إلى أفغانستان كان قد ظهر قبل ذلك، ولما جاء الاحتلال الأمريكي لم تكن الساحة مهيأة لدعوة الناس إلى الجهاد، فقد مرت الساحة بسنوات من التناحر والتفرق وتمكن التكفيريين بغير حق، فلم يعد توصيف النازلة كتوصيفها عند بداية الغزو السوفييتي.

وأما استدلالنا بقتال الحجاج للخوارج، فكان لتقرير أصل محدد، وهو أن فسق القائد أو ظلمه لا يسقط وصف الجهاد عن الفعل إذا تحققت أصوله، وهذا الأصل لم نستدعه لنفي وصف الجهاد عن أفغانستان، بل العكس، فنحن نقر بأن جهاد الأفغان ضد السوفييت كان جهادا مع وجود التقصير أو الانحراف لدى بعض المشاركين فيه.

وما تغير في أفغانستان لاحقا لم يكن مجرد فسق قائد أو ظلمه، وإنما تحوّل الساحة إلى اقتتال بين المسلمين أنفسهم، وتغيّر طبيعة الصراع ومناط الحكم فيه، وهذا مناط آخر، لا يصح الخلط بينه وبين مجرد وجود الظلم أو الانحراف لدى بعض أطراف القتال.

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 24 سبتمبر 2026

مناقشة أسباب استمرار مجلس البحوث في تحريم معاملة الألفي دولار

 مناقشة أسباب استمرار مجلس البحوث في تحريم معاملة الألفي دولار

وكأن المسألة أخذت منعطفا جديدا؛ إذ أعلن المانعون استمرارهم بالمنع ولم يكتفوا بما بينوه سابقا.

والأسباب التي صرحوا بها مؤخرا تتلخص في ثلاثة أسباب، نناقشها تباعا:

السبب الأول للمنع: قولهم: ذكر السعر عند الوعد بالصرف والاتفاق عليه هو في حكم العقد.

والتعقيب عليه:
اعتبار تحديد سعر الصرف وقت حجز العملة بمثابة إبرام عقد صرف مؤجل البدلين، هو عين محل النزاع، فكيف يجعل سببا ومقدمة لإثبات التحريم؟!!

والذي يقتضيه التحقيق الفقهي أن تثبيت السعر في منظومة الحجز لا يعدو كونه إعلاما وتواعدا غير ملزم؛ إذ تتيح المنظومة للزبون إلغاء الحجز والعدول عنه في أي وقت قبل التنفيذ دون أن يترتب عليه أي التزام مالي أو جزائي، فإن كان الحجز في حقيقته لا ينشئ التزاما ملزما على أي من الطرفين، ولا تنتقل به ملكية العملة ولا تنشغل به الذمة، وإنما يتم إنشاء عقد الصرف عند التنفيذي، فإن تثبيت السعر لا ينشئ عقدا محرما بذاته.

وقد ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين، وهو المعتمد في المعيار الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة أيوفي وفتاوى الهيئات الشرعية إلى جواز الوعد بالصرف إذا كان من طرف واحد، أو كان غير ملزم للطرفين بحيث يحق للزبون التراجع والعدول عن إتمام العملية قبل القبض والتنفيذ الفعلي.

وعليه، فإن محل البحث هنا ليس مجرد ذكر سعر الصرف، وإنما هل أدى الحجز إلى إنشاء التزام ملزم على الطرفين أو بقي في دائرة التواعد غير الملزم؟
فإذا كان غير ملزم للطرفين، وكان لكل منهما العدول عنه قبل إنشاء عقد الصرف، فلا يصح جعله عقد صرف آجل لمجرد تثبيت السعر.

السبب الثاني:  قولهم: إعطاء الخيار للزبون بعد العقد وما في حكمه لا يحل الإشكال لسببين:
أ- عقد الصرف لا يجوز فيه الخيار.
ب- الخيار لا معنى له لأن الزبون مجبر على شراء النقد الأجنبي (عقد إذعان)

والتعقيب عليه:
هذا القول مبني على افتراض أن العقد قد وقع بمجرد الحجز، وهذا هو عين محل النزاع في السبب الأول، فلا يصح البناء عليه هنا كمسلمة.
وأما القول بمنع الخيار في الصرف فصحيح في أصله إذا كان المقصود به خيار الشرط في عقد قائم تم تقابضه؛ لأن اشتراط الفسخ بعد تمام العقد ينافي استقرار الملكية والتقابض الناجز.
​أما في معاملة (2000 دولار)، فإن خيار الزبون عند الحجز ليس خيار فسخ لعقد ناجز، وإنما هو خيار الإقدام أو العزوف في مرحلة المواعدة وقبل التنفيذ والانعقاد، وهذا ليس خيار شرط في عقد صرف قائم، وإنما هو حق في العدول عن إبرام العقد أصلا ما دام الحجز لم ينشئ عقد الصرف.

وأما دعوى أن الزبون مجبر على شراء النقد الاجنبي.
فهذا يحتاج تفريقا بين اضطرار عموم الناس للتعامل عبر القنوات الرسمية لغياب البديل، وهذه حاجة عامة لا تسلب الرضا في صفقة بعينها، وإلا لبطلت عقود الإذعان في الخدمات الاحتكارية العامة كالكهرباء والماء، وبين إلزام الزبون بعينه بإتمام هذا الحجز بعينه.
فمجرد حاجة العميل إلى العملة الأجنبية، واقتصار الحصول عليها نظاما على هذه القناة: لا يساوي شرعا الإكراه على إبرام هذا العقد المعين، ما دام له أن يعدل عن الحجز المعين دون جزاء.

السبب الثالث: قولهم: شركات الصرافة وكيل عن المصرف، فلا تأخذ أجرتها من العميل، والمصرف يطلب منها ضمانا بجعل وهو غير جائز.

والتعقيب عليه:
تكييف عمل شركة الصرافة لا ينحصر في الوكالة المحضة عن المصرف، وإنما تكييفها المركب والدقيق هي أنها وسيط تنفيذي ومقدم خدمة تقنية ولوجستية للزبون والمصرف معا.
وقد أباح الشارع أخذ العوض على الدلالة والوساطة والخدمة من أحد الطرفين أو كليهما بالمعروف.

وتحديد المصرف المركزي لسقف العمولة هو تنظيم لتحديد معلومية الأجرة، فتدخل من حيث الأصل في باب الجعالة أو الإجارة على تقديم الخدمة، متى كانت العمولة في مقابل خدمة مباحة معلومة وليست في مقابل محض الضمان.

وأما قولهم: المصرف يطلب ضمانا من شركات الصرافة ويعطيها مقابلا على ذلك، وهذا ضمان بجعل وهو غير جائز.

فالتعقيب عليه:

هذا مبني على أن المقابل الذي تحصل عليه شركة الصرافة هو في مقابل الضمان، وهو غير صحيح وتصور ناقص، فالعمولة إنما هي في مقابل الخدمات التي تقدمها الشركة في تنفيذ العملية من وساطة ومعالجة وتسوية وخدمات تقنية وإدارية، أما الضمان وحجز القيمة المقابلة بالدينار فهو وسيلة لتأمين تنفيذ هذه الخدمة وتسوية العملية، وليس هو محل الأجرة.

وعليه، فلا يصح تكييف العمولة بأنها جعل على الضمان لمجرد اقترانها به، ما دام المقابل في حقيقته عن خدمة فعلية مستقلة، والضمان مجرد وسيلة لتأمين تنفيذ الالتزام.

والخلاصة
1-تكييف الحجز: هو وعد غير ملزم للطرفين معا، ولا يعد عقد صرف ناجزا إلا عند التنفيذ والتقابض الحكمي
2- العمولة: عمولة وساطة وخدمات تقنية وتنفيذية مأذون بها شرعا وعرفا.
3- الضمان: حجز غطاء الدينار هو وسيلة لتأمين تنفيذ الالتزام وتسوية العملية، وليس هو محل الأجرة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

زعم #مفتي_سوريا أسامة الرفاعي في كلمته: (كيف يكون الله في السماء وهو أكبر من السماء والأرض والمكونات كلها!!!)..

 للمتخصصين

زعم #مفتي_سوريا أسامة الرفاعي في كلمته: (كيف يكون الله في السماء وهو أكبر من السماء والأرض والمكونات كلها!!!)..

وأنا مستاء أن يكون مفتي سوريا على مذهب متأخري الأشاعرة، ولله الأمر من قبل ومن بعد

وهذا الإيراد منه ناتج عن فهم خاطئ لقول أهل السنة: "الله في السماء"؛ إذ ظن أن المراد بالسماء: الأجرام المخلوقة المبنية (الأفلاك)، وأنها تكون بذلك ظرفا مكانيا يحوي الذات الإلهية ويحيط بها، فنفى هذا القول تنزيها لله -بزعمه- عن أن يحويه مخلوق، وهذا الظن مبني على أصل كلامي حادث، لا على استقراء كلام السلف واستعمال العرب.

ومقصود أهل السنة بكون الله في السماء أي في العلو، على حد قوله تعالى: [أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ]،  لا أن السماء المخلوقة ظرف يحويه أو يحيط به.

فمعنى السماء في لغة العرب ليس محصورا في الأجرام المبنية المخلوقة، وإنما لها معنى كلي، وهو: العلو، ولما كانت الأجرام المبنية في العلو سميت سماء، فكل ما علاك فهو سماء.
وعلو الله ذاتي، وهو معلوم بالفطرة الضرورية، فعند الاضطرار في الحاجات لا يقصد القلب إلا العلو، وهذه الضرورة الفطرية لا يمكن دفعها أو نفيها إلا بخلع الفطرة نفسها.

والتوجه إلى العلو لا يختص بأهل الملل والشرائع، وإنما يفعله المشركون وغيرهم ممن لا يعرف العرش ولا سمع به، ولو كان رفع الأيدي إلى السماء مجرد اتخاذ للعرش كقبلة للدعاء كما ادعاه الرازي وغيره لكان ذلك مختصا بمن يعلم وجود العرش، كما لا يقصد التوجه إلى الكعبة في الصلاة إلا من علم وجود الكعبة..
لكن الواقع يؤكد أن الناس يجدون في أنفسهم طلبا ضروريا متجها لما فوق، لا لكونه قبلة مُتَّخَذة، وإنما لكون المعبود سبحانه في العلو، وهو ما دل عليه الشرع.

فمهما أورد متأخرو الأشاعرة من شبهات واعتراضات كلامية، فإنها تصطدم بهذه الحقيقة الفطرية الضرورية التي لا يمكن زوالها، فتسقط أمامها نظرياتهم ومحاجاتهم.

وهنا سؤال: لماذا ينفي #أسامة_الرفاعي أن الله في السماء؟
لأنه يتوهم أن إثبات أن الله في السماء،بمعنى علو الذات
يستلزم إثبات الجهة، والجهة تستلزم التحيز بمعنى أن الله يكون في مكان يحيط به ويحوزه، والله منزه عن ذلك.

والرد عليه من وجوه، منها:
​الوجه الأول: دعوى التلازم باطلة، فمن أين لكم إثبات التلازم بين كون الله في السماء وبين التحيز بمعنى أن تحويه المخلوقات؟
فهذا التلازم لا يعرف عن أحدٍ من الأنبياء ولا الصحابة وهم أكمل الخلق عقلا وعلما، ولا هو قول عامة الناس الباقين على فطرتهم؛ إذ لم يخطر ببال أحدٍ منهم أنه إذا قال: الله في السماء لزم من ذلك أن السماء المخلوقة تحيط به أو تحويه!
لكن هذا نتاج علم الكلام!!!!
الوجه الثاني: أهل السنة لا ينازعون في تنزيه الله عن خصائص المخلوقات وأوصاف الحدوث، وينفون أن يحويه مكان مخلوق؛ فهذا أمر معلوم البطلان بالضرورة؛ لامتناع أن تكون المحدثات حاوية للقديم الخالق سبحانه.
​وإنما النزاع معهم في تحقيق ما هو من سمات الحدوث، وهل من لازم كون الله في السماء أن تحويه الحوادث؟

أهل السنة ينفون هذا التلازم نفيا قاطعا، ويعتقدون أن الله تعالى بائن من خلقه فوق سماواته منفصل عن مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته.

الوجه الثالث: المفتي الرفاعي بنى فهمه على افتراض ثنائية حاصرة باطلة وهي إما أن الله في السماء بمعنى تحويه، أو نفي عن الله أنه في السماء مطلقا
فينتج عن هذه القسمة أن الله لا داخل العالم ولا خارجه....!!!

فهو لما نزه الله أن تحويه السماء وهذا حق ظن أنه لا يبقى إلا نفي علو الذات مطلقا وبالتالي يكون لا داخل العالم ولا خارجه
وهذا غلط ظاهر؛ لأن الحق أن القسمة ثلاثية وليست ثنائية، فإما احتواء وهو منفي، وإما نفي العلو مطلقا وهو باطل نصا وفطرة وإجماع السلف، وإما إثبات أن الله قوق سمواته بائن من خلقه، وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة والقدرة والعقل وإجماع السلف

وأما القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارج فهذا رفع للنقيضين، ورفع النقيضين محال كما أن جمع النقيضين محال.

ثم قال الرفاعي:( كلمة الله أكبر تتناقض تناقضا كبيرا مع قولنا الله في السماء).

والجواب: لا تناقض بحال؛ لأن إثبات كونه في السماء لا يعني أن السماء تحيط به، فالله أكبر من كل شيء، وهو العلي الأعلى فوق كل شيء، وهو المحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار