وقفة مع قول البربهاري: (ولا يحل لرجل أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، فلا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها)
ظاهر كلام البربهاري أنه يتحدث عن إطلاق وصف صاحب سنة على الشخص المعين، لا عن الحكم على جنس الأقوال والأفعال والأفراد.
فالمعنى: لا يُطلق على كل شخص معين وصف صاحب سنة بإطلاق ولا يشهد لمعين بذلك حتى يُتأكد من اجتماع خصال السنة كلها فيه، أي أصول السنة وقواعد الاعتقاد
فلو سُئلنا عن زيد بعينه وخالد بعينه فعلى كلام البربهاري لا نطلق عليهما وصف صاحب سنة ولا نشهد لهما بذلك حتى نتأكد من اجتماع خصال السنة فيهما، وإلا لم نطلق عليهما هذا الوصف.
وهذا النص ليس من جنس إطلاقات الأئمة كأحمد وابن المديني والثوري وغيرهم، الذين يقولون: «السنة كذا، ومن ترك منها خصلة لم يكن من أهلها»، ويقولون: «من فعل كذا فهو مبتدع».
لماذا؟
لأن هذه من عبارات الحكم العام على الأوصاف والأفعال، وقد تتناول المعين عند تحقق شروط تنزيل الحكم عليه، لكنها لا تعني تنزيل الحكم على كل معين بعينه، ولا نفي إطلاق الاسم على كل شخص بعينه حتى يستجمع خصال السنة كلها، كما فعل البربهاري.
فقد قرر الأئمة إمكانية اجتماع السنة والبدعة في رجل واحد إذا كان أصله على السنة وتأوّل في بعض المسائل أو قلد فيها.
وهذا فارق دقيق بين كلام السلف وكلام البربهاري لا يتفطن له من لا يدقق،
فظاهر كلام البربهاري رحمه الله أنه ينفي عمن لم تجتمع فيه أصول السنة كلها أن يقال عنه صاحب سنة، لكنه لم يقترح وصفه بلقب آخر كمبتدع أو خارجي أو قدري أو مرجئ بحسب ما وقع فيه من مخالفة، وإنما اقتصر على نفي وصف صاحب سنة عنه، أي ينفي عنه أن يكون سنيا على وجه الإطلاق، من غير أن يضيف: هو مبتدع أو هو خارجي أو هو مرجئ، فلم يقل: ليس بسني لكنه قدري مثلا، ولم يقل: كل من لم تجتمع فيه خصال السنة فهو مبتدع أو يوصف بالبدعة التي خالف بها أصول أهل السنة.
وبهذا يظهر الفرق المنهجي المهم بين كلام البربهاري وبين من يقول عن المعين ابتداء: «ليس بسني، بل هو مرجئ».
وحتى نفهم كلام البربهاري نسأل سؤالا: هل نفي وصف السني على وجه الإطلاق نفي لكونه سنيا في بعض الأبواب دون بعض؟ بمعنى: هل يمكن أن يقال: سني فيما وافق فيه أهل السنة، ومبتدع فيما خالف فيه؟
الذي فهمه الشيخ عبد العزيز الراجحي من كلام البربهاري أن النفي منصب على الإطلاق، وهو لا ينافي التبعيض.
أي أنه حمل كلام البربهاري على نفي أن يكون صاحب سنة على وجه الإطلاق، مع إمكان أن يقال عنه هو سني فيما وافق فيه أهل السنة، ومبتدع فيما وافق فيه أهل البدعة.
ولما سُئل الشيخ العثيمين عن ابن حجر والنووي قال: من خالف السلف في صفات الله لا يعطى الاسم المطلق وإنما يقيد يقال هم أهل السنة والجماعة في طريقتهم الفقهية مثلا، أما في طريقتهم البدعية فلا يقال من أهل السنة والجماعة
https://youtu.be/m0RQH_CE1fw?si=Md7xSIklILwggei4
وعليه، فكلام البربهاري تقعيد لمنع تنزيل وصف المدح بإطلاق على كل معين إلا باستجماع الخصال كلها، لكنه ليس تقعيدا لإثبات وصف الذم المقابل (البدعة) بإطلاق ومباشرة.
وقول الشيخين مبني على أن نفي وصف السنة المطلق عن المعين لا يلزم منه بالضرورة إثبات وصف البدعة المطلق عليه؛ لأنه ليس لازمًا من مجرد نفي أحدهما إثبات الآخر ما لم يثبت أن التقسيم بينهما حاصر، بحيث لا توجد واسطة بينهما.
وهنا يمكن أن نقول: كلام البربهاري يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون مراده التشديد في إطلاق اسم صاحب سنة على كل معين، بحيث لا يطلق عليه هذا الوصف المطلق ولا يشهد به على كل معين إلا بعد استجماع خصال السنة كلها دون أن يستلزم ذلك الحكم عليه بالضد، وإنما هناك واسطة، كما قرره الراجحي في شرحه، والعثيمين عندما تكلم عن النووي وابن حجر، وكذلك اللجنة الدائمة.
الثاني: أن يكون صاحب سنة عنده وصفا في مقابلة صاحب بدعة، بحيث يكون التقابل بينهما مقصودا وحينئذ يكون نفي الأول عن المعين إثباتا للثاني؛ لأن كلامه تقعيد للحكم على كل معين، وليس كلاما عن جنس الأقوال والأفراد.
بمعنى أن بكون مقصوده من نفي أن يكون صاحب سنة إثبات أنه صاحب بدعة، فهو إما أن يكون سنيا وإما أن يكون مبتدعا. ولا واسطة بينهما.
الإيرادات التي ترد على الاحتمالين:
يرد على الاحتمال الأول أن إثبات واسطة بين إطلاقي صاحب سنة وصاحب بدعة لا يُعرف عن السلف من جهة التسمية؛ فمن نفوا عنه السنة عينا أثبتوا له البدعة مباشرة.
ويمكن دفع هذا الإيراد بحمل القول بأنه مبتدع من وجه على مجرد الوقوع في البدعة، لا على إسقاط أصل السنة أو الحكم بالفسق الاعتقادي.
وأما الاحتمال الثاني فصحيح أن التقابل بين السني والمبتدع تقابل ضدين من جهة التسمية، بحيث إنهما لا يجتمعان في معين واحد، فالمعين إما أن بكون سنيا وإما أن يكون مبتدعا
إلا أنه لا يسلم للبربهاري أن إثبات كون المعين مبتدعا يكون بمجرد عدم استجماعه خصال السنة كلها أو بمجرد مخالفة لأصل؛ لأن هذا المعنى يخالف طريقة أهل السنة كأحمد وغيره في المعين الذي ثبت له أصل السنة الاستدلالي، فالأئمة عذروا جملة من المعينين الذين ثبت لهم أصل السنة الاستدلالي وكانوا جهالا لم تقم عليهم الحجة فيما وقعوا فيه من بدعة تخالف أصلا من أصول أهل السنة ولم يطلقوا عليهم وصف البدعة بمجرد وقوعهم في المخالفة.
فإذا حمل كلام البربهاري على أن مجرد عدم استجماع خصال السنة يوجب تبديع كل معين من غير اعتبار للعلم والقصد وقيام الحجة وسائر الفروق التي قررها السلف في تنزيل الأحكام على الأعيان، فهذا الحمل يرد عليه إشكال قوي؛ لأنه لا ينسجم مع ما ثبت عن أحمد وغيره من التفريق بين أحوال المعيّنين وعدم تبديع الجاهل أو غير المتأهل لمجرد وقوعه في المقالة المخالفة إذا ثبت له أصل السنة الاستدلالي.
يؤيد ذلك:
قال أحمد بن منيع البغوي: «من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم». فلم يصفه بالبدعة، وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه.
وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يسأل عمن وقف؟ قال أبي: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».
فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف:
الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلَّم ولا يُبدَّع.
الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليداً، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع.
الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظِّرا لمقالته، فهذا جهمي. ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال؛ إذ لا بد في تكفيره عينا من توفر الشروط وانتفاء الموانع.
كتب الدكتور أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_23.html