الخميس، 3 سبتمبر 2026

حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

 حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

سلامة المعتقد شرط في كل كتاب يراد اتخاذه مرجعا في بيان مراد الله تعالى؛ إذ التفسير في حقيقته إخبار عن مراد المتكلم سبحانه، فإذا حرف المفسر مراده الله في أعظم أبواب العلم لم يصح الاعتماد على تفسيره بإطلاق، وأما الانتفاع به ففيه تفصيل سيأتي

فكتب التفاسير المعاصرة التي لم تسلم من الأخطاء العقدية من حيث الانتفاع بها تدور بين حالين لا ثالث لهما:

الحال الأولى: كتاب فيه إضافة علمية مستقلة، كأن يضيف إضافة علمية مستقلة، أو يخدم جانبا من العلوم الشرعية، كتفسير التحرير والتنوير فيما يتعلق بعلوم اللغة والبلاغة، أو عنايته بمقاصد السور ونحو ذلك،
فهذا يجوز الانتفاع به بضابطين:
الأول: أن يتنبه القارئ للخلل العقدي الموجود فيه.
الثاني: أن يكون القارئ مؤهلا علميا قادرا على التمييز.

فإن انتفى الشرطان أو أحدهما لم يجز الانتفاع؛ لأن جواز الانتفاع مشروط بألا تترتب عليه مفسدة راجحة، وأما قراءة العامي لكتاب فيه تحريف لصفات الله دون تمييز فمفسدتها راجحة على منفعتها اللغوية.

الحال الثانية: كتاب لا يعدو أن يكون تلخيصا أو منتخبات من كتب أخرى وليس فيه إضافة علمية تذكر، وإنما هو نقل عن كتب التفسير الكلامية كالنقل من تفسير الرازي والزمخشري والبيضاوي والطنطاوي ونحوها دون تمحيص عقدي، وقد يشتمل كذلك على نقول من تفاسير سنية..
فهذا لا داعي له أصلا؛ إذ في القديم والمعاصر السليم من الأخطاء العقدية غنية عنه.

ومن الأخطاء العقدية التي في كتب التفاسير الكلامية والتي لم تخل منها بعض المنتخبات والملخصات:

1-تفسير قوله تعالى: [الله يستهزئ بهم] وقوله تعالى: [ومكروا ومكر الله]
بالمشاكلة، أي فسروا الاستهزاء بالمستهزئ والمكر بالماكر بأنهما مجرد جزاء أو مجاز على طريقة المشاكلة اللفظية والازدواج، أي تسمية الشيء باسم غيره لمشاكلته له في اللفظ فقط، وليس حقيقة؛ اعتمادا على قرينة عقلية مبنية على تصورهم الفلسفي لمعنى هذه الألفاظ في حق المخلوق فقط، لا في حق الخالق، وهذا مبني على قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو قياس ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.

2-تفسير قوله تعالى: [ ثم استوى إلى السماء]
بتعلق إرادته سبحانه بخلق السموات، كما في تفسير الطنطاوي وغيره
وهو تأويل أشعري للاستواء بـالإرادة، مفاده صرف الاستواء عن معناه العلو والارتفاع إلى مجرد الإرادة، مع خلل عقدي خطير، وهو جعل إيجاد الشيء وخلقه متعلق بالإرادة فقط، وسيأتي توضيحه

3'تفسير المتشابه في قوله تعالى:[وأخر متشابهات] بالخفي الذي لم يتضح معناه، والتمثيل عليه بنصوص الصفات السمعية...

والخطأ الكلامي المرفوض: أن يجعل أصل المعنى نفسه من المتشابه الخفي.

4-نفي صفة الحياء في تفسير قوله تعالى[إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا بعوضة فما فوقها]
بناء على أن أصل الاستحياء في اللغة استقباح فعل الشيء لنقص فيه, وترتب عليه تأويله بأنه مجرد كناية عن عدم الامتناع عن ذكر المثل الذي يريده.

وهذا النفي مبني على مقدمات كلامية فاسدة:
الأولى: المعنى اللغوي للاستحياء حمل على الصورة المشاهدة المتحققة منه في المخلوق، ولم يُنظر إلى أصله الكلي الذي يشترك فيه أفراد المعنى مع اختلاف حقائقها، وهذه هي طريقة المتكلمين في المعاني اللغوية .
الثانية: إلزام الخالق بما يقتضيه المعنى المتحقق في المخلوق من خصائص ولوازم.
الثالثة: التأويل بناء على أصول كلامية.

ومن أخطر ما اشتملت علبه كتب التفاسير الكلامية وملخصاتها ومنتخباتها
قولهم في تفسير قوله تعالى: [وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون]
حيث جعلوا إيجاد الشيء لا يكون بقول الله تعالى له: «كن»، وإنما جعلوا الإيجاد حاصلا بمجرد تعلق الإرادة به، أو بتعلق الإرادة والقدرة به، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فيوجد من غير قول كن....فليس هناك صفة خلق قائمة بذات الله. ولا يثبتون قولا من الله تعالى متعلقا بالإيجاد، كقوله سبحانه: «كن».

فعندما ينتخب مثل هذا القول الفاسد الذي ينفي وجود قول من الله، ويجعل إيجاد المخلوقات هو مجرد تعلق إرادة وقدرة كما هو مذهب الأشاعرة
يتبين بذلك مدى خطورة هذه التفاسير التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.

كما اشتملت أيضا على خطأ عقدي متكرر وهو نفي تأثير الأسباب في مسبباتها، وأن المسبب يحصل عند السبب لا به.
ومن ذلك جعلهم السحر الحقيقي يخلق الله عنده الضر والنفع.

وهناك أخطاء كثيرة، هذا شيء يسير جدا منها.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار



الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

شبهات حول حديث الجساسة

 السلام عليكم أخانا الكريم، رفع الله قدرك ودرجتك في جناته

خرج قوم ينكرون صحة حديث تميم الداري والجساسة في صحيح الإمام مسلم، بحجة أن الحديث يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس في المسجد ليخبرهم بقصة تميم الداري، ثم لم يأت هذا الحديث إلا من طريق واحد، وهو طريق فاطمة بنت قيس.

والرد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: لابد أن نفرق بين التدوين وبين اشتهار الحديث واستفاضته عند جيل من الأجيال؛ إذ لا يلزم من اشتهاره واستفاضته وتواتر علم الناس به في جيل من الأجيال أن ينقل في الدواوين والكتب بتواتر أسانيده أو استفاضتها.

فقد كان الأئمة يحفظون آلاف الطرق، ولم ينقل لنا منها في المدوّنات إلا القليل، فكون الحديث يأتي من طريق واحد في التدوين لا يلزم منه ألا يكون مشتهرا في عصره.

وقد خلط المشككون في إيراد هذه الشبهة العليلة بين التحمل والتحديث، فسماع الحديث والاطلاع عليه هو ما شهده الجمع الكبير من الصحابة، لكن التصدي للتحديث به لم يكن من الصحابة جميعا، فلم يكونوا كلهم مشتغلين بالتحديث والرواية؛ فمنهم من اشتغل بالفتوحات، ومنهم من كان يتهيب باب الرواية والتحديث، ومنهم من اكتفى بتحديث غيره.

فباب التدوين أضيق من باب التحديث؛ إذ ليس كل ما حُدِّث به الجمع دُوِّن عن الجمع.
والله سبحانه تكفّل بحفظ دينه، ولم يقيد الحفظ بأن يصل إلى الأمة مدونا بطريق التواتر.

وهذا أشهر حديث "إنما الأعمال بالنيات" حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، ولم يدون إلا عن صحابي واحد هو عمر بن الخطاب، ولم يصح عن التابعين إلا من طريق علقمة، ولا عمن بعدهم إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عمن بعدهم إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري! ورغم هذا التفرد في طبقاته الأولى، تلقته الأمة بالقبول والتصديق وجعلته أصلا من أصول الدين.
وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة كانت أمام أكثر من مائة ألف، ومع ذلك لم يصلنا كثير من تفاصيلها إلا من طرق محدودة، ولم يقل أحد ببطلانها لذلك.

وإذا كان هذا موجودا في حياة الناس اليوم، إذ يشتهر خبر ما في بلد، ولا يصل إلى غيرهم إلا بطريق الآحاد، من غير أن يقدح ذلك في ثبوته ووقوعه، فالعادة لا تمنع نقل الواقعة المشتهرة إلى الأمة عن طريق الآحاد. فإذا كان هذا غير ممتنع عقلا ولا عادة، فكيف ينكر؟!

ولو كان ثبوت الخبر متوقفا على نقله متواترا إذا أُلقي في جمع كبير، للزم رد كل خبر كان كذلك، لكنه لم يرد.

والمعهود في طبائع البشر أن يلقي الحاكم خطابا أمام الآلاف، ثم لا ينقله للأجيال موثقا إلا صحفي واحد، ويقبل من غير ان يطعن فيه.

الوجه الثاني: الحديث لم تنفرد به فاطمة بنت قيس، بل جاء أيضا عن أبي هريرة وعائشة وجابر وتميم، قال الحافظ ابن حجر: (وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر)
وكون البخاري لم يخرجه قي صحيحه لا يدل على عدم ثبوته؛ لأن البخاري لم يتعهد بإخراج كل ما كان صحيحا، ويكفي أن مسلما أخرجه في الصحيح ...

​وأما عن وجود الدجال وكونه حيا إلى أن يأذن الله له بالخروج وهو في جزيرة، فهذا مما خرج عن العادة الجارية، وهو آية من آيات الله سبحانه؛ فلا تورد هنا أسئلة الاستبعاد العادي نحو: كيف يكون حيا؟ وكيف يأكل؟ وكيف لم تكتشف الجزيرة التي يعيش فيها؟ فهذه الأسئلة لا مدخل لها ههنا؛ لأن وجوده وحياته وخروجه في آخر الزمان حالة خاصة خارقة للمعتاد، متعلقة بقدرة الله تعالى وحكمته وإرادته.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

 هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

أرسل إلي أحد الإخوة مقطعا  للشيخ #عبد_العزيزالريس ينتقد فيه قول الشيخ العلامة #صالح_آل_الشيخ: (إذا أثنى على المبتدع في بدعته فهذا يخرج من دائرة أهل السنة والجماعة، أما إذا أثنى على مبتدع في غير بدعته، فهذه مسألة اجتهاد، وتبع للمصالح والمفاسد...
إذا صار كل واحد يثني على عالم ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا  يقال إنه ليس من أهل السنة، فهنا ما بقي أحد )

فرد الشيخ الريس هذا التقصيل ووصف كلام الشيخ صالح بأنه #تمييع وأنه يفرح به #السروريون...محتجا بإطلاقات السلف في هجر أهل البدع وإجماعهم على ذلك.
قال الشيخ الريس: (هذا الكلام قطعا خطأ، ...ومما يدل على خطئه الأدلة على هجر أهل البدع وإجماع السلف على هجرهم. وأنه لا تذكر حسنات أهل البدع في مقابل الرد عليهم..)
واستدل بالآثار أن من عظم أهل البدعة فقد أعان على هدم الإسلام...

وفيما يلي بيان لموضع الغلط عند الشيخ الريس:

مدار الخطأ في رد الشيخ الريس أنه لم يميّز بين نوعين مختلفين: الثناء المطلق على المبتدع والوصف المقيد.
فالثناء المطلق، كقول القائل: فلان إمام هدى بإطلاق، لا يجوز إطلاقه على صاحب بدعة؛ لأن إطلاقه يوهم تزكية دينه ومذهبه كليا، ولا يجيزه الشيخ صالح آل الشيخ أصلا.

والوصف المقيد، كقول القائل: فلان أجاد في ردوده على النصارى، هذا  يجوز إظهاره عند قيام المصلحة الشرعية وانتفاء ما يترتب عليه من مفسدة راجحة،، مع بقاء الحكم عليه بالبدعة والتحذير من بدعته بحسب مقتضى الحال
وهو الذي دار عليه كلام الشيخ صالح، ولذا مثل بالثناء على صلاح الدين الأيوبي في جهاد.ده.

فرد الشيخ الريس ألغى هذا التفصيل جملة، وجعل كل ثناء جزئي في حكم الموالاة المطلقة والتعظيم الكامل للمبتدع، وهذا من أعجب ما يقال!!

ثم إن الناظر في طريقة استدلال الشيخ الريس في هذه المسألة يجد أنه أوقع إطلاقات السلف — وهي أقوال وردت في سياق التأصيل العام، أو ما ورد عن السلف في معين علموا حاله — موقع الحكم على كل معين في كل حال وزمان ومكان، فهو يمنع الثنلء مطلقا على كل مبتدع محتجا بإطلاقات السلف، وهذا المسلك فيه إغفال لقاعدة تحقيق المناط في المعين واعتبار المصالح، إذ إن الحكم بالكليات لا يلزم منه طرد التطبيق على كل الأعيان دون اعتبار للموانع والمصالح والمفاسد الشرعية.

فليس الخلل في الاستدلال بإطلاقات السلف من حيث الأصل، وإنما في دعوى أن تلك الإطلاقات تقتضي حكما واحدا على كل معين في كل حال.

ومن ذلك احتجاجه بإجماعات السلف في الهجر على رد كلام الشيخ صالح في المعين الذي اقتضت المصلحة الثناء عليه في غير بدعته
فليس النزاع في أصل الهجر، وإنما في دعوى كونه حكما لازما لكل مبتدع معين، في كل ظرف، بحيث لا تدخل المصلحة والمفسدة في تقدير فعله ولا يجوز معه الثناء عليه مطلقا، وهذا يخالف ما حرره علماء أهل السنة، ولا يمكن للشيخ الريس أن يلتزم بهذه الدعوى مطلقا.
قال ابن تيمية: «إن أقواما جعلوا ذلك عاما، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به مما لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ...ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابًا أو استحبابًا ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه»
فهذا نص صريح من الإمام ابن تيمية في أن إطلاق الهجر على كل معين خروج عن منهج السلف الوسط.

ويستأنس لهذا الأصل بصنيع #الأئمة مع إبراهيم بن طهمان:
قال أبو زرعة: كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر إبراهيم بن طهمان، وكان متكئًا من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فَيُتَّكأ.
وقال أحمد كان مرجئا  شديدا على الجهمية
فهذا الأثر شاهد على أصل مهم، وهو أن ثبوت البدعة في المعين لا يستلزم بالضرورة إسقاط جميع أوصاف الخير عنه، ولا يمنع من الاعتراف بفضله في وجه آخر، وإنما ينظر في كيفية إظهار ذلك وآثاره بحسب المصلحة والمفسدة، ولذا لم يمنع الإمام أحمد وجود الإرجاء عند إبراهيم من إثبات صلاحه وإظهار الثناء على شدته على الجهمية.

ومن أعظم ما تضمنه رد الشيخ #الريس من هفوات: إغفاله أصلا مجمعا عليه عند السلف، وهو أن المعين الواحد قد يجتمع فيه خير وشر، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية، ومقتضى ذلك جواز إعمال الثناء المقيد عند اقتضاء المصلحة الشرعية.

وأما الأثر المروي في أن تعظيم #صاحب_البدعة يهدم الإسلام فمحله من عظمه لأجل بدعته أو من أقره عليها أو من قدمه في الدين مطلقا
أما الاعتراف بفضله في غير بدعته إذا اقتضت المصلحة ذلك فهو من جنس ما فعله الأئمة مع إبراهيم بن طهمان.

وأما وصف الريس كلام الشيخ صالح بالتمييع فهذا من التلبيس وينطوي على مغالطة #رجل_القش؛ إذ صور  الشيخ صالح وكأنه يدعو لمذهب الموازنات أو تسوية السني بالمبتدع، أو اتخذ من المصلحة ذريعة لإسقاط حكم التبديع بعد ثبوت موجبه، أو استعمل المصلحة لتحرير موالاة أهل البدع بإطلاق ونصرتهم..
والله المستعان
ولو كان كلام الشيخ صالح #تمييعا لكان فعل الأئمة كأحمد تمييعا، وهذا لا يقوله سني في حق أولئك الأئمة.

فليتق الله الشيخ الريس وليعلم أن الذي فعله في رده أنه أبطل كلام الشيخ صالح بإطلاقات السلف التي لا تتوجه إلى كل معين، فشابه ذلك جزئيا ما فعله #عبدالله_الخليفي وأتباعه في إسقاط النصوص المطلقة على كل معين دون تحقيق مناط.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

السبت، 29 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟

للمتخصصين


استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟ 


قبل الجواب لابد أن نبين أن حقيقة الفعل الشركي أو المقالة البدعية ماهية واحدة لا تتجزأ ولا تختلف باختلاف الفاعلين؛ فصرف العبادة لغير الله شرك أكبر، ولا تختلف هذه الحقيقة باختلاف المعينين 


وأما كيف لا يكون مشركا مع تحقق الوصف الشركي في الفعل الصادر من المعين؟ 


فأظهر ما يبين إمكان الانفكاك بين وصف القول بالكفر  والحكم على قائله هو حال الإكراه، فالمكره على التلفظ بكلمة الكفر يقصد النطق بعينه، وتحققت حقيقة الكفر في القول، والشرع يصف نفس القول بأنه كفر: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ}، ثم يستثني حال المكره من الحكم لا من وصف القول، فإذا صح تصور الانفكاك في الإكراه وهو مانع صح تصوره في غيره من الموانع. 


ومعنى قيام حقيقة الشرك في المعين هنا هو تحقق وصف الشرك في الفعل الصادر من المعين من حيث ماهيته، لا من حيث الحكم على الشخص المعين. 


والسؤال الذي هو حقيقة البحث: هل قولنا: هذا الفعل شرك يوجب تسمية الفاعل مشركا شرعا؟

والمعين الذي نبحث فيه هو من ثبت له أصل الإسلام، وليس النفي في كل  معين، فقد تقوم حقيقة الشرك بمعين ويكون مشركا وقد لا يكون مشركا ..


ولكي نجيب على هذا السؤال

لابد أن نفهم كيف كيفت الشريعة هذه الحقائق إذا قامت بمعين: هل بمجرد قيام حقيقة الشرك في معين يكون قد قام به سبب موجب لتسميته مشركا على أي حال، أو يكون سببا مقتضيا بحيث لا يسمى مشركا إلا بعد إقامة الحجة، لكونه سببا لا يوجب الاسم وحده؟ 


نعم، إذا نظرنا في لغة العرب وجدنا أن من قام به الفعل اشتق له منه اسم فاعل؛ فمن قامت به الحركة سمي متحركا،

لكن في الشرع اختلف الأمر من جهة كون الأسماء تترتب عليها أحكام دنيوية وأخروية، فلا ينزل الاسم المترتب عليه أحكام شرعية على المعين حتى تتحقق شروطه وتنتفي موانعه المعتبرة في الباب. 


فإن قيل: هل إقامة الحجة شرط في الاسم أو في الحكم؟ 


قيل: إن أريد بالاسم مجرد الوصف المشتق من الفعل، فهذه مسألة لغوية والخلاف فيها لفظي، وإن أريد به الاسم الشرعي الذي يترتب عليه حكم الكفر أو الفسق، فالنزاع في تنزيله على المعين. 


والذي تدل عليه الأدلة أنه يمتنع تنزيل اسم الشرك على المعين في مقام الحكم إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. 


ومن ذلك حديث ذات أنواط، فقد خرج جماعة من الصحابة إلى حنين وهم حديثو عهد بإسلام، فمروا بشجرة كان المشركون يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مثلها يتبركون بها، فأنكر عليهم  وشبه قولهم بقول قوم موسى: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة}. 


فلم يقع من الصحابة هنا فعل تعبدي عند الشجرة؛ فهم لم يعكفوا عندها ولم يعلّقوا أسلحتهم، وإنما صدر منهم طلب وسؤال بأن يجعل لهم مثل ما للمشركين، فهو طلب يتضمن الإذن بمعنى شركي، 

ومن الدليل على أن المطلوب من جنس ابشرك الأكبر لا الأصغر قوله :( ويعكفون عندها)، والعكوف في لغة العرب فعل تعبدي وليس مجرد الجلوس، كما أن التشبيه الصريح من النبي بطلب بني إسرائيل يدل على شدة مشابهة مطلوبهم لما وقع فيه أولئك من طلب اتخاذ إله أو معبود، وإنما منع من ثبوت اسم الفاعل وحكمه كونهم حديثي عهد، فكان الجهل متعلقا بحكم الفعل الشرعي، لا بحقيقة ما طلبوه من حيث التصور..

فهم لم يباشروا الفعل الذي كان عليه المشركون، وإنما صدر منهم طلب يطلبون فيه إنشاء مثل ما يفعله المشركون، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعهم فيها.

فالحديث شاهد على أن صدور القول أو الفعل المتضمن لتحويز معنى شركي لا يستلزم بذاته ثبوت الاسم الحكمي على فاعله؛ لأنه سبب مقتض لا موجب. 


فإن قيل: أليس هناك تناقض عندما تثبت قيام حقيقة الشرك في المعين ثم تنفي عنه أن يكون مشركا؟ 


قيل: لا؛ لأن التناقض يقع لو قلنا: هذا الفعل ليس شركا لكن الفاعل مشرك، أو قلنا: هذا الفعل شرك، والفاعل لم يفعل الشرك. 

أما قولنا: هذا الفعل شرك والفاعل ليس مشركا فلا تناقض فيه؛ لانفكاك الجهة. 

فالحكم على الفعل بالشرك من جهة تحقق ماهية الشرك فيه، وعدم الحكم على الفاعل بأنه مشرك من جهة عدم استيفاء شروط الاسم الشرعي في المعين 

ونظيره أن يقال: القول كفري، وقائله المعين قد لا يحكم بكفره.

وهذا لا يعني أن القول صار غير كفري او انتفت حقبقة الكفر قي المعين من حبث الفعل. 


وأما ما يرد من إطلاق بعض النصوص اسم الشرك أو المشركين على أقوام قبل بلوغ الرسالة، فليس ذلك نقضا لأصل التفريق؛ لأن الكلام في تنزيل الأسماء الشرعية على المعين بعد قيام موجب الإسلام في حقه، وهي مسألة تختلف باختلاف حال المخاطَب وبلوغ الرسالة وقيام الحجة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_29.html


الخميس، 27 أغسطس 2026

إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

 إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

لا ريب أن إنكار علو الله بالتأويل مقالة بدعة معلظة، وقد تواترت نصوص أئمة السلف على إطلاق الكفر على منكري العلو
وهي في أصلها واردة في الحكم على المقالة وأهلها من حيث الجملة، وورد عنهم تكفير عيني لمن تبين لهم حاله بخصوصه.

إلا أن تحرير محل البحث ينعقد قي السؤال الآتي: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل، وإنما حمله على ذلك ظنه أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا تأويل العلو تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل؟

وبطبيعة الحال البحث هنا بمعزل تام عن رؤوس المتكلمين ودعاتهم المنظرين الذي،يحرمون الايطستدلال بالواي في الإلهيات والنبوات كبشر المريسي والجويني والرازي وأمثالهم من دعاة الكلام المنظرين، وإنما البحث في حق شراح الحديث ممن غلب علبهم جانب الاتباع وتقديم الاحتجاج بالكتاب والسنة إلا أنه شابت أفهامهم بعض الشبهات الكلامية المتوارثة ظنا منهم أنها دل عليها الوحي...

للإجابة على السؤال: يجب الإقرار ابتداء بأن مساحة الإعذار في مسألة العلو ونحوها أضيق بكثير من مساحة الإعذار في مسائل الإرجاء مع اشتراك المسألتين في أصل الظهور؛ لكن امتازمت مسالة العلو بتكاثر الأدلة وتنوعها والتي منها الفطرة ..

نعم
الأصل في تحقيق المناط واحد في كل الأبواب ومطرد، لكن سعة تطبيقه تضيق جدا في مسألة العلو خصوصا والمسائل الظاهرة عموما
ولذا فإن تمثيل بعض العلماء كابن تيمية بمن نشأ في البادية أو كان حديث عهد بإسلام لم يكن على سبيل الحصر الحقيقي للموانع
وإنما سيق لبيان تضييق دائرة الإعذار في المسائل الواضحة قي نفسها لا إغلاق باب الإعذار بالكلية على من سواهم

وأما الجواب عن سؤال: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل؟
فنعم، يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية بناء على ظن أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه، كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا التأويل تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل، ومن غير أن يتبين له أصلا كلاميا مخالفا للوحي، ولم تبلغه الحجة على وجه تقوم به عليه، وليس من رؤوس المقالة والمنظرين لها.
فهذا يعذر في خطئه، ولا يلزم من وقوعه في هذه المقالة أن يُحكم عليه بأنه مبتدع ....

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: (ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه).
فمن ينفي العلو متؤولا ظانا منه أنه يطلب الحق من جهة الرسول معتقدا أن هذا هو اعتقاده -وإن كان ظنه لا يوافق نفس الأمر-: يعذر ولا يستحق التبديع العيني فضلا عن التكفير؛ إذ ليس كل من نفى العلو بالتأويل ينطلق من عقليات قدمها على النص الشرعي.
قال ابن تيمية في منهاج السنة: (أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها. وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين).
وهذا بخلاف من يؤول من غير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما من جهة تقديم العقل الكلامي كالجويني..

وأما الدعوى القائمة على أن المسألة إذا كانت أدلتها ظاهرة، فلا حاجة لإقامة حجة إضافية على الظهور؛ لأن الظهور نفسه يغني عن اشتراط قيام الحجة؛ فهي دعوى مردودة؛ لأن الظهور والخفاء عند المحققين كابن تيمية وغيره ليسا وصفين ذاتيين لازمين للمسألة نفسها بمعزل عن حال الناظر فيها وبيئته، وإنما هما أمران نسبيان إضافيان يختلفان باختلاف بيئة المعين وعصره وما بلغه من العلم، فقد تكون المسألة في غاية الظهور عند طالب علم صغير نشأ في بيئة سنية محضة، وتكون خفية أو محل اشتباه عند عالم متبحر في الفنون الشرعية لكنه نشأ في بيئة كلامية ورث فيها هذا التأويل عن مشايخه دون نظر مستقل.

وكثيرا ما أمثل على نقض مسألة الظهور بمسألة إرجاع الضمير في حديث الصورة إلى الله
فقد كان أمرا ظاهرا في القرون الثلاثة، حتى قال الإمام أحمد. لما قيل له: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته؛ أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وفي رواية قال عنه مبتدع
ومع ذلك أرجع ابن خزيمة الضمير لآدم؛ موافقا بذلك قول الجهمية
فلو كان مجرد الظهور موجبا للتبديع وكافيا لإسقاط شرط قيام الحجة، للزم من ذلك تبديع ابن خزيمة مباشرة بلا نظر، وهذا ما لم يفعله أحد من أئمة أهل السنة، وبقي ابن خزيمة إماما معدودا من أئمة السنة وحفاظ الحديث.

وذكرت ابن خزيمة هنا ليكون شاهدا على أن الوقوع في نتيجة قول الجهمية لا يستلزم التبديع الفوري بمجرد الظهور

ولو طرد معيار الظهور يغني عن الحجة للزم منه هدم قول ابن تيمية الذي يحكي فيه ما عليه السلف والأئمة في قوله: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة"
فإن كانت بدعة الإرجاء ظاهرة بحيث تغني عن قيام الحجة، فكيف بقي هؤلاء الفقهاء والعباد معدودين من أهل السنة عند ابن تيمية نفسه ومن يحكي عنهم من السلف؟

إذن لابد من التفريق بين ظهور الدليل نفسه، كوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة وتواترها وبين ظهور الدليل عند المعين بحيث نسأل: هل بلغه هذا الدليل على وجه يقطع عذره، أو نشأ في بيئة أخفت عنه وجه الدلالة وأوهمته أن منطلق التأويل هو الكتاب والسنة؟

والحكم على المعيّن لا يتعلّق بمجرد ظهور المسألة في نفسها، وإنما بتحقيق قيام الحجة المعتبرة في حقه، مع النظر في موانع الحكم، ومن ذلك مدى بلوغه الدليل وفهمه وقيام موجب العلم عليه.

ولذا عندما نناقش الإعذار  في مسألة العلو نناقشه من هذا الجانب، وليس من جانب الدفاع عن إنكار العلو، ولا من جانب الدفاع عن الأشعرية، وإنما هو من جانب تقرير ضابط الحكم على لمعين
فكون إنكار العلو كفرا وبدعة مغلظة لا يعني بالضرورة أن منكر العلو بالتأويل كافر، والأشكال في إثبات التلازم ...
ولذا قال ابن تيمية في عدم تكفير من ينكر العلو ممن يقدم العقل على النقل قي الاستدلال: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم).
هذا فيمن أول من غير جهة الرسول لكن لا على وجه التكذيب والعناد، فانتفى عنه التكفير إلا أنه مستحق للتبديع العيني .
وهذا بخلاف شراح الحديث كالنووي وابن حجر، فالحق أنهم ليسوا من أهل البدع؛ لأن أصل منهجهم هو الاستدلال بالكتاب والسنة والتعظيم للأثر، وإنما وقعت لهم الهفوة تقليدا فبما ظن ه أنه م أفق للكتاب والسنة

فإن قيل: ألا يعارض ما تقدم إطلاقات أئمة السلف أن من أنكر العلو فهو كافر

قيل: لا تعارض، فنصوص السلف جارية على منهج القرآن والسنة في الوعيد العام والتكفير المطلق للنوع، قال ابن تيمية (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ، وإن كان مخطئا ...)

فإن قيل: ما توجيه قول الدارمي لما قال عن مسألة العلو : (وظَاهِرُ القرآنِ وباطِنُهُ كُلُّه يَدُلُّ على ذلك، لا لبس فيه ولا تأول، إلا لِمُتَأَوِّلٍ جَاحِدٍ، يُكَابِرُ الحُجَّةَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ)

قيل: كلام الدارمي في سياق رده على رؤوس الجهمية كبشر المريسي ممن تبين له مكابرتهم وعنادهم، فالدارمي يصف هنا نوعا مخصوصا من المتأولين، وهو المتأول الجاحد المكابر للحجة مع العلم بها، فلا يصح نقل وصفه هذا إلى كل من وقع في التأويل دون تحقق وصف الجحود والمكابرة في حقه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 26 أغسطس 2026

الرد على #عبد_الله_الخليفي في نفي اجتماع وصف صاحب سنة والوقوع في بدعة

 الرد على #عبد_الله_الخليفي

(لولا  شفقتي على أتباعه الصغار وحبي في الله لإخواني في سوريا والجزائر ما اشتغلت بالرد عليه، فلا يعرف بشيء في فنون العلم الشرعي)

أرسل إليّ أحد أتباع عبد الله الخليفي مقطعا له في الرد على مقالي الأخير حول إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة، وقد بدعني فيه، وأما تكفيري فمحل بحث عنده، فيمكن أن يكفرني بعد البحث عينا..
جرأة غريبة!!
والخليفي فيما يظهر أنه لا يحسن فهم المقالات التي تكشف غلوه، فضلا عن أن يحسن فهم إطلاقات السلف ومناطات كلامهم، ومن لا بضاعة له في أصول الفقه ومقاصد الشريعة كيف له أن يفهم حقيقة الإطلاق ومقييداته ابشرعية؟!!

المقال الذي يرد عليه الخليفي بينتُ فيه بوضوح أن وصف صاحب سنة قد يجتمع في كلام المتقدمين مع إثبات مخالفة بدعية في الشخص المعين، ونصصت بصريح العبارة أن هذا لا يعني التسوية بين جميع البدع، ولا أن كل مبتدع يسمى سنيا.

فما الذي أفهمه الخليفي أتباعه ومحبيه؟
أفهمهم أني أسوي بين البدع كلها، حيث يقول: "قد يجتمعان: يكون الإنسان مرجئا ومن أهل السنة، شيعيا ومن أهل السنة، وعلى قياسه قدريا ومن أهل السنة، وأشعريا ومن أهل السنة"،
ويقول واصفًا مقالي: "أقام هذا المقال على قياس بشر المريسي، وهو أن الخلاف في القدر والإيمان ومسائل التفضيل كالخلاف في مسائل الصفات".

مع أني قلت في المقال بصريح العبارة: "فالآثار حجة على أصل إمكان الجمع بين إطلاق صاحب سنة ووجود بدعة في المعين، وليست حجة على التسوية بين جميع أنواع البدع في هذا الحكم، ولا على كل معين"

فلا أدري ما الذي اضطره لهذا الخلط؟ والعجيب أنه مع طعنه في الدكاترة بأنهم أصحاب مذكرات، وتبديعه لي، وتلميحه بأني ربما أُكفَّر، لم يستطع أن ينقض محل الدعوى، وإنما ناقش دعوى أخرى لم أقل بها أصلا في هذا المقال.

وحتى أوضح للقارئ الكريم ولأتباعه، أقول: محل النزاع ليس: هل كل مرجئ سني؟ وهل كل أشعري سني؟ وهل كل من وقع في مخالفة أصل فإنه بطلق عليه صاحب سنة؟ ولا محل النزاع في التسوية بين بدعة إرجاء الفقهاء وبدعة الأشاعرة، هذا كله من تخبطاته

وإنما محل النزاع: هل دل كلام أئمة السلف واستعمالاتهم على أن الشخص المعين قد يوصف بأنه صاحب سنة مع إثبات مخالفة بدعية فيه؟ أو لابد أن تجتمع فيه خصال السنة كلها حتى يوصف بأنه صاحب سنة؟!!

فأتى الخليفي بدعاوى أخرى وأصبح يرد عليها، وهي التي أشار إليها بسؤاله الاستنكاري: متى يكون الإنسان مرجئا مبتدعا، ومتى يكون مرجئا سنيا؟
فكأن الفكرة التي يريد إيصالها لأتباعه أني أقول: كل من وقع في بدعة فهو سني، وأن بدع الجهمية والمرجئة والقدرية والأشاعرة في رتبة واحد،. وأنا لا أقول بهذا.

ما هي الدعوى محل البحث ؟

الدعوى التي أقول بها: وصف صاحب سنة عند المتقدمين قد يثبت للشخص مع وجود مخالفة بدعية فيه، فلا يلزم من ثبوت المخالفة نفي وصف السنة عنه من كل وجه.

فإذا أراد المعترض إبطال هذه الدعوى، فعليه أن يجيب عن الآثار على محل دلالتها، لا أن يرد على قاعدة أوسع لم أدّعها.

ومن قال: قد يوجد في السني بدعة جزئية لا تخرجه عن كونه صاحب سنة: لا يلزمه أن يقول: كل مبتدع سني.

(تنبيه: الأصل من أصول أهل السنة لا يجب أن يكون كليا أو بابا كاملا. وإنما قد يكون جزئية بعينها باعتبار اشتهار المخالفة فيها)

ومن قال: قد يجتمع في المعين وصف السنة ووصف المخالفة من جهتين مختلفتين: لا يلزمه القول بتساوي السنة والبدعة في المعين من كل وجه، ولا تساوي البدع في أنفسها.

وأما قوله: متى يكون الإنسان مرجئا مبتدعا ويكون مرجئا سنيا؟
فجوابه:
مقالات مرجئة الفقهاء مقالات تخالف أصول أهل السنة وإن كانت أخف من مقالات المتكلمين، ومع ذلك ليس كل من ثبتت فيه مقالة من مقالات إرجاء الفقهاء يكون مرجئا بمعنى مبتدع، وإنما قد يكون مرجئا بمعنى وقع في بدعة الإرجاء، ولا يلزم من الوقوع: الإخراج من دائرة أهل السنة.
وهذه ليست دعوى مستحدثة، فابن تيمية يقول عن المرجئة: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة، حتى تغلّظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة"

فإن كان هذا الكلام مقبولا عند المعترض، فقد انتهى أصل النزاع، وإن أراد رده، فعليه أن يرد كلام ابن تيمية نفسه ويجعل الخصومة معه؛ لأن كلامه يتضمن: طوائف دخلت في قول المرجئة، وليست مجرد موافقة عابرة، ومع ذلك كانوا يعدون من أهل السنة، ثم تغلّظ الأمر عليهم على مراتب، مع العلم أن شيخ الإسلام يُبدّع فرقة المرجئة كفرقة قائمة بذاتها.

فتبين أن الدخول في بعض قول طائفة بدعية كالمرجئة لا يستلزم مباشرة سلب وصف السنة عنه من كل وجه.

إلا أن #الخليفي له رأي آخر، حيث يقول: "أما أمثال أبي حنيفة وأصحابه فهؤلاء لا يُقال فيهم إرجاء، بل هم المرجئة الذين أصلا يُقاس عليهم".
وإقحامه لأبي حنيفة وأصحابه في هذا الموضع لا يغير محل النزاع؛ لأن البحث ليس في الحكم التفصيلي على أبي حنيفة الذي نعتقد سنيته، وإنما في القاعدة التي يقررها الخليفي: هل مجرد الدخول في قول المرجئة يستلزم خروج المعين من السنة؟
وكلام ابن تيمية صريح في أن طوائف من أهل الفقه دخلوا في قول المرجئة مع بقائهم معدودين من أهل السنة.

ومادام أن ابن تيمية يعد طوائف من أهل الفقه ممن أخذوا بمذهب مرجئة الفقهاء من أهل السنة، فننتظر من #الخليفي وجماعنه أن يعلنوها صراحة أن ابن تيمية مبتدع؛ لأنه يدافع عن المبتدعة، كما بدعني وبدع غيري، وقد قال هو بنفسه: "أما مسألة أنك دخلت في حيّز الابتداع، هذه ما فيها نقاش... أنت خرجت من السنة، هذه لا نقاش فيها"، فليُطبّق هذا الإلزام على ابن تيمية نفسه إن كان مطردا عنده.

مناقشة الآثار الثلاثة

الأثر الأول: قلت في مقالي السابق: قال أبو داود السجستاني في ورقاء بن عمر: "صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء". وهذا من أوضح الآثار؛ إذ جمع أبو داود في وصف واحد بين إثبات كونه صاحب سنة والإخبار عن وجود الإرجاء فيه، فلم يقل: "ليس بسلفي، بل هو مرجئ"، ولا: "ليس بسلفي لكنه كذا وكذا".
وقد نقله غير واحد من العلماء...

قال الخليفي معترضا: فلو فرضنا أن هذه الرواية ثابتة، فيكون ورقاء قد وقع في موافقة المرجئة في بعض مقالتهم.

والرد عليه:إن ما فرضه جوابا هو نفسه محل النزاع!
فلم أقل: "ورقاء من المرجئة من كل وجه"، ولم أقل: "كل المرجئة من أهل السنة"، وإنما استدللت بقول أبي داود لأثبت إمكان اجتماع الوصفين في الشخص المعين.
فقول الخليفي "قد وقع في موافقة المرجئة في بعض مقالتهم" إقرار.منه بأن وقوع ورقاء في بعض مقالات المرجئة لم يمنع أبا داود من وصفه بأنه صاحب سنة، وهذا عين المطلوب.

وكون أبي داود جمع بين "صاحب سنة" و"فيه إرجاء" لا يعني أن أبا داود جعل الإرجاء من السنة، ولا أن كل مرجئ سني، وإنما يعني أن وجود هذه المخالفة لم يمنعه من إطلاق وصف صاحب سنة عليه، والتفريق بين "فيه إرجاء" و"هو مرجئ" هو عين التفريق بين الوقوع في المقالة والانتساب التصنيفي إلى الطائفة.

أما قول الخليفي إن الإرجاء عدة مقالات (إخراج العمل من مسمى الإيمان، وعدم الزيادة والنقصان وعدم الاستثناء): فصحيح، لكن لما كان الإرجاء جنسا تحته صور متعددة، فقول أبي داود "فيه إرجاء" لا يحدد وحده أي مقالة، ولا درجتها، لكن يبقى أن في الرجل نسبة إلى مقالة من مقالات الإرجاء المبتدعة، وأن أبا داود مع إثباته هذه النسبة لم يمنعه ذلك من وصفه بأنه صاحب سنة، وهذا هو القدر الذي يهمنا في أصل الاستدلال.

وأما استدلاله بأثر مسعر بن كدام أن الإمام أحمد قال: "أرجو أن لا يكونوا مرجئة"، ولم يقل: "هو مرجئ" فهذا يدل على التفريق نفسه، فالرجل يقول قول أهل السنة في الإيمان إلا أنه خالف في الاستثناء، فهل جعله أحمد مرجئا مباشرة؟
لم يفعل، وإنما قال بصيغة الرجاء المتحفظة، وهذا يدل على أن الموافقة الجزئية لمقالة طائفة لا تستلزم بمجردها الانتساب إليها.

ومن أخطر ما في رده قوله: "من قال كذا فهو جهمي، وجهمي تساوي كافر"، وقوله: "مرجئ تساوي مبتدع، كقولك يهودي ونصراني تساوي كافر".

والرد عليه من وجهين:

الوجه الأول: عبارات السلف في التغليظ على الجهمية لها سياقاتها، وليس كل من وافق الجهمية في مسألة واحدة فهو جهمي من كل وجه؛ إذ لا يلزم من الاشتراك في وصف جزئي الاشتراك في جميع الأوصاف المقومة للماهية أو الطائفة.
فإذا قال السلف: "من قال كذا فهو جهمي"، فهذا يحتمل أن يكون حكما على المقالة بأنها من مقالات الجهمية، أو حكمًا على قائلها بحسب حاله بأنه دخل في مسمى الجهمية في هذا الباب بعينه؛ لكن لا يجوز نقل هذا إلى قاعدة كلية لم يقل بها أحد: "من وافق الجهمية في أي جزئية فهو جهمي، وجهمي تساوي كافر".

الوجه الثاني، وهو الفيصل في هذا القياس: قياسه مرجئ بـيهودي ونصراني قياس فاسد من أصله؛ لأن الكفر الذي يلزم من وصف يهودي أو نصراني قائم.على نصوص قطعية مجمع عليها في تكفير أصحاب هذين الوصفين، فلا يحتاج إطلاقهما إلى نظر أو تفصيل، أما لفظ مرجئ فهو وصف اجتهادي، لا نص قطعي فيه بالتكفير، بل ولا بالتبديع الشامل بذاته، وتندرج تحته صور متفاوتة الحكم، فقياس ما لا نص قطعي فيه ولا إجماع على ما اجتمعت الأمة على تكفير أصحابه: قياس مع الفارق المؤثر.

وأما قوله: "من قال كذا وكذا فهو مرجئ، والمرجئ مبتدع" فخطأ ظاهر؛ لأن مدلول مرجئ ليس واحدا في كلام جميع السلف، فألفاظ الأئمة ليست قوالب رياضية ثابتة لا تتغير دلالتها بالسياق.

الأثر الثاني: قلت: نقل ابن الجنيد عن يحيى بن معين في بيان اصطلاح أبي نعيم الفضل بن دكين: "إذا أثنى على رجل فقال: هو جيد، فهو شيعي، وإذا قال عنه: كان مرجئًا، فهو صاحب سنة لا بأس به". وهذا الأثر يدل على أن كون الرجل عند أبي نعيم فيه إرجاء لم يكن مانعا من إبقائه في دائرة صاحب السنة.

قال الخليفي: إن أبا نعيم شيعي معروف، وإنه يُطلق مرجئ على من قدم عثمان على علي.

والرد عليه: أثر أبي نعيم لا يصح إسقاطه بمجرد القول إن أبا نعيم كان شيعيا، ولا بمجرد حمله على نوع من الإرجاء غير مشهور، فالذهبي لم يفهم من كلمة مرجئ إلا المعنى العقدي المعروف، ولذا علق عليه بقوله: ( هذا قول دال على أن يحيى كان يميل الى الارجاء، وهو خير من القدر بكثير). [ميزان الاعتدال (٣/ ٣٤٩)].
ولا شك أن حمل كلام ابن معين على أن مقصوده بالمرجئ من وقع في الإرجاء أولى من حمله على أن ابن معين كان بميل إلى الإرجاء
ومع أن الذهبي يحتمل هذا الاحتمال إلا أنه لم يخرج ابن معين من دائرة أهل السنة.
وعلى كل حال لا يلزم من كلام ابن معين أن يكون مائلا إلى الإرجاء؛ إذ الكلام محتمل، وقد ذكر ابن الوزير احتمالًا آخر في تفسيره.
فقد استدرك في إيثار الحق ص 368  على الذهبي بقوله:( قلت وَهُوَ يحْتَمل ان ابْن معِين يَعْنِي أَن الْفضل كَانَ يُسَمِّي الرَّجَاء ارجاء تحاملا على أهل السّنة أَو عدم معرفَة بِالْفرقِ بَينهمَا كَمَا هُوَ عمل كثير من الْمُتَأَخِّرين)

الأثر الثالث: قلت: قال العجلي في الحكم بن عتيبة: "كان صاحب سنة وأتباع"، ثم قال: "وكان فيه تشيع". فهذا شاهد آخر على إمكان اجتماع وصف صاحب سنة مع إثبات مخالفة معينة في الشخص نفسه.

قال الخليفي: إن التشيع اليسير (تقديم علي على عثمان) كان شائعا في زمن الحكم بن عتيبة في الكوفة، فتُسومح معهم فيه.

والرد عليه: كون لتشيع مراتب صحيحا، لكن الذي لا يستطيع الخليفي دفعه أن العجلي جمع في ترجمة الرجل الواحد بين وصفه بصاحب السنة وإثبات التشيع فيه، وهذا هو أصل الاستدلال، وهو باق على التقديرين: فإن قال الخليفي: إن التشيع المذكور هنا كان مما يُتسامح فيه، أو لم يكن مانعا من إطلاق وصف السنة في ذلك السياق، فهذا لا يهدم الاستدلال، بل يثبت أن وصف صاحب سنة لا يستلزم انتفاء كل مخالفة أو نسبة عقدية عن المعين.
وإن قال: بل كان بدعة، لكنه من البدع الخفيفة، فقد أقر بأن وجود المخالفة البدعية لا يستلزم في كل صورة سلب وصف السنة عن المعين.

وأما قول الإمام أحمد: «هذا الآن شديد»، فلا يدل بمجرده على أن كل من قال بهذه المقالة يُبدّع عينا على كل حال، وإنما يدل على اشتداد حكم هذه المقالة في ذلك السياق، ولا يصح جعله ناقضا لأصل إمكان اجتماع وصف السنة مع وجود مخالفة معينة في المعين.

ومما سبق يتضح أنه ليس النزاع في أن كل مبتدع سني، ولا في أن كل بدعة لا تؤثر، وإنما النزاع في دعوى التلازم: هل كل من ثبتت فيه مخالفة بدعية لزمه أن يسلب عنه وصف صاحب سنة؟
والآثار المذكورة تدل على عدم هذا التلازم، فمن أراد نقضها فعليه أن يثبت أن المخالفات المذكورة لم تكن بدعا في حق أولئك الأعيان، أو أن وصف صاحب سنة في تلك النصوص لم يكن يراد به الوصف العقدي محل النزاع.
أما مجرد القول بأن البدع متفاوتة، أو أن الموافقة الجزئية لا تستلزم الانتساب إلى الطائفة، فلا ينقض أصل الدعوى.

فإن قيل: فهمنا هذا في موافقة فبعض مقالات بدعتي الإرجاء واتشيع القديم، فكيف بالموافقة في بعض مقالات الأشاعرة؟

قيل: مناط تبديع المعين ليس مجرد الوقوع في المخالفة، ولا في ظهور المخالفة أو عدم ظهورها؛ لأن الظهور وعدم الظهور أمر نسبي، وإنما في مناط تبديع المعين الذي ثبت له أصل السنة وينطلق فيما يظن أنه موافقة للكتاب والسنة لا خلافها لابد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهذا عام لم يقصره أحد من المحققين على المخففة دون المغلظة.
وابن تيمية نفسه طبّقها في مسألة إنكار صفة العجب في قصة القاضي شريح، فلم يُخرجه من الإمامة رغم أن إنكار الصفة من جنس ما تبنى عليه بدعة التعطيل المغلظة.
وطبق ابن تيمية هذه الآلية نفسها على ابن خزيمة رغم موافقته للجهمية في إرجاع الضمير إلى آدم في حديث الصورة، بل مع تنصيص الإمام أحمد وإسحاق على أن من أرجع الضمير إلى آدم فهو مبتدع، فلم يُخرجه شيخ الإسلام من زمرة أهل السنة

فالمعيار الحقيقي إذن ليس هل المسألة مغلظة أو مخففة؟ بمعزل عن كل اعتبار، مع أن غلظة المسألة نفسها ترفع سقف ما يقبل كعذر، فلا يُقبل فيها من ضروب التأويل ما يُقبل في غيرها مما هو أخف منها.

فإن قيل: هل تسوي في العذر بين إنكار العلو وعدم زيادة الإيمان ونقصانه؟
قيل: لا أسوي بينهما، فوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة، وتواترها، أعظم من وضوح مسألة الزيادة والنقصان، لكن ذلك لا يجعلنا نلغي الإعذار بالكلية، وإنما يجعل شروط العذر أضيق، فإنكار العلو عند متأخري الأشاعرة قائم على أصل كلامي وهو تقديم القواطع العقلية على ظواهر النصوص، وهذا الأصل بعينه هو علة التبديع المباشرة، لا مجرد النتيجة، لكن بقيد أن يعلم المعين أنه ينطلق منه.

فالذي غلظ فهمه على الخليفي وأتباعه أن تجويز اجتماع الوصفين في إرجاء الفقهاء لا يستلزم تجويزه بنفس السهولة في إنكار العلو، لا لتناقض في الأصل، وإنما لتفاوت تحقق الشروط والموانع المعتبرة بين البابين.

وقد تناقض الخليفي مع نفسه، فالموطن الذي ينقض فيه الخليفي أصل موقفه بيده، ولم يتنبه له: قوله في ختام كلامه : "ألفاظ التعديل منها ألفاظ تطلق ومنها ألفاظ تقيد... فقد يقول إنسان: فلان من فقهاء الحديث، يقصد أنه ليس من أهل الرأي، ولا يقصد تفكيك عقيدته"

والكلام يطول، وهناك ملحوظات أخرى على مقطعه الصوتي ...

كتب الدكتور أحمد محمد الصادق النجار 

الاثنين، 24 أغسطس 2026

إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة

إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة 


١- قال أبو داود السجستاني في ورقاء بن عمر: «صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء».

وهذا من أوضح الآثار؛ إذ جمع أبو داود في وصف واحد بين إثبات كونه صاحب سنة والإخبار عن وجود الإرجاء فيه. 

فوجود هذه المخالفة لم يمنع من أصل إطلاق وصف صاحب سنة، ولم يقل: ليس بسلفي بل هو مرجئ، أو ليس بسلفي لكنه كذا وكذا 


٢- وسئل الإمام أحمد عن ورقاء فقال: «ثقة، صاحب سنة»، فلما قيل له: «كان مرجئا؟» قال: «لا أدري».

فلم يُدفع الإمام أحمد إلى التراجع عن أصل وصفه بأنه صاحب سنة لما قيل له: كان مرجئا؛ وإنما توقف في ثبوت المخالفة نفسها. 


٣- نقل ابن الجنيد عن يحيى بن معين في بيان اصطلاح أبي نعيم الفضل بن دكين: «إذا أثنى على رجل فقال: هو جيد، فهو شيعي، وإذا قال عنه: كان مرجئا، فهو صاحب سنة لا بأس به».

وهذا الأثر يدل على أن كون الرجل عند أبي نعيم فيه إرجاء لم يكن مانعا من إبقائه في دائرة صاحب السنة. 


ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أن أبا نعيم يجعل إرجاء الفقهاء من السنة، وإنما المقصود أن وجود هذه المخالفة بعينها لم يكن قادحا عنده في إطلاق أصل وصف السنة على كل معين. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».

يعني وقع في الإرجاء ومع ذلك لا يعد المعين منهم إلا من أهل السنة

فهل أصبح ابن تيمية مميعا عندهم؟!!!

مع العلم أن ابن تيمية يبدع المرجئة كفرقة، فلا يكفي أن تكون فرقة المرجئة مبتدعة لأن ينزل التبديع على كل معين منتسب إليها.. 


٤- قال العجلي في الحكم بن عتيبة: «كان صاحب سنة وأتباع»، ثم قال: «وكان فيه تشيع».

فهذا شاهد آخر على إمكان اجتماع وصف صاحب سنة مع إثبات مخالفة معينة في الشخص نفسه، والتشيع هنا ليس هو الرفض. 


فهذه الآثار، بمجموعها، تقوي أن إطلاق صاحب سنة عند المتقدمين لم يكن لازما منه استجماع الموصوف لكل خصال السنة في جميع أبواب الاعتقاد بحيث تنتفي عنه كل مخالفة.

وليس المقصود من هذه الآثار تعميم الحكم على كل مخالف، وإنما المقصود إثبات أن وصف صاحب سنة عند المتقدمين لم يكن يستلزم دائما الانتفاء التام لكل مخالفة في كل معين، فالآثار حجة على أصل إمكان الجمع بين إطلاق صاحب سنة ووجود بدعة قي المعين، وليست حجة على التسوية بين جميع أنواع البدع في هذا الحكم ولا على كل معين. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار