حين تصبح الفتوى تحليلا سياسيا تفتقر إلى أدوات تحقيق المناط
التصريح بأن العمليات العسكرية التي تخوضها #السعودية في #اليمن إنما هي #حرب_بالوكالة عن أمرييكا. هو في حقيقته: خطاب سياسي مبني على توجيه إعلامي، لا صلة له بالاجتهاد الفقهي، يخدم في مآله المشروع الإيرااني الحووثي؛ إذ يلمع صورته، ويضفي شرعية على اعتدائه على بلاد أهل السنة، ومنها الحرمان الشريفان.
ومما يكشف هشاشة هذا التوصيف وتسرعه: أن المشهد الميداني نفسه أكثر تعقيدا وتضاربا مما تصوره السردية الجاهزة؛ فقد تناقلت وسائل الإعلام تعهدا حوثيا لأمريبكا بالكف عن استهداف سفنها في باب المندب، وهو خبر إن صح فإنه ينقض دعوى الوكالة.
وأنا هنا لا أسوق هذا الخبر دليلا قطعيا، وإنما أسوقه لأبين أن الواقع العسكري والسياسي أشد تركيبا وتقلبا من أن يختزل في توصيف واحد.
فليس الإشكال في تناول #الفتيا للواقع السياسي، وإنما الإشكال في غياب أدوات تحقيق المناط. ذلك أن إقحام #المؤسسات_الفقهية ومناصب #الإفتاء في تحليلات عسكرية، معتمدة في ذلك على متابعة الشاشات والقنوات المؤدلجة ومنصات التواصل الاجتماعي، يوقعها في إشكالات منهجية عميقة؛ إذ من المقررات الأصولية أن الفتوى تقوم على محورين اثنين: تكييف الحكم الشرعي (تنزيل النص)، وتحقيق المناط (فهم الواقع).
والإشكال في مثل هذه الفتاوى أن تحقيق المناط في القضايا العسكرية والنزاعات الإقليمية المعاصرة مناط مركب بالغ التعقيد، لا يقطع به أو يرجح فيه إلا بتوافر أدوات تخصصية: كالتقارير الميدانية، وموازين القوى، والمعلومات الموثقة. ..
أما الاعتماد على الخطاب الإعلامي الموجه والسرديات الدعائية، فلا يورث علما ولا ظنا راجحا، وإنما يبنى على شبهات وظنون فاسدة لا تصلح أساسا لبناء الأحكام الشرعية.
فحين يصدر الشيخ أو طالب العلم حكما على حرب بأنها وكالة لدولة ما، فإنه في الحقيقة يمارس عملية تحقيق مناط بغير أدواتها المؤهلة لذلك، فيتحول بذلك حكمه الفقهي إلى #رأي_سياسي يتدثر برداء الشريعة، ويصور للناس على أنه حكم قاطع تترتب عليه الجنة والنار، لا مجرد رأي اجتهادي قابل للنقاش والمراجعة.
!!!!!!!
إن إسباغ صفة الحكم الشرعي على تحليلات سياسية ظنية متغيرة هو من باب القول على الله بغير علم، ويترتب عليه مفسدتان شرعيتان:
الأولى: تضليل العامة، وخلط الثوابت الدينية بالمتغيرات السياسية.
الثانية: إقحام المؤسسات الإفتائية في الصراعات الدعائية، وتحويل الخطاب الديني إلى ورقة استقطاب وأداة من أدوات الحرب، مما يسقط هيبة الفتوى ومصداقيتها عند الناس.
وهنا يجب التذكير بأن الأصل الشرعي يوجب العدل والإنصاف، وعدم حمل الخصومات السياسية على إطلاق الأحكام، وتكييف الوقائع من غير بيّنة قطعية أو ظاهرة راجحة، لقوله تعالى: [وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ]
فوصف استراتيجية عسكرية لدولة كالسعودية بأنها حرب بالوكالة يستلزم أدلة إثبات قطعية أو ظنية راجحة، لا الاعتماد على السرديات الشائعة في الإعلام.
د. أحمد محمد الصادق النجار