الأربعاء، 26 مارس 2025

لم يصح عن أحد من الصحابة أنه أخرج في خصوص زكاة الفطر نقودا

 لم يصح عن أحد من الصحابة أنه أخرج في خصوص زكاة الفطر نقودا

لا من أقوالهم ولا من أفعالهم

وهذا مستفيض عنهم، فقد كان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقول:(كنا نخرج زكاة الفطر صاعامن طعام) وهو يحكيه عن جماعة الصحابة.... وقوله "كنا نفعل كذا" يفيد الاستمرار عليه
وهو الذي يقتضيه عملهم بالمنصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أخرجوها طعام
وقد رى نافع عن ابن عمر أنه كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر إلا مرة واحدة فإنه أخرج الشعير (الاستذكار ٩/٣٥٤)

وإذا رجعنا إلى كتب فقه الخلاف العالي التي تعنى بنقل ما روي عن الصحابة في الباب كالأوسط لابن المتذر والمغني لابن قدامة نجد أنها لا تحكي جواز إخراج القيمة عن أحد من الصحابة في خصوص زكاة الفطر..............
ولو ثبت ذلك عن الصحابة لاعتنى العلماء بحكايته فكيف وهو مخالف لما هو مشهور عنهم وما كان يصرح به بعضهم؟!!

بعضهم يروي عن عمر في غير زكاة الفطر، وهو لا أيضا لا يصح عنه..

وغاية ما يستمسك به من زعم أن الصحابة أو بعضهم يخرجون زكاة الفطر هو:
١- ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/398) حدثنا أبو أسامة، عن زهير، قال: سمعت أبا إسحاق، يقول: أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام. 

ومن المعلوم أن أبا إسحاق السبيعي لم يدرك أبا بكر الصديق ولا معاذ بن جبل ولا عمر بن الخطاب ولم يسمع من ابن مسعود ولا من أبي الدرداء ولا من عثمان بن عفان ولا من علي بن أبي طالب وإن كان قد رآه ولم تصح له رؤية أنس بن مالك  ولم يسمع من ابن عمر ولا من سراقة بن مالك ...

فعندما يقول "أدركتهم" لا ينصرف إلى صغار الصحابة فضلا عن كبارهم
وإنما ينصرف إلى من دونهم من أهل الكوفة، فقد كان السبيعي من جلة التابعين في الكوفة، ومن المعلوم ان علماء أهل الكوفة ليسوا متفقين على ذلك...

ثم إن أبا إسحاق يحكي فعلا أدركهم عليه، والفعل محتمل، فيحتمل أنهم يجوزونها نقدا مطلقا ويحتمل أنهم يجوزونها نقدا حال الحاجة والمصلحة، ويحتمل أنه فعل مستمر لهم ويحتمل أنه عرضي استثنائي...

٢- ما ثبت في الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه انه قال:( أرى نصف صاع من حنطة يل صاعا من تمر)
قالوا: راعى القيمة...

والجواب: أنه لو كان إخراج القيمة عنده معتبرا لجوز دفع القيمة مع وجودها أو لأخرج بنفسه القيمة، وهذا لم يحدث، فكونه رضي الله عنه نظر إلى القيمة لا يعني ذلك أنه يُجَوِّز إخراجها بدلا عن الطعام...

تنبيه بعضهم يزعم أن للإمام أحمد رواية بإخراج القيمة في زكاة الفطر
وهذا غير صحيح، فالرواية عن أحمد بجواز إخراج القيمة هي فيما عدا زكاة الفطر كما ذكر ذلك ابن قدامة في المغني (٤/٢٩٥)
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإمام أحمد جوزه في مواطن الحاجة.

وهنا شبهة أختم بها وهي
النقود كانت قليلة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولذا لم يعلق عليها الحكم،
والناس يحتاجون إلى اللباس ونحوه فدفع النقود لهم أنفع....

والجواب: النقود كانت موجودة ومنتشرة ويتعامل بها الصحابة، فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أجد الصحابة دينارا ليشتري شاة...
ولا يشترط في اعتبارها في الأحكام الشرعية أن توجد في كل بيت من بيوت الصحابة...

وأما حاجة الناس إلى اللباس فهذا في كل وقت وليس خاصا بعصرنا
فقد كان الصحابة يحتاجون إلى ما يغطي بعض أبدانهم العارية ومع ذلك لم يشرع اللباس ولا النقود ليشتروا ألبسة....
فزكاة الفطر ليس المقصود منها إغناء الناس مطلقا حتى يشتروا ألبسة ويسددوا ديونهم ووو
ولو كان هذا مقصودا لكان مقدارها أعلى من الصاع، وإنما المقصود إغناؤهم عن سؤال الطعام يوم العيد، فهو إغناء خاص...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأحد، 23 مارس 2025

نقل #زكاة_الفطر إلى أهل غ ز ة

نقل #زكاة_الفطر إلى أهل غ ز ة

الأصل في زكاة الفطر أن تُخرَج في بلد المزكي؛ لأنها وجبت في البلد الذي يقيم فيه المزكي، ولأجل أن يغني أهل كل بلد فقراءهم...
ولا تنقل إلى بلد آخر إلا إذا كانت المصلحة راجحة أو الحاجة أشد...

فنقلها إلى أهل غ زة يجوز إذا تُحقق من وصولها في وقتها ولمستحقيها... ولا نقول يجب على كل مسلم وجبت عليه زكاة الفطر..

وله صورتان:
الأولى: أن يشتري المزكي في بلده طعاما ثم ينقله إلى أهل غ زة ، وهذه واضحة ولا إشكال فيها...

الثانية: أن يعطي جهة موثوقة مالا ثم يوكلها بشراء صاع من الطعام في غ زة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها صاعا من طعام...
ومن المعلوم أن قيمة الصاع من الأرز مثلا تختلف من بلد إلى بلد،

فهل العبرة ببلد المزكي أو ببلد الفقير إن كان ببلد الفقير أغلى؟

أولا: المعتبر في زكاة الفطر: الصاع من الطعام لا القيمة.....

ثانيا: يجب أن يصل إلى يدي الفقير صاعا من الطعام في بلده ولو كانت قيمته أضعافا مضاعفة بالنسبة لبلد المزكي...لأن المقصود إغناء الفقير بإعطائه صاعا فمن أعطاه أقل من صاع لم يحقق مقصود الشارع، ولأن العبرة بالصاع في بلد الفقير إن كان أغلى..
بمعنى أنه يجب أن يرسل من النقود ما يكفي لشراء صاع في غ زة ولو كانت قيمته أكثر من قيمته في ليبيا مثلا
المهم أن يصل إلى الفقير صاعا...ولا يكفي أن يرسل ثمانية دنانير إذا كان الصاع في غ زة يساوي مائة دينار
...

فالذي في ذمة المزكي هو الصاع وليست قيمة الصاعة، وهو مذهب جمهور العلماء
فالعدول من الصاع إلى القيمة: عدول عن الأصل وما حده الشارع..

وقد ذكر الباجي في المنتقى عن ابن حبيب مِن المالكية قوله: "إنْ كان الطعام ببلد الإخراج أرخصَ اشترى بثمن الطعام الواجب عليه ببلد الصيد طعامًا فأخرجه، فإنْ كان ببلد الإخراج أغلى أخرج المَكِيْلة الواجبة عليه".

وليس الأصل هو القيمة حتى نقول بأنه يخرجها بحسب بلد المزكي التي حصل فيها سبب الوجوب..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/03/blog-post_23.html


السبت، 22 مارس 2025

شبهة #لحم_الإبل لو كان ناقضا لانتشر؛ لأنه مما تعم به البلوى

 


من عدم الفقه الاحتحاج على عدم نقض الوضوء بلحم الأبل
بأنه لو ثبت كونه ناقضا لانتشر وشاع كما شاع نقض الوضوء بالخارج المعتاد من السبيلين كالبول
لأنه لا يكاد يخلو بيت من لحم الأبل... !!!!!!!!!

وقد وصف ابن حزم هذا النوع من الاحتجاج في هذا السياق بأنه حماقة...

أقول: هذا الاحتجاج الضعيف مردود بأمور:

أولا: أن الصحابة لم يشترطوا في الناقض حتى يكون ناقضا أن ينتشر دليله ويشتهر، وإنما كانوا يقبلون أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى ولو لم تشتهر.. وهو مذهب جمهور الأصوليين..

ثانيا: ما انتشر واشتهر عند الصحابة لا يلزم منه أن يشتهر نقله ويشيع...

ثالثا: قد انتشر واشتهر عند الصحابة أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء ...
فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:(كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم )

فقوله "كنا" يعود إلى الجماعة من الصحابة؛ مما يدل على أنه منتشر بينهم وجوب الوضوء من لحم الإبل...
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة أنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل فقد غلط عليهم إنما توهم ذلك لما نقل عنهم أنهم لم يكونوا يتوضؤون مما مست النار وإنما المراد أن كل ما مست النار ليس سببا عندهم لوجوب الوضوء والذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضؤ من لحوم الإبل ليس سببه مس النار)

قال الخطابي في معالم السنن:(ذهب عامة أصحاب الحديث إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الإبل)

رابعا: لا يصح قياس أكل لحم الإبل على الخارج المعتاد كالبول،؛ لأن البول أمر لا ينفك عن الإنسان ويوجد في اليوم من الإنسان أكثر من مرة
بينما لحم الإبل لم يكن يأكله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة كل يوم، بل كان آل محمد يمر عليهم الشهر والشهران ولا يوقد في بيوتهم نار ولا يوجد فيها إلا التمر والماء...
فكيف يقال: لا يخلو منه بيت؟!!! وكيف يقال: لو ثبت كونه ناقضا لانتشر وشاع كما شاع نقض الوضوء بالخارج المعتاد من السبيلين ؟!!!

فأكل لحم الإبل ليس أمرا يتكرر وقوعه كل يوم كالخارج المعتاد من السبيلين..

أخيرا
قال ابن حزم عن قولهم: هذا مما تعظم به البلوى:(وَهَذَا حَمَاقَةٌ , وَقَدْ غَابَ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم الْغُسْلُ مِنْ الْإِيلَاجِ الَّذِي لَا إنْزَالَ مَعَهُ , وَهُوَ مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى , وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ الْوُضُوءَ مِنْ الرُّعَافِ وَهُوَ مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَرَأَى الْوُضُوءَ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ مِنْ الْقَلْسِ وَلَمْ يَرَهُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ , وَهَذَا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى , وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُ , وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ جِدًّا , وَمِثْلُ هَذَا مِنْ التَّخْلِيطِ لَا يُعَارِضُ بِهِ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا مَخْذُولٌ )

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 20 مارس 2025

مدارسة أصولية فقهية حكم #الوضوء_من_أكل_لحم_الإبل

[الخلاصة: ينقض الوضوء على الراجح]

عن جابر بن سمرة، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ» قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من #لحوم_الإبل» قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم» قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» أخرجه مسلم


المعنى الذي راعاه السائل في السؤال هو نقض الوضوء, لا مطلق الوضوء, 

وقرنه الوضوء بالصلاة في سياق واحد يؤكد أن سؤاله كان عن الوضوء الشرعي لا الوضوء اللغوي. 


هاتان المقدمتان تقتضيان أو توجبان

وجوب الوضوء من أكل لحم الأبل

وتمنعان من حمل الأمر بالوضوء على الاستحباب أو على غسل اليدين والمضمضمة...

والخطاب الموجه للواحد موجه للأمة إلا بدليل...


بمعنى أن السائل لم يسأل عن مجرد الوضوء؛ حتى يحمل على الاستحباب, أو على غسل اليدين, وإنما محل سؤاله عن نقض الوضوء, وما كان ناقضاً للوضوء وجب الوضوء منه, ولذا جاء الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم بالتخيير في لحم الغنم والأمر بالوضوء في لحم الإبل؛ مما يدل على أن الأمر بالوضوء في لحم الإبل ليس لمجرد الإذن بل للطلب الجازم.


والفرق في الحديث بين لحم الإبل ولحم #الغنم لا يثبت إلا بإيجاب الوضوء في لحم الإبل ونفي الإيجاب في لحم الغنم...


فنفي الإيجاب في لحم الغنم يقتضي الإيجاب في لحم الإبل.


واختصاص لحم الإبل بالنقض من بين المأكولات هو من باب الخروج بالمسألة عن نظائرها لمقتضي الدليل الخاص.


وليست العلة أنه مسته النار؛ بدليل التفريق في الحديث بين لحم الغنم ولحم الإبل, وقد مستهما النار, وإنما لحم الإبل ينقض الوضوء لكونه لحم الإبل، لا لكونه مسته النار, وهذا يقتضي نقضه للوضوء سواء أُكل نيئا أو مطبوخا, 


وكونه يقتضي وجوب الوضوء سواء كان نيئا أو مطبوخا يمنع من كون وجوب الوضوء منسوخا, والمعنى الذي أوجب الوضوء منه نيئا يدل على أن العلة ليست هي مس النار. 

وهل العلة تعبدية أو معقولة المعنى؟ قولان...


وعليه فلا يَرِد القول بالنسخ؛ استدلالا بقول جابر رضي الله عنه: " «كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار» " رواه أبو داود وغيره.

ولأنه ليس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما يحكي جابر ما رآه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في واقعة معينة, لا في عموم أحواله صلى الله عليه وسلم, ومحلها لحم الغنم, قال النووي: (رواه أبو داود وغيره عن جابر قال (ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى امرأة من الأنصار فقربت شاة مصلية, (أي مشوية) فأكل وأكلنا فحانت الظهر فتوضأ ثم صلى ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل ثم حانت صلاة العصر فصلى ولم يتوضأ) قالوا فقوله آخر الأمرين يريد هذه القضية وأن الصلاة الثانية هي آخر الأمرين يعني آخر الأمرين من الصلاتين لا مطلقا: وممن قال هذا التأويل أبو داود السجستاني) المجموع شرح المهذب (2/ 58)


 ومن نقل عن الصحابة أنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل فقد غلط عليهم وخلط بين مسألة نقض الوضوء من أكل لحم الإبل ومسألة عدم الوضوء مما مست النار.


إلا أن #الجمهور حملوا التفريق بين لحم الغنم ولحم الإبل على وجود دسومة في لحم الإبل دون لحم الغنم, فناسب ذلك أن يتوضأ من لحم الإبل إما على جهة الاستحباب أو على جهة حمل الوضوء على غسل اليدين والفم...


ويجاب عن ذلك بأن وجود الدسم ليس موجبا للوضوء في الشريعة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب لبنا فمضمض وقال: إن له دسما» ", 

وكون الإبل فيها زيادة دسومة لا يلزم ذلك اختصاصها بنقض الوضوء.


سؤال: من قال من الأئمة بنقض الوضوء من أكل لحم الإبل؟


القول بنقض الوضوء من لحم الإبل: حكاه الماوردي عن جماعة من الصحابة: زيد بن ثابت وابن عمر وأبي موسى وأبي طلحة وأبي هريرة وعائشة, وحكاه ابن المنذر عن جابر بن سمرة الصحابي ومحمد بن إسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة واختاره أبو بكر بن خزيمة وابن المنذر 

وهو: مذهب الشافعي في القديم رجحه البيهقي والنووي, وهو مذهب أحمد, خلافا للجمهور [انظر: المجموع شرح المهذب (2/ 57)]


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 17 مارس 2025

مسألة عدم نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذا إذا وجد السبب وانتفى المانع

 مسألة عدم نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذا إذا وجد السبب وانتفى المانع 


لها صورتان:

الأولى: أن يدل على ثبوت الفعل دليل عام أو خاص

الثانية: ألا يدل على ثبوت الفعل دليل عام ولا خاص 


فإن لم يدل على ثبوت الفعل دليل أصلا كان عدم النقل الذي توفر داعيه ولا مانع دليلا على عدم وقوع الفعل منه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تكفل بحفظ دينه، فلو كان قد فعل لنقل... 

كالاستغاثة بالقبور أو زيادة صلاة سادسة


وأما إذا دل دليل خاص على ثبوت الفعل كمداومته على فعل ما في كل أحواله في الحضر كراتبة العشاء 

فلا نحتاج في ثبوت مشروعية الفعل إلى نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله؛ لثبوت مشروعيته بدليل، فلا يكون عدم نقل فعله من السنة التركية، ولأن عدم نقله لا يدل على عدم الوقوع...


تبقى مسألة حيرت العقول وهي إذا دل دليل عام على ثبوت الفعل فهل عدم نقل الفعل إذا وجد الداعي ولا مانع يدل على المنع؟ وهل ينزل منزلة عدم وجود دليل؟


الذي ذهب إليه ابن العربي المالكي أنه عدم دليل معين وينظر في الأدلة الأخرى حيث قال:(...وتحقيقه أنه عدم دليل لا وجود دليل. فإن قيل: لو أخذها- أي زكاة الخضروات- لنقل. قلنا: وأي حاجة إلى نقله والقرآن يكفي فيه)

فابن العربي تمسك بالدليل العام ولم يجعل عدم النقل دليلا على عدم وجود دليل. 


وذهب ابن القيم إلى أنه ينزل منزلة نقل الترك لكن في سياق كلامه على الابتداع في الدين، فلاحظ في إنزاله عدم النقل منزلة العلم بالترك: سد باب البدعة.. 


ولم يقصد المنع من إجراء العموم القولي على عمومه على كل حال، وإنما اعتبر في الأخذ بعدم النقل إلى قوة القرينة، فمتى قويت القرينة على رفع عدم النقل إلى العلم بالترك، كان ذلك مانعا من العمل بموجب الدليل العام...


وتقوى القرينة في الأمور التشريعية التعبدية التي لا يعقل معناها... فمن قصد تخصيص العام لغير معنى مناسب من غير أن يمنع منه دليل خاص أو الزيادة والنقصان على صفة المشروع استنادا على عموم...فهنا فتح باب البدعة على مصراعيه... ومن جاء إلى عبادة مخصوصة بصفتها وهيئتها وعددها فزاد عليها أمرا استنادا على عموم فقد وقع في الابتداع


وكذلك تقوى القرينة في الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها، والتي تعم بها البلوى... فعدم النقل فيها دليل على قصد الترك.... وإن كانت تناولها الإطلاق أو كانت إحدى جزئيات العام... 


فمثلا الأذان في العيدين هو زيادة على الصفة المشروعة في العيدين، وتحتاج الأمة إلى معرفتها، فلو كان من الدين لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولنقل إلينا...


وكذلك الاجتماع على الذكر بصوت واحد فهذه الهيئة وإن تناولتها إطلاق النصوص الآمرة بالذكر إلا أن عدم النقل يدل على المنع؛ لأن الأمة محتاجة إلى بيان هذه الهيئة فعدم بيانها مع الحاجة إليها وتوفر الهمم على نقلها لو فعلت دليل على أنها ليست مقصودة للشارع وأن فعلها بدعة. 


ومتى لم تقو القرينة لم يكن عدم النقل مانعا من العمل بموجب الدليل العام... 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 14 مارس 2025

هل عدم النقل يدل على عدم الوقوع مطلقا؟

 يستشكل بعض الإخوة

فيقول مادام أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة أنهم صلوها مع توفر الداعي على النقل لو وجد فهذا يدل على عدم مشروعية #راتبة_العشاء قبل صلاة التراويح

وجوابي:

حتى أوضح لك الصورة وأزيل عنك الإشكال خذ هذا المثال:

لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة أنهم كانوا يصلون سنة الفجر في السفينة فهل يدل ذلك على عدم مشروعية صلاتها في السفينة؟!!! وهل عدم النقل يدل على أن مشروعية صلاة سنة الفجر مقيد بألا يكون في السفينة؟!!!!!

الجواب لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لا يترك سنة الفجر في سفر ولا حضر كان هذا دليلا خاصا على مشروعية الفعل
وخصوص المكان لا أثر له؛ لأنه ليس مقصودا لذاته ولا اعتقد فيه الفاعل فضلا خاصا
فلم نحتج بعد ذلك في بيان مشروعية صلاتها في السفينة إلى نقل؛ لعدم توقف مشروعيتها على نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة صلوها في السفينة .......
وعدم النقل هنا لا يدل على عدم الوقوع فضلا عن أن يدل على كراهة الفعل؛ لأنه عندنا دليل خاص نستصحبه....

فلا يأتي أحد ويقول: لا تشرع وتكره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو فعلها لنقلت عنه، وأن صلاتها لم تكن معهودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة...!!!!

(هذا مش فاهم متى نحتج بعدم النقل؟ ولا يمكن أن يكون فقيها يحسن الاستدلال)

لماذا لا يصح الاستدلال بعدم النقل على عدم الحكم؟

لأن الحكم لا يتوقف على وجود النقل، فالعلم بمشروعية صلاة راتبة العشاء لا يتوقف على العلم بالنقل؛ لورود دليل خاص على مشروعيتها، وكون التراويح بعدها ليس رافعا لدلالة الدليل على مشروعيتها.....
فالمدلول هنا وجوده ليس مستلزما لوجود دليله، بحيث يكون انتفاء دليله دليلا على انتفاء وجوده..( انتبه لهذا حتى تفهم متى يكون عدم النقل دليلا على عدم المشروعية)

متى يكون عدم النقل دليل على عدم الوقوع؟

إذا كان علمنا بالوقوع يتوقف على علمنا بالنقل...بحيث لم يدل على مشروعية الفعل دليل شرعي خاص...

بمعنى صلاة راتبة العشاء قبل التراويح وصلاة سنة الفجر في السفينة لا يتوقف مشروعيتها على أن ينقل فعلهما عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لوجود دليل على مشروعية الفعل وقرينة المداومة
فيكفي استصحاب ذلك...

ولأنه يمكن أن يكون قد صلاها ونحن لم نعلم،
ومتى أمكن العلم بوجود الصلاة وأمكن ألا نعلم نحن دليل ثبوتها
لم يكن عدم علمنا بالنقل دليلا على عدم المشروعية

ثم إن الذين يقولون بأنه لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة
صوروا للناس أن صلاة قيام الليل عند السلف في رمضان كصلاتنا نحن، عندما نصليها بعد العشاء مباشرة...!!!!
بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى العشاء دخل إلى بيته حتى في رمضان وفي الليالي المعدودة التي صلاها بالناس
فلم ينقلوا عنه صلاة الراتبة لأنه خرج إليهم بعد أن كان في بيته.... فعدم النقل كان لمانع...
وكذلك الصحابة فالظاهر من صنيعهم أنهم لم يكونوا يصلونها بعد العشاء مباشرة كما نفعل اليوم...

وقد أحسن أحد المشايخ لما استدل على وجود فاصل بين العشاء وصلاة القيام
برواية في الموطأ أنهم كانوا يستعجلون الخدم بالسحور خشية طلوع الفجر من القيام...

بقي أن يقال: ألا يشكل هذا في باب البدع الإضافية كالذكر المقيد بين ركعات التراويح؟

قيل: لا يشكل؛ لأن الذين قالوا بجوازها ليس لهم دليل خاص على مشروعية الفعل، فالنص الشرعي إنما دل على الذكر من حيث هو ذكر وبأي هيئة كانت
فمن قصد تخصيص الذكر بهيئة معينة، أو اعتقد فضل هذه الهيئة بخصوصها
فهنا قد خرج من إطلاق النص إلى تقييده، وزاد قدرا لم يدل عليه إطلاق النص الشرعي.... فيكون قد وقع في الابتداع
وصح الاستدلال على عدم المشروعية. بعدم النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ...

كتب  د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 12 مارس 2025

#راتبة_العشاء_قبل_التراويح

#راتبة_العشاء_قبل_التراويح ... #المالكية_الجدد الذين لا خبرة لهم بالمذهب..

يستدل أحدهم على عدم صلاة راتبة العشاء قبل صلاة التراويح بأنه لم يثبت دليل جزئي خاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة كانوا يصلونها, وأن من ذهب إلى مشروعيتها استدل بدليل عام, والخاص يقضى على العام.!!!!

تعجب والله أمثل هذا ينعت بأنه فقيه؟!!, بل ويصدر على أنه فقيه مالكي!!!!

كما يلاحظ القارئ الكريم أنه جعل المسألة من باب العموم والخصوص, وجعل عدم ورود دليل خاص على الفعل قاضيا على عموم أحاديث الرواتب!!!,
فأنزل عدم ورود دليل خاص منزلة وجود استثناء صورة من لفظ عام!!!! .... ومن المعلوم أن تخصيص العموم يكون بالمنافي الوجودي...
بمعنى لو ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ فيه استثناء صلاة راتبة العشاء قبل صلاة التراويح من العموم، أو فعل...
لصح تجوزا أن يقال: الخاص يقضي على العام, لكنه لم يرد في ذلك شيء فيبقى العموم على عمومه... والعموم عمومه استغراقي....

وهنا نسأل
هل عدم ورد دليل جزئي خاص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصليها = يكفي للقول بعدم مشروعيتها؟

والجواب الذي يجيب به الفقيه: لا؛ لأن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بعد العشاء ركعتين غير قيام الليل ولم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركهما في الحضر, بل لما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر, ومداومته عليهما يكفي في إثبات أنه كان يصليهما صلى الله عليه وسلم قبل صلاة التراويح...وكذا الصحابة, 
وخرج مسلم من حديث عبد الله بن شقيق، عن عائشة، أن النبي، كان يصلي في بيتها بعد العشاء ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر.

فمشروعيتهما قبل صلاة التراويح قائمة على الاستصحاب؛ حتى يأتي ناقل, ولا ناقل...
وقد ثبت في صحيح مسلم (1/ 502)  قالت أم حبيبة،: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بني له بهن بيت في الجنة»
قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال عنبسة: «فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة»، وقال عمرو بن أوس: «ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة» وقال النعمان بن سالم: «ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس»
فكانوا يداومنون عليها....

وأما #المالكية فلم يمنعوا من صلاة ركعتين بعد صلاة العشاء, ولا استدلوا بقضاء الخاص على العام؛ لعدم الورود  كما زعم...
وإنما يرون أنه يستغنى عنها بالشفع عند من يرى أن الشفع ليس للصحة؛ بناء على أنه ليس للنفل التابع للفرائض نية تعيين إلا سنة الفجر,
ويرده أن النبي صلى الله عليه وسلم غاير بين النفل بعد العشاء وقيام الليل, فقد كان يخص العشاء بركعتين ثم يصلي قيام اليل ويوتر...

والذي غفل عنه الفقيه !!! أن الذي يصح أن يستدل على عدم مشروعيته بعدم ورود دليل خاص هو #التسبيح_بين_ركعات_التراويح؛ لأن إطلاق الذكر الوارد في النصوص الشرعية لا يدل على مشروعية الفعل المقيد بخصوصه, فجاء الابتداع من جهة قصد التخصيص أو اعتقاد الفضل والاستحباب للهيئة المخصوصة... كما بينت ذلك في منشورات مستقلة...

تنبيه
كلامي هنا عن الاستدلال، لا عن مسالة راتبة العشاء
فالخلاف فيها معتبر، وينبغي للإمام أن يترك وقتا لصلاتها ولو كان على مذهب المالكية..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/03/blog-post_12.html