الثلاثاء، 3 مارس 2026

هل انتصار إيرااان – لو وقع – أخفُّ ضرراً على الأمة؟

 هل انتصار إيرااان – لو وقع – أخفُّ ضرراً على الأمة؟ 


[يقول ابن تيمية في منهاج السنة النبوية وهو يصف حال طوائف من الرافضة حين تمكنوا في بعض سواحل الشام:“...وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء...”]


من يقرأ التاريخ قراءة فاحصة، وينظر في وقائع الحاضر، يدرك أن انتصار إيران – لو وقع – ليس فيه نفع للأمة، ولا يُدرج في باب أخفّ الضررين. 


فالمعيار في تقدير المصالح ليس هو: من يواجه من؟

بل: ماذا سيحدث داخل الأمة إذا تمكّن هذا المشروع؟ 


والمشروع السياسي الذي تتبناه إيرااان لم يُخفِ خصومته العقدية والسياسية لأهل السنّة، ولم يوار حقده الدفين على أهل السنة ..

والتاريخ يشهد بأن تمكين الرافضة إذا اقترن بالسلطان والسلاح كان وبالاً على المسلمين... 

قال ابن تيمية في منهاج السنة:(وقد علم أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه ألوف من الرافضة يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقا عظيما وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان، أخذوا الخيل والسلاح، والأسرى وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا من مر بهم من الجند، وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى، وقالوا له: أيما خير: المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى. فقالوا له: مع من تحشر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى. وسلموا إليهم بعض بلاد المسلمين) 


وقد صدرت تصريحات عن قياداته، ومنهم علي خاامنئي، القائل بأن المعركة الحقيقية ليست مع اليهوود ولا مع النصارى وإنما المعركة الحقيقية مع أهل السنة، وهو ما انعكس عمليا على العراق وسوريا... 


كما أن التراث العقدي لبعض منظّري التشيّع الاثني عشري يتضمن أحكاماً صريحة في تكفير المخالفين. يقول نِعمةُ اللهِ الجَزائِريُّ في تكفيره غَيرِ الشِّيعةِ الاثنَي عَشريَّةِ: (لم نَجتَمِعْ مَعَهم على إلهٍ ولا نَبيٍّ ولا على إمامٍ، وذلك أنَّهم يقولونَ: إنَّ رَبَّهم هو الذي كان محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَبيَّه، وخَليفتُه أبو بكرٍ، ونحن لا نَقولُ بهذا الرَّبِّ، ولا بذلك النَّبيِّ، بل نَقولُ: إنَّ الرَّبَّ الذي خَليفةُ نَبيِّه أبو بكرٍ ليس رَبَّنا، ولا ذلك النَّبيُّ نَبيَّنا)    ((الأنوار النعمانية)) (2/279). 

ويقول أبو القاسِمِ الخوئيُّ: (لا شُبهةَ في كُفرِهم .....وتَدُلُّ عليه الأخبارُ المُتَواتِرةُ الظَّاهرةُ في كُفرِ مُنكِرِ الوِلايةِ أنَّه لا أُخوَّةَ ولا عِصمةَ بَينَنا وبَينَ المُخالفينَ)  ((مصباح الفقاهة)) (2/11). 

ولهذا فإن السؤال الجوهري يبقى قائماً: هل يُجعل مشروعٌ طائفيٌّ توسعيٌّ أخفَّ ضرراً لمجرد أنه في خصومة مع عدوٍ آخر؟!!! 


إن قاعدة المصالح والمفاسد لا تُبنى على الشعارات، بل على المآلات. فإذا كان تمكين هذا المشروع يُفضي بحسب التجربة القائمة إلى تعميق الانقسام الداخلي في الأمة، ومزيد تقتيل لأهل السنة، وإضعاف سيادة الدول السنية، واستدامة الصراع الطائفي داخل المجتمعات المسلمةد، فإن وصفه بأنه أخف ضرراً لا يستقيم شرعا ولا عقلا... 


فالانحراف العقدي إذا اجتمع مع مشروعٍ توسعيٍّ مسلح، كانت مفسدته مضاعفة، لأنه يستهدف البنية الداخلية للأمة قبل عدوها الخارجي... 


اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الاثنين، 2 مارس 2026

تنزيل كلام شيخ الإسلام على الحرب الدائرة على إيرااان

 

قال ابن تيمية : "‌أَلَا ‌تَرَى ‌أَنَّ ‌أَهْلَ ‌السُّنَّةِ ‌وَإِنْ ‌كَانُوا ‌يَقُولُونَ ‌فِي ‌الْخَوَارِجِ ‌وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ، لَكِنْ لَا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ ظُهُورَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ" منهاج السنة 6/375.


تنزيل كلام شيخ الإسلام على إيراان اليوم يتوقف على تحرير سؤالين جوهرين:

الأول: هل نحن أمام صورة إزالة سلطان الإسلام وظهور الكفر في ديار المسلمين؟ أو نحن أمام صراع نفوذٍ، تتنازع فيه قوى إقليمية ودولية القرار والسيادة؟ 


والثاني: هل مآل هذه الحرب محصورٌ بين خيارين: تمكين الكفر من بلاد المسلمين، أو بقاء الإسلام مع بدعة؟


الصورة التي تكلم عنها شيخ الإسلام هي حالة تمكين الكفر الصريح وإزالة سلطان الإسلام. 

في تلك الصورة لا يسع أهل السنة إلا أن يقرروا أنهم لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر على ظهور البدعة، ولو كانت بدعةً مغلظة؛ فيكون الولاء لأصل الإسلام في مقابل الكفر الصريح. 


أما الصورة المعاصرة فمختلفة تماما، فنحن لسنا أمام تمكينٍ مباشرٍ للكفر من إزالة سلطان الإسلام في بلدٍ بعينه مقابل بقاء بدعة، بل أمام صراعات نفوذٍ إقليمية ودولية لا تنحصر في ثنائية “إسلام مقابل كفر”.، بل تتشابك فيها اعتبارات القوة والسيادة والهيمنة. 


كما أن إيران اليوم ليست مجرد دولةٍ توصف ببدعة، بل دولة ذات مشروعٍ توسعيٍّ عابرٍ للحدود، له أثرٌ مباشر في إضعاف كياناتٍ سنيةٍ قائمة، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وهذا توصيفٌ سياسيٌّ للواقع، لا حكمٌ على الأفراد أو طائفة بدعية. 


وعليه فإن المناط الذي علّق عليه شيخ الإسلام حكمه ـ وهو ظهور الكفر وإزالة سلطان الإسلام ـ غير متحقق بالصورة التي تُطرح اليوم. فاختلاف الصورة يقتضي اختلاف الحكم؛ لأن الأحكام دائرةٌ مع عللها وجودًا وعدمًا. 


ولو أن إيران تخلّت عن مشروعها الدموي، وكفّت شرّها وأذاها عن أهل السنّة، وتبرّأت من عقيدتها العدائية التي تُجرّمهم وتدعو إلى استئصالهم؛ لأمكن حينئذٍ بحث إمكان الوقوف معها ضمن رؤيةٍ مصلحيةٍ منضبطة، تُقدَّر بقدرها، وتُراعى فيها المآلات ومصالح عموم الأمة. وعندئذٍ يمكن النظر في تنزيل كلام ابن تيمية على تلك الصورة. 


لكن الواقع اليوم يدل على أن إيران لم تتخلَّ عن مشروعها، ولا تبدو في طريقها إلى ذلك إلا أن يشاء الله. 


أما الانطلاق في تحديد الموقف الشرعي من تصوّراتٍ ذهنيةٍ غير منضبطة، كتصوير أن سقوط إيران سقوطٌ للأمة، وأن الدور سينتقل تباعًا إلى بقية الدول المسلمة، وأن اليهود سيتغوّلون بلا مقاومة؛ فذلك تحليلٌ يقوم على فرضياتٍ لا على قراءةٍ دقيقة للواقع. 


هذا التصوير يغفل طبيعة الصراع في النظام الدولي، حيث التنافس قائمٌ على السيطرة على مصادر القوة والمعرفة والتقنية، وعلى امتلاك القرار السياسي وتوجيهه. وليس من مصلحة الأمة أن يخرج أحد الطرفين غالبًا وهو في ذروة قوته؛ بل مصلحتها في استنزاف مشاريع الهيمنة بعضها لبعض، بحيث يضعف سلطان القرار ولو تحقق نصرٌ عسكريٌّ في الظاهر. فالقوة المنهكة ليست كالقوة المتغوّلة. 


ولهذا كان من دعاء علماء أهل السنة:

اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين. 


وأما الاغترار بالشعارات العاطفية أو الولاءات الحزبية أو النظر الضيق  

فليس أساسًا صحيحا لبناء موقفٍ شرعيٍّ في قضايا مصيرية... 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 20 فبراير 2026

صلاة المرأة التراويح في المسجد

 صلاة المرأة التراويح في المسجد

يظن بعض النساء أن صلاتهن في المسجد أعظم أجرا من صلاتهن في البيت, وهذا خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن)  أي أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد

وذلك أن المرأة في الشريعة خصها الله بمزيد الاستتار والاحتجاب, فكلما كانت المرأة أشد التزاما بالاستتار والاحتجاب عن الرجال كانت أقرب إلى تحقيق مقصود الله سبحانه

ولذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاتهن في البيوت أفضل لهن حتى من شهود الجمعة والجماعة إلا العيد ,  وحتى من شهود الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسجد النبوي, مع أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة, فقال صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن) أي خير لهن من الصلاة في المسجد, وإذا ثبت هذه الخيرية في الفرض ففي النفل من باب أولى

واستثنيت صلاة العيد؛ لأن صلاة العيد لا تصلى في البيت, فإذا لم يحضرن النساء العيد في المصلى فاتتهن الصلاة .. بخلاف بقية الصلوات التي يمكن أداؤها في البيت, فعدم حضورهن المسجد لن يترتب عليه فوات هذه الصلوات....

وقوله صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن) يقتضي أن شهود النساء للجماعة في المسجد مباح لكنه لا يرتقي إلى كونه مستحبا أو أكثر أجرا, والإباحة مقيدة بأمن الفتنة, أما مع وجودها فإنه يصبح الحكم محرما...وعند خشية الفتنة يكون الحكم هو الكراهة..

وأما قول عائشة -رضي الله عنها-: "لو أدرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل قلت لعمرة: أو منعن؟ قالت: نعم". فلا يدل على منع النساء مطلقا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ما أحدث النساء فلم ينتف الجواز مطلقا, ولأن الإحداث المقتضي للمنع لم يحدث من كل النساء وإنما حدث من بعضهن..

أقوال المذاهب الفقهية:

اتفق الفقهاء إلى أن المرأة التي يخشى منها الفتنة أنه يحرم على الخروج إلى المسجد للصلاة

وأما من عداها فـ:

ذهبت الحنفية إلى الكراهة ؛ لأنه لا يؤمن الفتنة من خروجهن, واختلفوا هل يستثنى من ذلك العجوز؟ وهل تشمل الكراهة كل الصلوات.. انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (1/ 380)

وذهبت مالك إلى أن خروجهن جائز وتركه أحب, قال  ابن رشد: تلخيص هذا الباب على تحقيق القول فيه عندي أن النساء أربع: عجوز قد انقطعت حاجة الرجل منها؛ فهي كالرجل في ذلك، ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجل منها بالجملة، فهذه تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد كما قال في الرواية، وشابة من الشواب؛ فهذه تخرج إلى المسجد في الفرض وفي جنائز أهلها وقرابتها، وشابة فارهة في الشباب والنجابة؛ فهذه الاختيار لها أن لا تخرج أصلا. انظر: لوامع الدرر في هتك استار المختصر (2/ 494)

وذهبت الشافعية إلى أنه إن كانت شابة أو كبيرة يشتهى مثلها كره لها الحضور وإن كانت عجوزاً لا تشتهى لم يكره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن الخروج إلا عجوزاً في منقلها. انظر المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (1/ 177)

وذهبت الحنابلة إلى الجواز وعدم الكراهة. انظر: المبدع في شرح المقنع (2/ 67)

والخلاصة أن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من الصلاة في المسجد لا سيما النوافل كالتراويح مع بقاء أصل الجواز إذا أمنت الفتنة وتقيدت بالضوابط الشرعية.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 11 فبراير 2026

هل فخر الدين الرازي مجدد للدين؟

 هل فخر الدين الرازي مجدد للدين؟ 


المراد بتجديد الدين هو إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأخذ بمقتضاهما، بحيث يُعيد المجدد ما اندثر من هدي الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. فالتجديد لا يكون إلا بعد الدروس والانطماس، وليس المقصود بالتجديد تغيير الشريعة أو إحداث منهج جديد في الاستدلال لم يكن عليه سلف الأمة. 


وهنا يثور التساؤل يدور عليه التجديد: ما موقف الرازي من الدليل النقلي؟ 


يرى فخر الدين الرازي أنه لا يوجد دليل نقلي مستقل بجميع مقدماته، بل لابد من مقدمة عقلية لإثبات صحة النقل، وإلا لزم الدور. يقول في الأربعين في أصول الدين (2/595):"أما القسم الثاني، وهو الدليل الذي يكون نقليًا بجميع مقدماته، فهذا محال؛ لأن الاستدلال بالكتاب والسنة موقوف على العلم بصدق الرسول، وهذا العلم لا يُستفاد من الأدلة النقلية." 


فهو لا يُسلّم بوجود دليل نقلي يخلو من مقدمة عقلية. وبناءً على ذلك، منع الاستدلال بالنقل فيما تتوقف صحة النقل عليه، كإثبات وجود الصانع أو صدق الرسول ﷺ، قائلاً في معالم أصول الدين (22):"كل مقدمة لا يمكن إثبات النقل إلا بعد ثبوتها، فإنه لا يمكن إثباتها بالنقل." 


ويرى أن الدليل النقلي لا يفيد اليقين؛ لتوقف الاستدلال به على عشرة أمور إلا أن هذا ليس على إطلاقه عند الرازي وإنما يستثني من ذلك إذا احتفت بالدليل قرائن قطعية 

فيقول في الأربعين(2/598):"هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمورٌ عُرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي هذه الاحتمالات، وعلى هذا التقرير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن مفيدة لليقين." 


غير أن هذا الاستثناء مقيد عنده بما لا يعارض الدليل العقلي، أما إذا تعارض النقل والعقل، فالنقل عنده من المتشابهات، لا يفيد القطع، ويُؤوَّل أو يُفوَّض.

وهذا مسلك خطير سلكه الرازي تبعًا لمتأخري الأشاعرة والمعتزلة، إذ جعلوا إثبات الصانع بالعقل وحده، ورتبوا على ذلك تقديم العقل عند التعارض مع النقل، وهو ما قننه الرازي بقانونه الكلي المشهور:"إذا تعارض العقل والنقل قُدِّم العقل." 


فكيف بعد هذا يُعد الرازي مجددًا للدين، وهو من اعتمد منهجًا محدثًا في الاستدلال يخالف طريقة الصحابة ومن تبعهم بإحسان؟

بل كان كثير التناقض والاضطراب في أقواله، كما قال ابن تيمية في منهاج السنة (5/270):"متناقض في عامة ما يقوله، يقرر هنا شيئًا ثم ينقضه في موضع آخر." 


ثم إن الرازي انشغل بعلم الكلام والفلسفة، حتى قال عنه ابن الصلاح:"أخبرني القطب الطوعاني مرتين، أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى."(شذرات الذهب 7/41) 


كما تضمنت بعض كتبه انحرافات عظيمة، بل ألّف كتابًا في السحر وعبادة الكواكب ثم تاب منه، وقد قال الذهبي في السير (21/500):"وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم، وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر." 


فمن خلال هذا كله، يتبيّن أن فخر الدين الرازي ليس من المجددين للدين، إذ لم يكن تجديده إحياءً للسنة والعمل بها، بل كان في مجالات الكلام والفلسفة، وهي أبعد ما تكون عن منهج التجديد الشرعي. 


✍️ كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 30 يناير 2026

حكم #نبش_القبور_لأجل_استخراج #السحر

 حكم #نبش_القبور_لأجل_استخراج #السحر 


هذه مسألة كثر الجدل حولها في بلدنا، وتداخلت فيها أصولٌ متعددة، مما قوّى الخلاف فيها، بعيدًا عن سوء الظن بأحد. 


والتحرير فيها يقتضي التفريق بين مسألتين: 


الأولى: البحث عن السحر بين القبور

فهذه لا إشكال فيها من حيث الأصل، وأمرها واسع في دائرة الجواز، ما لم يترتب عليها محظور شرعي. 


الثانية: نبش القبر

فالأصل المقرّر شرعًا أن المؤمن محترم في حياته وبعد مماته، فلا يجوز نبش قبره ما دام الميت فيه، إلا لضرورة تتعارض فيها مصلحة الحي الضرورية مع مصلحة الميت.

وحينئذٍ تُقدَّم المصلحة الضرورية للحي؛ لقوتها ورجحانها، وهذا محل تنبّه وتحقيق. 


ولهذا استثنى الفقهاء صورًا يجوز فيها كشف القبر عن الميت، تتحقق فيها الضرورة، بل وما دون الضرورة عند بعضهم. 


فقد أخرج مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه:«أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين، كانا في قبر واحد، وقد حفر السيل قبرهما… فحُفر عنهما ليُغيَّرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا… وكان بين يوم أحد ويوم حُفر عنهما ست وأربعون سنة».

قال ابن عبد البر في الاستذكار (5/156):«وفيه: لا بأس باستخراج الموتى من قبورهم إن وُجدت إلى ذلك ضرورة، وأُريد به الخير، وأن ذلك ليس في باب شيء من النبش». 


وجاء في مواهب الجليل (1/304) عن البرزلي فيمن أوصى أن يُجعل في كفنه قرآن أو أحاديث:«…والختمة يجب أن تُنبش وتُخرج إذا طُمع في المنفعة بها، وأُمن من كشف جسد الميت ومضرته والاطلاع على عورته». 


وجوّز فقهاء الشافعية النبش فيما هو أدنى من الضرورة، كمن دُفن بلا غسل، أو دُفن في أرض مغصوبة، مراعاةً لحق الحي، كما في الوسيط (2/390). 


بل جوز بعضهم ما دون الضرورة بمراحل قال ابن قدامة في المغني(2/414):«وإن وقع في القبر ما له قيمة نُبش وأُخرج…». 


فإذا جاز النبش في مثل هذه الصور، فالضرورة أولى بالجواز. 


وإذا نظرنا إلى أثر السحر على الإنسان، وجدنا أنه قد بلغ حدّ الضرورة؛ إذ قد يفضي إلى الهلاك أو يقاربه..وهذا أمر ينبغي ألا يختلف فيه.. 


بقيت مسألة وهي: هل يشترط لنبش القبر العلم القطعي بوجود السحر في القبر أو أن القرائن تقوم مقام القطع؟ 


وجوابه إن وضع السحر في المقابر قد انتشر بين السحرة واشتهر، وهذه قرينةٌ قوية معتبرة تُقوّي احتمال وجوده من حيث العموم.

أما وجوده في قبرٍ بعينه أو قبورٍ معينة، فالعبرة بما قام عند من يباشر النبش من علمٍ بوجود السحر فيه؛ لأن القرائن إذا بلغت حدًّا يطمئن إليه الناظر أفادت عنده علمًا، فيكون قد عمل بمقتضى دليلٍ معتبر شرعًا يبيح له النبش. 


لكن مع ذلك تُقيَّد الرخصة بقيود، منها:

1-ألا يُقدم على النبش إلا إذا عُلم وجود السحر فيه أو قام على ذلك دليل معتبر أو قرينة قوية؛ كاعتراف الساحر، أو وجود ثقب في القبر يرى منه السحر. أو نحو ذلك 


2- ألا يتولى ذلك آحاد الناس، بل يكون ذلك عبر هيئة شرعية مختصة وبمشاركة جهات أمنية مسؤولة. 


وأخيرا أنبه إلى أنه لا يُشترط أن يتعين النبش وسيلة للشفاء، وإنما العبرة بكون الوصف الموجب للضرورة متحققًا، وهو قد عمّ وانتشر، ووجود القرائن القوية المعتبرة في الشريعة على وجوده ... 


والله أعلم. 


كتبه:

د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 27 يناير 2026

هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟

 هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟ 


[نعم، وهو واقع ومشاهد، وليس في أدلة الشريعة ما ينفيه]


أولا: مس الجني للإنسي ثابت بالنصوص المتواترة 

فقد أعطى الله الجني القدرة على التأثير في بدن الإنسان بحيث إنه يجري في دمه ويسوس له ويتخبطه ويصرعه...

والذي ينكر ذلك ينكر ما هو معلوم بالضرورة.... 


ثانيا: تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه: جائز عقلا وشرعا... 


ثالثا: عدم ورود نص شرعي قطعي الدلالة على وقوع تحكم الجني بجسد الإنسان لا يمنع من القول بوقوعه؛ وذلك لأمرين:

• وجود شواهد واقعية كثيرة تدل عليه.

• عدم وجود ما يمنع هذا الأمر عقلاً أو شرعاً، فليس في الأدلة الشرعية ما ينافيه... 


رابعا: تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه: أمر مشاهد معلوم، وقد اشتهر واستفاض بين الناس، والمشاهدة المتكررة تفيد علما ضروريا لمن شاهدها...مع التأكيد على أنه ليس في الأدلة الشرعية ما يعارض هذه المشاهدة أو ينفيها...

قال ابن تيمية:( وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع. ققال: يا بني إنهم يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه..

وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما، والمشروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع غير المصروع ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول الآلات وينقل من مكان إلى مكان ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علما ضروريا بأن الناطق على لسان الإنسان والمحرك لهذه الأجسام جنس آخرغير الإنسان، وليس في أئمة الإسلام من ينكر دخول الجني في بدن المصروع...)


وبهذا نرد على من أنكر تحكم الجني بجسد الإنسان استنادا على عدم وجود نصوص صريحة تثبت صراحة التلبّس؛ لعدم التوقف القول بالتحكم على النص القطعي ..


وأما قول بعضهم إنها اضطرابات نفسيّة أو حالات نفسية معقّدة... او لها تفسيرات علمية طبية...

فجوابه أن هذا يصدق على بعض الحالات وليس على كلها، وما صدق على البعض لا يلزم بالضرورة أن يصدق على الجميع..

ثم أي تفسير يقدمه العلم التجريبي لمن يتكلم بغير اللغة التي يعرفها المصروع ؟!!!

وقد أحسن ابن القيم لما قال:(وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها). 


خامساً: زعم بعضهم أن مسألة تحكم الجني بالإنسي من مسائل الغيب، ثم ادعى أن الغيب لا يقبل فيه إلا النص القطعي...

وغاب عنه أن أهل السنة في إثبات أمور الغيب

لا يشترطون وجود نص قطعي الدلالة، بل يُجوزون الاحتجاج بالدليل الظني إذا صح وثبت، خلافاً لأهل الكلام الذين يشترطون القطع. 


ثم إن مسألة إثبات تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه من الأمور المشاهدة، من غير خوض في الكيفية ذلك.... 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 26 يناير 2026

ما يُتداول اليوم من دعوى أن قصر السحر على #سحر_التخييل هو مذهب لأهل السنة دعوى باطلة

 

ما يُتداول اليوم من دعوى أن قصر السحر على #سحر_التخييل هو مذهب لأهل السنة دعوى باطلة لا تصح، بل هذا القول اشتهر عن المعتزلة، ووافقهم عليه بعض الأفراد، كابن حزم، وأبي جعفر الاستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية.

أما الذي عليه أهل السنة والجماعة، فهو أن السحر منه سحر حقيقي له تأثير في المسحور، ومنه سحر تخييلي يقع على الأعين، وقد يقع على الأعيان من حيث الإحساس، لا من حيث قلب الحقائق.

قال ابن القيم رحمه الله في البدائع:«وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام – من المعتزلة وغيرهم – وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة، لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد، وإنما ذلك تخييل لأعين الناظرين، ولا حقيقة له سوى ذلك. وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء».

وحتى الأشاعرة لم يوافقوا المعتزلة في هذا الأصل، قال المازري رحمه الله:«مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات».

بل قال القرطبي في الجامع:« ولا عبرة -مع اتفاقهم- بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق».

فالعجب كل العجب ممن يخرج على الناس فينسب مذهبًا يخالف ما تواترت به الآثار
ووُصِف بأنه قول لحثالة المعتزلة..
إلى أهل السنة والجماعة!

ثم كيف يغيب عن بعضهم أن إنكار التأثير والخوارق الشيطانية في حدود ما أُعطيه جنس المخلوق هو من البدع المضلّة؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في جامع المسائل:«من أنكر خوارق أهل السحر وأتباعه من الشياطين فهو من أهل البدع الضالين».

نعم، نُقِرّ بأن تأثير السحر الحقيقي لا يصل إلى قلب الأعيان، فلا يستطيع الساحر أن يقلب الإنسان حيوانًا، ولا الورق ذهبًا أو فضة، فقلب الحقائق من خصائص الربوبية، لا من مقدور جنس المخلوق.

ويبقى بعد ذلك بحث مسألة مهمة، وهي:
هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟
وسيأتي الكلام عنها – إن شاء الله – في منشور لاحق.

كتبه:
د. أحمد محمد الصادق النجار