تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني
بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار
1. دعوى: يناقض السلفيون أنفسهم حين يعتذرون للنووي وابن حجر وامثالهما بغلبة البيئة #الأشعرية في عصريهما، وهو اعتراف منهم بانتشارها، ثم ينكرون أن الاشاعرة هم أغلب الأمة.
التعقيب: لا تعارض بين الأمرين؛ فغلبة المنهج التأويلي في بيئة زمانية أو مكانية متأخرة لا تعني غلبته على مجموع تاريخ الأمة ولا على القرون الفاضلة الأولى، والاستدلال بغلبة المذهب في عصر أو مصر مخصوص على مشروعيته أو غلبته المطلقة استدلال بالخاص على العام، وهو استدلال باطل عقلا ومنطقا.
2. دعوى: يحتج السلفيون بأقوال أئمة الأشاعرة، وفي الوقت ذاته ينفون إحاطتهم بحقيقة التوحيد.
التعقيب:الاحتجاج بنصوص فقهائهم في إنكار التوسل البدعي والشركيات هو من باب إقامة الحجة عليهم بلوازم مذهبهم ومقررات فقهائهم، أما نفي إدراكهم لحقيقة التوحيد، فإنما يتوجه إلى ما قررته متون علم الكلام التي قصرت حقيقة التوحيد على نفي التعدد والتركيب والشرك في الربوبية دون توحيد الإلهية والعبادة.
كما أن الاحتجاج بالعالم في مجاله كالحديث أو الفقه أو التفسير لا يقتضي تصويبه في كل مسألة عقدية، فلا يلزم من ذلك تناقض؛ لاختلاف جهة الاحتجاج.
3. دعوى: يذم السلفيون علم الكلام ويحرمونه، بينما يستعملون الأدلة العقلية.
التعقيب:ذم السلف لعلم الكلام متجه إلى المناهج المبتدعة القائمة على القواعد الفلسفية الفاسدة وتقديمها على النصوص الشرعية وتأويلها، أما الاستدلال العقلي الصحيح، واستعمال القياس المنطقي المستقيم، والاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية الفطرية، فليس من الكلام المذموم في شيء، وإنما هو من صميم المنهج الشرعي.
4. دعوى: ينقل السلفيون نصوص السلف في النهي عن الجدال والخصومات، ويمارسون المناظرة والردود.
التعقيب: النهي عن الجدال منصرف إلى المماراة العبثية والجدال بالباطل، ومقصوده حماية العامة من الشبهات ، أما المجادلة بالتي هي أحسن ومناظرة أهل الأهواء لدحض شبهاتهم عند ظهورها وانتشارها، فذلك واجب شرعي على الكفاية لحفظ بيضة الدين، اقتداء بمناظرة عبد الله بن عباس للخوارج ومناظرات أئمة السنة لمنكري الصفات.
5. دعوى: ينسب السلفيون موافقة بعض كبار المحدثين للأشاعرة إلى الجهل بالسنة.
التعقيب: الإمامة في رواية الحديث ونقده لا تستلزم العصمة من التأثر بالمسالك التأويلية السائدة في العصر، فالقصور هنا ليس في معرفة الرواية والحديث النبوي مجردا، وإنما في إدراك لوازم المنهج السلفي التفصيلي في نصوص الصفات ومفارقة التأويلات الكلامية التي راجت عند المتأخرين.
6. دعوى: يذم السلفيون الفلسفة ويحرمون الاشتغال بها، بينما يمتدحون استبحار ابن تيمية فيها وتفوقه على أربابها.
التعقيب: الثناء على علم ابن تيمية بالفلسفة هو ثناء على قدرته الفائقة على نقضها وتفكيك أصولها من داخل منظومتها، وبالاستفادة من مصطلحات أصحابها، لا إقرار بمنهجها ولا حث على اتخاذها مصدرا للمعرفة؛ فتعلم الباطل لغرض نقضه وإبطاله يباين ممارسته والاعتقاد به.
7. دعوى: يذم السلفيون التصوف بإطلاق، وينقلون في الوقت نفسه ثناء ابن تيمية عليه.
التعقيب: الموقف السلفي مبني على التفصيل لا الإطلاق الموهم؛ فيذم من التصوف ما اقترن بالبدع العقدية والشطحات الفلسفية كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ويُقبل منه ما وافق الكتاب والسنة من حقائق الزهد الشرعي، ومقامات الإحسان، وأعمال القلوب؛ فباختلاف المحل يرتفع الإشكال.
كماأن بعض من أطلق ذم التصوف إنما نظر إلى ما غلب على بعض مراحله المتأخرة من ممارسات ومقولات لا تنسجم مع الزهد الموافق للسنة.
8. دعوى: يستشهد السلفيون بردود الفلاسفة على المتكلمين، مع أن الأصل والإنصاف يقتضيان تقديم الأقرب إلى السنة كالأشعري على الأبعد كالفيلسوف.
التعقيب:الاستشهاد برد الفيلسوف على المتكلم يقع في باب الإلزام وتبيين الاضطراب والتناقض الداخلي في المنظومة الكلامية، وإلزام الخصم بما هو معتبر عند أهل فنه، وليس فيه تفضيل للفيلسوف على الأشعري في الدين والاعتقاد؛ إذ الأشاعرة أقرب طوائف المتكلمين إلى السنة في بعض الأبواب، وقبول مقدمة صحيحة أو إلزام عقلي من الفيلسوف لا يستلزم تقديمه في الرتبة على من هو أقرب منه للإسلام.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
أستاذ مشارك بقسم أصول الدين
كلية علوم الشريعة