السبت، 16 مايو 2026

محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟

 ما أجمل مناقشة مسائل العلم بالعلم !


محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض

والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟


والجواب باختصار: لا؛ لأن هذا احتمال طارئ على العقد, وليس جزءا من ماهية العقد, فالأصل أن العقد تحقق فيه شرط التقابض, ثم فرض بعد ذلك شك في حصول تأخير في التقابض...

هذه هي صورة المسألة, والشريعة تلغي الشك الطارئ بالاستصحاب ولا توجب التوقف..


وليس الشك في تحقق شرط التقابض هنا كالشك في التماثل في الربويات التي من جنس واحد؛ لأن التقابض شرط في صحة العقد وليس هو من ماهية العقد ولا هو علة الربا, بخلاف الجهل بالتماثل فهو جهل بوجود علة الربا نفسها, فافترق البابان.


ثم أقول:

إن الاحتجاج بقاعدة: "لا يجوز للعبد أن يُقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه" لإيجاب التوقف على الناس في معاملة 2000 دولار

إنما يستقيم لو فرض عدم وجود أصل شرعي يرجع إليه الناس في الإقدام على هذه المعاملة 

أما مع وجود أصل الاستصحاب في باب البيوع عند عدم وجود مانع معتبر فلا يستقيم استعمال هذه القاعدة ولا جعلها موجبة للتوقف...

وذلك لأن القاعدة إنما قيدت الإقدام على الفعل بالعلم بحكم الله, والعلم بجكم الله ليس مقتصرا على النص الجزئي فقط, وإنما حكم الله قد يعلم بالنص الشرعي الجزئي, كما قد يعلم بدليل كلي أو باستصحاب أصل شرعي ؛ إذ الاستصحاب من الأدلة الشرعية المعتبرة.

وعليه، فالإقدام على هذه المعاملة بناءً على استصحاب أصل الحل في البيوع: إقدام مستند إلى دليل شرعي، ولا يُعدل عنه إلا بمعتبر شرعي, أما مجرد الشكوك والاحتمالات فلا تُعد ناقلة عن الأصل وإن كانت في بيع صرف؛ لأن الشريعة ألغت اعتبار الشك المجرد ولم تجعله معارضًا للأصول المستقرة. 


فإن قيل: استصحاب الحل في معاملة 2000 دولار يعارضه وجود شك واحتمال في عدم تحقق شرط الصرف وهو التقابض, وعقد الصرف وإن كان يدخل في مطلق البيع إلا أن له شروطا خاصة

قيل: أن هذا الاحتمال ما دام باقياً في دائرة الشك غير المتيقن فإنه لا يصلح مانعًا من استصحاب أصل الحل؛ لأن الاستصحاب يعمل به في المحل الذي دخله احتمال طارئ مع بقاء الأصل السابق، ولم يقم هنا دليل معتبر يرفع ذلك الأصل. ومن ثم يبقى الاعتماد على الاستصحاب صحيحًا.

ولا يصح الانتقال من وجود احتمال في تحقق الشرط إلى إسقاط أصل الحل دون إقامة دليل أو قرينة راجحة يثبت اختلال الشرط فعلا؛ إذ لو صح ذلك لصار التعويل على مجرد فرض الاحتمالات في نقض الأصول الشرعية, وهذا باطل

ولو كان مجرد فرض الاحتمالات مؤثرا على حكم المعاملة لتعطلت أكثر المعاملات لأنها لا تخلو معاملة من وجود احتمال يمنع منها.


فإن قلت: سأعمل بالاحتياط وأتوقف ولن أستصحب الأصل؛ سدا لذريعة الربا

قيل: يسوغ لك التوقف في حق نفسك, أو تمتنع عن إعطاء حكم على ذات معاملة 2000 دولار لم يكتمل تصورك لها, لكن ليس لك إيجاب التوقف على عموم الناس؛ لوجود اشتباه عندك, فهذا تضييق ظاهر ترده أصول الشريعة وقواعدها

كما أن حالة الاشتباه إنما نشأت لعدم اكتمال تصور المعاملة, فإذا كانت صورة العقد غير مكتملة التصور فكيف يتم تصور حالة الاشتباه تصورا تاما, فادعاء هذا تناقض ظاهر

ثم إن حالة الاشتباه مبنية على فرض التأخر, وهذا غير موجود في واقع المعاملة, فإذا لم يثبت التأخر فلا اشتباه مؤثرا أصلا, ويبقى العقد على أصله وهو الصحة.

كتب د أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق