...سألني أحد الإخوة: هل توافق الشيخ #فركوس في مسألة #الإنكار_العلني_على_الحاكم حال غيبته؟
والجواب:
سبق أن قررنا أن محل المنع المطلق في هذه المسألة هو تسمية الحاكم والطعن فيه علنًا حال غيبته، فهذا هو مناط النزاع الذي تدور عليه عامة النصوص والآثار.
ووجه المنع أن تسمية الحاكم مع توجيه الخطاب إليه في غيبته والطعن فيه هي في الغالب وسيلة مفضية إلى مفاسد راجحة، من أعظمها إضعاف أصل السمع والطاعة، وإثارة العامة، وفتح أبواب التهييج والفوضى، وما يترتب على ذلك من اضطراب الجماعة واختلال نظامها، وهي مقاصد جاءت الشريعة بحفظها.
كما أن أكثر صور الإنكار العلني المعاصرة لا تنفك عن نوع من الطعن، صريحًا كان أو ضمنيا
لكن يبقى سؤال آخر:
ما حكم مجرد الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم المجردة عن الطعن حال غيبته؟
الذي يظهر لي أن هذه الصورة أخف من الصورة الأولى بلا ريب، وهذه الصورة - فيما أفهم - هي التي يجوّزها الشيخ فركوس ومن وافقه، تقريرهم أصل السمع والطاعة، وتحريم الخروج بإطلاق، واعتبارهم بقاعدة سد الذرائع.
ومن هنا يتبين أن محل الخلاف ليس في منع الإنكار العلني حال الغيبية المفضي إلى الطعن.
إلا أن الأقرب عندي - من جهة تقرير الحكم العام - هو بقاء المنع في صورة الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم المجردة حال غيبته كحكم عام؛ لأن الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم حال غيبته هو الوصف الظاهر الذي يجتمع تحته المفضي إلى الطعن وغيره، ويتعذر ضبط الفارق بينهما، فلذلك أُلحق الجنس كله بالأصل في مقام التقعيد العام
ووجه هذا الإلحاق أن النصوص إنما راعت أصل حفظ الجماعة ومنع أسباب الفتنة، وهذا هو المعنى المناسب الذي دل استقراء الشريعة على اعتباره، وهو مناسب ملائم لتصرفات الشارع في هذا الباب، إلا أن تحقق هذا المعنى في الوقائع الجزئية أمر يتعذر ضبطه قبل وقوعه من جهتين:
الجهة الأولى: تعذر معرفة تحقق المعنى المناسب في نفس المتكلم الواحد؛ فقد يظن المتكلم أن كلامه مجرد من الطعن وليس كذلك.
الجهة الثانية: تعذر تمييز صورة التسمية المجردة عن الإفضاء إلى إثارة الفتنة عن صورة التسمية المقترنة بالطعن الضمني.
ولما تعذّر ضبطه واقعًا وتمييزه عمليًا علق الحكم في مقام التقعيد العام على أقرب وصف ظاهر يمكن ضبطه، وهو التسمية في مقام الإنكار العلني حال الغيبة.
فالمقصد الشرعي: حفظ الجماعة ومنع الفتنة،
والمعنى المناسب: ما يفضي إلى إضعاف السمع والطاعة وإثارة الفتنة،
وسبب تعليق الحكم بالتسمية في مقام التقعيد: تعذر ضبط تحقق تلك العلة الحقيقية في الوقائع الجزئية، فعلق الحكم بالوصف الظاهر المنضبط.
وهذا الوجه من الإلحاق عند تعذر الضبط ليس مجرد اعتبار مصلحي عام، وإنما هو تطبيق لقاعدة أصولية مقررة حكى الآمدي في الإحكام الإجماع على أصل تعليق الأحكام بالأوصاف الظاهرة عند خفاء المعاني المناسبة أو تعذر ضبطها.
ونظير ذلك من وجه تحريم الخلوة بالأجنبية..
فلو سأل سائل: ما حكم الخلوة بأجنبية لو فُرض جدلًا أنها خلت من كل إفضاء إلى محرم؟
فالجواب: المنع أيضًا؛ لأمرين: أحدهما أن هذا الفرض لا يملك أحد أن يجزم بتحققه في نفسه فضلًا عن غيره، فيبقى مجرد افتراض ذهني لا واقعة يُبنى عليها حكم؛ والآخر أنه لو سُلِّم تحققه في نفس الأمر لتعذر إثباته وتمييزه عن غيره في مقام لا يُطَّلع فيه على البواطن.
ومناط الإلحاق في مسألة تسمية الحاكم، على التحقيق، هو اجتماع الجهتين: تعذر معرفة انتفاء العلة في نفس المتكلم، وتعذر تمييز صورة كلامه عن الصورة الممنوعة في الخطاب الموجَّه للعموم. وهذا وجه من وجوه سد الذرائع ...
فالتسمية المجردة عن الطعن، وإن لم تدخل في مدلول النصوص الصريح، فإنها ملحقة بحكم الأصل الكلي عن طريق قاعدة سد الذرائع؛ لتعذر ضبط تحقق العلة الحقيقية فيها من الجهتين المتقدمتين معًا.
وبناءً عليه، فإن الحكم العام لتسمية الحاكم في الإنكار هو المنع، ويبقى هو الأصل المقرَّر إجمالًا والمفتى به الموجَّه للعموم؛ لأن الحكم - كما تقدم - معلَّق بالسبب الظاهر .
ومع ذلك فالصورة المجردة من الطعن أخف حكمًا من الصورة المقترنة بالطعن؛ لأن إفضاءها إلى المفسدة المنصوص عليها أقل من إفضاء الإنكار بالتسمية مع الطعن.
وغاية ما استدل به الشيخ فركوس ومن وافقه هو عدد محدود من الوقائع التي وقع فيها ذكر اسم الوالي دون قصد للطعن أو التحريض،
وهذه الوقائع أكثرها ليس من باب الإنكار على الحاكم أصلاً، بل من باب الفتوى وبيان الاجتهاد الفقهي
وأما ما يُسلَّم فيه بانتفاء الطعن مع الاعتراض على تصرف الحاكم بعينه فيبقى الخلاف مع الشيخ فيه قائمًا في أثر هذا التحقق العيني على الحكم العام: هل يصح البناء على وقائع فردية - وإن سُلِّم بتحقق مناطها فيها - لتقرير حكم عام يُفتى به للناس كافة؟
والأقرب أنه لا يصح؛ لأن تحقق المناط في عين واحدة معلومة الملابسات لا يستلزم إمكان ضبط هذا التحقق في مقام التقعيد العام الذي لا يملك فيه المفتي معرفة ملابسات كل متكلم وقرائن حاله.
وعليه؛ فإن هذه الوقائع - على فرض صحة الاستدلال بها - غايتها أن تكون مستثناة من الأصل في حدودها، ولا يجوز أن تتحول إلى أصل يقاس عليه، وإلا انقلب الاستثناء أصلًا، والأصل استثناء، وهو قلب لمقتضى الاستدلال.
ولو كانت التسمية العلنية المجردة هي الهدي الغالب عند السلف، لما احتاج الباحث إلى تتبع أفرادها من بطون الكتب، ولظهرت ظهورًا يغني عن هذا الاستقراء؛ فلما لم يوجد إلا عدد محدود من الوقائع، مع إمكان المنازعة في دخول أكثرها في محل النزاع أصلًا، كان ذلك مؤيدًا للأصل العام، لا ناقضًا له.
مناقشة الآثار المستدل بها
بعد التأمل يظهر أن الآثار التي استدل بها الشيخ فركوس وأمثاله في خصوص التسمية تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: آثار لا يتحقق فيها مناط النزاع أصلًا
أولًا: أثر أبي سعيد الخدري مع معاوية رضي الله عنهما في زكاة الفطر، إذ لما قال معاوية: "إني أرى أن مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر"، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: "فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، أبدًا ما عشت".
فهذا ليس إنكارًا على السلطان في منكر، وإنما هو إظهار لاجتهاد فقهي في مسألة خلافية، فلا يصح جعله أصلًا في باب الإنكار العلني على الحاكم.
ثانيًا: موقف ابن عمر رضي الله عنهما من أمر خالد بن الوليد بقتل الأسرى الذين قالوا "صبأنا" ولم يقولوا "أسلمنا"، إذ أقسم ابن عمر ألا يقتل أسيره ولا يقتله أحد من أصحابه.
فهذا امتناع عن تنفيذ أمر رآه مخالفًا للشرع من أمير الجيش وليس من الحاكم، وليس فيه خطاب جماهيري تحريضي يُقصد به الإنكار العلني على الحاكم.
ثالثًا: إنكار ابن مسعود على عثمان رضي الله عنهما في إتمام الصلاة بمنى، إذ صلى معه أربعًا وقال: "الخلاف شر"، فدل على أن مقصوده بيان السنة لا إثارة الناس على الإمام. كما أن صدور التسمية لم تكن من ابن مسعود، ولا كانت خطابًا عامًا في غيبة الإمام.
رابعًا: إنكار علي رضي الله عنه على عثمان في مسألة التمتع بالحج والعمرة، بقوله: "ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد"، وهو تمسك بما يراه سنة ثابتة في مسألة اجتهادية، لا خطاب جماهيري هادف إلى إسقاط هيبة الإمام.
خامسًا: تعليق ابن عباس رضي الله عنهما على تحريق علي للمرتدين، وقول علي بعدها: "صدق ابن عباس"، وهو بيان اجتهاد فقهي بعد وقوع الحادثة، لا دعوة عامة ولا تحريض على الإمام.
القسم الثاني: أثر داخل في محل النزاع، لكنه قاصر عن التعميم
وأعني قصة عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر مع مروان ومعاوية، فهي أقوى ما يُستدل به في الباب.
فهذا الأثر - على فرض صحة الاستدلال به - غايته أن يدل على جواز أصل التسمية في عين واقعته، لا أن يُنشئ قاعدة عامة مطردة؛ إذ لم يقترن به ما يدل على إرادة التشريع العام، ولا وُجد ما يمنع حمله على خصوص حاله كما هو الشأن في نظائره من أفعال الصحابة العينية.
وحتى مع التسليم جدلا بأن هذه الآثار تدل على جواز التسمية المجردة في أعيان وقائعها، فإن الموازنة المقاصدية - في مقام التقعيد العام- تقتضي تقديم درء المفسدة الراجحة على جلب تلك المصلحة الجزئية.
كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار