الثلاثاء، 7 يوليو 2026

نقول لمن يتهمنا بالإرجاء في تحرير الفعل التعبدي عند الاشتباه

 نقول لمن يتهمنا بالإرجاء:

محل البحث في المنشورات السابقة هو تمييز الفعل العبادي عن مجرد صورته الظاهرة عند الاشتباه، لا نفي كون أعمال الجوارح عبادة، ولا إرجاع العبادة إلى مجرد أعمال القلوب.

فعندما يقول الأشعري: إن صورة سجود الملائكة لآدم هي نفس صورة سجود الرجل لله، وهي نفس صورة السجود عند القبور؛ فكيف تكون الصورة واحدة، ثم يكون بعضها جائزًا في شريعة، وبعضها عبادةً، وصرفها لغير الله شركًا في شريعة أخرى؟

فهذه هي الشبهة التي تعلّق بها الأشاعرة والمتصوفة، ومن تأثر بهم، في نفي وصف الفعل الظاهر بالعبادة، إلا إذا انضم إليه اعتقاد مخصوص في القلب.

ومن هنا جاء التفريق الذي قررناه في المنشورات السابقة؛ لضبط هذا الباب، وقطع الطريق على هذه الشبهة. فالفارق بين الصورتين ليس نية باطنة نفتش عنها، ونشترط التصريح بها للمناط العبادي، وإنما قرينة ظاهرة مقترنة بالفعل، تصرفه إلى معنى دون آخر

فليس كل صورة دعاء، أو سجود، أو ذبح، تكون بمجرد صورتها عبادة شرعية؛ إذ النصوص نفسها دلت على وجود صور تتحد في الظاهر، وتختلف في الحكم باختلاف متعلقها وسياقها.

فالملائكة سجدوا لآدم، وإخوة يوسف سجدوا له، ولم يكن ذلك عبادة له، مع اتحاد الصورة الظاهرة. فدل ذلك على أن مجرد الصورة لا يكفي في جميع المواضع لإثبات حقيقة العبادة.

ومع ذلك، فلم نُرجع العبادة إلى أمور قلبية محضة، ولم نجعل القصد الباطن منشئًا للعبادة، ولا شرطًا في تحققها كما يقول المرجئة، وإنما جعلنا القرينة الظاهرة الملازمة للفعل هي التي تحدد نوعه عند احتمال الصورة لأكثر من معنى، وتكشف عن الجهة التي وقع عليها الفعل.

فنحن لا نعلّق الحكم على أمر خفي في القلب، وإنما على وصف ظاهر يلابس الفعل نفسه.

فسجود الملائكة وإخوة يوسف لم ننف عنه وصف العبادة لعلمنا بما في القلوب، وإنما نفيناه للقرينة الظاهرة التي بينت أنه سجد على جهة التحية والتكريم، لا على جهة التعبد.

وللأسف، ظن بعض من اتهمنا بالإرجاء أننا نشترط أمرًا باطنًا خفيًا حتى نحكم على الفعل بأنه عبادة، بينما الذي نجعله مناط التمييز هو القرينة الظاهرة الملازمة للفعل، وهي أمر يُدرك بالمشاهدة والاستقراء، لا بالتنقيب في القلوب.

وانتبه أن الكلام عند الاشتباه؛ وأما السجود عند القبور في واقع المسلمين، فالأصل حمله على جهة التعبد والتقرب؛ لأن هذا هو الظاهر المتبادر من وقوعه في هذا الموطن، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بقرينة صارفة معتبرة، لا بمجرد احتمال عقلي بعيد.

وعلى هذا الأصل نفسه يُحمل الكلام في الدعاء والسجود جميعًا: فلم نجعل الدعاء من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين الدعاء اللغوي ودعاء العبادة، وهذا تفريق دل عليه استعمال الشرع نفسه؛ إذ استُعمل لفظ الدعاء في أكثر من معنى، فلا يصح إبطال هذا التفصيل لمجرد الاشتراك اللفظي.
وكذلك لم نجعل السجود من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين صوره بحسب القرائن التي صاحبتها، كما دلت عليه النصوص الشرعية المذكورة آنفًا.
د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 6 يوليو 2026

الخلط بين صور الإنكار العلني على الحاكم

أطلعني أحد الإخوة على مقال بعنوان: "كلمات كبار علماء الدعوة السلفية حول الإنكار العلني على الحاكم". وقد ختم كاتبه – هداني الله وإياه إلى تحقيق السنة واتباعها – بقوله: "أما المنع المطلق من الإنكار العلني وفي كل الأحوال! فهو حصانة سلطانية غير شرعية." 


وهذه دعوى خطيرة، ولا أدري عمَّن يتحدث؛ إذ لا أعلم أحدًا من أهل العلم يمنع الإنكار العلني مطلقًا وفي جميع الأحوال، بل الذي قرره أهل العلم هو مشروعية صور متعددة من الإنكار، منها: الإنكار سرًّا، والإنكار أمام الحاكم، والإنكار على فعله في حضوره، والإنكار على المنكر في غيبته من غير تعيين فاعله. 


وإنما منعوا صورة واحدة بعينها، وهي: تسمية الحاكم بشخصه والطعن فيه علنًا في غيبته. 

وهذه الصورة جاءت الشريعة بمنعها، لا لأنها علة تامة مستقلة تستلزم المفسدة في كل فرد من أفرادها، بل لأنها سبب مهيئ إلى مفاسد راجحة، ومن أعظم تلك المفاسد إضعاف أصل السمع والطاعة، 

ولما كان الإفضاء في هذه الصورة غالبًا سدت الشريعة هذا الباب اعتبارًا بالغالب، ولم تلتفت إلى الصور النادرة؛ إذ لو رُوعي النادر من الأحوال لتعذر ضبط الباب وانفتح لكل مدّعٍ مصلحة يتوهمها. 


وهذا الباب في أصله يرجع إلى أصل قطعي عند أهل السنة، وهو لزوم السمع والطاعة، وترك الخروج على الأئمة؛ 

لكن ينبغي التنبه إلى أن منع هذه الصورة بعينها ليس هو ذلك الأصل القطعي بذاته، وإنما هو تنزيل له عبر قاعدة منع الشريعة لما يفضي غالبا: 

فهذه الصورة ذريعة ظاهرة وقوية إلى إثارة الفتنة، وإضعاف هيبة الولاية، ونشر الطعن والتباغض بين الناس، مما يفتح باب الإخلال بذلك الأصل غالبًا. 


وليس المقصود أن كل طعن علني حال غيبته يستلزم خروجًا مسلحًا، وإنما المقصود أنه سبب مهيئ لذلك عند اجتماع بقية أسبابه.. 


ومن ثم فإن تصوير هذا القول على أنه منع مطلق للإنكار في جميع الأحوال هو تشويه لمحل النزاع، فكيف إذا بُني عليه وصف المخالفين بأنهم يمنحون الحاكم "حصانة سلطانية"؟!

لا شك أنه بغي وتعد من غير تحرير ولا تحقيق علمي!! وأقرب لمغالطة استدرار العاطفة 


ومن الدعاوى التي تحتاج إلى تحقيق قوله في المقال: "تجويز كثير من السلف للإنكار العلني على الحاكم لا يعني جواز الخروج عليه بالسلاح." 


وهذا النفي لا يُستغرب ممن لم يميز بين العلة التامة المستقلة وبين السبب المهيئ . 

فلا أحد يدعي أن الإنكار العلني بمجرده علة تامة تستلزم وقوع الخروج المسلح وفي كل حال، إذ هذا باطل. 

وإنما الكلام في كونه سببًا يهيئ للخروج إذا انضمت إليه بقية أسبابه، ويعبر عنه العلماء بعبارات كنحو يفضي إلى... ويجر إلى... ويفتح الباب... ويكون ذريعة إلى... 


والأعجب أن الكاتب أورد كلام ثلاثة من أئمة العصر، ومع ذلك لم يأت بنص واحد صريح عن أحد منهم يجيز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته، أو نص على أن هذه الصورة يجوز استثناؤها إذا رجحت المصلحة، أو يقرر جوازها إذا لم يمكن إزالة المنكر إلا بها. 


أولًا: كلام الشيخ الألباني رحمه الله 


استدل بقوله: "إذا الحاكم خالف الشريعة علنًا؛ فالإنكار عليه علنًا لا مخالفة للشرع." 


وهذا نص مجمل، ولم يحرر فيه محل النزاع: هل المراد إنكار المنكر نفسه، او الإنكار على الحاكم علنا في حضوره أو المراد تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه؟ 

فأين النص الصريح الذي يقرر أن الشيخ يجيز تسمية الحاكم وذمه علنًا؟ لا يوجد. 


وأما استدلاله بكلام الشيخ في مسألة حرب الخليج، فالسياق إنما كان في مطالبة العلماء ببيان الحكم الشرعي وعدم الإفتاء بخلاف ما يعتقدونه مراعاةً لموقف الدولة على حسب ما يراه الشيخ في تلك النازلة

وهذا من باب بيان الحكم الشرعي في النوازل العامة، وليس فيه تسمية الحكام بأعيانهم ولا الطعن فيهم علنًا.


ثانيًا: كلام الشيخ ابن باز رحمه الله 


النص الذي نقله الكاتب عام، وهو قول الشيخ: "الأصل أن المنكر يتحرى ما هو الأصلح. إلخ" وهذا كلام في اختيار أسلوب الإنكار بحسب المصلحة، سواء كان سرًّا أو جهرًا، مع عموم الناس. 


أما كلامه الخاص بالحاكم فهو قوله: "فإذا كان جهره بالنصيحة في موضع يفوت الأمر فيه، مثل قصة أبي سعيد، والرجل الذي أنكر على مروان إخراج المنبر وتقديم الصلاة، فهذا لا بأس به." وهذا صريح في الإنكار على الحاكم أمام حضوره، وهو محل اتفاق، وليس فيه تصريح بجواز تسميته والطعن فيه علنًا في غيبته. 


بل قد سئل الشيخ ابن باز صراحة: هل من منهج السلف نقد الولاة من فوق المنابر؟ وما منهجهم في نصح الولاة؟ فأجاب: "ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير." 


ثم قال: "أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل، فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، فذلك واجب لعموم الأدلة... ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها، لا حاكمًا ولا غير حاكم." 


فكيف يُترك هذا النص الصريح في محل النزاع، ثم يُستدل بكلام عام لا دلالة فيه عليه؟ 


ثم يزيد الكاتب من عنده جملة اعتراضية فيقول: "والشيخ ابن باز له فتاوى منشورة أنكر فيها على الولاة علانية وسمى بعضهم باسمه." 


وهذا الإطلاق غير دقيق؛ لأن ما استدل به في الجملة إما مراسلات خاصة بينه وبين أولئك الولاة نُشرت بعد ذلك، وإما كلام فيمن ثبت عند الشيخ كفره وانتفاء ولايته الشرعية، ونحو ذلك مما نرجعه إلى محكم قوله، فلا يصح الاحتجاج به في محل النزاع. 


ثالثًا: كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله 


استدل بقوله: "فإذا رأينا أن الإنكار علنًا يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علنًا." 


وهذا من أوضح أمثلة الخلط؛ فإن كلام الشيخ كله يدور حول الموازنة بين المصلحة والمفسدة في الإنكار على المنكر، وليس فيه تصريح بجواز تسمية الحاكم المسلم بعينه وذمه أو الطعن فيه علنًا في غيبته. 


بل إن الشيخ نفسه يقول في لقغء الباب المفتوح: "وهناك فرق بين كون الأمير حاضرًا أو غائبًا؛ فالفرق أنه إذا كان حاضرًا أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيبًا ونحن مخطئون، لكن إذا كان غائبًا وبدأنا نفصل الثوب عليه على ما نريد، فهذا هو الذي فيه الخطورة، والذي ورد عن السلف كله مقابلة الأمير أو الحاكم. ومعلوم أن الإنسان لو وقف يتكلم في واحد من الناس - فضلًا عن ولاة الأمور - في غيبته لقيل: هذه غيبة، إذا كان فيك خير فاذهب إليه وانصحه." 


وهذا نص ظاهر في التفريق بين الإنكار على الحاكم في حضوره وبين ذكره والطعن فيه في غيبته. 


فتبين أن جميع النقول التي استدل بها الكاتب خارجة عن الصورة لتي منعها السلف؛ لأنها تدور بين الإنكار على المنكر، أو الإنكار في حضور الحاكم، أو بيان الحكم الشرعي، ولا واحد منها نص في جواز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته. 


نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف، وأن يوفقنا لاتباع السنة، وأن يجنبنا الزلل في الفهم والاستدلال. 


كتبه ناصحًا

د. أحمد محمد الصادق النجار



الأحد، 5 يوليو 2026

هل كانت شفاعة الشفعاء عند المشركين شفاعة إلزام أو شفاعة رجاء محض؟

 هل كانت شفاعة الشفعاء عند المشركين شفاعة إلزام أو شفاعة رجاء محض؟ 

للإجابة عن هذا السؤال نسلك مسلك الاستقراء القطعي الذي يدفع كل شبهة، مع التنبيه إلى أن محل البحث هو تصور المشركين للشفاعة، لا حقيقة الشفاعة عند الله تعالى. 

أولًا: ثبت بالاستقراء القطعي أن مشركي العرب كانوا يقرّون بانفراد الله بالملك والتدبير والتصرف في الكون. وهذا الإقرار يستلزم -عقلًا وشرعًا- انتفاء تصور الإلزام في حق الله؛ إذ لا يُتصور إلزام من ثبت له الانفراد بالسلطان المطلق. 

ولو كانوا يعتقدون أن أحدًا يُلزم الله بشيء، لكان ذلك ناقضًا لإقرارهم الأول، والقرآن لا يحكي عنهم اجتماع هذين الاعتقادين المتناقضين في محل واحد. 

ثانيًا: لو كانوا يعتقدون أن آلهتهم تُلزم الله بالشفاعة، للزم من ذلك أن يثبتوا لها أحد أمرين: إما قدرة مستقلة تنازع سلطان الله، وإما استحقاقًا ذاتيًا يجعل لها حقًّا واجبًا على الله. 

إلا أن الاستقراء التام السابق يثبت أنهم لم يعتقدوا في آلهتهم شيئًا من ذلك، فينتج قطعًا أنهم لم يتصوروا الشفاعة على جهة الإلزام. 

ويتضح هذا أيضًا من زاوية أخرى: فلو كانوا يعتقدون في آلهتهم استقلالًا حقيقيًا، لكانت شفاعتها من جنس آخر تمامًا، وهي شفاعة الند المستقل الذي يتصرف بذاته، وليست شفاعة الوسيط الذي يُرجى قبوله عند الله، وبما أن هذا الاستقلال منفي كما تقرر، فلا يبقى إلا تصور قائم على الرجاء لا الإلزام. 

فالنتيجة أن اعتقاد مشركي العرب في شفعائهم كان من قبيل الرجاء المحض، لا من قبيل الإلزام. 


هل اعتقدوا أن الله محتاج إلى الشفعاء؟ 

والجواب من جهة التصريح والاعتقاد المباشر لم يكونوا يعتقدون حاجة الله إلى شفعائهم؛ إذ هذا يستلزم نقصًا في كمال الله لم يُنقل عنهم اعتقاده، وإنما صرحوا بضده حين أقروا بكمال قدرته وتدبيره، وهذا ثابت بالاستقراء القطعي..

إلا أنه ينبغي التفريق بين الاعتقاد الصريح واللازم العقلي؛ فإنهم وإن لم يصرحوا بحاجة الله إلى الشفعاء، فإن تصورهم للشفاعة كان مبنيًا على قياس علاقة الشفيع بالله على علاقة الوجيه بالملك في الدنيا، وهذا القياس يتضمن في لوازمه معنى لا يليق بالله، إذ يجعل قبول الشفاعة جارياً على سنن العلاقات البشرية، لا على مقتضى كمال الرب سبحانه. فالحاجة هنا ليست معتقدًا مصرحًا به، وإنما هي لازم فاسد لتلك البنية القياسية 

وهنا يأتي سؤال هل هذا الاعتقاد بالحاجة (اللازم الكامن) هو نفسه المناط المطلوب إثباته لإجراء حكم الشرك المخرج من الملة على المعيّن؟

بمعنى هل من طلب الشفاعة من ميت أو صنم لا يكون طلبه شركا إلا إذا صرح أنه يعتقد حاجة الله إلى الشفعاء؟

وااجواب: لا يُشترط إثبات هذا الاعتقاد المخصوص  عند المعيّن لإجراء الحكم عليه بالوقوع في الشرك، وإنما يكفي الفعل الظاهر نفسه كصرف كالدعاء أوالسجود لغير الله، وذلك لأن هذا الاعتقاد لازم لتفسير الفعل ووقوعه، لكنه ليس شرطًا للحكم بالشرك، فهو متعلق بالشرط الوجودي وليس متعلقا بالمناط الحكمي كما فصلناه في مقال سابق

فالحكم مُعلَّق على نفس الفعل الظاهر بصرف النظر عن مدى وعي الفاعل بتفاصيل هذا اللازم أو تصريحه به. 

وإذا تقرر أن الحكم لا يتوقف على هذا التصريح، فإننا نلحظ مع ذلك أن هذا اللازم نفسه (الحاجة) يزداد وضوحًا في العصر الحاضر من عدة وجوه: 

الوجه الأول: إذا كان مشركو العرب وقعوا في هذا التناقض من غير شعور وبلا تصريح، فإن بعض غلاة القبوريين المعاصرين يصرّحون بمعنى الحاجة صراحة، كقول بعضهم: "الله لا يُعطي إلا من طريقهم"، أو "أنهم باب لا يُرد"، وهذا تصريح بمضمون اللازم الذي كان كامنًا عند الأولين. 

الوجه الثاني: كما أن مشركي العرب لم يعبدوا أصنامهم على أساس أنها تُلزم الله أو تقهر إرادته، وإنما عبدوها رجاء أن تكون وسائط تقرّبهم إليه، كما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فكذلك عامة القبوريين المعاصرين؛ فإنهم حين يقفون عند القبور داعين أصحابها من دون الله لا يعتقدون أن الولي يُلزم الله بشيء، وإنما يرجون أن تكون له عند الله منزلة أو وجاهة يكون معها دعاؤهم أقرب إلى القبول. 

فالبنية العقدية المحركة في الفعلين واحدة؛ إذ تقوم على توهم وجود نسبة خاصة تجعل التوسل بهذا الوسيط أرجى للقبول من التوجه إلى الله مباشرة، مع الإقرار -إذا سُئلوا- بأن الله وحده صاحب المشيئة والقرار المطلق. 

الوجه الثالث: كما أن هُبل واللات ومناة لم تُعبد لخصوصية ذاتية في الحجر، وإنما لما نُسب إليها من ارتباط بأشخاص معظمين أو أرواح يُعتقد صلاحها، فكذلك القبور المعبودة اليوم لا تُقصد لذات القبر أو الجسد، وإنما لما يُنسب إلى صاحب القبر من الولاية أو الصلاح. 

فالعلة المحركة في الحالين واحدة، وهي الاعتقاد بوجود ارتباط خاص يجعل هذا الوسيط أقرب إلى الله، لا الاعتقاد بامتلاكه خصائص ذاتية مستقلة. 

للوجه الرابع: كما أن مشركي العرب أنكروا عن أنفسهم وصف الشرك يوم القيامة، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، لأنهم كانوا يحصرون معنى الشرك في إثبات شريك مستقل في الربوبية، وهو ما لم يكونوا يعتقدونه؛ فكذلك ينكر كثير من القبوريين المعاصرين وصف الشرك عن أنفسهم بالمنطق نفسه. 

وهذا كله يدل على تماثل أصل التصور الذي بُني عليه اتخاذ الوسائط في التقرب إلى الله قديما وحديثا. 


تنبيه أخير

ولا يعني أننا نكفر أعيانهم بإطلاق...فليس (كل) من وقع الشرك أصبح كافرا عينا 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مشارك بكلية علوم الشريعة

تخصص عقيدة



لماذا عبد مشركو العرب هبل واللات ومناة بعينها؟

 

تقدم معنا بالدليل القطعي أن المشركين لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالخلق والرزق والملك والتدبير, ولم يثبتوا لها  قدرة كونية عامة مستقلة, ولا قدرة جزئية غيبية مستقلة
كما تقدم أن مناط الحكم بالشرك: هو الفعل التعبدي كالسجود الموجه لغير الله.

فإن قيل: إن هذا التقرير لا يفسر سبب اختيار حجر بعينه دون غيره، فلماذا خُصَّ هذا الحجر، كهُبل أو اللات أو مناة، بالعبادة ؟

قيل: إن رجاء الزلفى باتخاذ الوسائط في العبادة أو طلب الشفاعة مباشرة من الميت
إنما هو أثر لمقدمة اعتقادية سابقة؛ إذ لا يقع تخصيص شيء بالتعظيم إلا لمرجح يقتضي هذا التخصيص, وقد أحال القرآن نفسه على أصل هذا التخصيص, فقال تعالى حاكيا عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23], فالأصنام التي جعلت على صورة ود وسواع ويغوث ويعوق, عبدت على أنها تماثيل رجال صالحين تحل أرواحهم فيها, أو ترتبط بها ارتباطا خاصا, ومن هنا نشأ رجاء الشفاعة.

فإن قيل: لا يُتصور رجاء الزلفى من حجر أو صالح إلا مع اعتقاد سابق فيه بنوع من التأثير، ولو لم يبلغ حد الاستقلال.

قيل: هذا مسلم, فإن رجاء الزلفى والشفاعة لا يتصور إلا مع اعتقاد خاص في ذلك الوسيط يقتضي تخصيصه إلا أن هذا الاعتقاد بهذا القدر جزء لا ينفك عن وجود الفعل نفسه في الخارج؛ إذ لا يتصور دعاء موجه إلى جماد أو ميت, إلا مع ظن نوع تأثير فيه غير مستقل عن الله، لكن يجب التمييز بين كون الاعتقاد شرطًا في وجود الفعل في الخارج، وكونه شرطًا لإجراء الحكم على الفاعل، ولا تلازم بين الأمرين...

وإذا تبين هذا ظهر وجه تقرير أهل السنة في هذه المسألة؛ فإن الذي عليه تحقيقهم أن الاعتقاد جزء لا ينفك عن وجود الفعل، إلا أن الحكم الشرعي بالشرك يكتفى فيه بالفعل التعبدي الظاهر؛ لأن الشارع علق الحكم على وجود هذا الفعل، كالسجود، وهو في نفسه مستلزم لكفر الباطن. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (14/ 120): ( وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن )

فالفعل التعبدي الظاهر، كالسجود لغير الله، هو نفسه مناط الحكم بالشرك شرعًا؛ إذ علق الشارع حكم الشرك على هذا الجنس من الأفعال، وجعله مناطًا ظاهرًا للحكم، فلا يفتقر في إجرائه إلى إقامة الدليل على الاعتقاد الباطن، وإن كان الفعل في نفسه لا يوجد إلا مستلزمًا له.

وعليه فالزلفى والشفاعة هما الدافع والباعث على الفعل, لكنهما قائمان على اعتقاد باطل في الوسيط جعله في نظرهم محلا للتقرب, ومع ذلك فإن القرآن نفسه مع وصفه آلهتهم بأنها لا تملك شيئا لم يعلق الحكم بالشرك على مجرد ذلك الاعتقاد, وإنما علقه على العبادة المصروفة إليهم.
وهذا تحقيق هذه المسألة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الجمعة، 3 يوليو 2026

مختصر تحرير مفهوم الشرك عند مشركي العرب زمن الوحي

مختصر
تحرير مفهوم الشرك عند #مشركي_العرب زمن الوحي

عندما نبحث في معنى العبادة، ومعنى الإله، ومتى يقع الشرك، فلا بد أن ننطلق من نقطة جوهرية وهي: ما هي العقيدة التي أثبتها القرآن لمشركي العرب زمن النبي صلىاللهعليهوسلم، والتي احتج بها عليهم؟

والقرآن الكريم هو المصدر القطعي الذي كشف حقيقة حالهم وواقع معتقدهم.

والمقصود هنا هو تحديد عقيدة عموم مشركي العرب التي جعلها القرآن أساسًا لمحاجتهم بها، وليس المقصود نفي وجود انحرافات متفرقة في باب الربوبية.

قد يعترض معترض فيقول: أليس من العرب من زعم أن الملائكة بنات الله، وهذا اعتقاد يتعلق بالربوبية؟
والجواب من وجوه:
أولًا: هذا اعتقاد فئة من العرب لا عموم جمهورهم.
وثانيًا: وهو الأهم: لم يجعل القرآن هذا الزعم (بنوة الملائكة) هو علة عبادتهم لأصنامهم؛ فالله لم يقل إنهم عبدوا الأصنام لأجل زعمهم أن الملائكة بناته
وثالثا: هو زعم في النسب وليس في الاستقلال بالفعل، فهم لم يعتقدوا في الملائكة استقلالها بالخلق أو الرزق أو التدبير

أعود فأقول: إليك أربعة أوجه في إثبات عقيدة عموم مشركي العرب في الربوبية والتي جعلها القرآن أساسًا لمحاجتهم:

الوجه الأول: لم يذكر القرآن في أي موضع من مواضع محاجته للمشركين، أنهم كانوا يعبدون آلهتهم لاعتقادهم أنها تخلق أو تدبر أو ترزق استقلالًا عن الله.

الوجه الثاني: تكرر في القرآن إقرار المشركين بأن الله وحده هو الخالق والمدبر، وجاء هذا في مناسبات متعددة ومختلفة
سُئلوا عن الخلق تارة، وعن الرزق تارة، وعن المُلك أو الربوبية أو التدبير تارة أخرى
وكان جوابهم واحدًا في كل مرة: أن ذلك كله لله وحده، دون أن يُنقل عنهم رد مخالف ولو مرة واحدة.

الوجه الثالث:جاءت أغلب هذه الآيات بصيغة ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، وهي من أشد صيغ التوكيد في اللغة العربية؛ فاللام فيها موطئة لقسم محذوف تقديره "والله لئن سألتهم"، وجاء جواب الشرط ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ مؤكدًا بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، مما يزيد المعنى قوة وتوكيدًا.

الوجه الرابع: يؤكد هذا المعنى ما حكاه الله تعالى عنهم في حال الشدة، فقال سبحانه:﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
فهذه الآية لا تنقل مجرد جواب لفظي يصدر عند السؤال، وإنما تكشف عن حقيقة الاعتقاد الكامن في نفوسهم؛ فإن الإنسان عند انقطاع الأسباب وتمحض الحاجة لا يلجأ إلا إلى من يعتقد أنه يملك القدرة المطلقة على كشف الضر.

أفاد هذا الاستقراء التواتر المعنوي؛ فالنصوص الواردة في سور لقمان والزخرف والعنكبوت ويونس والمؤمنون وغيرها، ليست تكرارًا للفظ واحد في سياق واحد، وإنما وردت في سور مختلفة، نزلت في أوقات متعددة، وبمناسبات متنوعة، وجاءت بألفاظ متغايرة؛ فتارة في الخلق، وأخرى في الرزق، وثالثة في التسخير، ورابعة في الإحياء، وخامسة في الملك أو التدبير، وكلها قد اتفقت على معنى واحد، وهو إقرار المشركين بانفراد الله تعالى بالخلق واستقلاليته بالتصرف والتدبير،
فصار من جملة المعاني المعلومة من القرآن بالضرورة، لا من المسائل الاجتهادية

وبذلك ثبت — بدرجة القطع لا الظن — أن مناط الكفر الذي حكم به القرآن عليهم لم يكن اعتقاد خالق مع الله مستقل، ولا رازق مستقل، ولا مالك أو مدبر مستقل

وعليه
فكل فهم لآية من القرآن معارض لهذا الأصل القطعي يكون مردودًا من جهة المنهج قبل النظر في تفاصيله؛ لأن من القواعد المحكمة عند أهل الأصول أن الدليل الظني لا يعارض الدليل القطعي.

ونزيد الأمر توضيحا بطريقة السؤال والجواب:

س/ ما الذي أثبته القطع المتقدم بالضبط؟

ج/القطع الثابت بالتواتر المعنوي انصبّ على أمر محدد: أن مشركي العرب كانوا يقرّون بأن الله وحده هو الخالق، والرازق، وأنه المستقل بالملك والتدبير.

س/هل كانوا مع ذلك يعتقدون أن لآلهتهم تأثيرًا جزئيًا محدودًا، كالشفاعة، أو التقريب من الله؟
ج: نعم، وهذا ثابت بنص القرآن نفسه، إذ وصف حالهم فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
فهم لم يزعموا لآلهتهم ملكا مستقلًا، بل توسّطًا وشفاعة عند الله، أي تأثيرًا متوقفًا على إذنه لا مستغنيًا عنه.

س/ هل اعتقاد التأثير الجزئي ينافي القطع المتقدم؟

ج/ لا ينافيه؛ لأن القطع المتقدم إنما نفى اعتقادهم استقلال آلهتهم بالخلق والرزق والتدبير، ولم يتعرض لمسألة الشفاعة والتوسط أصلًا، فليس بين الأمرين تعارض حتى يُحتاج إلى دفعه.

س/أين وقع شركهم إذن؟

ج/لم يقع فيمن يخلق أو يرزق أو يدبر استقلالًا، بل وقع في باب العبادة؛ إذ حوّلوا رجاء تلك الشفاعة إلى عبادة صُرفت لغير الله.

س/ هل جعلت النصوص الشرعية اعتقاد التأثير الجزئي هو مناط شرك العرب؟
ج/ التأثير الجزئي المزعوم كان هو الدافع الذي حملهم على الشرك، وأما الشرك نفسه فقد تحقق حين حوّلوا هذا الرجاء إلى عبادة صُرفت لغير الله.
فاعتقاد النفع الجزئي لم يكن استقلالًا عن الله حتى يكون هو المناط، بل هو الباعث النفسي، والمناط الشرعي هو الفعل التعبدي المترتب عليه.
[لو فهمت هذا زال عنك الإشكال من أصله]

س/ ما الدليل على أن النصوص الشرعية جعلت التأثير الجزئي دافعًا لا مناطًا؟

ج/ قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
فالآية بنَتْ الجملة على فعلين متعاطفين: "يعبدون" ثم "يقولون".
والفعل الأول (وَيَعْبُدُونَ) هو محل الذم والحكم، والثاني (وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) مجرد حكاية لتعليلهم وتبريرهم.
ولم تقل الآية "لاعتقادهم أنهم شفعاؤهم استحقوا الذم"، بل رتّبت الذم على نفس العبادة، وجاء ذكر الشفاعة تعليلًا لسبب توجههم لا شرطًا لتحقق الحكم عليهم.

وأيضا في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81-82].
قوله "لِيَكُونُوا" يدل على العلة الباعثة وهي طلب العزة
وقوله: ﴿بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الباء هنا سببية، فعلّق الكفر على العبادة ذاتها، لا على العلة الباعثة عليها. فلو كان الاعتقاد بالتأثير الجزئي هو مناط الكفر لعلق الكفر علبه ولم يعلقه بالعبادة.

ويُضاف إلى ما تقدم أن القرآن لم يفرّق في الحكم بين المشركين بحسب تفاوت درجة ما توهموه من تأثير لآلهتهم، بل ساواهم جميعًا في وصف الشرك الأكبر ما داموا قد عبدوا تلك الآلهة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/07/blog-post.html


الثلاثاء، 30 يونيو 2026

تحرير محل النزاع بين الأشاعرة وأهل السنة في مسألة الاستغاثة بالميت هل كون الله هو الفاعل الحقيقي يبيح الاستغاثة بالأموات؟

 للمتخصصين


تحرير محل النزاع بين الأشاعرة وأهل السنة في مسألة الاستغاثة بالميت

هل كون الله هو الفاعل الحقيقي يبيح الاستغاثة بالأموات؟ 


كثيراً ما ينتقل الأشاعرة عند مناقشة أهل السنة في حكم دعاء الميت والاستغاثة به من الكلام عن حكم سؤال الميت وتوجيه الطلب إليه، إلى الكلام عن أصل آخر، وهو أن الله هو الفاعل الحقيقي لكل شيء، وهذا انتقال من مسألة إلى أخرى مغايرة لها، فلا يصح أن يُجعل أحدهما دليلاً على الآخر. 


فلو سلم جدلا بما يقرره الأشاعرة من أن العبد له قدرة غير مؤثرة وأنه مجرد محل يجري الفعل عنده، فإن إثبات أن الله هو الفاعل الحقيقي لا يستلزم أن كل محل يُجري الله الفعل عنده يصلح أن يكون محلاً لتوجيه الطلب إليه. 


فالمقدمة (الله هو الفاعل الحقيقي) لا تُنتج النتيجة (فيجوز سؤال كل من جرى الفعل عنده) إلا بإضافة مقدمة مضمرة فاسدة، وهي: "كل ما جرى الفعل عنده يجوز توجيه الطلب إليه". 

وهذه المقدمة باطلة لا يلتزم بها الأشاعرة أنفسهم؛ إذ لو صح أن مجرد كون الشيء محلاً لفعل الله يبيح سؤاله لجاز سؤال الجماد والحيوان وسائر المخلوقات؛ لأنها على أصلهم محالَّ يجري الله الفعل عندها. وهذا لا يقول به الأشعري نفسه، لأنه لا يجيز سؤال كل شيء. 


وعليه، فالاستدلال بالفاعلية الحقيقية لله تعالى ليس جوابًا عن محل النزاع، وإنما هو تبديل لموضوعه. 


وأهل السنة لا يجعلون مناط الشرك في الاستغاثة بالميت مجرد اعتقاد استقلال المخلوق بالفعل حتى يلزموا بأن الله هو الفاعل الحقبقي على التصور الأشعري، وإنما يجعلون مناطه توجيه الطلب الذي،لا يقدر عليه إلا الله إلى الميت، سواء اعتقد الداعي استقلاله بالفعل أو جعله مجرد سبب؛ لأن هذا النوع من الطلب لا يتوجه به الطالب إلا إلى من يثبت له سماعا عاما مطلقا، وعلما بحال الداعي، وقدرة على الاستجابة. 

فهذه اللوازم من مقتضيات الفعل نفسه، لا من الاعتقادات التي يلزم التصريح بها، ولذلك كان صرف هذا الطلب إلى غير الله إخلالًا بالتوحيد .. 


ولا يندفع هذا الإلزام بقول الأشاعرة: "إن الميت مجرد سبب ولا قدرة له مؤثرة"، لأنه سيقال لهم الجماد -الذي يعتقد الأشاعرة أن الله هو خالق كل الأحداث فيه وإن لم يكن للجماد كسب أصلًا- والحيوان وسائر الكائنات: قدرتهم غير مؤثرة عندكم ولم تجوزوا الطلب منهم .. 


ولو كانت العلة مجرد كون الله هو الفاعل الحقيقي، لما كان لعدم السماع أثر؛ لأن محل الاستدلال عندكم هو الفاعلية الإلهية لا السماع. فإذا جعلتم السماع شرطًا، فقد تركتم الاستدلال الأول وانتقلتم إلى استدلال آخر.. 


على أن أهل السنة أنفسهم يقررون أن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن العبد له قدرة مؤثرة داخلة تحت مشيئة الله، ومع ذلك يفرقون بين سؤال الحي الحاضر القادر وسؤال الميت أو الغائب غيبة الموت. وسبب هذا التفريق ليس اعتقاد استقلال الحي بالفعل دون مشيئة الله، بل لأن الله جعل أفعال الأحياء أسبابًا معتادة، وأذن في مخاطبتهم وطلب ما يقدرون عليه عادة، من غير أن يلزم على الطلب نفسه لوازم فاسدة عقديا. 

فالفارق إذن ليس في إثبات القدرة المؤثرة أو نفيها. 


أما الاستدلال بالمعجزات والكرامات وخوارق العادات على جواز الاستغاثة بالميت فليس في موضعه؛ لأن المعجزة والكرامة ليستا ناشئتين عن سؤال الناس لأصحابها بعد موتهم، وإنما هي أفعال يجريها الله في حياتهم عند من شاء وفي الوقت الذي شاء 


فوقوع الكرامة للنبي أو للولي لا يستلزم جواز سؤاله بعد موته، كما أن وقوع المعجزة لموسى عليه السلام لا يبيح لبني إسرائيل بعد موته أن يقولوا: يا موسى اشقق لنا البحر. 


ووقوع خرق العادة بإذن الله لفلان لا يستلزم شرعية اتخاذه محلاً للدعاء بعد موته... 


ومن أدلتهم أيضًا أنهم يرتبون على القول بأن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن الميت مجرد سبب، أن ثبوت سماع الميت يكفي لجواز توجيه الطلب إليه، مستدلين بأحاديث سؤال الميت في قبره، وسماعه قرع نعال المشيعين، وسماعه سلام من يسلم عليه، ويقولون: إذا ثبت السماع جاز توجيه الخطاب والطلب. 


والجواب عن ذلك من وجوه: 


أولًا: الذي ثبت في النصوص هو سماعٌ خاص ومحدود، وليس سماعًا عامًا لكل الدعوات والطلبات في كل زمان ومكان، وهو السماع الذي تتوقف عليه دعوى جواز الاستغاثة بالأموات. 


ثانبا: مجرد ثبوت السماع وحده ليس كافيا لتجويز السؤال

والذي فعله الأشاعرة أنهم جعلوا من ثبوت سماع الميت في مواطن لازما لمشروعية سؤاله، وهذا انتقال غير صحيح، فالملائكة تسمع وتحضر وتكتب الأعمال، ومع ذلك لم يُشرع دعاؤها وسؤالها مباشرة. 


ثالثا: أن مجرد السماع لا يستلزم الاستجابة ولا القدرة على التصرف، قال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:14].

فهذه الآية تبطل دعوى صلاحية المدعو للاستجابة، وهي الأساس الذي تقوم عليه دعوى اتخاذه سببًا.. 


وبهذا يتبين أن محل النزاع ليس في أن الله هو الفاعل الحقيقي، ولا في إمكان وقوع الكرامات، ولا في أصل ثبوت نوع من السماع للميت، وإنما في مشروعية توجيه هذا النوع من الطلب إلى الميت، واتخاذه سببًا في تحصيل المطلوب. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 29 يونيو 2026

كشف المزاعم التي أطلقها #عبد_القادر_حسين على من يسميهم " #الوهابية" حول الدعاء والاستغاثة

 

أطلق عبد القادر حسين على خصومه الذين يسميهم "الوهابية" عدداً من المزاعم والافتراءات التي لا تصدر عن نقل دقيق لمذهبهم، ولا عن مناقشة منصفة لأقوالهم. ولئن أحسنّا الظن بصاحب هذه المزاعم، قلنا: أُتي من سوء فهمه، وقلة اطلاعه على تقريرات القوم بأنفسهم..

ومن أبرز ما زعمه هذا الرجل المفتري:

1. أن  الوهابية بزعمه يقولون: كل دعاء عبادة.
2. أن الوهابية بزعمه يقولون مجرد نداء النبي صلى الله عليه وسلم يُعَدّ عندهم شركاً أكبر، مطلقاً وبلا تفصيل.

واستدل لنقض هذين الزعمين بدليلين:
- حديث: «إذا ضلّت دابة أحدكم بأرض فلاة فليقل: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا».
- أثر ابن عمر رضي الله عنه، حين خَدِرَت رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك، فقال: «يا محمد».

وفيما يلي الجواب على هذه المزاعم:

١-دعوى: " أن الوهابية بزعمه يقولون: كل دعاء عبادة

وجوابي:
لم يجعل علماء السنة الدعاء بمعناه العام كله عبادة، وإنما خصّوا نوعاً معيناً من الدعاء بأنه عبادة، وهو الذي تنطبق عليه حدّ العبادة بمعناها الشرعي، أي: الدعاء الذي يكون على وجه غاية الخضوع مع غاية المحبة. هذا النوع وحده هو الذي وُصف بكونه عبادة..

لكن من أين سيفهم مذهبهم وهو ينطلق من قراءة غير دقيقة لتقريراتهم؟!!

فمن قال من علماء أهل السنة: "كل دعاء عبادة"، فإنما يقصد بذلك الدعاءَ الذي تحقق فيه معنى العبادة، لا مطلقَ الدعاء بكل صوره وأحواله.
لكن للأسف هذا الرجل ينطلق في نقده من فهمه المنكوس لمذهبهم، لا من تقريراتهم هم وعباراتهم في مصنفاتهم.!!!!

أما الدعاء الذي هو بمعنى الطلب المجرد، ولم يبلغ حدّ العبادة، فهذا منه ما هو جائز، ومنه ما هو شرك. والحدّ الفاصل بين الجائز والممنوع، هو موضوع الطلب نفسه:

- فمن طلب من مخلوق ما يقدر عليه المخلوق، فهذا جائز.
- ومن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك.

ووجه كون هذا النوع شركاً ليس كما زعمه هذا المتقوّل لأنه عبادة، وإنما لأن التوجه بهذا السؤال في نفسه لا يتصور إلا مع تضمُّنه نسبة خصائص لا تكون إلا لله إلى المسؤول، كاعتقاد أنه يسمع النداء، ويعلم حال الداعي، ويقدر على إجابته، ولذلك حكم أهل السنة عليه بالشرك، ولم يشترطوا أن يصرح الداعي بهذا الاعتقاد، لأن الاعتقاد اللازم للفعل يُحكم به من نفس الفعل.

وطلب الشفاعة من الميت البعيد داخل فيه؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، وليست هي خدمة يقدمها الميت متى شاء ....

وحتى لو قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع بعض الأصوات فليس في ذلك دليل على ثبوت القدرة على الإجابة والتأثير..

وانتبه هنا أن أهل السنة لم يجعلوا التصريح بالاعتقاد شرطاً للحكم بالشرك في هذا النوع من السؤال، فضلاً عن السؤال الذي بلغ حدّ العبادة.

٢- دعوى: " ان الوهابية على زعمه يجعلون نداء النبي صلى الله عليه وسلم شركا أكبر مطلقاً"

هذا وهم فاحش، أو تعمد للكذب..

أولاً: حديث "يا عباد الله احبسوا"

فليس الحديث دليلاً على جواز سؤال الأموات، لأن المخاطَب في الحديث موجود حي يسمع بإخبار الشارع، بخلاف الميت الذي لم يثبت سماعه لهذا النداء ولا قدرته على إجابته.
فالنداء في الحديث موجه لمن أخبر الله بوجودهم في الأرض وسماعهم لمثل هذا النداء، فانتفى المناط الموجب للشرك بهذا الخبر الشرعي، والقياس بين هذا النداء ونداء الميت أو الغائب الذي يلزم من سؤاله أنه يسمع أصوات الداعين في كل مكان ويعلم أحوالهم ويقدر على إجابتهم قياس غير صحيح، لاختلاف المناط بينهما.

ثانياً: أثر ابن عمر "يا محمد"

أما ما استُدل به من أثر ابن عمر رضي الله عنه، فقد رُوي من طرق متعددة،  لكن النظر في صحة الإسناد ليس هو موضع الخلاف الجوهري، فحتى لو سُلِّم بثبوت الأثر، فلا حجة فيه على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وذلك من وجهين:

الوجه الأول: أن مجرد النداء الخالي من الطلب ليس عبادة ولا شركًا، وإنما يكون النداء شركًا إذا اقترن بطلب يختص بالله تعالى. ولذلك لم يكن قول النبي صلى اله عليه وسلم: «وإن لفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، ولا قول المصلي: «السلام عليك أيها النبي»، من الشرك، لعدم اقترانهما بطلب.

الوجه الثاني: أن قول ابن عمر «يا محمد» مجرد ذكر للاسم، لا يتضمن طلبًا، وهو من باب عادات التداوي بذكر المحبوب

فمن أراد مناقشة مذهب القوم، فالواجب عليه أن يناقش تقريراتهم كما قرروها هم، لا كما يتوهمها هو، فذلك أقرب إلى العدل والإنصاف الذي توجبه أخلاق المناظرة.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 25 يونيو 2026

حد العبادة بين أهل السنة ومخالفيهم

 حد العبادة بين أهل السنة ومخالفيهم

النزاع بين أهل السنة وبين الأشاعرة والمتصوفة ليس في كون الشرك حرامًا وكفرًا، ولا في عدم جواز صرف العبادة لغير الله، فهذا متفق عليه، وإنما النزاع في حد العبادة الذي يتميز به الفعل المشروع من الفعل الشركي.

فأهل السنة يقررون أن حقيقة العبادة هي غاية الخضوع والتذلل مع كمال المحبة، وأن صرف هذه الحقيقة لغير الله شرك، سواء صرّح الفاعل باعتقاد ربوبية المعبود أو لم يصرح بذلك.

أما المخالفون فيجعلون التصريح الباطن باعتقاد الألوهية أو الربوبية شرطًا لازمًا للحكم على الفعل بأنه عبادة، فلا يكفي عندهم وقوع الفعل ولا ما يصاحبه من قرائن ظاهرة تدل على التأله، حتى يُستفصل عن عقيدة الفاعل النظرية.

ولذلك فالمخالف إذا رأى رجلًا يسجد لميت فإنه لا يستطيع أن يحكم على الفعل بأنه عبادة أو شرك حتى يستفصل عن الاعتقاد الباطن للفاعل؛ لأن مناط العبادة ليس الفعل وما دل عليه من الخضوع والتأله، وإنما اعتقاد الربوبية الذي يزعم اقترانه بالفعل...!!!

ومن أشهر إشكالاتهم: لو كانت العبادة تتحقق بمجرد الفعل الظاهر دون اعتبار التصريح بالاعتقاد، للزم أن يكون الله قد أمر الملائكة بالشرك حين أمرهم بالسجود لآدم.

والجواب:

أهل السنة لا يقولون إن مجرد صورة السجود عبادة بإطلاق، وإنما يقولون إن العبادة هي خضوع القلب وتألهه وتوجهه وذله مع كمال المحبة، وأن الشارع جعل الأفعال الظاهرة دالة عليه ولازمة له
وتخصيص هذه الأفعال بكونها لا تصلح إلا لله استُفيد ابتداءً من النص الشرعي نفسه؛ فالقرآن والسنة نهيا عن السجود لغير الله، وعن الذبح والنذر لغير الله، وعن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو

فهناك عبادات محضة دالة بذاتها على غاية الخضوع والمحبة، كالصلاة والحج والصيام، وهي ثابتة صورة ومعنى معًا في كل شريعة،
وهناك هيئات شرعية لاتدل بذاتها، كالسجود؛ إذ إن صورته الخارجية: مجرد الانحناء أو وضع الجبهة على الأرض وهي قابلة للإذن بها أو نسخها بين الشرائع بحسب ما يأذن به الشارع، وأما معناها التعبدي بأن يفعل على وجه غاية الخضوع للمسجود له 
فهذا  لا يُنسخ أبدًا في أي شريعة، ولا يجوز صرفه لغير الله بحال.
فالسجود عبادة محضة من جهة معناه إذا قُصد به غاية الخضوع والمحبة، وهيئة قابلة للنسخ من جهة صورته إذا لم يُقصد به ذلك.
ولهذا لم يكن سجود الملائكة لآدم عبادة لآدم، لأن قلوبهم لم تتوجه إليه بالتأله والخضوع، ولم يأمر الله الملائكة بخضوع قلوبهم لآدم، وإنما كانوا عابدين لله بذلك السجود؛ لأنه وقع امتثالًا لأمره سبحانه.،والخضوع إنما كان لله لا لآدم
وهذا نظير استقبال الكعبة في الصلاة؛ فالمصلي يتوجه ببدنه إلى الكعبة، لكنه لا يعبد الكعبة، وإنما يعبد الله الذي أمره بهذا التوجه.

قال ابن تيمية:(أما الخضوع والقنوات بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله وحده، وهو في غيره ممتنع باطل، وأما السجود فشريعة من الشرائع، إذ أمرنا الله أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله) مجموع الفتاوى (٤/٣٦٠)

فإن قيل: إذا كانت حقيقة العبادة غاية الخضوع والمحبة، فماهو الحد الفاصل بين ما يكون غاية وما لا يكون غاية؟

قيل: العلماء لم يتركوا غاية الخضوع مجردة عن الضبط، بل ردّوها إلى معايير موضوعية تخرجها عن كونها مجرد شعور نفسي يصعب قياسه. والضبط يكون من جهات:

أولا: ربط الغاية بالأفعال التي خصّها الشارع بالعبادة
فالشارع نفسه ضبط هذا الإجمال بأن جعل أفعالًا معينة لا تصلح إلا لله، فإذا وُجدت كانت دليلًا على بلوغ الغاية، ولو لم نطّلع على القلب، كالسجود تعظيمًا، والذبح تقربًا، والنذر
فهذه الأفعال بذاتها في عرف الشريعة علامة على بلوغ الغاية، فصار الإجمال في المفهوم النظري مردودًا إلى تفصيل في الأفعال العملية.

ثانيا: ربط الغاية بالاحوال المصاحبة للفعل.

ثالثا: ربط الغاية بـمتعلَّق الخضوع لا بـشدته وكماله،  فإذا كان الخضوع مصحوبًا بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا بذاته  دليل على أن الخضوع بلغ الغاية، أي تجاوز حد ما يُعطى للمخلوق عادة.

فالسني يكتفي بظهور القرينة الفعلية كوقوع السجود للحكم على الفعل بأنه عبادة، دون توقف الحكم على استفصال الفاعل عن عقيدته هل يعتقد فيه الربوبية أو لا؟
والمخالف يعلّق الحكم على التصريح الباطن ذاته، فلا يكفيه ظهور القرينة، بل يشترط أن يصرح الفاعل أنه يعتقد في المعبود خصائص الربوبية، وإلا توقف عن الحكم.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 11 يونيو 2026

هل الحق يعرف بالرجال؟


كنتُ قديمًا أردد عبارة " الحق لا يعرف بالرجال" بإطلاق، من غير تحرير لمعناها، ومن غير تفريق بين كون الرجال مصدرًا للحق، وكونهم وسيلةً للوصول إليه.

ولذا لم يكن السلف يذمون الرجوع إلى العلماء ومعرفة الحق عن طريقهم فيما لا يحتمل الخلاف، وإنما يذمون التقليد الأعمى الذي يجعل أقوال الرجال حاكمة على النص.

والذي يظهر أن علماءنا حين أطلقوا هذه العبارة إنما أرادوا التحذير من جعل الرجال مصدرًا للحق، لا نفي الحاجة إليهم في معرفة الحق وفهمه

ولا شك أن مصدر الحق هو الوحي قطعًا، أو ما دل عليه الوحي دلالة صحيحة.
لكن الوصول إلى هذا الحق وفهمه وتحريره لا يكون في الواقع إلا عبر الرجال الناقلين والمفسرين والمحررين، وهذا أمر لا مفر منه.

ولهذا نجد جميع الفرق والطوائف قد اعتمدت في تقرير مذاهبها على أعيان من علمائها.

فالمعتزلة اعتمدت على ما حرره عبد الجبار المعتزلي
والأشاعرة اعتمدت على ما حرره الجويني والرازي وما استقر عليه السنوسي...وهكذا بقية الفرق

وكذلك أهل الحديث اعتمدوا على ما قرره أئمة السنة من أمثال الإمام أحمد ومن سار على طريقته في تحريرهم ما دل عليه النص الشرعي، وما كان حقا وهدى فيما يتعلق بأصول الدين 
واعتمدوا ايضا على ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبا للسلف.

غير أن التسوية بين الفرق في الاعتماد على الرجال إنما هي من جهة الواقع لا من جهة صحة المنهج؛ إذ لا بد لكل أحد من رجال يتلقى عنهم. وإنما يقع الفرق في المنهج الذي سلكه هؤلاء الرجال في فهم الوحي والاستدلال به.
فأهل الحديث اعتمدوا على رجال يفسرون النص بالنص ويجعلون فهم الصحابة والتابعين أصلًا في الاستدلال، بينما اعتمدت فرق أخرى على رجال قدّموا العقل الكلامي على ظاهر النص، أو جعلوا الذوق والكشف ونحوهما حاكمين عليه.

فمجرد الاعتماد على الرجال في الوصول إلى الحق ليس منكرًا في نفسه؛ لأنه أمر لا بد منه، وإنما المنكر هو الاعتماد على رجال فسد أصل منهجهم في التعامل مع الوحي. ولذلك ضلت بعض الفرق حين بنت أصولها على رجال خالفوا النصوص الصريحة..

فإن قيل: إذا كانت أهلية الرجال الذين يُعتمد عليهم في الوصول إلى الحق تتوقف على موافقتهم للنص وسلامة منهجهم، وكانت سلامة المنهج لا تُعرف إلا من خلال الرجال أيضًا، لزم الدور.

قيل: لا يلزم الدور؛ لأن أصل المعرفة لا يتوقف ابتداءً على أفراد معينين من الرجال.
فثبوت القرآن والسنة، وحجية الوحي، ووجوب الرد إلى الله ورسوله، أمور ثابتة بأدلتها القطعية قبل النظر في أقوال المتنازعين من العلماء والفرق.
كما أن النصوص نفسها أرشدت إلى منهج التلقي والاستدلال، قال تعالى:﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقال﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

فالمعرفة تبدأ بالوحي الثابت ودلالاته الظاهرة، ثم يأتي دور الرجال في التفريع والتحرير والتفصيل.
فالدور إنما يلزم لو كانت المعرفة كلها موقوفة على الرجال من أولها، لكن لما كان لها أصل مستقل انكسر الدور.

وخلاصة القول:
أن الحق يُعرف بالوحي، ويُتوصل إليه بواسطة الرجال الذين سلمت منهجيتهم، ويُحكم على الرجال بالوحي لا العكس. فمن وافق الوحي نصًا ومنهجًا قُبل قوله، ومن خالفه رُدَّ عليه كائنًا من كان

هذا هو التوازن الذي حافظ عليه أهل السنة والجماعة تاريخياً، خلافاً لمن جعل العقل أو الذوق أو الكلام حاكماً، أو من جعل الرجال أنفسهم مصدراً للحق.

فإن قيل؛ من يكون الحكم عند التنازع في تحديد من وافق النص ومن خالفه؟ لأن كل فرقة تدّعي أنها هي الموافقة للنص.
قيل: المرجع عند النزاع هو الكتاب والسنة بفهم الصحابة والتابعين وأئمة القرون المفضلة؛ لأنهم أول من تلقى الوحي، وأعلم الناس بلغة القرآن، وأقرب الأمة إلى عهد النبوة.
ولهذا كانت أقوالهم وإجماعاتهم المنقولة من أعظم ما يُستعان به في فهم النصوص وترجيح معانيها.

فإن قيل: عرفنا أقوال الصحابة والتابعين وإجماعات السلف بواسطة الرجال أيضًا، فيلزم الدور.

قيل: لا يلزم ذلك؛ لأن هذه الأقوال لم تُعرف من طريق فرد واحد حتى يتوقف قبولها عليه، وإنما نقلتها جماعات من أهل العلم جيلاً بعد جيل، واشتهرت واستفاضت في الأمة، وتتابع الأئمة على حكايتها، مع عدم ظهور مخالف معتبر في كثير من المواضع، فتتكون من مجموع ذلك قرائن قوية على صحة النقل وثبوته

فإن قيل: أنا أوافقك أن الرجال وسيلة لا مصدر، لكن لماذا اخترت رجال أهل الحديث دون رجال الأشاعرة؟

قيل: المزية في رجال أهل الحديث هو في قرب منهجهم من طريقة الصحابة والتابعين واعتمادهم النصوص والآثار أصلًا في باب الاعتقاد.

فإن قيل: هل هذا التقرير يصحح عمل من اعتمد على شيخ بعينه معاصر، فصار لا يخرج عن قوله، ويرى أن قوله هو الحق دون غيره؟

قيل: من جعل شيخه حكماً فقد عكس المنهج لا طبّقه؛ لأن العبرة بالإجماع المتقدم المحكي عن أمثال الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية، فمن لا يخرج عن قول شيخه سواء وافق الإجماع المتقدم أم خالفه، فقد جعله مصدراً لا وسيلة، وهذا عين المنهي عنه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 19 مايو 2026

حقيقة #الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته عند #السبكي وابن حجر الهيتمي وأمثالهما والرد على الشيخ فيصل قزار


سمعت كثيرًا من المحاضرة الأخيرة التي ألقاها الشيخ #فيصل_قزار حول مسألة العذر بالجهل، فوجدت أنه لم يُحسن التأصيل في مواضع كثيرة منها، ولا وفِّق في تنزيل الأحكام على محالِّها، بل وقع في اضطراب ظاهر في تحرير محل النزاع، مع كثرة الأغاليط والتناقضات.

ومن كثرة ما اشتملت عليه المحاضرة من الأخطاء يصعب استقصاؤها جميعًا، غير أن أكثر ما بدا أنه أقلق الشيخ فيصل هو إلزامه في مسألة العذر بالجهل بأقوال تقي الدين السبكي، وابن حجر الهيتمي وأمثالهما ممن لم يُكفِّرهم العلماء، مع تقريرهم لما هو من الشرك الصريح في باب الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته.

ولهذا حاول جاهدًا أن يصوّر الاستغاثة التي يثبتها هؤلاء بأنها من جنس التوسل أو طلب الدعاء من الميت، وأن غاية ما يقال فيها: إنها من باب الشرك الخفي أو الشرك الأصغر، لا من الشرك الأكبر الصريح.

وهذا التصوير غير صحيح؛ فإن الذين أجازوا الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته، أو بالأولياء والصالحين بعد موتهم، إنما أجازوا دعاءهم وطلب الحاجات منهم حقيقةً، لا مجرد التوسل بهم أو طلب دعائهم.
وإن جعلوا من معاني الاستغاثة: التوسل والاستشفاع..قال السبكي الأب في شفاء السقام ((314) : ( فصار لفظ الاستغاثة بالنبي له معنيان: أحدهما أن يكون مستغاثا, والثاني أن يكون مستغاثا به)

وقد صرح بذلك ابن الحاج (ت 737هـ) في آداب الزيارة بقوله: “ثم يتوسل بالأنبياء عليهم السلام إلى الله في قضاء حوائجه ويستغيث بهم، ويطلب منهم الحوائج...” إلى آخر كلامه، الذي صرّح فيه بطلب الحاجات من النبي ﷺ والاستغاثة به بعد وفاته.

وكذلك أجاز السبكي في شفاء السقيم الاستغاثة بهذا المعنى، وذكر أنها على جهة التسبب والشفاعة لا على جهة الخلق والاستقلال، وتبعه على ذلك ابن حجر الهيتمي وغيره.
ولعل الشيخ فيصل بن قزاز لم يفهم قولهم على جهة التسبب..

ومعنى قولهم: إن الاستغاثة بالنبي ﷺ إنما هي “على جهة التسبب والشفاعة”: أن المستغيث يطلب من النبي ﷺ أن يكون واسطة في تحصيل الغوث من الله تعالى، حتى يجعلوا الطلب من المخلوق طلبًا من الله في المعنى.

وقد صرّح ابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم (٦٢٤): بقوله ( ...والمستغاث به في الحقيقة هو الله, والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بينه وبين المستغيث, فهو سبحانه مستغاث به والغوث منه خلقا وإيجادا, والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاث والغوث منه سببا وكسبا)

فهؤلاء جعلوا الطلب من الميت وسيلة في الطلب من الله, وكأنهم يجعلون نفس الطلب من الميت طلباً من الله.

وقد أداهم ذلك إلى رجاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة به من كل مكروب, وعلى وجه الرجاء والخوف
حتى قال ابن حجر الهيتمي في المنح المكية ( قد رجوناك معشر محبيك وخدامك أيها النبي الكريم ..للأمور الخطيرة العظيمة من الذنوب)

وقال عند شرح قول البوصيري في همزيته: (أناديك نداء ملهوف أي مضطر متحسر  محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه ) المنج المكية (654)

ولا ريب أن هذا من جنس ما حكاه الله عن المشركين الأولين، الذين كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق المدبر، وإنما اتخذوا معبوداتهم وسائل وشفعاء، كما قال تعالى:﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾،
وقال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

ولهذا قال سليمان بن سحمان في الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص: 464): (وأما قوله: (قال السبكي، والقسطلاني في "المواهب اللدنية" والسمهودي في "تاريخ المدينة" وابن حجر في "الجوهر المنظم": إن الاستغاثة به -عليه الصلاة والسلام- وبغيره من الأنبياء والصالحين إنما هي بمعنى التوسل بجاههم، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يجعل له الغوث ممن هو أعلى منه، فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بين المستغيث وبين المستغاث به الحقيقي، فالغوث منه تعالى إنما يكون خلقاً وإيجاداً، والغوث من النبي تسبباً وكسباً .
فالجواب أن يقال: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسول إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم، ويستغيثون بهم ويعبدونهم، وهذا هو دأب عبدة الصالحين والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم،...)

مع التنبيه إلى أني ممن أعذر بالجهل المعتبر، ولست ممن يكفر السبكي أو ابن حجر ...

لكن على كل حال
الشيخ فيصل لشدة خصومتة مع الشيخ الريس انغلق عليه باب تحرير المسائل وحسن الاستنباط

ومن عجيب ما ذكره في محاضرته أنه يخشى الردة على من وضع شروطا وقيودا في إقامة الحجة زائدة، كاشتراط أن الذي يقوم بالحجة عالم أو لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه....!!!

هدانا الله وإياهم
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/05/blog-post_19.html


السبت، 16 مايو 2026

محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟

 ما أجمل مناقشة مسائل العلم بالعلم !


محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض

والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟


والجواب باختصار: لا؛ لأن هذا احتمال طارئ على العقد, وليس جزءا من ماهية العقد, فالأصل أن العقد تحقق فيه شرط التقابض, ثم فرض بعد ذلك شك في حصول تأخير في التقابض...

هذه هي صورة المسألة, والشريعة تلغي الشك الطارئ بالاستصحاب ولا توجب التوقف..


وليس الشك في تحقق شرط التقابض هنا كالشك في التماثل في الربويات التي من جنس واحد؛ لأن التقابض شرط في صحة العقد وليس هو من ماهية العقد ولا هو علة الربا, بخلاف الجهل بالتماثل فهو جهل بوجود علة الربا نفسها, فافترق البابان.


ثم أقول:

إن الاحتجاج بقاعدة: "لا يجوز للعبد أن يُقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه" لإيجاب التوقف على الناس في معاملة 2000 دولار

إنما يستقيم لو فرض عدم وجود أصل شرعي يرجع إليه الناس في الإقدام على هذه المعاملة 

أما مع وجود أصل الاستصحاب في باب البيوع عند عدم وجود مانع معتبر فلا يستقيم استعمال هذه القاعدة ولا جعلها موجبة للتوقف...

وذلك لأن القاعدة إنما قيدت الإقدام على الفعل بالعلم بحكم الله, والعلم بجكم الله ليس مقتصرا على النص الجزئي فقط, وإنما حكم الله قد يعلم بالنص الشرعي الجزئي, كما قد يعلم بدليل كلي أو باستصحاب أصل شرعي ؛ إذ الاستصحاب من الأدلة الشرعية المعتبرة.

وعليه، فالإقدام على هذه المعاملة بناءً على استصحاب أصل الحل في البيوع: إقدام مستند إلى دليل شرعي، ولا يُعدل عنه إلا بمعتبر شرعي, أما مجرد الشكوك والاحتمالات فلا تُعد ناقلة عن الأصل وإن كانت في بيع صرف؛ لأن الشريعة ألغت اعتبار الشك المجرد ولم تجعله معارضًا للأصول المستقرة. 


فإن قيل: استصحاب الحل في معاملة 2000 دولار يعارضه وجود شك واحتمال في عدم تحقق شرط الصرف وهو التقابض, وعقد الصرف وإن كان يدخل في مطلق البيع إلا أن له شروطا خاصة

قيل: أن هذا الاحتمال ما دام باقياً في دائرة الشك غير المتيقن فإنه لا يصلح مانعًا من استصحاب أصل الحل؛ لأن الاستصحاب يعمل به في المحل الذي دخله احتمال طارئ مع بقاء الأصل السابق، ولم يقم هنا دليل معتبر يرفع ذلك الأصل. ومن ثم يبقى الاعتماد على الاستصحاب صحيحًا.

ولا يصح الانتقال من وجود احتمال في تحقق الشرط إلى إسقاط أصل الحل دون إقامة دليل أو قرينة راجحة يثبت اختلال الشرط فعلا؛ إذ لو صح ذلك لصار التعويل على مجرد فرض الاحتمالات في نقض الأصول الشرعية, وهذا باطل

ولو كان مجرد فرض الاحتمالات مؤثرا على حكم المعاملة لتعطلت أكثر المعاملات لأنها لا تخلو معاملة من وجود احتمال يمنع منها.


فإن قلت: سأعمل بالاحتياط وأتوقف ولن أستصحب الأصل؛ سدا لذريعة الربا

قيل: يسوغ لك التوقف في حق نفسك, أو تمتنع عن إعطاء حكم على ذات معاملة 2000 دولار لم يكتمل تصورك لها, لكن ليس لك إيجاب التوقف على عموم الناس؛ لوجود اشتباه عندك, فهذا تضييق ظاهر ترده أصول الشريعة وقواعدها

كما أن حالة الاشتباه إنما نشأت لعدم اكتمال تصور المعاملة, فإذا كانت صورة العقد غير مكتملة التصور فكيف يتم تصور حالة الاشتباه تصورا تاما, فادعاء هذا تناقض ظاهر

ثم إن حالة الاشتباه مبنية على فرض التأخر, وهذا غير موجود في واقع المعاملة, فإذا لم يثبت التأخر فلا اشتباه مؤثرا أصلا, ويبقى العقد على أصله وهو الصحة.

كتب د أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 8 مايو 2026

كيف تعرف الإخواني من غيره؟

 


[ سئل الشيخ الألباني عن سلمان العودة، فقال: هو ليس إخواننا، لكن منهجه منهج الإخوان المسلمين 

https://youtu.be/Xq3aqyAhDzU?si=T5_M9cehjYAG8S44

     ] انتهى كلامه 


وهنا يتبادر سؤال: كيف لا يكون إخوانيا ويكون على منهج الإخوان؟


أقول مجيبا على السؤالين:


الوصف بالإخوانية ليس مقصورًا على من دخل في تنظيم الإخوان، وبايع المرشد العام، ووالى وعادى لأجل الجماعة؛ فهذه مناطات الوصف الخاص، فالإخواني بالإطلاق الخاص هو من كان كذلك. 


لكن هناك إطلاقًا عامًا أوسع، ونظير ذلك الوصف بالجهمية. 


فالوصف بالجهمية له إطلاق خاص على من جمع بين نفي الصفات جميعها، والقول بالجبر الخالص، والقول بالإرجاء الغالي. 


وله أيضًا إطلاق عام؛ فيُطلق على كل من تبنى دليل حدوث الأجسام، 

فيُوصف المعتزلي بأنه جهمي من هذا الوجه، ويُوصف الأشعري بأنه جهمي من هذا الوجه، ويُوصف الماتريدي بذلك أيضًا، وإن لم يأخذوا حكم الجهمية من كل وجه. 


وكذلك الخارجي والمرجئ والقدري بالإطلاق الخاص غير الخارجي والمرجئ والقدري بالإطلاق العام 


وهكذا الحال في الوصف بالإخوانية؛ فالإطلاق العام يدخل فيه كل من تبنى الفكرة وشاركهم في مناط هذا الإطلاق، وإن لم يدخل في التنظيم، ولم يأخذ حكمهم من كل وجه. 


فما مناط الإطلاق العام للإخوانية؟ 


يطلق وصف الإخوانية على كل من يجعل الوصول إلى الحكم والانشغال بالعمل السياسي أصلًا تُبنى عليه الأولويات بإطلاق، حتى يُقدَّم الولاء السياسي والحركي على الولاء العقدي والمنهجي. 


ولأجل ذلك تغلب الرؤية السياسية على التصحيح العقدي، والتميز المنهجي، والوضوح في مسائل الاعتقاد والانحرافات الفكرية. 


فتجد عند هؤلاء أن الولاء ابتداء يكون على النظر السياسي والتكتل الحركي، وأما العقيدة فهي الوسيلة الخادمة، فكثيرا ما يُهون منها ... 


وباختصار فالإخواني بالإطلاق العام: من جعل الوصول إلى الحكم والتمكين السياسي أصلا في دعوته، حتى يصبح الولاء لهذا المشروع السياسي مقدما بإطلاق على الولاء العقدي والتمايز المنهجي

فالكلام فيمن يجعل السياسة أصلًا حاكمًا على العقيدة والمنهج 


ومن هنا نفهم تعاطف كثير من الرموز الدينية مع إيرااان، حيث يُهوَّنون من الانحراف العقدي لأجل الاشتراك في مشروع سياسي أو موقف مرحلي. 

ولا أتكلم هنا عن عوام الناس... 


تنبيه مهم:

ليس كل من اهتم بالسياسة يُوصف بالإخوانية، وإنما العبرة بالغلبة والأولويات. 


فإذا كان الأصل عند الشخص هو التصحيح العقدي، والتميز المنهجي، وكانت السياسة وسيلة خادمة لذلك، لم يصح وصفه بالإخوانية، لا بالمعنى الخاص ولا بالمعنى العام. 


أما إذا كانت السياسة، والوصول إلى الحكم، والعمل الحركي، هي الأصل الذي تُرتب عليه المواقف والتحالفات والأولويات، صح وصفه بالإخوانية بالمعنى العام، وإن لم يكن منتميًا تنظيميًا إلى جماعة الإخوان المسلمين. 


وكما صح توسع الأئمة في إطلاق الجهمية بالمعنى العام على من لم يكن جهميًا بالمعنى الخاص، صح ذلك أيضًا في إطلاق الإخوانية من أهله؛ لبيان خطورة الأصل الذي ضلوا فيه، وتحذير الناس من الوقوع فيه. 


وأنبه إلى أنه يجب أن يكون هذا التوسع منضبطًا بصحة تحقق المناط، لا برمي الناس بما لا يعتقدونه، ولا بنسبة الأقوال والمناهج إليهم بغير بينة وعدل. 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 7 مايو 2026

اقرأ بصبر وإنصاف هل أخطأ الإخوان المسلمون حين لم يعتنوا بتصحيح العقيدة؟

 

الشبهة التي علقت في أذهان بعض الشباب عند الكلام عن جماعة الإخوان المسلمين: أنهم جماعة سياسية وليست فرقة عقدية؛ بمعنى أنهم جماعة تُعنى بالشأن السياسي والوصول إلى سدة الحكم، وليست جماعة تبنت أصولًا عقدية مخصوصة.

وفلسفة هؤلاء أن المعركة لما كانت متجهة إلى الكافر الأصلي، وإلى العلمنة وإقصاء الشريعة؛ لم يكن للإخوان مجال للاشتغال بتصحيح المعتقد في الصف الداخلي، ولا بإعمال باب الولاء والبراء في مسائل البدع والانحرافات العقدية.

فيتفق هؤلاء معنا أن جماعة الإخوان لم تعتن بالتمييز العقدي ولا راعت الولاء والبراء على البدع في أصول الدين إلا أنهم يسوغون ذلك لهم ويعتذرون للإخوان بحجة الدفاع عن أصل الإسلام، والسعي إلى إعادة تحكيم الشريعة ...

فالمقدمات التي انطلق منها هؤلاء في الاعتذار للإخوان وتبرير منهجهم ترجع إلى مقدمتين:

الأولى: أن المرحلة التي وُجد فيها الإخوان لم تكن تسمح بالاشتغال بتصحيح العقيدة.

الثانية: أن مصلحة مواجهة العدو الخارجي مقدمة على التمييز العقدي الداخلي وإعمال باب الولاء والبراء وإعمال باب الأسماء والأحكام.

ولهذا يطالب هؤلاء السلفيين بأن يراعوا في حكمهم على جماعة الإخوان: المقاصد والظروف والملابسات التي نشأت فيها الجماعة.

لكن حتى لا يُظلم القوم، فقد عرض العلماء — قديمًا وحديثًا — منهج الإخوان على أصول الشريعة وقواعدها، ونظروا في طريقتهم بميزان الوحي ومنهج الأنبياء والسلف، فنتج عن ذلك أمور:

أولًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها وطريقة الأنبياء مع أقوامهم أن تصحيح العقيدة هو أصل مواجهة الباطل ولا يصح أن يكون أمرا مؤجلا...

فالأنبياء عليهم السلام لم يبدؤوا بمواجهة الأنظمة السياسية ولا القوى المهيمنة قبل تصحيح التوحيد.

كما أن النبي لم يؤسس تجمعًا عامًا يضم المشرك والموحد بدعوى الاتحاد ضد قريش، وإنما تحمل الأذى في سبيل تصحيح المعتقد ومحاربة الشرك.

وبهذا يتبين أن أصل الفكرة التي انطلقت منها الجماعة — وهي تجميع المتناقضات العقدية تحت راية واحدة بدعوى مواجهة العدو الخارجي في زمن يمكن معه تصحيح المعتقد — هو نفسه مخالف لطريقة الأنبياء وهدي الشريعة.

ثانيا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن الانحراف العقدي نفسه هو أعظم أسباب تسلط الأعداء
فالقرآن كثيرا ما يربط بين فساد العقائد وبين حلول الذل والهزيمة والتفرق، كما قال تعالى:{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات}
فكيف يصح تأجيل ما هو في نفسه سببٌ لتسلط العدو؟!

ثالثًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن جمع الفرق المتناقضة عقديًا ليس هو الاعتصام بحبل الله ولا يحقق الوحدة المطلوبة شرعا، وبالتالي لن يترتب عليه هزيمة العدو، ولا نصر الله لأوليائه...

ولهذا كان الإمام أحمد يحذر من الجهمية زمن الفتن، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقاتل التتار، ومع ذلك يرد على الاتحادية والباطنية والصوفية المنحرفة، ولم يُذب الفوارق العقدية بحجة مواجهة العدو الخارجي.

رابعا: النظر إلى المآلات والعاقبة أمر دلت عليه أصول الشريعة وقواعدها
ومن نظر إلى ما آل إليه حال جماعة الإخوان المسلمين التي قدمت الوحدة الحركية على تصحيح العقيدة
وجد أنهم انتهوا إلى: التميع العقدي، وتقديس التنظيم على حساب صحة لمعتقد، والغلو في الجماعة، والتنازلات الفكرية
حتى أنهم تركوا تحكيم الشريعة لما وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان، بل حكموا دساتير فيها أمور كفرية، كما فعل مرسي في مصر..

وعليه
فالسلفيون لما يظلموا الإخوان حين حكموا عليهم بالضلال والانحراف؛ لأنهم انطلقوا في حكمهم من أصول الشريعة وقواعدها والتي اقتضت هذا الحكم...

ونحن  إذ نحذر من الإخوان المسلمين ونبين ضلالهم لا يعني ذلك أننا نحكم على كل فرد منهم بأنه من أهل النار....

ومع تحذيرنا كلما استجد أمر تمدح فيه هذه الجماعة يؤسفنا حال من يدافع عن الإخوان ممن غاب عنه كون  السلف كانوا يفرقون بين التعاون المشروع وبين التمييع العقدي وتأسيس مشروع عليه

فأهل السنة لا يمنعون التعاون مع المخالف في أمرٍ مشروع إذا دعت إليه الحاجة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بهذا التعاون
لكن من دون تزكية البدع أو إسقاط التحذير بالكلية، ومن دون إلغاء أحكام التفسيق والتبديع بإطلاق....

فهناك فرق بين التعاون الجزئي المقيد وبين بناء مشروع إصلاحي كامل على تذويب الفوارق العقدية وإلغاء باب الأسماء والأحكام.

وأخيرا
إن سألتني عن أهم الفوارق بين السلفيين بحق وبين السروريين والإخوان

لكان جوابي: أن السرورية والإخوانية جعلت إقامة الإسلام مساوية للوصول إلى الحكم وإسقاط الأنظمة المسلمة القائمة.

أما السلفيون بحق فيرون أن إقامة الإسلام تبدأ بـ: تصحيح التوحيد، وتصحيح العبادة. وتربية الناس على السنة..وهم في غاية البعد عن سفك الدماء وبث الفوضى في البلدان المسلمة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار




الأربعاء، 29 أبريل 2026

ماحقيقة #تصوف_أحمد_زروق؟

 


خرجت بعض القنوات في الآونة الأخيرة لتصوّر للناس أن هناك تصوفًا حقيقيًا قد شوّه المنتسبون إليه صورته، وأن هذا #التصوف لا يخرج عن الزهد وصدق التوجه إلى الله وتحقيق مقام الإحسان. 


ودعا بعض أصحاب هذا التوجه ـ ممن يرفعون شعار #التصوف_السني وتصحيح التصوف المعاصر ـ إلى الاعتماد على التقعيد الذي وضعه #أحمد_زروق في كتابه #قواعد_التصوف، وعدّوه من أهم الكتب التي قعّدت للتصوف وربطته بالشريعة. 


غير أن الناظر في هذا الكتاب يجد فيه إشكالات ظاهرة في الأصول المعرفية والعقدية؛ إذ ينطلق المؤلف من اعتبار #التصوف علمًا مستقلًا له موازينه الخاصة ومصادر تلقيه المميزة. 

فهو وإن قرر أن أصوله الأصلية ترجع إلى الكتاب والسنة، إلا أنه يجعل طريقة أخذ #الصوفي منهما مختلفة عن طريقة الفقيه والمحدث، ويضيف إلى ذلك اعتماد الصوفي على مصادر أخرى في باب الأحوال والسلوك، كالذوق والمكاشفة والخواطر والإلهامات. 


وبناءً على ذلك، قرر أحمد زروق أنه لا يُعتمد على فقيه ولا محدث في التصوف، وإنما يرجع لأهل الطريقة فيما يختص بصلاح الباطن...


وقد أدى هذا المسلك إلى فتح باب التلقي الديني عن غير طريق الوحي المحض، ورسخ فكرة أن هناك مرتبة خاصة لا يدركها #أهل_الظاهر، وأن كمال الدين لا يتحقق إلا بسلوك الطريق الصوفي. 


●وما قرره أحمد #زروق هو خلاف ما قرره الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم، فأهل السنة تكلموا في أعمال القلوب، وتهذيب النفس، وصلاح الباطن ومقامات الإيمان من الإخلاص والخوف والرجاء والزهد والصبر والتوكل ونحوها، من غير أن يكونوا متصوفة ولا احدثوا كيفية جديدة في الأخذ من الكتاب والسنة. ولم يجعلوا لها علمًا مستقلًا له مصادر تلقٍّ خاصة وأرباب مخصوصون به. 


●ومن أخطر ما قرره أيضًا إثباته للتفسير الإشاري، القائم على دعوى أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا قد يخالف الظاهر، مع الاعتماد في ذلك على المكاشفات والذوق. وهذه الإشارات التي يعتمدها كثير من المتصوفة هي في كثير منها: تحريف لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست من باب الاعتبار الصحيح أو إلحاق غير المنصوص بالمنصوص؛ إذ إنها تعتمد على معانٍ ذوقية ورمزية لا يدل عليها اللفظ ولا السياق. 

ومن أمثلة ذلك تفسير بعضهم قوله تعالى:[تذبحوا بقرة) بذبح النفس..!!! 


●وإذا جئنا لكتاب #قواعد_التصوف لأحمد زروق وجدنا أنه في القاعدة (76) يثبت علم المكاشفة، ثم يقرر في القاعدة (77) أن الصوفية المحققين هم من يأخذون الإشارة من ظاهر اللفظ أو من باطن المعنى، مما يعيد أصل الإشكال في فتح باب الإشارات الذوقية. 


■ويبقى السؤال: كيف يصل الصوفي إلى هذه الإشارات؟ وعلى أي أساس يعتمد في التفسير الإشاري؟ 


يجيب أحمد زروق بأن هذه #الإشارات ودقائق علوم التصوف إنما هي منح إلهية ومواهب اختصاصية لا تُنال بمعتاد الطلب، كما في كلامه في ص (30). 

وهذا يجعل بعض المعارف الدينية خارجة عن طرق التلقي الشرعي المعروفة، مع تقريره في مواضع متعددة الاعتماد على الخواطر الربانية والذوق والرموز.


بل يظهر كلامه تأثر بنظرية #الفيض_الفلسفي، حين جعل من العلم ما يؤخذ من ظاهر الخطاب، ومنه ما يُؤخذ بطريق الإفاضة على القلب. 


كما قرر في كتابه قواعد التصوف أن نظر الصوفي في نصوص الكتاب والسنة يكون من حيث #الحقيقة في عين التحقيق حتى يصل ظاهره بباطنه كما في القاعدة (32)، 

وهي عبارة تجعل للنصوص ظاهرًا للعامة وباطنًا للخاصة، وهو من الأبواب التي دخل منها الانحراف الإشاري والباطني. 


●كما يقول أحمد زروق ب #التوحيد_الشهودي، الذي يقوم على أن الله يُرى ظاهرًا ومتجليًا في كل شيء من مخلوقاته.

ويرى كذلك أن العارف إذا تكلم من حيث الحال سُلِّم له ذوقه، وأن المعتبر فيه وجدانه، ولا يقتدي به إلا من كان مثله. كما القاعدة (39)  

وفي هذا تعظيم للذوق الوجداني حتى يُجعل ميزانًا في باب الإدراك والمعرفة، مع تقليل سلطان النص والبرهان في تقويم تلك الأحوال والمواجيد. 


■أما في باب الاعتقاد؛ فيسير زروق على طريقة متأخري الأشاعرة في الصفات، مع ميل ظاهر إلى #التفويض، كما في القاعدة 84، ثم يقرر في القاعدة (51) أن التأويل لا يبطل أصل التفويض ما لم يُعتقد أن المؤوَّل هو عين المراد. 

فالتفويض عنده ليس في أصل المعنى وإنما في تعيين المحتمل كما في قاعدة 51 


●كما جوز #التبرك بقبور الصالحين. بناء على أن كل من جاز التبرك به في حياته جاز التبرك به بعد موته كما قرر ذلك في قاعدة 159

ويرى أن لبسة الخرقة ومناولة السبحة وأخذ العهد جائز من باب الرواية كما في قاعدة 158

واعتبر #الخلوة في غير المسجد نوعا من أنواع الاعتكاف كما في قاعدة 114 


■فإذا كانت هذه الأصول والتقريرات هي مما يثبته أحمد زروق في كتابه قواعد التصوف؛ فكيف يُقدَّم هذا المنهج على أنه هو #التصوف_السني الموافق لمنهج أهل السنة والجماعة؟! 


●ومن المواضع الخطيرة أيضًا في كتابه: تصحيحه لتصوف ابن سبعين، وجعله مناسبًا للمشتغل بالفلسفة والمنطق كما في القاعدة (59)، 

مع أن ابن سبعين من أشهر القائلين بوحدة الوجود والاتحاد.

كما اعتذر  لابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، مع اشتهار مقالاتهم في وحدة الوجود والاتحاد، وذلك في شرحه للمباحث الأصلية. 


والكتاب فيه كثير من المخالفات الشرعية. 


هدانا الله وإياهم لسلوك الصراط المستقيم

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 27 أبريل 2026

هل المروءة والسمت العلمي للمنتسبين لعلوم الشريعة هو: في ترك ربطة العنق (الكرافته)؟

 

[الملخص: لا يليق بطالب العلم أن يلبس الكرفته؛ لأنها لا تليق بحملة الشريعة، ويصح الإنكار على من لبسها بالتوجيه والبيان]

يتساهل بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي في لبس ربطة العنق في المحافل العامة والمؤتمرات، بل تجاوز ذلك إلى مناقشات الرسائل العلمية وبحوث التخرج. وهذا يستدعي تحريرًا للمسألة وبيانًا ينضبط بالأصول والقواعد المحكمة في الشريعة..

ابتداءً: لا بد من تقرير أن لبس ربطة العنق في ذاته محل خلاف بين الفقهاء المعاصرين؛ فمنهم من منع نظرًا إلى أصل مخالفة الكفار قي لباسهم وما قد يُستصحب من دلالات تاريخية وعقدية لربطة العنق، ومنهم من جوّز باعتبار أنها صارت من اللباس العام الذي عمت به البلوى، ولم تعد شعارًا خاصًا
وقد قيل في أصلها أقوال متعددة؛ منها نسبتها إلى لباس الكروات في الحروب، ومنها ما يُذكر من ارتباطها برمز الصليب...

غير أن النظر المقاصدي لا يقف عند حدود الإباحة المجردة، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبار المقاصد الشرعية والمآلات...
ذلك أن الأحكام المتعلقة بهيئات أهل العلم يراعى في حكمها النظر إلى مقاصد الشريعة في التميّز والمخالفة وحفظ مقام العلماء وسمتهم؛ فالعالم ليس فردًا عاديًا في نظر العامة، بل هو قدوة وممثّل للشرع في ظاهره قبل باطنه.

ولذا نص الفقهاء على أن الفقيه تنخرم مروءته إذا لبس عمامة سوقي لا تليق به[انظر تحفة المحتاج شىح المنهاج لابن حجر الهيتمي]
وقال البرماوي في الفوائد السنية في بيان معنى المروءة:( توقي الإنسان ما لا يليق بحاله، ويختلف ذلك باختلاف الناس)

ولأهمية التحلي بالمروءة اشترط المحدثون في الراوي الذي تقبل رواية حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزهه عن كل ما يسقط المروءة ...

وذكر الفقهاء والأصوليون في شروط المفتي أن يكون متنزها عن مسقطات المروءة، وأن من لم يكن متنزها فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد، [انظر كلام ابن الصلاح في أدب المفتي ولمستفتي وغيره]
بل شدد الفقهاء فأسقطوا الثقة بقول من ارتكب ما لا يليق بمثله ونفوا قبول شهادته....
قال الغزالي:(فمن يرتكب ما لا يليق بأمثاله من المباحات...فتسقط الثقة بقوله ولا تقبل شهادته) العزيز شرح الوجيز للرافعي القوزيني

وعند تنزيل هذا الأصل على مسألتنا: فإن ربطة العنق – وإن لم تعد اليوم شعارًا دينيًا خاصًا – إلا أنها لم تجرِ عادة أهل العلم بلبسها، بل غلب اقترانها في الأذهان بالساسة والبرلمانيين ونحوهم ممن أفعالهم في الجملة لا تليق بأهل العلم...

وعليه؛ فكون ربطة العنق لم تعد شعارًا دينيًا خاصًا بالكفار يُخفف جانب المنع في حق عامة الناس، لكنه لا يُسقط الاعتبار بالكلية؛ لأن للهيئة الظاهرة أثرًا معتبرًا في إبراز التميّز وحفظ السمت.

ومن هنا يظهر أن محل الإشكال ليس في لبسها من عموم الناس على القول بالجواز، بل فيمن يلبسها ممن ينتسب إلى العلم الشرعي ويُعرف به؛ إذ ليس من اللائق بحملة الشريعة ودعاتها أن يتشبهوا في هيئاتهم بما لا ينسجم مع سمتهم العلمي، وليس المقصود بذلك تحريمًا لذاته، وإنما مراعاةٌ لجانب المروءة، وحفظٌ لهيبة العلم، وسدّ لما قد يُفضي إلى تمييع الفوارق الظاهرة بين أهل العلم وغيرهم.

وقد قرر الفقهاء أن من يُقتدى به عليه أن يراعي في هيئته ما يحفظ به قدر العلم في النفوس، وأن يترك ما يُنقصه في أعين الناس، ولو كان الفعل في ذاته مباحًا؛ لأن المروءة والسمت من المعاني المعتبرة شرعًا، لا سيما في حق من يتصدر للتعليم والدعوة.

كما أن تميز أهل العلم باللباس عن غيرهم أمر متقرر عند الفقهاء
فقد ذكر الخرشي في شرح مختصر خليل:(وقالوا: ينبغي للعالم أن يلبس ما يميزه عن غيره)

والحاصل أن ترك لبس ربطة العنق من أهل العلم في هذا السياق ليس من جهة تحريم لذات الفعل، وإنما من جهة تحقيق المروءة وحفظ مكانة العلم...وهو أصل معتبر عند السلف والأئمة...
ولذا صح الإنكار على من لبسها...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 22 أبريل 2026

هل هذه العبارة التي صدرت من بعض الإخوة وهي أن "تطبيق شرع الله من جميع الناس هو التوحيد ومناط كلمة لا إله إلا الله" عبارة صحيحة؟ وهل تنسجم مع أصول أهل السنة؟

 هل هذه العبارة التي صدرت من بعض الإخوة وهي أن "تطبيق شرع الله من جميع الناس هو التوحيد ومناط كلمة لا إله إلا الله" عبارة صحيحة؟ وهل تنسجم مع أصول أهل السنة؟

وجوابي:
أولا: هذه العبارة ليس فيها تفسير التوحيد بالحاكمية على الوجه الذي قرره المودودي وسيد قطب؛ لأن الأخ لم يقصر تطبيق الشريعة على الحكام والقضاة وإنما عممه على جميع الناس...ولم يتكلم عن التحاكم..

ثانيا: المقصود بتطبيق الشريعة: العمل بأوامر الشريعة في جميع أبواب الدين؛ فيدخل في ذلك باب العقائد، والعبادات، والمعاملات، وسائر التكاليف..
وهذا هو الانقياد العملي

ثالثا: ومع هذا، فالعبارة غير صحيحة، وفيها خلط بين التوحيد نفسه ومناطه، وبين لوازمه وواجباته.
فتطبيق الشريعة الذي هو الانقياد العملي من لوازم التوحيد ومقتضياته، لكنه ليس هو التوحيد نفسه، ولا هو مناط كلمة لا إله إلا الله. والتفريق بين الأصل ولازمه أصلٌ مهم في تقرير مذهب أهل السنة، ويترتب على الخطأ فيه اضطراب في باب التكفير.

وبيان ذلك أن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة، فمناطه مركب من إفراد الله بالعبادة مع الانقياد القلبي والخضوع والقبول
أما تطبيق الشريعة فهو العمل بأحكامها في أصولها وفروعها، وهذا من لوازم التوحيد ومقتضياته، لا أنه عين التوحيد ولا مناطه.

لماذا لا يكون تطبيق الشريعة مناطًا للتوحيد؟
لأن المناط في اصطلاح الأصوليين: هو الوصف الذي يدور معه الحكم وجودًا وعدمًا.

فإذا قيل: إن تطبيق الشريعة مناط التوحيد، لزم من ذلك أن التوحيد ينتفي بانتفائه، ولا يبقى مع ترك التطبيق شيء من أصل التوحيد.

وهذا غير صحيح؛ لأن ما يندرج تحت تطبيق الشريعة جنسٌ واسع، يشمل: ما يذهب تركه أصل التوحيد، وما يذهب تركه كمال التوحيد الواجب، وما يذهب تركه كمال التوحيد المستحب
فما يدخل تحت تطبيق الشريعة متفاوت الأحكام، لا يستقيم جعله مناطًا واحدًا يدور معه التوحيد وجودًا وعدمًا.
ولأن الذي ينتفي به أصل التوحيد هو ما يزول بزواله القبول والانقياد القلبي والخضوع لا مطلق ترك تطبيق الشريعة..

فإن قلت: مقصودي بترك تطبيق الشريعة الذي ينتفي بانتفائه التوحيد هو الترك بالكلية
قيل: الخطاب هو للمسلم، ولا يتصور من مسلم أن يترك تطبيق جميع ما أمر به الشرع بالكلية؛ لأن الترك بالكلية يلزم منه ترك جزء من أوامر الشريعة المتعلق بإفراد الله بالعبادة، ومن تركه لم يدخل في الإسلام أصلا..ولذا لم يصح مخاطبته بتطبيق الشريعة لعدم دخوله في الإسلام ابتداء
ولأن الترك بالكلية يلزم منه زوال القبول لكلمة التوحيد وزوال الخضوع والانقياد القلبي..

ومن هنا يظهر أن خطورة هذه العبارة في أنها:
1-جعلت اللازم مناطا للتوحيد
2-جعلت جميع جزئيات تطبيق الشريعة ينتفي التوحيد بانتفائه، وهذا يلزم منه: تكفير عموم العصاة؛ لتركهم جزئيات من الشريعة لم يطبقوها، فيكون توحيدهم قد بطل لانتفاء مناطه....

ثالثا: ما تقدم تقريره بناء على أن مفهوم تطبيق الشريعة ليس محصورا في باب المنازعات والخصومات أو في جانب القضاء والحدود فقط، بل هو أوسع من ذلك، فيشمل باب العقائد والعبادات وسائر أبواب الدين.
وعلى هذا الفهم الشامل، لا يُتصوَّر من مسلم أن يترك تطبيق الشريعة بالكلية، وإنما يقع الترك جزئيًا لا كليًا.

أما إذا قُصِر المفهوم على الجانب القانوني أو القضائي، وجُعل خاصًا بالحكام أو القضاة، ثم جُعل هذا هو التوحيد ومناطه، فهذا مسلك لا ينسجم مع أصول أهل السنة، وهو الذي أوقع الخوارج قديمًا، وبعض المعاصرين في توسيع دائرة التكفير؛ إذ ضيّقوا مفهوم الشريعة، ووسّعوا مفهوم التوحيد عمليًا، وألغوا التفصيل بين ما يرجع إلى التكذيب أو الامتناع، وما لا يرجع إليهما.

ومن المقرر عند أهل السنة أن التوحيد لا يزول من أصله بمجرد ترك بعض تطبيقات الشريعة – بالمفهوم الضيق – ما لم يكن ذلك على وجه التكذيب أو الامتناع.
..
وقد ترك النجاشي تطبيق أكثر شرائع الإسلام لعجزه، ومع ذلك صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعده صلى الله عليه وسلم تاركا للتوحيد !

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 9 أبريل 2026

هل تُعدّ إيران دولة مسلمة؟

هل تُعدّ إيران دولة مسلمة والتي تقدر نسبة الرافضة فيها 80% تقريبا على اختلاف في الإحصائيات؟ 


برزت الحاجة إلى طرح على هذا السؤال قي هذا الوقت في سياق الرد على ما يقوم به بعضهم من الترويج لإيراان والاعتذار لها

فقط لكونها تقاتل عدوا للمسلمين... 


ولكي نجيب على هذا السؤال:

أولًا: المقصود هنا هو الحكم على الدولة ونظامها السياسي، وليس على أفراد الشعب، ولا عامة الشيعة، خاصة من يجهل حقيقة مذهبه. 


ثانيًا: لفهم الإجابة، لا بد من التعرف على طبيعة نظام الحكم في إيران:

بعد عام 1979، أصبح النظام في إيراان قائمًا على مبدأ ولاية الفقيه، الذي أقرّه الخميني، ويقضي بأن يتولى قيادة الدولة عالم شيعي اثنا عشري إلى حين عودة الإمام الثاني عشر، الذي اختفى في القرن التاسع 


وبناءً على ذلك، فإن منصب المرشد الأعلى — وهو أعلى سلطة في البلاد — يجب أن يكون من رجال الدين الاثني عشري، وقد تولى هذا المنصب كل من الخميني ثم علي خامنئي والآن ابنه. 


ويمتلك المرشد الأعلى صلاحيات واسعة تشمل: توجيه السياسات العامة، الإشراف على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التحكم في الجيش والحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات، اتخاذ قرارات الحرب والسلم والملف النووي

فالسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، تكون جميعها تحت إشراف المرشد الأعلى..ابتداء بالخميني ثم الخامئني.... 


ثالثًا: بما أن النظام في إيران ديني في طبيعته؛ لكونه قائما على أيديولوجيا دينية (ولاية الفقيه)، فالعقيدة الرافضية جزء من بنية الحكم، وتوجهات الدولة تعكس عقيدة القيادة الدينية (المرشد)، وليس الرئيس المنتخب الذي يقتصر دوره على التنفيذ.

وبالتالي، فإن العقيدة التي تحكم الدولة هي العقيدة التي تبناها الخميني، وهي عقيدة غلاة الرافضة...والتي تُصنَّف عند العلماء ضمن العقائد الكفرية... 


رابعًا: أما الحكم على الشيعة كأفراد، فالكلام عن أعيان الرافضة ليس له حكم واحد وإنما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة وهو يتكلم عن أعيانهم: (والرافضة ليسوا كفارًا كفرًا مطلقًا، بل فيهم كفر، وفيهم بدعة، وفيهم ظلم وفجور..)

وهذا الكلام يتناول الأفراد والطوائف، فهو يتكلم عن الرافضة كطائفة وأعيان لم تعرف لهم دولة استقر نظامها على عقائد مخصوصة

ولذا كان من الغلط تنزيل كلام ابن تيمية في الرافضة على نظام دولة إيراان

وأحكام الفرق في القديم لا تُنزل مباشرة على الدول الحديثة دون تحقيق مناط دقيق 


خامسا: ولتوضيح التكييف الشرعي لدولة إيران، لا بد من النظر إلى جملة من المعايير، وفي مقدمتها: السلطان الظاهر، وإقامة الشعائر الإسلامية، أو الغلبة . 


فإذا نظرنا إلى واقع إيران، نجد أن السلطان الظاهر فيها إنما هو لغلاة الرافضة، ونسبة الرافضة أغلبية وهي توالي النظام، ولا يوجد في طهران مسجد واحد لأهل السنة يعلن فيه بالأذان....بينما تعج بالمعابد اليهوودية والهندوسية والكنائس...!!، ولم يأمن أهل السنة الذين هم أقلية في هذه الدولة على دينهم وأعراضهم بل يعيشون مضطهدين..

ولذا كان التكييف الشرعي لها أنها دولة تظهر الإسلام وتبطن الكفر والزندقة... 


وقد عوملت من حيث كونها دولة معاملة المنافقين في بعض الشعائر، كالحج والعمرة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 


http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/04/blog-post_9.html

الخميس، 2 أبريل 2026

اعتراضات وإجابات حول مسألة الفارق بين سعر النقد والبطاقة المصرفية

 اعتراضات وإجابات حول مسألة الفارق بين سعر النقد والبطاقة المصرفية

شهدت مسألة حكم رفع سعر السلع عند الدفع بالبطاقة المصرفية مقارنة بسعر النقد، جدلًا فقهيًا
وقد اطّلعتُ على مقالٍ سعى صاحبه إلى دفع اعتراضات المانعين، مؤسسًا قوله على فكرة مفادها: حماية التاجر من الضرر، ولو آل ذلك إلى تحميل عموم المستهلكين تبعة تلك الحماية.

ومحصّل هذا المسلك: أن التاجر لما كان يتضرر بتأخر السيولة وفرض العمولات من قبل المصرف، جاز له أن يزيد في السعر عند الدفع بالبطاقة، وجُعلت هذه الزيادة في مقابل الفارق الزمني بين قبض المشتري للسلعة وانتفاعه بها، وبين قبض التاجر للثمن وانتفاعه به.

فلأجل حماية التاجر من تآكل رأس ماله بسبب عدم التزام المصرف بتوفير السيولة مع فرض العمولة عليه
جوز للتاجر الزيادة في السعر عند الدفع بالبطاقة، وجعل هذه الزيادة لأجل الزمن، أي: لأجل الفارق الزمني بين استلام الزبون للسلعة وانتفاعه بها، والزمن الذي يستلم فيه البائع للثمن وانتفاعه به. فحمل تكاليف هذا الزمن على عموم المستهلكين...

وهذا المسلك لا يخلو من نظرٍ من وجوه:

أولًا: أنه نظر إلى المسألة من جهة واحدة، فاعتبر مصلحة التاجر، وأغفل مصلحة المستهلك، ولم يراع المآلات العامة، وهذا قصور في التصور؛ إذ الشريعة إنما تقيم ميزان العدل بين المتعاملين، لا أن ترجّح طرفًا بإيقاع الضرر على آخر.

ثانيًا: أنه خلط بين جهتين متباينتين في التعاقد؛ فالعلاقة بين التاجر والمصرف شيء، والعلاقة بين التاجر والمشتري شيء آخر.
فمسألة تأخر السيولة أو فرض العمولة إنما هي ناشئة عن عقد التاجر مع المصرف، لا عن عقده مع المشتري. وإذا أخلّ أحد المتعاقدين بالتزامه، فإنما يثبت للطرف الآخر حق الفسخ أو المطالبة، ولا يُسوّغ له نقل تبعة هذا الإخلال إلى طرفٍ أجنبي عن العقد. والقاعدة المقررة أن “العقد لا يلزم إلا عاقديه”، فلا يجوز تحميل المشتري ما ليس من موجبات عقده
وانتبه إلى هذا

ثالثًا: أن تعليل الزيادة في السعر بكونها في مقابل الزمن تعليل غير منضبط؛ لأنه مبني على قياسٍ مع الفارق. فالزيادة في البيع الآجل إنما تقابل زمنًا ينتفع به المشتري، حيث يُمهل في دفع الثمن.
أما في الدفع بالبطاقة الاي هي وسيلة دفع لا زمن فيها، فالمشتري قد دفع الثمن حالًا من جهته، وانتقلت ذمته إلى المصرف، فالعقد بينه وبين التاجر عقدٌ حالّ، لا يتضمن تأجيلًا في حقه. وأما التأخر في قبض التاجر للثمن، فهو أثرٌ لعلاقته بالمصرف، لا للمشتري فيه يد. وعليه، فلا يصح جعل المشتري محمّلًا بزيادةٍ في مقابل زمنٍ لم ينتفع به، ولا التزامٍ لم يلتزمه. ثم إن الأصل أن الثمن يتبع السلعة، لا وسيلة الدفع.

رابعًا: أن تحميل المستهلك هذه التكاليف يتعارض مع جملة من القواعد الكلية؛ فمنها قاعدة “الغُنم بالغُرم”، فإن المنتفع بالخدمة هو التاجر، فيتحمل تبعتها. وما يلحقه من عمولات أو فروقات هو من قبيل المخاطر التجارية التي دخل فيها باختياره، فلا يُنقل أثرها إلى غيره.
كما يتعارض مع قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، إذ لا يُدفع الضرر عن التاجر بإيقاعه على المستهلك.
وكذلك قاعدة “الضرر لا يزال بالضرر”، فإن رفع ضررٍ خاص بإحداث ضررٍ عام أو مماثل ليس من مقاصد الشريعة.
وفيه أيضًا فتحٌ لباب الذرائع إلى الغرر والغبن، إذ التوسع في مثل هذه الزيادات يؤدي إلى انفلات التسعير ووقوع الجهالة وعدم الانضباط.

وإذا نُظر إلى المسألة نظرًا مقاصديًا، فإن القول بإباحة هذه الزيادة يفضي إلى آثارٍ غير محمودة: من إرهاق عموم الناس، وتعطيل وسائل الدفع الحديثة، وزيادة الاعتماد على النقد، بما يعمّق الإشكالات الاقتصادية القائمة بدل معالجتها.

وعليه، فإن تنزيل هذه النازلة على أصول الشريعة وقواعدها يقتضي المنع من هذه الزيادة..

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 27 مارس 2026

هل اللي يشتغل في مسائل فقهية أو اجتهادية، أو يحذّر من جماعات وفرق يُعدّ بالضرورة مُهمِلًا لقضايا الأمة الكبرى، وما هو أشد خطرا، تاركًا لفقه الأولويات؟

 هل اللي يشتغل في مسائل فقهية أو اجتهادية، أو يحذّر من جماعات وفرق يُعدّ بالضرورة مُهمِلًا لقضايا الأمة الكبرى، وما هو أشد خطرا، تاركًا لفقه الأولويات؟


وهل اللي يكتب مقالات متعددة في مسألة كإخراج زكاة الفطر طعاما

ولا يتكلم في المنظمات الغربية ونحوها يكون مقصرا؟ 


الجواب: لا

لأن الذي يتكلم في المسائل الجزئية قد لا يكون أهلا لأن يتكلم في القضايا العامة، إما من جهة ضعف الآلة وإما من جهة عدم الإحاطة بواقع القضايا...وقد تكون الحاجة في محيطه لبيان المسائل الجزئية أعظم من حاجتهم لبيان غيرها...


والمهم أن كون المسألة قي نفسها أخطر لا يلزم أن يكون الكلام فيها مقدما في كل زمان ومكان... 


وقد أفرد كثير من علماء الأمة عبر تاريخها مسائل جزئية بالتأليف، مع مناقشة المخالفين تفصيلًا، من غير أن يُعرف عنهم الكلام في التنصير أو في نقض الفلاسفة، ولم يُعدّ هذا قدحًا في علمهم، ولا تقصيرًا في حق الأمة. 


ومع وضوح هذه المسألة

فقد ظهر في الآونة الأخيرة طرحٌ يزعم أن كثيرًا من المشايخ والدعاة قد اختلّ عندهم ميزان الأولويات، وأنهم انشغلوا بالجزئيات عن القضايا الكبرى، ... 


وهذا طرحٌ غير دقيق؛ إذ يقوم ضمنيًا على فكرة أن الاشتغال بمسائل فقهية أو اجتهادية، أو التحذير من الجماعات والفرق، يساوي إهمال القضايا الكبرى والانشغال عما هو أخطر!!!. 


ويكفي في نقضه أن الشريعة لم تجعل أبواب الدين ومسائله متزاحمةً على وجهٍ يلزم منه أن الاشتغال ببعضها يؤدي إلى إهمال غيرها، بل هي أبواب متكاملة، يقوم بعضها ببعض. 

كما أن الشريعة لم تجعل أهل العلم سواءً في تناول جميع المسائل، بل اقتضت الحكمة تنوّع تخصصاتهم؛ فمنهم الفقيه، ومنهم المفسّر، ومنهم من يتصدّى للنوازل الفكرية والقضايا المعاصرة. 


وعليه، فاشتغال بعضهم بالفقه بحسب تخصصه لا يُعدّ تقصيرًا في غيره من الأبواب؛ لأنه مخاطب أن يتكلم فيما يحسنه

كما لا يُلام المفسّر على عدم اشتغاله بالفقه التفصيلي، ولا المتصدّي للنوازل على عدم التفرغ للتدريس الفقهي؛ لأن توزّع الجهود في الأمة ليس خللًا، بل هو من تمام الكفاية فيها. 


ومن القصور في هذا الطرح: تجاهل وجود عدد كبير من العلماء والدعاة يتناولون: قضايا التغريب، والتحديات الفكرية، فأهل العلم يكمل بعضهم بعضا ... 


ثم إن الكلام في قضايا الأمة ليس مناطُه مجرد الإكثار من الحديث في الجزئيات، ولا يُقاس بكثرة المقالات في مسائل بعينها – كالمسح على الجوربين – تكرارًا وتفصيلًا؛

وإنما مناطه الحقيقي: تحقّق الأهلية العلمية، والقدرة على الاستنباط الصحيح، مع فقهٍ دقيقٍ للواقع وإدراكٍ لتعقيداته...


وكم تكلم أناس في القضايا العامة فضلوا وأضلوا!!!


كتب د أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 23 مارس 2026

موقف #السلفيين من حرب إيراان والحياد فيها

  يؤكد الواقع، في كل مرة تتجدد فيها الأزمات، أن المنهج الذي ينطلق منه السلفيون القائم على كليات الشريعة ومناطاتها في فهم الوقائع السياسية وتحديد المواقف ليس مجرد تنظير ذهني، بل هو محاولة جادة لربط المواقف بالأصول الشرعية، بعيدًا عن الشعارات الخادعة والانجرار وراء العواطف. 


وفي هذا السياق، برز خطاب يروّج لفكرة أن الوقوف مع إيرااان هو وقوف مع الإسلام، وأن أي موقف ناقد أو حتى محايد إنما يصبّ في مصلحة اليهووود. 


غير أن هذا الطرح عند تحليله يتبيّن أنه قائم على خلط منهجي بين الدين والسياسة، وبين العقيدة والمصالح. 


فالقول بأن إيراان تمثل الإسلام هو اختزال مخلّ، يتجاهل كونها دولة ظاهرها الإسلام وباطنها الكفر ، ويتغافل عن حقيقتها كدولة لها مصالحها الخاصة، ويتجاهل أيضا طبيعة مشروعها الذي لا ينفصل عن سعيٍ واضح لبناء نفوذ سياسي ممتد في المنطقة. 

ومن ثَم فإن ربط الإسلام بها ربطٌ يفتقر إلى الدقة، ويؤدي إلى تضليل في فهم الواقع. 

فالذين انتقدوا الحياد وعدم الوقوف مع إيرران بنوه على أن إيراان تمثل الإسلام...


ومن أخطر ما يروّج له هذا الخطاب كذلك مغالطة الثنائية التي تختزل المشهد في خيارين لا ثالث لهما: إما الوقوف مع إيراان، أو تمكين اليهووود. 

وهذا تبسيط شديد؛ لأن الواقع أعقد من ذلك بكثير؛ إذ تتعدد القوى الفاعلة، وتتشابك المصالح، وتتداخل الصراعات على نحو يجعل من المستحيل اختزال المشهد في طرفين فقط. 


أما الهجوم على الحياد، فهو في حقيقته مبني على ضغط عاطفي، وتخوين مسبق لكل من يرفض الاصطفاف مع إيراان، لا على تحليل واقعي أو تأصيل شرعي معتبر. 


بينما الحياد، في ميزان الشرع والعقل، موقف معتبر؛ إذ يقوم على رفض الظلم من جميع الأطراف، ويرفض في الوقت نفسه الانجرار خلف دعايات متناقضة أو اصطفافات غير منضبطة. 


وأخيرا أقول: إن الإشكال الحقيقي يكمن في محاولة إلزام الناس بخيارات محددة، وحصرهم في ثنائية زائفة، تحت ضغط التخوين والتشكيك. 


وهذا ما يحذر منه السلفيون حقا، إذ يؤكدون على ضرورة التمييز بين الدين والمشروعات السياسية، وعدم الانخداع بالشعارات على حساب الحقائق.


فهنيئًا لمن التزم منهج السلف، وأحسن النظر، ولم يُسلّم عقله للشعارات. 


✍️ كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 13 مارس 2026

هل الحرب على إيران حرب دينية؟

 هل الحرب على إيران حرب دينية؟

يستثمر بعضهم تصريحات لبعض المسؤولين الغربيين حول البعد الديني للصراع؛ ليجعل ذلك مسوغًا للقول بوجوب الوقوف مع إيران باعتبار أن الحرب عليها حربٌ دينية على الإسلام.

غير أن الأقرب إلى الواقع أن الحرب على إيران  ليست في أصلها حربًا دينية، وإنما هي حرب نفوذٍ وهيمنةٍ وصراعٍ على مراكز التأثير في الاقتصاد العالمي وممرّاته الحيوية.
فالموقع الجغرافي لإيران، وتحكّمها النسبي في مسارات الطاقة والتجارة، يجعلها جزءًا من صراع دولي أوسع يتعلّق بتوازنات القوة والنفوذ أكثر مما يتعلّق بالعقائد الدينية.

ومع ذلك، فهذا لا ينفي أن بعض الأطراف قد تستثمر البعد الديني في تفسير الصراع أو تعبئة الأنصار أو إضفاء معنى عقدي على ما يجري.

ومن هنا يظهر حضور عدد من التصورات الدينية في خطاب هذه الأطراف، وغالبًا ما يُربط ذلك بفكرة المخلّص المنتظر أو بالأحداث التي تسبق ظهوره.

ففي المعتقد الشيعي الإمامي

تذكر الروايات الشيعية أن خروج المهدي المنتظر يسبقه اضطراب عظيم في العالم، وحروب واسعة يكثر فيها القتل والفساد، حتى تمتلئ الأرض جورًا وظلمًا، ثم يخرج المهدي ليملأها عدلًا.
وهو عند الرافضة سيصلب أبا بكر وعمر، ويقيم على عائشة حد الزنا قاتلهم الله

وفي المعتقد اليهودي

ينتظر اليهود ما يسمونه بـ  المخلّص، وهو عندهم من نسل داود عليه السلام، يأتي في آخر الزمان ليجمع اليهود ويقيم لهم ملكًا عظيمًا، ويعيد بناء الهيكل في أورشليم.
وقد ارتبطت هذه الفكرة في الفكر الصهيوني الحديث بمشروع إعادة تجميع اليهود في فلسطين وإقامة دولة قوية تكون مركز السيادة والنفوذ.
والخلاص قد يكون  بعودة المسيح الذي هو من نسل داود أو بقيام دولة المسيح وإن لم يأت المسيح...

وفي المعتقد النصراني

انتظار عودة المسيح عيسى عليه السلام في آخر الزمان بعد ما صلب نفسه، ليقيم ملكوت الله ويخلّص العالم من الشرور والظلم.

ومن هنا ينبغي التفريق بين الدوافع الحقيقية للصراع التي تدور غالبًا حول النفوذ والمصالح، وبين الخطابات الدينية التي قد تُوظَّف في تفسيره أو تسويقه.

اللهم أهلك الظالمين بالظالمبن
د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 8 مارس 2026

حكم معاملة (2000) دولار عبر المنصة

حكم معاملة (2000) دولار عبر المنصة

بعد الدخول إلى المنصة وتسجيل البيانات واختيار شركة صرافة وصدور الموافقة من شركة الصرافة يتم حجز قيمة الدولار بالدينار الليبي..

وقد استشكل كثير من الناس ما يقع في هذه المعاملة من حجز قيمة العملة بالدينار من حساب الزبون، ثم تأخر إيداع الدولار في حسابه مدة من الزمن، وظن بعضهم أن هذا التأخر قد يوقع في ربا النسيئة لعدم تحقق التقابض في بيع العملات.

والأقرب فقهيًا في رفع هذا الإشكال وتجويز المعاملة أن يقال: إن عقد الصرف لا ينعقد بمجرد حجز المصرف للقيمة بالدينار الليبي من حساب الزبون، وإنما ينعقد عند التنفيذ الفعلي وقيد الدولار في الحساب.
فالحجز الإلكتروني ليس عقد صرف، وإنما إجراء تمهيدي...

وتوضيح ذلك فيما يأتي:

أولًا:
يشترط في بيع العملات (الصرف) حصول التقابض في المجلس، إما قبضًا حسيًا كاستلام العملة باليد، أو قبضًا حكميًا يقوم مقامه، ومن صور القبض الحكمي المعاصرة القيد المصرفي الذي يثبت به المال في الحساب ويتمكن صاحبه من التصرف فيه.

ثانيًا:
عندما تقوم شركة الصرافة بطلب شراء الدولار عبر منظومة مصرف ليبيا المركزي: توجه المنظومة المصرف التجاري إلى الحجز على المقابل بالدينار من حساب الزبون. فيقوم المصرف التجاري – بوصفه وكيلاً – بحجز قيمة العملة فقط، دون أن يتم في هذه المرحلة بيع العملة أو تحويلها.

ولهذا فهذه المرحلة ليست بيعًا ولا صرفًا، وإنما مجرد حجز لضمان توفر المقابل المالي. فمجرد حجز المصرف التجاري لقيمة العملية بالدينار الليبي من حساب الزبون لا يُعد صرفًا، ولا يعد قبضًا إلكترونيًا؛ لأنهلا يترتب عليه التمكين من التصرف وهو إحراء،ضماني فقط.
ومن الطبيعي تبعًا لذلك أن يتأخر دخول الدولار في حساب المشتري؛ لأن عملية الصرف لم تتم بعد، وإنما هي في طور الإجراءات التنظيمية، ويشبه ذلك ما يقع في الشيك المصدق من حجز المبلغ دون انتقاله في الحال،
وللمشتري خيار إلغاء الطلب قبل التنفيذ.

أما شركة الصرافة في هذه المرحلة فدورها وساطة تنظيمية ..ويسكنها المصرف من الاطلاع على حساب الزبون وتوفر القيمة فيه...

ثالثًا:
بعد اعتماد الطلب وتنفيذه عبر المنظومة، يتم في الوقت نفسه اقتطاع المقابل بالدينار الليبي وقيد قيمة الدولار في حساب الزبون..
وهذا القيد هو القيد الفعلي الذي يتحقق به القبض الحكمي المعتبر شرعًا، وإن تأخر تسليم البطاقة..

وعليه فهذه المعاملة صحيحة من حيث الأصل، ولا يؤثر تأخر التسوية الفنية بين المصارف على صحتها ما دام القيد الفعلي للعملة قد تم.

كما لا يؤثر على صحة المعاملة عدم توفر سيولة نقدية من الدولار يمكن للزبون سحبها في لحظة إبرام العقد؛ لأن المعتبر في القبض الحكمي ثبوت المال في الحساب والتمكن من التصرف فيه، لا مجرد التمكن الفوري من سحبه نقدًا.

والله أعلم.

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/03/2000.html

الجمعة، 6 مارس 2026

الموقف من الحرب على إيرااان ينظر فيه لمصلحة الأمة المستضعفة

يظن بعض الناس أننا عندما نفرح بكسر شوكة اليهووود ونظام إيرااان معًا، فإننا غافلون عما يصرّح به بعض الأمريكييين وغيرهم من أن ما يجري هو حرب ذات أبعاد دينية، وأنهم لا يرون حرجًا في أن يسيطر اليهووود على أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، وأن هناك تحالفًا صهيوو-أمرييكيًا يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة ورسم ملامح النظام العالمي القادم، وتحديد من سيبقى مؤثرًا فيه. 


لم نكن غافلين عن هذا، فقد أصبح يدركه الصغير والكبير...

غير أن الواقع المؤلم هو أن أهل السنة في هذه المرحلة ليس لهم في هذه الأحداث إلا موقع المتفرج، إذ لا يملكون القدرة على خوض مثل هذه المواجهات الكبرى. 


وعلى أهل السنة أن لا يبقوا مكتوفي الأيدي متفرجين، بل عليهم أن يسعوا لتقوية صفهم وتوحيد كلمتهم، متعاونين على النهوض بأمتهم مستعصين على عدوهم....... 


لكن إدراكنا لهذا الواقع لا يعني أبدًا أن نصوّر إيراااان على أنها الحارس لبيضة الإسلام، أو أن نعتبر انتصاراتها انتصاراتٍ للدين وحمايةً لبلاد المسلمين، كما يفعله الإخوان ومن تأثر بطرحهم ... 


فإيراان لم تدخل هذه المعركة دفاعًا عن الأمة، بل دفاعًا عن نفسها ومشروعها؛ فهي تقاتل لتضمن لنظامها موطئ قدم في النظام العالمي الجديد، وتسعى بكل ما تملك من قوة إلى بقاء النظام الخميني الصفوي واستمراره. 


فإيرااان لم تدخل المعركة لتمثل الإسلام، ولا لتحافظ على بلدان المسلمين، وإنما هي دولة ظاهرها الإسلام وباطنها الكفر. 

وبهذا يدرك المرء مدى بُعد وسذاجة من انطلق في الوقوف مع إيرااان على أن المعركة دائرة بين مسلمٍ يمثل الإسلام وكافرٍ يحاربه. 


وإنما المناط الذي يدور عليه الموقف هو: أيهما أشد ضررًا على المسلمين؟ 


فبعضهم يصور أن النظام الإيراااني فيه خير للمسلمين وغفل أنه نظام لا يقل عداوة ولا خطورة على المسلمين من عداوة اليهوود؛ فاستباحة دماء أهل السنة لديه ليست مجرد سياسة عابرة، بل هي امتداد لعقيدة راسخة. وقد شهدت العقود الأخيرة في العراق وسوريا ولبنان قتلًا وتشريدًا واسعًا لأهل السنة، ربما يفوق ما ارتكبه الصهاااينة، وخطرهم على عقيدة أهل السنة أعظم من خطر اليهوود... 


كما أن النظرة العقدية لدى كثير منهم تعتبر دول أهل السنة دولًا كافرة، وترى قتالها أولى من قتال اليهود والنصارى. ومن يطالع التراث الرافضي يدرك حجم الهوة العقدية بينه وبين عقيدة أهل السنة. 


ومن يظن أن انتصار إيرااان هو انتصار للإسلام، فإنه يتغافل عن حقيقة المشروع الذي تسعى إليه؛ مشروع يقوم على عقيدة تكفير الصحابة، ولعن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وتقتيل أهل السنة، وجعل المعتقد الرافضي الاثني عشري أساسًا لدستور الدولة ونظامها. 


ومع ذلك، فنحن لسنا مع استيلاء اليهوود على إيرااان؛ لأن تمكّنهم قد يقرّبهم من تحقيق مشروعهم التوسعي في المنطقة، وهو أمر لا يخدم مصالح أمرييكا نفسها،مما يفسر لنا إقحام أمرييكا اليهوود في حروب أنهكتها. 


كما أننا لسنا مع انتصار إيرااان؛ لأن ذلك يؤدي إلى بسط نفوذها على بلدان أهل السنة، وإشعال مزيد من الحروب الطائفية، وتشريد الشعوب وتمزيق المجتمعات، كما أن خطرهم على عقيدة أهل السنة كبير... 


إنما الذي نرجوه هو أن يخرج الجميع من هذا الصراع منهكين ضعفاء، فلا يعلو فيه باطل على حساب الأمة.


ومن السذاجة أن يظن ظانٌّ أن هذا الموقف يعني تفضيل كافر على مسلم، أو التسوية بين مجرم ومسلم؛ فالمسألة ليست مفاضلة بين حق وباطل، ولا بين مسلم وكافر، وإنما نظر إلى مصلحة الأمة. 


ومن يسم موقفنا بأنه موقف حياد فليسمه؛ إذ هو الموقف الشرعي الصحيح الذي يوافق كليات الشريعة ومقاصدها..

واستدعاء كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه النازلة استدعاء لكلام في غير سياقه وعلى غير واقعه...فشيخ الإسلام لم يتكلم عن دولة لها مشروعها.. 


اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين. 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 3 مارس 2026

هل انتصار إيرااان – لو وقع – أخفُّ ضرراً على الأمة؟

 هل انتصار إيرااان – لو وقع – أخفُّ ضرراً على الأمة؟ 


[يقول ابن تيمية في منهاج السنة النبوية وهو يصف حال طوائف من الرافضة حين تمكنوا في بعض سواحل الشام:“...وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء...”]


من يقرأ التاريخ قراءة فاحصة، وينظر في وقائع الحاضر، يدرك أن انتصار إيران – لو وقع – ليس فيه نفع للأمة، ولا يُدرج في باب أخفّ الضررين. 


فالمعيار في تقدير المصالح ليس هو: من يواجه من؟

بل: ماذا سيحدث داخل الأمة إذا تمكّن هذا المشروع؟ 


والمشروع السياسي الذي تتبناه إيرااان لم يُخفِ خصومته العقدية والسياسية لأهل السنّة، ولم يوار حقده الدفين على أهل السنة ..

والتاريخ يشهد بأن تمكين الرافضة إذا اقترن بالسلطان والسلاح كان وبالاً على المسلمين... 

قال ابن تيمية في منهاج السنة:(وقد علم أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه ألوف من الرافضة يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقا عظيما وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان، أخذوا الخيل والسلاح، والأسرى وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا من مر بهم من الجند، وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى، وقالوا له: أيما خير: المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى. فقالوا له: مع من تحشر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى. وسلموا إليهم بعض بلاد المسلمين) 


وقد صدرت تصريحات عن قياداته، ومنهم علي خاامنئي، القائل بأن المعركة الحقيقية ليست مع اليهوود ولا مع النصارى وإنما المعركة الحقيقية مع أهل السنة، وهو ما انعكس عمليا على العراق وسوريا... 


كما أن التراث العقدي لبعض منظّري التشيّع الاثني عشري يتضمن أحكاماً صريحة في تكفير المخالفين. يقول نِعمةُ اللهِ الجَزائِريُّ في تكفيره غَيرِ الشِّيعةِ الاثنَي عَشريَّةِ: (لم نَجتَمِعْ مَعَهم على إلهٍ ولا نَبيٍّ ولا على إمامٍ، وذلك أنَّهم يقولونَ: إنَّ رَبَّهم هو الذي كان محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَبيَّه، وخَليفتُه أبو بكرٍ، ونحن لا نَقولُ بهذا الرَّبِّ، ولا بذلك النَّبيِّ، بل نَقولُ: إنَّ الرَّبَّ الذي خَليفةُ نَبيِّه أبو بكرٍ ليس رَبَّنا، ولا ذلك النَّبيُّ نَبيَّنا)    ((الأنوار النعمانية)) (2/279). 

ويقول أبو القاسِمِ الخوئيُّ: (لا شُبهةَ في كُفرِهم .....وتَدُلُّ عليه الأخبارُ المُتَواتِرةُ الظَّاهرةُ في كُفرِ مُنكِرِ الوِلايةِ أنَّه لا أُخوَّةَ ولا عِصمةَ بَينَنا وبَينَ المُخالفينَ)  ((مصباح الفقاهة)) (2/11). 

ولهذا فإن السؤال الجوهري يبقى قائماً: هل يُجعل مشروعٌ طائفيٌّ توسعيٌّ أخفَّ ضرراً لمجرد أنه في خصومة مع عدوٍ آخر؟!!! 


إن قاعدة المصالح والمفاسد لا تُبنى على الشعارات، بل على المآلات. فإذا كان تمكين هذا المشروع يُفضي بحسب التجربة القائمة إلى تعميق الانقسام الداخلي في الأمة، ومزيد تقتيل لأهل السنة، وإضعاف سيادة الدول السنية، واستدامة الصراع الطائفي داخل المجتمعات المسلمةد، فإن وصفه بأنه أخف ضرراً لا يستقيم شرعا ولا عقلا... 


فالانحراف العقدي إذا اجتمع مع مشروعٍ توسعيٍّ مسلح، كانت مفسدته مضاعفة، لأنه يستهدف البنية الداخلية للأمة قبل عدوها الخارجي... 


اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الاثنين، 2 مارس 2026

تنزيل كلام شيخ الإسلام على الحرب الدائرة على إيرااان

 

قال ابن تيمية : "‌أَلَا ‌تَرَى ‌أَنَّ ‌أَهْلَ ‌السُّنَّةِ ‌وَإِنْ ‌كَانُوا ‌يَقُولُونَ ‌فِي ‌الْخَوَارِجِ ‌وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ، لَكِنْ لَا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ ظُهُورَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ" منهاج السنة 6/375.


تنزيل كلام شيخ الإسلام على إيراان اليوم يتوقف على تحرير سؤالين جوهرين:

الأول: هل نحن أمام صورة إزالة سلطان الإسلام وظهور الكفر في ديار المسلمين؟ أو نحن أمام صراع نفوذٍ، تتنازع فيه قوى إقليمية ودولية القرار والسيادة؟ 


والثاني: هل مآل هذه الحرب محصورٌ بين خيارين: تمكين الكفر من بلاد المسلمين، أو بقاء الإسلام مع بدعة؟


الصورة التي تكلم عنها شيخ الإسلام هي حالة تمكين الكفر الصريح وإزالة سلطان الإسلام. 

في تلك الصورة لا يسع أهل السنة إلا أن يقرروا أنهم لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر على ظهور البدعة، ولو كانت بدعةً مغلظة؛ فيكون الولاء لأصل الإسلام في مقابل الكفر الصريح. 


أما الصورة المعاصرة فمختلفة تماما، فنحن لسنا أمام تمكينٍ مباشرٍ للكفر من إزالة سلطان الإسلام في بلدٍ بعينه مقابل بقاء بدعة، بل أمام صراعات نفوذٍ إقليمية ودولية لا تنحصر في ثنائية “إسلام مقابل كفر”.، بل تتشابك فيها اعتبارات القوة والسيادة والهيمنة. 


كما أن إيران اليوم ليست مجرد دولةٍ توصف ببدعة، بل دولة ذات مشروعٍ توسعيٍّ عابرٍ للحدود، له أثرٌ مباشر في إضعاف كياناتٍ سنيةٍ قائمة، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وهذا توصيفٌ سياسيٌّ للواقع، لا حكمٌ على الأفراد أو طائفة بدعية. 


وعليه فإن المناط الذي علّق عليه شيخ الإسلام حكمه ـ وهو ظهور الكفر وإزالة سلطان الإسلام ـ غير متحقق بالصورة التي تُطرح اليوم. فاختلاف الصورة يقتضي اختلاف الحكم؛ لأن الأحكام دائرةٌ مع عللها وجودًا وعدمًا. 


ولو أن إيران تخلّت عن مشروعها الدموي، وكفّت شرّها وأذاها عن أهل السنّة، وتبرّأت من عقيدتها العدائية التي تُجرّمهم وتدعو إلى استئصالهم؛ لأمكن حينئذٍ بحث إمكان الوقوف معها ضمن رؤيةٍ مصلحيةٍ منضبطة، تُقدَّر بقدرها، وتُراعى فيها المآلات ومصالح عموم الأمة. وعندئذٍ يمكن النظر في تنزيل كلام ابن تيمية على تلك الصورة. 


لكن الواقع اليوم يدل على أن إيران لم تتخلَّ عن مشروعها، ولا تبدو في طريقها إلى ذلك إلا أن يشاء الله. 


أما الانطلاق في تحديد الموقف الشرعي من تصوّراتٍ ذهنيةٍ غير منضبطة، كتصوير أن سقوط إيران سقوطٌ للأمة، وأن الدور سينتقل تباعًا إلى بقية الدول المسلمة، وأن اليهود سيتغوّلون بلا مقاومة؛ فذلك تحليلٌ يقوم على فرضياتٍ لا على قراءةٍ دقيقة للواقع. 


هذا التصوير يغفل طبيعة الصراع في النظام الدولي، حيث التنافس قائمٌ على السيطرة على مصادر القوة والمعرفة والتقنية، وعلى امتلاك القرار السياسي وتوجيهه. وليس من مصلحة الأمة أن يخرج أحد الطرفين غالبًا وهو في ذروة قوته؛ بل مصلحتها في استنزاف مشاريع الهيمنة بعضها لبعض، بحيث يضعف سلطان القرار ولو تحقق نصرٌ عسكريٌّ في الظاهر. فالقوة المنهكة ليست كالقوة المتغوّلة. 


ولهذا كان من دعاء علماء أهل السنة:

اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين. 


وأما الاغترار بالشعارات العاطفية أو الولاءات الحزبية أو النظر الضيق  

فليس أساسًا صحيحا لبناء موقفٍ شرعيٍّ في قضايا مصيرية... 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار