الاثنين، 5 أكتوبر 2026

الاعتصامات أين محل المنهج السلفي مما يحصل في ليبيا اليوم؟

 الاعتصامات

أين محل المنهج السلفي مما يحصل في ليبيا اليوم؟ 


في ظل التصاعد المستمر للاحتجاجات المعيشية في ليبيا، والتنديد الشديد بظواهر الفساد الإداري وتفاوت المرتبات بين الموظفين، تتكرر تهمة جاهزة تلقى على المنهج السلفي: أنه منهج يدعو إلى السكوت المطلق عن الظلم، ويوجب طاعة السلطة على كل حال، ويوفر غطاء تشريعيا للاستبداد. 


إن هذا التصور السائد لا يعبر عن حقيقة التأصيل الفقهي للمنهج السلفي، وإنما هو نتاج خلط بين ثلاثة محاور متمايزة: حكم طاعة ولي الأمر، ووجوب إنكار المنكر، والميزان الشرعي لوسائل الإنكار والتغيير. 


أولا: ما حدود طاعة الحاكم في المنهج السلفي؟ 


ليست الطاعة في المنهج السلفي مطلقة بغير قيد، وإنما هي طاعة مقيدة بحدود الشرع، وتابعة لتحقيق مقصود الولاية.

ولهذا يفرق المنهج السلفي بين الحاكم العدل الذي يطاع في المعروف ابتداء، وبين الحاكم الذي عرف بالظلم، فهذا الأخير لا تكون أوامره محل امتثال تلقائي حتى تختبر بميزان الشرع ويعلم خلوها من المعصية. 


وعليه، فإن مناط الطاعة التفصيلية ليس مجرد وحود السلطة وثبوت أصل الولاية، وإنما مناطها تحقيق المصلحة الشرعية الراجحة، فإذا اقترن الأمر بما يفوت المصالح الراجحة انتفى موجب الطاعة التفصيلية؛ لأن أوامره محكومة بميزان الشريعة. 


فإن قيل: هذا التأصيل النظري غالبا ما يتعطل في الممارسة العملية؛ حيث يطالب بعض الأفراد المنتسبين للمنهج السلفي واقعيا بالطاعة المطلقة تحت غطاء المحافظة على استقرار الدولة، وتتحول القيود النظرية مثل اشتراط موافقة الشرع إلى شعارات غير مفعلة. 


قيل: المنهج السلفي يقرر هذه القيود باعتبارها أحكاما شرعية ملزمة، ووقوع الخلل في التطبيق من بعض الأفراد يحسب على الممارسين فقط، ولا يتخذ حجة لإبطال النصوص والأصول الشرعية الحاكمة للعلاقة بين الراعي والرعية، ولا يتخذ حجة أيضا للقدح في المنهج السلفي. 


فإثبات أصل الولاية للحاكم الظالم لحفظ عقد الجماعة ومنع الفوضى، لا يعني مطلقا التفويض له بأن يأمر بما يشاء، فالمنهج السلفي يتوسع في إثبات أصل الولاية حماية للاستقرار، لكنه يضيق في الطاعة التفصيلية حفظا لأحكام الشريعة. 


ثانيا: هل مشروعية إنكار المنكر تستلزم مشروعية كل وسيلة إليه؟ 


هنا يكمن موضع النزاع الجوهري بين المنهج السلفي وغيره من التيارات. 

فالمنهج السلفي لا ينازع أبدا في وجوب إنكار الفساد والظلم الصادر من المسؤولين، فكون الإنسان حاكما لا يمنحه حصانة تشرع منكره، وإنما يقع الخلاف في مدى مشروعية الوسائل المستخدمة للإنكار. 


وبهذا يتبين لك بوضوح أن الموقف السلفي يقوم على أصلين متكاملين: 


الأول: رفض الظلم والفساد من الحاكم، وعدم التسليم بشرعية الطاعة التفصيلية المطلقة للحاكم الظالم. 


الثاني: إخضاع وسائل الإنكار للميزان الشرعي، بحيث لا تُختار وسيلة يغلب على الظن أن تفضي إلى مفسدة أعظم من المصلحة المرجوة. 


هذا هو المنهج السلفي باختصار، فهو يجمع بين رفض المنكر والتحفظ على بعض وسائل تغييره إذا غلب على الظن أنها تؤول إلى نتائج أشد ضررا. 


ويستند هذا البناء إلى قاعدة مقاصدية معروفة، وهي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض، وهذا الميزان يوازن بين نوعين من المفاسد: مفاسد قائمة: كالفساد الإداري وسوء الأوضاع المعيشية، ومفاسد متوقعة أشد خطورة: كحروب الأهلية، وسفك الدماء، وانهيار كيان الدولة، والتدخل الأجنبي. 


قد يعترض معترض فيقول: إذا منعت الاعتصامات والمظاهرات فلن يتغير المنكر، بل سيزداد الحكام استبدادا؛ لأن الوقائع أثبتت أنهم لا يتراجعون إلا تحت ضغط الشارع. 


والجواب عنه بالمنظور السلفي من جهتين: 


أولًا: ليس كل وسيلة تحقق قدرا من المصلحة تكون مشروعة في نفسها؛ إذ لا يقتصر النظر الشرعي على النتائج المرجوة دون النظر إلى ما يترتب على الوسيلة نفسها من مفاسد، فمجرد كون بعض الحكام يخشون المظاهرات أو يقدّمون تنازلات تحت ضغطها لا يكفي للحكم بمشروعيتها على الإطلاق، ما لم تثبت رجحان مصالحها على مفاسدها في مجموع الأحوال. 


ثانيًا: الاستدلال ببعض الوقائع لا يكفي لإثبات قاعدة عامة؛ فكما أن الواقع نفسه يشهد بأن المظاهرات والاعتصامات أفضت في بعض البلدان إلى إصلاحات، كذلك الواقع نفسه يشهد بأنها كانت في بلدان أخرى سببا في انهيار الأمن وسفك الدماء، واتساع الفوضى، والتدخلات الخارجية وانقسام المجتمعات، وإذا كان الواقع متنوعا امتنع بناء حكم عام على جزء منه وإهمال بقيته.

كما أن غلبة ما تفضي إليه في نفسها من مفاسد تمس الضرورات تجعل الحكم بمنعها مطلقا هو الأقوى؛ لقاعدة ترجيح المفاسد الغالبة على المصالح المرجوحة أو المتوهمة. 


فالمنهج السلفي لا ينازع في أن بعض الاحتجاجات قد تحقق مكاسب سياسية، وإنما ينازع في صلاحية هذه الوسيلة لتكون أصلا عاما يُدعى إليه؛ لأن العبرة في الشريعة ليست بمجرد إمكان تحقق المصلحة، وإنما برجحانها عند موازنتها بالمفسدة. 


فإن قيل: في غياب البدائل ألا يكون رفض وسائل الضغط الشعبي يعد انحيازا ضمنيا لاستمرار الواقع الفاسد؟. 


قيل: هذه الثنائية مغالطة وهي إما الاعتصامات أو الانحياز للظلم والفساد، ووجه كونها مغالطة: أن رفض وسيلة معينة كالاعتصامات والمظاهرات لا يعني بحال تعطيل الإنكار أو القبول بالاستبداد، فالشريعة لم تحصر الإنكار في وسيلة واحدة، وإنما وضعت منظومة متكاملة لإنكار المنكر تتضمن: النصح المباشر والمكاتبة، والاحتساب العلمي والدعوي والتوجيه المجتمعي لإصلاح الأفراد والمجتمع، وإنكار المنكر نفسه علنا وبيان حكمه للناس. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 4 أكتوبر 2026

الجماعات والطوائف والفرق لا تحاكم إلى أخطاء بعض أفرادها

 من أبجديات العدل والإنصاف: أن الجماعات والطوائف والفرق لا تحاكم إلى أخطاء بعض أفرادها التي لا تعبر عن أصول الجماعة أو الطائفة، وإنما تحاكم إلى أصولها ومقولاتها الثابتة أو ما كان لازما لها لزوما بينا لا يمكن انفكاكه عن الأصل أو المقالة. 


فإذا ثبت أن بعض المنتسبين إلى طائفة حول حكمه على المخالف بالتبديع إلى استباحة دمه 

فهذه مواقف خاطئة ينكر على أصحابها بأعيانهم بحسب ما ثبت عنهم، أما أن ينتقل من مواقف معينة لبعض الأشخاص إلى إطلاق أحكام على عموم المنتسبين بأوصاف جامعة، ويجعل مواقف بعض الأفراد دليلا على حقيقة الطائفة كلها، فهذه هي مغالطة التعميم.

ومن عاب على غيره ترك التفريق بين القول وقائله، لزمه ألا يقع في ترك التفريق بين فعل الفرد وأصل الجماعة. 


ولا يستقيم تشبيه من يبدع مخالفه بمن يكفره بجامع استباحة الدم؛ إذ لا تلازم بين مجرد التبديع وسفك الدم، فالتبديع العيني هو حكم شرعي على قائل ثبتت مخالفته للسنة وتحقق مناط الحكم، وليس حكما بإهدار دم. 

وإن وقع التبديع تعسفا وظلما، فعلى المتعدي إثم الظلم، ولا يلزم من مجرد تبديعه تعسفا أنه استباح دمه

بخلاف التكفير بغير حق فيسهل على المكفر أن يحول حكمه إلى استباحة الدم كما وقع في تيارات الغلو التكفيري؛ لأن التكفير حكم يتعلق بإخراج المعين من الإسلام، وتترتب على ثبوت الكفر أحكام تتعلق بالدم والمال والنكاح وغيرها، ولذلك كان باب التكفير أخطر من هذه الجهة. 


فإن تجاوز شخص بعينه فسفك دما بسبب التبديع، فالمؤاخذة عليه بعينه، ولا تحمل الطائفة ما ليس من أصولها ولا من لازمها اللزوم البيّن.


وأما القول بعدم اعتبار الجهل والتأويل في بعض صور التبديع العيني فلا يلزم منه استباحة دم المخالف بحال..... 


ومن ادعى أن الاستباحة أصل عندهم أو لازم بين لأصولهم، أو نتيجة يلتزمونها، فليأت بنصوص أئمتهم على ذلك إن استطاع.. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 3 أكتوبر 2026

سجن الدعاة نقض دعوى مساواة العقوبة التعزيرية المشروعة باستباحة الدماء زعم بعضهم أن الدواعش يستبيحون دم المسلم وعرضه وماله بدعوى التكفير، وأن من يسميهم بالجامية والمداخلة يفعلون الشيء نفسه بدعوى التبديع. !!!

 سجن الدعاة

نقض دعوى مساواة العقوبة التعزيرية المشروعة باستباحة الدماء 


زعم بعضهم أن الدواعش يستبيحون دم المسلم وعرضه وماله بدعوى التكفير، وأن من يسميهم بالجامية والمداخلة يفعلون الشيء نفسه بدعوى التبديع. !!! 


ولنضع هذا الكلام على ميزان التحقيق الشرعي والعقلي؛ ليتبين تهافته ويظهر بطلانه: 


اعتمد في الشبهة الأولى للتدليل على كلامه على قياس اقتراني: ويمكن صياغتها:

- المقدمة الصغرى: الجامية يحكمون على المخالف بالبدعة فيستبيحون دمه وعرضه وماله.

- المقدمة الكبرى: كل من استباح دم المسلم المعصوم بالحكم على المخالف بالبدعة فهو كالدواعش والخوارج

- النتيجة: الجامية والدواعش وجهان لعملة واحدة. 


وتفنيدها: 


1.الخلل كما تلاحظ هو في أصل الدعوى وهو الانتقال من ثبوت التبديع إلى دعوى استباحة الدم والعرض والمال، من غير إثبات الملازمة بين الأمرين

ولذا نمنع ابمقدمة الصغرى وهي أن الحكم بالتبديع يساوي استباحة الدم، فالتبديع حكم علمي لا يستلزم استباحة الدم والعرض والمال؛ ذلك أن المبتدع مسلم معصوم الدم ما لم يرتكب جناية توجب العقوبة. 

والعقوبة التعزيرية اي تكلمت عنهم حول سجن الدعاة  مقيدة بتحقق الموجب كبدعة يظهر أثرها المتعدي في الإفساد أو التحريض أو الإخلال بالأمن عند ثبوت موجب العقوبة شرعا، وبعد قيام الحجة، وتصدر عن الجهة صاحبة الولاية المختصة وفق الضوابط الشرعية والقضائية المعتبرة

فالعقوبة التعزيرية ليست أثرا لازما لمجرد وصف الشخص بالبدعة، وإنما تكون عند ثبوت موجب معتبر شرعا، وهذا ضد الاستباحة، لأن الاستباحة إطلاق للعدوان بغير حق، أما التعزير فعقوبة شرعية منضبطة بموجبها وولايتها وإجراءاتها ومقاصدها. 


(يكذب من يسوي بين الحكم بالتبديع واستباحة الدماء بمجرد الحكم بالتبديع

فالحكم على الشخص بالبدعة لا يستلزم الحكم باستخقاقه لعقوبة معينة، والحكم باستحقاقه لعقوبة معينة لا يساوي استباحة دمه أو ماله أو عرضه بغير حق.) 


2. فساد الجامع بين الفرع والأصل، فالداعشي يقتل بلا ولاية شرعية معتبرة ولا قضاء معتبر ولا نظر في المفاسد، وأما التعزير المشروع فلا يكون بمجرد مبادرة الأفراد، وإنما مرده إلى ولاية معتبرة، ويثبت بموجب شرعي معتبر، وتراعى فيه الضوابط القضائية والمصالح الشرعية. 

فالتسوية بين القتل العدواني الواقع بغير حق وبين العقوبة الشرعية التي توقعها الجهة المختصة بموجب معتبر وضوابط شرعية: قياس ظاهر الفساد 


وأما مناط حديث«يقتلون أهل الإسلام» فهو القتل بغير حق بناء على التكفير والخروج بالسيف، ولا يدخل فيه من يقرر حرمة الدماء ويجيز العقوبة بحق، ومجرد اشتراك العقوبتين في وقوع الأذى على البدن لا يجعلهما من جنس واحد؛ وإلا لزم التسوية بين العقوبة القضائية المشروعة وبين القتل العدواني، وهو باطل 


واعتمد في الشبهة الثانية على صورة قياس شرطي متصل، ويمكن صياغته:

المقدمة الأولى: إذا صار كل من أنكر ظلم الحاكم خارجيا، وكل من خالفهم في مسألة مبتدعا، وكل مبتدع مستحقا للعقوبة، اكتملت حلقة تبرير الظلم والاستبداد.

المقدمة الثانية: وهذا هو مذهب الجامية

النتيجة: فمذهبهم غطاء شرعي لتبرير الظلم وتحويل للتبديع إلى سيف على المخالفين. 


وتفنيدها:

1-منع المقدمة الثانية، فلا يقولون: إن كل منكر على الحاكم: خارجي، ولا إن كل مخالف: مبتدع عينا، ولا إن كل مبتدع عينا: يعاقب، فهذا كذب على الخصوم وتقويل لهم ما لا يقولون!!!

وقد عرف عن هؤلاء المدعين: الكذب والتدليس، فلا يستغرب منهم هذا، بل هذا ما اعتدناه منهم!!! 


وإنما العقوبة مقيدة بالداعي إلى البدعة المفسدة للعقيدة والأمن العام، وبعد قيام الحجة، وبالفعل أو التحريض المحقق، وبالحكم القضائي 


ومن هنا لا يصح إلزامنا بتصحيح سجن الإمام أحمد أو ابن تيمية لمجرد قولنا بجواز التعزير في بعض صور البدع؛ لأن الكلام في أصل مشروعية التعزير بضوابطه، لا في صحة كل واقعة تاريخية نسبت إلى التعزير، ولا في مشروعية كل حبس وقع باسم حماية العقيدة. 


2-فساد الملازمة، فلو سلمنا جدلا بتحقق الشرط والمقدمة الثانية، فالتلازم بين العقوبة على البدعة وبين تبرير الظلم غير لازم؛ إذ العقوبة على المبتدع المفسد مشروعة إذا وقعت بضوابطها، والظلم ما خرج عنها. فمن أثبت جواز التعزير بضوابطه لم يبرر الظلم، بل ضيق بابه، وإنما يكون تبريرا إذا أطلق الحكم بلا قيد أو أنزله بلا بينة. 


أما شبهة تحويل السمع والطاعة والتبديع إلى أداة لتبرير الاستبداد

​ففيها مغالطتان: تشويه أصل السمع والطاعة وجعله حماية للفساد، وتقويل الخصم ما لم يقل. 

والجواب:

١-وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية ثابت بالنصوص القطعية من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وليس خطة سياسية لحماية حاكم بعينه، فالشرع لم يربط الطاعة بكمال في الحاكم المسلم، وإنما أمر بها لحفظ جماعة المسلمين ودرء الفوضى وسفك الدماء. 


٢-من يقرر حرمة الخروج ويضبط الإنكار بالضوابط الشرعية لا يحمي الاستبداد، فالنصيحة مشروعة، وإنكار المنكر ثابت في الشريعة، وله ضوابطه وطرقه الشرعية

والخطاب الشرعي المنضبط لا يجعل التبديع سببا لاستباحة الدماء، كما لا يجعل السمع والطاعة ذريعة إلى إقرار الظلم؛ وإنما يضع لكل باب أحكامه وضوابطه ومناطاته. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الجمعة، 2 أكتوبر 2026

(سجن الدعاة واضطهادهم!!)

 

سمعت مقطعا لأحمد السيد يتكلم فيه عن مشابهة عصرنا للعصر الذي بعث فيه موسى عليه السلام، من جهة طغيان الحاكم واستبداده، ومن جهة اضطهاد من سماهم أهل الحق من الدعاة.

ولنا وقفة مع من وصفهم بأهل الحق ممن هم في السجون.

أولا: قرر ابن تيمية وغيره أن الداعي إلى البدعة ومن ثبتت مخالفته الشرعية الموجبة للتعزير فإنه يستحق العقوبة بعد قيام الحجة، وتحقق موجبها
وقرر العلماء في السياسة الشرعية أن الجنايات التي تضر بالمجتمع والنظام العام يعاقب فاعلها تعزيرا وتأديبا بالحبس وغيره، بقدر ما يتحقق به الزجر ودرء الفساد وبما يتناسب مع الجرم، على أن يكون التعزير مبنيا على فعل ثابت أو تحريض محقق، لا على مجرد التهمة.

ثانيا: لقد كان لبعض منظري التيارين القطبي والسروري دور بارز في زعزعة استقرار المجتمعات الإسلامية، بسبب ما بثوه من فكر تكفيري، وتأليب للشباب ضد الحكومات، وإذكاء للنزاعات السياسية والاجتماعية.

فمن ثبت في حقه تبني هذه الأفكار أو الدعوة إليها، أو التحريض على العنف والاعتداء، أو المشاركة في أعمال تضر بالامن وحقوق الناس، فللجهات المختصة اتخاذ الإجراءات الشرعية والقانونية بحقه، بما في ذلك المحاكمة والعقوبة المناسبة اذا ثبت موجبها، وبما يحقق حفظ الامن والاستقرار.

ثالثا: لا تعارض بين هذا الطرح وموقف ابن تيمية حين عفا عن خصومه، كالقاضي ابن مخلوف وغيره ممن سعوا في حبسه وأفتوا بقتله، رافضا طلب السلطان الناصر محمد بن قلاوون الانتقام منهم؛ لأن ابن تيمية عفا عن حقه الشخصي.

وأما ما يمس أمن المجتمع وعقائد الناس واستقرارهم، فهو حق عام متعلق بحفظ بيضة المسلمين وأمنهم، لا يسقطه عفو الأفراد.

رابعا: تنزيل حالة موسى مع فرعون على واقعنا المعاصر هو من تأثير الفكر القطبي السروري على أحمد السيد، ويعد قياسا مع الفارق؛ إذ لا يصح بناء القياس على مجرد وجود الظلم في الحالتين، دون النظر إلى اختلاف الظروف والأحكام والملابسات،

ولا يصح أيضا نقل الأحكام المتعلقة بمواجهة فرعون مباشرة إلى التعامل مع حاكم مسلم بمجرد وجود ظلم أو استبداد،

فالشريعة جاءت بأحكام مخصوصة في التعامل مع ولاة أمور المسلمين، من النصيحة والإنكار بالضوابط الشرعية، والصبر على الجور، وتحريم الخروج الذي يفضي إلى الفتنة والفساد.

ومن أوجه الفرق بين الواقعين:

1. حكام المسلمين الذين ثبت إسلامهم واستقر حكمهم يقرون بالإسلام، وتقام في دولهم الصلاة وشعائر الإسلام ويتحقق فيها الأمان، أما فرعون فكافر أصلي ادعى الربوبية، ولا تقام في دولته شعائر الدين الذي جاء به موسى.

2. حكام المسلمين لهم أصل عقد الولاية الشرعية، أما فرعون فلا ولاية له أصلا على بني إسرائيل.

3. الرعية والمجتمع تحت ولاية حكام المسلمين مسلمون يقيمون شعائر دينهم، أما بنو إسرائيل تحت حكم فرعون فقد كانوا مستضعفين.

4. الواجب نحو حكام المسلمين الصبر والنصيحة وتحريم الخروج، أما الواجب نحو فرعون فالمفاصلة التامة.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 1 أكتوبر 2026

تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار

 تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني 

بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار 


1. دعوى: يناقض السلفيون أنفسهم حين يعتذرون للنووي وابن حجر وامثالهما بغلبة البيئة #الأشعرية في عصريهما، وهو اعتراف منهم بانتشارها، ثم ينكرون أن الاشاعرة هم أغلب الأمة. 


التعقيب: لا تعارض بين الأمرين؛ فغلبة المنهج التأويلي في بيئة زمانية أو مكانية متأخرة لا تعني غلبته على مجموع تاريخ الأمة ولا على القرون الفاضلة الأولى، والاستدلال بغلبة المذهب في عصر أو مصر مخصوص على مشروعيته أو غلبته المطلقة استدلال بالخاص على العام، وهو استدلال باطل عقلا ومنطقا. 


2. دعوى: يحتج السلفيون بأقوال أئمة الأشاعرة، وفي الوقت ذاته ينفون إحاطتهم بحقيقة التوحيد. 


التعقيب:الاحتجاج بنصوص فقهائهم في إنكار التوسل البدعي والشركيات هو من باب إقامة الحجة عليهم بلوازم مذهبهم ومقررات فقهائهم، أما نفي إدراكهم لحقيقة التوحيد، فإنما يتوجه إلى ما قررته متون علم الكلام التي قصرت حقيقة التوحيد على نفي التعدد والتركيب والشرك في الربوبية دون توحيد الإلهية والعبادة. 

كما أن الاحتجاج بالعالم في مجاله كالحديث أو الفقه أو التفسير لا يقتضي تصويبه في كل مسألة عقدية، فلا يلزم من ذلك تناقض؛ لاختلاف جهة الاحتجاج. 


3. دعوى: يذم السلفيون علم الكلام ويحرمونه، بينما يستعملون الأدلة العقلية. 


التعقيب:ذم السلف لعلم الكلام متجه إلى المناهج المبتدعة القائمة على القواعد الفلسفية الفاسدة وتقديمها على النصوص الشرعية وتأويلها، أما الاستدلال العقلي الصحيح، واستعمال القياس المنطقي المستقيم، والاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية الفطرية، فليس من الكلام المذموم في شيء، وإنما هو من صميم المنهج الشرعي. 


4. دعوى: ينقل السلفيون نصوص السلف في النهي عن الجدال والخصومات، ويمارسون المناظرة والردود. 


التعقيب: النهي عن الجدال منصرف إلى المماراة العبثية والجدال بالباطل، ومقصوده حماية العامة من الشبهات ، أما المجادلة بالتي هي أحسن ومناظرة أهل الأهواء لدحض شبهاتهم عند ظهورها وانتشارها، فذلك واجب شرعي على الكفاية لحفظ بيضة الدين، اقتداء بمناظرة عبد الله بن عباس للخوارج ومناظرات أئمة السنة لمنكري الصفات. 


5. دعوى: ينسب السلفيون موافقة بعض كبار المحدثين للأشاعرة إلى الجهل بالسنة. 


التعقيب: الإمامة في رواية الحديث ونقده لا تستلزم العصمة من التأثر بالمسالك التأويلية السائدة في العصر، فالقصور هنا ليس في معرفة الرواية والحديث النبوي مجردا، وإنما في إدراك لوازم المنهج السلفي التفصيلي في نصوص الصفات ومفارقة التأويلات الكلامية التي راجت عند المتأخرين. 


6. دعوى: يذم السلفيون الفلسفة ويحرمون الاشتغال بها، بينما يمتدحون استبحار ابن تيمية فيها وتفوقه على أربابها. 


التعقيب: الثناء على علم ابن تيمية بالفلسفة هو ثناء على قدرته الفائقة على نقضها وتفكيك أصولها من داخل منظومتها، وبالاستفادة من مصطلحات أصحابها، لا إقرار بمنهجها ولا حث على اتخاذها مصدرا للمعرفة؛ فتعلم الباطل لغرض نقضه وإبطاله يباين ممارسته والاعتقاد به. 


7. دعوى: يذم السلفيون التصوف بإطلاق، وينقلون في الوقت نفسه ثناء ابن تيمية عليه. 


التعقيب: الموقف السلفي مبني على التفصيل لا الإطلاق الموهم؛ فيذم من التصوف ما اقترن بالبدع العقدية والشطحات الفلسفية كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ويُقبل منه ما وافق الكتاب والسنة من حقائق الزهد الشرعي، ومقامات الإحسان، وأعمال القلوب؛ فباختلاف المحل يرتفع الإشكال.

كماأن بعض من أطلق ذم التصوف إنما نظر إلى ما غلب على بعض مراحله المتأخرة من ممارسات ومقولات لا تنسجم مع الزهد الموافق للسنة. 


8. دعوى: يستشهد السلفيون بردود الفلاسفة على المتكلمين، مع أن الأصل والإنصاف يقتضيان تقديم الأقرب إلى السنة كالأشعري على الأبعد كالفيلسوف. 


التعقيب:الاستشهاد برد الفيلسوف على المتكلم يقع في باب الإلزام وتبيين الاضطراب والتناقض الداخلي في المنظومة الكلامية، وإلزام الخصم بما هو معتبر عند أهل فنه، وليس فيه تفضيل للفيلسوف على الأشعري في الدين والاعتقاد؛ إذ الأشاعرة أقرب طوائف المتكلمين إلى السنة في بعض الأبواب، وقبول مقدمة صحيحة أو إلزام عقلي من الفيلسوف لا يستلزم تقديمه في الرتبة على من هو أقرب منه للإسلام. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مشارك بقسم أصول الدين

كلية علوم الشريعة

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

ملاحظات عقدية على تفسير بعض الآيات في كتاب المنتخب من صحيح التفسير

 ملاحظات عقدية على تفسير بعض الآيات في كتاب المنتخب من صحيح التفسير

هذا البحث لا يقصد الحكم على مؤلف الكتاب ولا تصنيفه في فرقة أو مذهب، وإنما يدرس عبارات محددة ويقارنها بأصول أهل السنة في باب الصفات والكلام والقدر.

وقد سألني بعض المشايخ: هل توجد أخطاء عقدية في كتاب «المنتخب من صحيح التفسير»؟

فلم أجبه حينها بشيء يتعلق بالأخطاء العقدية، ثم بعد تصفح سريع لتفسير بعض الآيات العقدية في سورتي البقرة وآل عمران فقط، وقفت على مواضع يظهر فيها أن بعض التفسيرات قد اختير من تفاسير المتكلمين، ولا علاقة لها بتفاسير أهل السنة كتفسير الطبري وابن كثير وابن سعدي وأمثالهم
فأحببت أن أنبه من يريد قراءة الكتاب على هذه المواضع؛ نصحا لعامة الناس، ومن غير تعرض لشخص الكاتب  ولا عقيدته، ولا يلزم من نقد هذه العبارات الطعن في المؤلف أو تصنيفه في أهل الكلام؛ إذ المقصود بيان ما يظهر من موافقة بعض العبارات لمناهج كلامية وأصولهم وتفسيراتهم.
وإليك بيان هذه المواضع:

■تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
قال الكاتب: (وسمي جزاء الاستهزاء، وهو إنزال الهوان والعذاب بالمنافقين، استهزاء من باب المشاكلة والازدواج في الكلام، باستعمال ما يماثل اللفظ السابق عندما يكون جزاء له وجوابا).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾: (والمكر إيصال الضر إلى الغير بوجه فيه خفاء، والله لا يحتاج في إيصال الضر لمن استحقه إلى شيء من هذا، فنسبته إلى الله إنما هو من باب المشاكلة والمقابلة بمكرهم).

●التعقيب:
حمل الاستهزاء والمكر على المشاكلة والمقابلة، بحيث يترتب عليهما نفي حقيقة المعنى الذي أخبر الله به عن نفسه
وطريقة أهل السنة أن هذه الصفات وردت مقيدة بمقابلة فعل المخلوقين، كقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، فتثبت حقيقة على وجه الجزاء العادل اللائق بالله، ولا يشتق منها له اسم، ولا تطلق عليه إطلاقا بلا تقييد.

وأما تفسير الكاتب المنتخب فمبني على تصور كلامي مفاده قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.

■تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
قال: (وأصل الاستحياء استقباح فعل الشيء لنقص فيه، وهو محال على الله تعالى، والمعنى: إن الله لا يمتنع عن ذكر المثل الذي يريده).

●التعقيب:
الملاحظة على هذا التفسير أنه جعل أصل معنى الاستحياء: ما يقع للمخلوق من استقباح لنقص فيه، وجعل ذلك مسوغا للتأويل، فوافق المتكلمين في حمل أصل معاني الألفاظ من جهة لغة العرب على الحقائق التي تختص بالمخلوق، لا على المعنى الكلي الذهني، ثم رتبوا على ذلك التأويل...

فوافقهم الكاتب لما فسر أصل الاستحياء بأنه استقباح فعل الشيء لنقص فيه، وهذا في حق المخلوق
ورتب عليه تأويله بأنه كناية عن عدم الامتناع من ذكر المثل.
قوله بعدم الامتناع مبني على مقدمة كلامية.
والصواب أن الحياء ثابت لله في النصوص على الوجه اللائق به، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله حيي ستير...» وهو حياء كامل لا نقص فيه،

ثم إن الآية نفسها وردت في سياق نفي، فيحسن التفريق بين الاستحياء المنفي هنا، والحياء المثبت في الحديث.

■تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾
قال: (تعلقت إرادته سبحانه بخلق السموات).

●التعقيب:
هذا التفسير لا يتضمن إثبات الاستواء الوارد في الآية على أنه فعل قائم بذات الله، فتفسيره بتعلق الإرادة نفي لكونه فعلا قائما بذات الله بمشيئه واختياره، وهو موافق لتأويل متأخري الأشاعرة للاستواء بالإرادة ومتعلقها، فيجعلون الاستواء نفسه معناه تعلق الإرادة بخلق السماوات
ثم التعبير بتعلق الإرادة اصطلاح كلامي، يفسر به حدوث الآثار وتخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ويلزم منه نفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله على الوجه الذي يثبته أهل السنة.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ﴾
قال: (وخطاب الله للملائكة متقرر ثابت في علم الله تعالى أزلا، وتعلقت إرادة الله بتوجيهه إلى الملائكة عند خلق آدم، وهكذا يقال في كل أمر الله وقضائه، هو متقرر في علم الله في الأزل بأن يحصل في الوقت الذي أراده سبحانه أن يحصل).

●التعقيب:
ليس الإشكال في العبارة في كون الله كان عالما أزلا بأنه سيخاطب الملائكة.
وإنما الإشكال في جعل علم الله السابق بالقول أو إرادته السابقة لوقوعه، هو عين القول والخطاب الواقع.
فالمسألة ليست: هل كان الله عالما أزلا بأنه سيتكلم؟ وإنما المسألة: هل القول الذي أخبر الله عنه هنا قول حقيقي صدر منه حين شاء كما هو مذهب أهل السنة، أو أن الموجود حقيقة ليس إلا تعلق الإرادة القديمة بوقوع خطاب في ذلك الوقت، بينما الكلام نفسه لا يتعلق بالمشيئة والاختيار كما هو مذهب الأشاعرة؟
فكلام الكاتب يدل على أن الكلام نفسه ليس من الأفعال الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله، وإنما الموجود هو معنى أزلي واحد تتعلق الإرادة بتوجيهه إلى المخاطب في وقت معين.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾
قال: (وعند أهل السنة: السحر له حقيقة، يخلق الله عنده من الضر والنفع أو غير ذلك من خوارق العادات ما شاء).

●التعقيب:
جعل الكاتب الضر والنفع يحصل عند وجود السحر، لا به، وهذه هي حقيقة مذهب الأشاعرة في نفي تأثير الأسباب في مسبباتها بإذن الله
كما أن الكاتب أثبت أن السحر من جنس خوارق العادات. وهذا يوهم أنه لا فرق بين ما يجري على أيدي السحرة وبين معجزات الأنبياء إلا في ادعاء النبوة والتحدي، وهذا هو مذهب الأشاعرة

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
قال: (إذا أراد إيجاد شيء فبمجرد إرادة إيجاده يكون موجودا... وإنما أمره سبحانه إذا أراد حصول شيء هو مجرد أن تتعلق به إرادته، فيحصل بلا توقف على شيء، فلا يحتاج سبحانه وتعالى حقيقة في إيجاد شيء إلى قول «كن»، وإنما هو تمثيل للتقريب في سرعة إيجاد ما يريد).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: (كان يقول الله له «كن فيكون»، أي بمجرد تعلق القدرة بخلقه دون توقف على شيء).

●التعقيب:
هذا من أظهر ما في الكتاب مخالفة لظاهر النص، فقد جعل الإيجاد لا يكون بقول الله تعالى للشيء «كن»، وإنما بمجرد تعلق الإرادة به، أو تعلق الإرادة والقدرة، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فوجد من غير قول. وعلى هذا القول لا يثبت قول من الله متعلق بالإيجاد كقوله سبحانه: «كن».
والآية صريحة في إثبات القول، فجعله تمثيلا مخالف لظاهرها ولإجماع السلف، وهو يرجع إلى أصل مسألة الكلام عند المتكلمين. ويتبين بذلك أثر الانتخاب من كتب المتكلمين التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.

■تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
قال: (والمتشابه في هذه الآية له معنيان: ... والمعنى الثاني للمتشابه في الآية هو الخفي الذي لم يتضح معناه، ويكد فيه الراسخون في العلم أذهانهم لبيان معانيه ورده إلى المحكم الواضح، كما في إثبات الصفات السمعية لله سبحانه على ما يليق به دون خوض في كيفيتها).

●التعقيب:
مثّل الكاتب للمتشابه الخفي الذي لم يتضح معناه بنصوص الصفات السمعية، وهذا جار على طريقة المتكلمين، وفيه إيهام أن معاني الصفات غير معلومة، والسلف فرقوا بين معنى الصفة، وهو معلوم، وكيفيتها، وهي المجهولة.

كتبه نصحا
د. أحمد محمد الصادق النجار
أستاذ مشارك بقسم أصول الدين

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

هل تغيرت فتاوى مشايخ أهل السنة في أفغانستان لتغير جنس المحتل؟

 

هل تغيرت فتاوى مشايخ أهل السنة في أفغانستان لتغير جنس المحتل؟

يتهم بعض خصوم الدعوة #السلفية المباركة علماءها بأن فتاواهم في #الجهاد_الأفغاني تغيرت تبعا لتغير جنس المحتل من روسي إلى أمريكي، وأن الباعث للتحريض على النفير العام أو النهي عنه إنما كان يتشكل وفق الإرادة الأمريكية!!!
وهذه دعوى لا تصمد أمام النظر في نصوص المشايخ وتعليلاتهم، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ الألباني والشيخ صالح اللحيدان رحمهم الله.

ومن المقرر عقلا وشرعا أن تقاطع المصلحة بين طرفين مختلفين في عقيدتيهما ومبادئهما أمر وارد،  فالأمريكيون حاربوا الروس في أفغانستان بـدافع سياسي واستراتيجي؛ لإضعاف الاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة، بينما انطلق علماء أهل السنة في فتواهم بجهاد الروس من دافع إيماني شرعي وهو نصرة شعب مسلم صالت عليه دولة شيوعية ملحدة وسعت لطمس دينه.
واستغلال دولة كبرى للظرف الشرعي وتحويله لخدمة أجندتها هو شأن السياسات الدولية، ولا يلزم منه بحال أن مفتي النازلة كان أداة في تلك الأجندة؛ لأن المفتي ينظر في تحقق شروط الوجوب أو الاستحباب الشرعي في عين الواقعة.

ولفهم المسألة على وجهها الأصولي الصحيح يجب ابتداء التفريق بين أمرين:
​الأول: أصل مشروعية دفع العدو الصائل عن البلد، وهو من الأحكام المقررة عند أهل العلم.
​الثاني: حكم نفير الأفراد من خارج الساحة لنصرة أهل البلد، وهو حكم آخر تتعلق به اعتبارات القدرة والمصلحة والمفسدة وتنظيم القتال وغير ذلك.

فتغير الفتوى لم يكن تغييرا في الحكم الشرعي الثابت في أصل مشروعية دفع المحتل، وإنما كان تغيرا في الحكم التنزيلي المتعلق بنفير الأفراد من الخارج؛ لتغير المناط والأحوال والنتائج والمآلات.

​ويظهر ذلك جليا عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى إبان دخول الروس إلى أفغانستان وهجومهم على المسلمين

كان الظاهر من حال الفصائل في أول الجهاد اجتماعها على دفع الجيش السوفيتي المحتل، وكانت الغاية المعلنة تحرير البلاد لتكون كلمة الله هي العليا.
فجاء تأييد المشايخ وحثهم من هم خارج البلاد على الجهاد في أفغانستان؛ بناء على ظاهر الحال وما تحقق فيه من أوصاف الجهاد الشرعي.
سئل الشيخ العثيمين عن الجهاد في أفغانستان، فقال: «لا شك أنه جهاد إسلامي، فيه قمع للكفرة وأعوانهم». (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، ٢٥/٤٢٦)

وقال: «الذي أرى أن هذا الجهاد جهاد في سبيل الله؛ لأن المعروف عن قادته وزعمائه أنهم يريدون أن يحرروا بلادهم من الكفر وأتباعه، لتحرر فيها كلمة الله وتكون كلمة الله هي العليا، وهذه هي نية الجهاد الإسلامي، هذا هو المعروف عنهم، وبناء عليه فإن الجهاد في أفغانستان يُعتبر من الجهاد في سبيل الله». (٢٥/٤٢٨)

المرحلة الثانية ما بعد الجلاء وقبل الدخول الأمريكي

آلت الأمور إلى الصراع بين الفصائل، ووقعت الفوضى، وسالت الدماء بين الإخوة، فتغير الواقع وتغيرت معه النتائج والمآلات، وظهرت موانع شرعية ومصلحية من الاستمرار في الحث على الذهاب إلى أفغانستان.

وهنا تأتي أهمية تحقيق المناط؛ إذ ليس السؤال عن حكم الجهاد في صورة مجردة، وإنما عن الواقعة الماثلة: هل ما زالت الأوصاف التي بني عليها الحكم في المرحلة الأولى متحققة، أو طرأ ما يمنع من تنزيله؟

سئل الشيخ العثيمين في مجموع فتاويه: سبق أن أفتيتم بالذهاب إلى بعض الأماكن كأفغانستان ثم الآن لا تفتون بذلك، فلماذا؟
فأجاب: «لأن الأمور تتغير بتغير النتائج، ففي بداية ظهور الحرب في أفغانستان كنا نؤيد الذهاب، ولكن صارت النتائج بخلاف ما نريد، فالراجعون من هناك معروف حالهم إلا من سلّمه الله، والباقون لا يخفى ما يقع بينهم من الحروب الطاحنة». (٢٥/٣٣١)

والنص صريح في أن تغير النتائج والمآلات كان سببا مباشرا في تغير الفتوى.

والأهم من ذلك أن هذا الكلام سابق زمنيا على الغزو الأمريكي لأفغانستان، فينتفي بذلك أن يكون الاحتلال الأمريكي سببا في هذا التغير بعينه.
وكذلك سئل الشيخ الألباني عن الاقتتال الذي وقع بين الفصائل الأفغانية وتأييد بعض الأطراف، فأجاب: «هذا خطأ فيما أرى؛ لأن ثمة فرقا كبيرا جدا بين الجهاد الذي كان قائما سابقا ضد الشيوعيين... ولذلك فأنا مع هؤلاء العلماء... بأن هذه فتنة الآن يجب الاعتزال وعدم التأييد، وأرى أن المساعدات التي كانت تقدم من قبل للمجاهدين الآن يجب تقليصها وعدم الاستمرار في إرسالها؛ لأن الواقعة ستقع بين المسلمين أنفسهم»

فمنع العلماء من الذهاب إلى أفغانستان، والتوقف عن الحث عليه أو المساعدة فيه، وقع في أوائل ومنتصف التسعينيات الميلادية، أي قبل مجيء الجيش الأمريكي إلى أفغانستان بسنوات.
وهذا وحده كاف في إبطال دعوى أن تغير الفتوى كان بسبب تغير جنسية المحتل من الروسي إلى الأمريكي.

وفي بيان شرط ضبط النفير بإذن الإمام وإدارته: سئل الشيخ العثيمين عن القول بجواز الجهاد دون إذن أحد لعدم وجود الإمام أو تخاذله، فقال: «هذا غير صحيح، الجهاد ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، ولكن الجهاد يجب أن يكون مدبَّرًا من قبل ولي الأمر؛ لأنه إذا كان غير مدبَّر صار فيه فوضى، وصارت كل طائفة تفتخر على الأخرى بأنها هي التي فعلت كذا، وفي التالي ربما لا تُحمد العقبى، كما جرى في أفغانستان مثلًا، فإن الناس ساعدوا الأفغان مساعدة عظيمة بالغة، وكانت النتيجة ما تسمعون الآن». (٢٥/٣٦٧)

المرحلة الثالثة إرهاصات الغزو الأمريكي وما بعده

إضافة إلى التناحر والتنازع سيطرت على الساحة الأفغانية تيارات تبنت التكفير والخروج المسلح، ووقعت تفجيرات في بلدان المسلمين نفذها أناس عائدون من أفغانستان باسم الجهاد، ثم جاءت أحداث سبتمبر وإعلان القاعدة عداءها الصريح للمملكة العربية السعودية.

ولذلك حذر العلماء من دفع الشباب إلى مواطن الفتن والجهالات، حيث سئل الشيخ صالح اللحيدان عن ذلك فقال: «الناس اللي ذهبوا إلى قتال الشيوعيين في أفغانستان وإذا بهم يصدرون كتابا في تكفير الدولة السعودية.. ومن يذهب لا يرجع كما كان»، ولم يكن العلماء حينئذ يحثون على الذهاب كما كانوا يحثون سابقا.

يتبين مما سبق أن الموقف من النفير مر بمراحل متأثرة بتغير الواقع ومآلاته، لا برغبات دولية كما يروج الخصوم، ويرجع اختلاف الحكم في هذه المراحل إلى قواعد أصولية مقررة، من أهمها:
-تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف والمناط
-درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
-اعتبار المآلات في تنزيل الأحكام.
-أن الحكم على النازلة يتبع تحقق أوصافها المؤثرة، لا مجرد الأوصاف الطردية.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 27 سبتمبر 2026

رحم الله ابن باز والعثيمين. البوصلة -ولله الحمد- لم تنحرف بين موقفنا من القتال في اليمن وموقفنا من القتال في غزة وأفغانستان، وإنما دعوى التناقض مبنية على تصوير غير دقيق لموقفنا.

 البوصلة -ولله الحمد- لم تنحرف بين موقفنا من القتال في اليمن وموقفنا من القتال في غزة وأفغانستان، وإنما دعوى التناقض مبنية على تصوير غير دقيق لموقفنا.

فموقفنا في غزة لم يسقط مشروعية دفع الصائل إطلاقا، وإنما نصصت صراحة في بيان موقفي من القتال في غزة على أن: «القتال قد حصل، وهجوم اليهود على المسلمين قد وقع... فلم يبقَ لنا إلا تأييد المقاومة في دفعهم العدو».
وهذا هو عين دفع الصائل من حيث الأصل، ولم أتردد في تأييده..

فالذي انتقدته لم يكن دفع الصائل ذاته، وإنما انتقدت قرار المبادأة بالشروع في العمليات الكبرى في وقت كانت فيه الحال محسوبة على التهدئة الميدانية النسبية؛ إذ إن قرار المبادأة في هذه الحال تراعى فيه شرعا اعتبارات القدرة والإعداد، ودرء المفسدة الراجحة، وما قد يترتب على ذلك من أضرار بالمدنيين.

أما قتال الحوثي فيندرج تحت ثلاثة أصول متضافرة، فهو من جهة دفع صائل؛ إذ الحوثيون جماعة صائلة باغتت السلطة الشرعية واستمرت في استهداف الأراضي بالصواريخ والمسيرات، وهذا اعتداء فعلي متواصل، وهو من جهة أخرى قتال بغاة خارجين بالسلاح على ولي الأمر الشرعي، وهو من جهة ثالثة قتال طائفة ممتنعة بالشوكة عن التزام الشرائع وحرمة الدماء.

وإنما الفارق بين هذه النازلة ونازلة غزة ليس في نفي وصف دفع الصائل عن أحدهما، وإنما في طبيعة الفعل المدفوع، ففي اليمن: الاعتداء الحوثي حاصل وواقع بالفعل ومتواصل، فاندرج تحت جهاد الدفع الذي لا يشترط له شرطٌ زائد؛ وفي غزة: انتقدنا تحديدا لحظة المبادأة الاختيارية في وقت كانت الحال فيه أقرب إلى الهدوء النسبي الميداني، لا لحظة دفع الهجوم الواقع فعلا.

فالمعيار إذن واحد مطرد في النازلتين، وهو: التفريق بين قتال وقع هجومه بالفعل، وبين قرار المبادأة بالقتال ابتداء
فنحن لم نستدع هذا التفريق في فلسطين للحكم على دفع الهجوم الواقع، وإنما استدعيناه في تقويم قرار المبادأة؛ وهذا فرق جوهري أغفلته بعض الاعتراضات.

ووجود فصيل منحرف منهجيا كالإخوان أو غيرهم ضمن جبهة دفع الصائل في اليمن لا يمنع من أصل الدفع، كما أن وجودهم في غزة لا يمنع من أصل دفع العدو الصهيوني.
والنقد الموجه لحركة حماس في غزة لم يكن لمجرد كونها إخوانية كما يتوهم أصحاب النظرة السطحية، وإنما كان النقد على تأصيل قرار المبادأة بالشروع وحساب القدرة والمفسدة المترتبة على الأمة والمدنيين،

والخسائر الكارثية التي نتجت بسبب قرارهم لا تخطئها عين ناظر سليم العقل والتفكير.

وأما في جهاد أفغانستان، فإننا لم نقل يوما إن الجهاد هناك سقط وصفه بمجرد تغيّر المحتل من الشيوعي إلى الأمريكي، وإنما الذي قلناه بنصه: «حين انحرف المسار لاحقا إلى الاقتتال الداخلي وتسميم أفكار من يذهب إلى أفغانستان، وجعله قنبلة موقوتة بين أهله وفي بلده».
وهذا ليس تفسيرا اخترعناه بعد وقوع أحداث 2001؛ بل له أصل صريح في كلام الشيخ ابن عثيمين نفسه، كما خاطب الشيخ ابن باز المسؤولين الأفغان بعد وقوع الاقتتال بينهم، وعبّر صراحة عن حزنه لما وقع من الفتن والقتال، وما ترتب عليه من إزهاق النفوس وإتلاف الأموال وتشتيت الشعب، ودعاهم إلى حل خلافاتهم بالوسائل السلمية.

فالمناط الذي تغير في المرحلة اللاحقة هو نشوء اقتتال بين الفصائل المسلمة نفسها، وتحول بعض الفاعلين إلى مصدر تهديد داخلي، وليس مجرد تغير هوية المحتل، أو مجرد وجود تنظيمات حزبية...

والتغير في الفتوى من مشايخنا كابن باز والعثيمين في الساحة الأفغانية لم يقع مفاجأة سنة 2001 كما يزعم المعترضون، وإنما كان مرتبطا قبل ذلك بما آلت إليه الساحة من اقتتال داخلي ونتائج ومفاسد؛ فقد صرح ابن عثيمين بأنهم كانوا يؤيدون الذهاب في أول الحرب، ثم تغير موقفهم عندما صارت النتائج عكس المقصود، وظهرت الحروب الطاحنة بين الفصائل.

وعليه، فلا يصح اختزال تغير الموقف سنة 2001 في مجرد تغير جنس المحتل؛ لأن التحفظ على الذهاب إلى أفغانستان كان قد ظهر قبل ذلك، ولما جاء الاحتلال الأمريكي لم تكن الساحة مهيأة لدعوة الناس إلى الجهاد، فقد مرت الساحة بسنوات من التناحر والتفرق وتمكن التكفيريين بغير حق، فلم يعد توصيف النازلة كتوصيفها عند بداية الغزو السوفييتي.

وأما استدلالنا بقتال الحجاج للخوارج، فكان لتقرير أصل محدد، وهو أن فسق القائد أو ظلمه لا يسقط وصف الجهاد عن الفعل إذا تحققت أصوله، وهذا الأصل لم نستدعه لنفي وصف الجهاد عن أفغانستان، بل العكس، فنحن نقر بأن جهاد الأفغان ضد السوفييت كان جهادا مع وجود التقصير أو الانحراف لدى بعض المشاركين فيه.

وما تغير في أفغانستان لاحقا لم يكن مجرد فسق قائد أو ظلمه، وإنما تحوّل الساحة إلى اقتتال بين المسلمين أنفسهم، وتغيّر طبيعة الصراع ومناط الحكم فيه، وهذا مناط آخر، لا يصح الخلط بينه وبين مجرد وجود الظلم أو الانحراف لدى بعض أطراف القتال.

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 24 سبتمبر 2026

مناقشة أسباب استمرار مجلس البحوث في تحريم معاملة الألفي دولار

 مناقشة أسباب استمرار مجلس البحوث في تحريم معاملة الألفي دولار

وكأن المسألة أخذت منعطفا جديدا؛ إذ أعلن المانعون استمرارهم بالمنع ولم يكتفوا بما بينوه سابقا.

والأسباب التي صرحوا بها مؤخرا تتلخص في ثلاثة أسباب، نناقشها تباعا:

السبب الأول للمنع: قولهم: ذكر السعر عند الوعد بالصرف والاتفاق عليه هو في حكم العقد.

والتعقيب عليه:
اعتبار تحديد سعر الصرف وقت حجز العملة بمثابة إبرام عقد صرف مؤجل البدلين، هو عين محل النزاع، فكيف يجعل سببا ومقدمة لإثبات التحريم؟!!

والذي يقتضيه التحقيق الفقهي أن تثبيت السعر في منظومة الحجز لا يعدو كونه إعلاما وتواعدا غير ملزم؛ إذ تتيح المنظومة للزبون إلغاء الحجز والعدول عنه في أي وقت قبل التنفيذ دون أن يترتب عليه أي التزام مالي أو جزائي، فإن كان الحجز في حقيقته لا ينشئ التزاما ملزما على أي من الطرفين، ولا تنتقل به ملكية العملة ولا تنشغل به الذمة، وإنما يتم إنشاء عقد الصرف عند التنفيذي، فإن تثبيت السعر لا ينشئ عقدا محرما بذاته.

وقد ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين، وهو المعتمد في المعيار الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة أيوفي وفتاوى الهيئات الشرعية إلى جواز الوعد بالصرف إذا كان من طرف واحد، أو كان غير ملزم للطرفين بحيث يحق للزبون التراجع والعدول عن إتمام العملية قبل القبض والتنفيذ الفعلي.

وعليه، فإن محل البحث هنا ليس مجرد ذكر سعر الصرف، وإنما هل أدى الحجز إلى إنشاء التزام ملزم على الطرفين أو بقي في دائرة التواعد غير الملزم؟
فإذا كان غير ملزم للطرفين، وكان لكل منهما العدول عنه قبل إنشاء عقد الصرف، فلا يصح جعله عقد صرف آجل لمجرد تثبيت السعر.

السبب الثاني:  قولهم: إعطاء الخيار للزبون بعد العقد وما في حكمه لا يحل الإشكال لسببين:
أ- عقد الصرف لا يجوز فيه الخيار.
ب- الخيار لا معنى له لأن الزبون مجبر على شراء النقد الأجنبي (عقد إذعان)

والتعقيب عليه:
هذا القول مبني على افتراض أن العقد قد وقع بمجرد الحجز، وهذا هو عين محل النزاع في السبب الأول، فلا يصح البناء عليه هنا كمسلمة.
وأما القول بمنع الخيار في الصرف فصحيح في أصله إذا كان المقصود به خيار الشرط في عقد قائم تم تقابضه؛ لأن اشتراط الفسخ بعد تمام العقد ينافي استقرار الملكية والتقابض الناجز.
​أما في معاملة (2000 دولار)، فإن خيار الزبون عند الحجز ليس خيار فسخ لعقد ناجز، وإنما هو خيار الإقدام أو العزوف في مرحلة المواعدة وقبل التنفيذ والانعقاد، وهذا ليس خيار شرط في عقد صرف قائم، وإنما هو حق في العدول عن إبرام العقد أصلا ما دام الحجز لم ينشئ عقد الصرف.

وأما دعوى أن الزبون مجبر على شراء النقد الاجنبي.
فهذا يحتاج تفريقا بين اضطرار عموم الناس للتعامل عبر القنوات الرسمية لغياب البديل، وهذه حاجة عامة لا تسلب الرضا في صفقة بعينها، وإلا لبطلت عقود الإذعان في الخدمات الاحتكارية العامة كالكهرباء والماء، وبين إلزام الزبون بعينه بإتمام هذا الحجز بعينه.
فمجرد حاجة العميل إلى العملة الأجنبية، واقتصار الحصول عليها نظاما على هذه القناة: لا يساوي شرعا الإكراه على إبرام هذا العقد المعين، ما دام له أن يعدل عن الحجز المعين دون جزاء.

السبب الثالث: قولهم: شركات الصرافة وكيل عن المصرف، فلا تأخذ أجرتها من العميل، والمصرف يطلب منها ضمانا بجعل وهو غير جائز.

والتعقيب عليه:
تكييف عمل شركة الصرافة لا ينحصر في الوكالة المحضة عن المصرف، وإنما تكييفها المركب والدقيق هي أنها وسيط تنفيذي ومقدم خدمة تقنية ولوجستية للزبون والمصرف معا.
وقد أباح الشارع أخذ العوض على الدلالة والوساطة والخدمة من أحد الطرفين أو كليهما بالمعروف.

وتحديد المصرف المركزي لسقف العمولة هو تنظيم لتحديد معلومية الأجرة، فتدخل من حيث الأصل في باب الجعالة أو الإجارة على تقديم الخدمة، متى كانت العمولة في مقابل خدمة مباحة معلومة وليست في مقابل محض الضمان.

وأما قولهم: المصرف يطلب ضمانا من شركات الصرافة ويعطيها مقابلا على ذلك، وهذا ضمان بجعل وهو غير جائز.

فالتعقيب عليه:

هذا مبني على أن المقابل الذي تحصل عليه شركة الصرافة هو في مقابل الضمان، وهو غير صحيح وتصور ناقص، فالعمولة إنما هي في مقابل الخدمات التي تقدمها الشركة في تنفيذ العملية من وساطة ومعالجة وتسوية وخدمات تقنية وإدارية، أما الضمان وحجز القيمة المقابلة بالدينار فهو وسيلة لتأمين تنفيذ هذه الخدمة وتسوية العملية، وليس هو محل الأجرة.

وعليه، فلا يصح تكييف العمولة بأنها جعل على الضمان لمجرد اقترانها به، ما دام المقابل في حقيقته عن خدمة فعلية مستقلة، والضمان مجرد وسيلة لتأمين تنفيذ الالتزام.

والخلاصة
1-تكييف الحجز: هو وعد غير ملزم للطرفين معا، ولا يعد عقد صرف ناجزا إلا عند التنفيذ والتقابض الحكمي
2- العمولة: عمولة وساطة وخدمات تقنية وتنفيذية مأذون بها شرعا وعرفا.
3- الضمان: حجز غطاء الدينار هو وسيلة لتأمين تنفيذ الالتزام وتسوية العملية، وليس هو محل الأجرة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

زعم #مفتي_سوريا أسامة الرفاعي في كلمته: (كيف يكون الله في السماء وهو أكبر من السماء والأرض والمكونات كلها!!!)..

 للمتخصصين

زعم #مفتي_سوريا أسامة الرفاعي في كلمته: (كيف يكون الله في السماء وهو أكبر من السماء والأرض والمكونات كلها!!!)..

وأنا مستاء أن يكون مفتي سوريا على مذهب متأخري الأشاعرة، ولله الأمر من قبل ومن بعد

وهذا الإيراد منه ناتج عن فهم خاطئ لقول أهل السنة: "الله في السماء"؛ إذ ظن أن المراد بالسماء: الأجرام المخلوقة المبنية (الأفلاك)، وأنها تكون بذلك ظرفا مكانيا يحوي الذات الإلهية ويحيط بها، فنفى هذا القول تنزيها لله -بزعمه- عن أن يحويه مخلوق، وهذا الظن مبني على أصل كلامي حادث، لا على استقراء كلام السلف واستعمال العرب.

ومقصود أهل السنة بكون الله في السماء أي في العلو، على حد قوله تعالى: [أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ]،  لا أن السماء المخلوقة ظرف يحويه أو يحيط به.

فمعنى السماء في لغة العرب ليس محصورا في الأجرام المبنية المخلوقة، وإنما لها معنى كلي، وهو: العلو، ولما كانت الأجرام المبنية في العلو سميت سماء، فكل ما علاك فهو سماء.
وعلو الله ذاتي، وهو معلوم بالفطرة الضرورية، فعند الاضطرار في الحاجات لا يقصد القلب إلا العلو، وهذه الضرورة الفطرية لا يمكن دفعها أو نفيها إلا بخلع الفطرة نفسها.

والتوجه إلى العلو لا يختص بأهل الملل والشرائع، وإنما يفعله المشركون وغيرهم ممن لا يعرف العرش ولا سمع به، ولو كان رفع الأيدي إلى السماء مجرد اتخاذ للعرش كقبلة للدعاء كما ادعاه الرازي وغيره لكان ذلك مختصا بمن يعلم وجود العرش، كما لا يقصد التوجه إلى الكعبة في الصلاة إلا من علم وجود الكعبة..
لكن الواقع يؤكد أن الناس يجدون في أنفسهم طلبا ضروريا متجها لما فوق، لا لكونه قبلة مُتَّخَذة، وإنما لكون المعبود سبحانه في العلو، وهو ما دل عليه الشرع.

فمهما أورد متأخرو الأشاعرة من شبهات واعتراضات كلامية، فإنها تصطدم بهذه الحقيقة الفطرية الضرورية التي لا يمكن زوالها، فتسقط أمامها نظرياتهم ومحاجاتهم.

وهنا سؤال: لماذا ينفي #أسامة_الرفاعي أن الله في السماء؟
لأنه يتوهم أن إثبات أن الله في السماء،بمعنى علو الذات
يستلزم إثبات الجهة، والجهة تستلزم التحيز بمعنى أن الله يكون في مكان يحيط به ويحوزه، والله منزه عن ذلك.

والرد عليه من وجوه، منها:
​الوجه الأول: دعوى التلازم باطلة، فمن أين لكم إثبات التلازم بين كون الله في السماء وبين التحيز بمعنى أن تحويه المخلوقات؟
فهذا التلازم لا يعرف عن أحدٍ من الأنبياء ولا الصحابة وهم أكمل الخلق عقلا وعلما، ولا هو قول عامة الناس الباقين على فطرتهم؛ إذ لم يخطر ببال أحدٍ منهم أنه إذا قال: الله في السماء لزم من ذلك أن السماء المخلوقة تحيط به أو تحويه!
لكن هذا نتاج علم الكلام!!!!
الوجه الثاني: أهل السنة لا ينازعون في تنزيه الله عن خصائص المخلوقات وأوصاف الحدوث، وينفون أن يحويه مكان مخلوق؛ فهذا أمر معلوم البطلان بالضرورة؛ لامتناع أن تكون المحدثات حاوية للقديم الخالق سبحانه.
​وإنما النزاع معهم في تحقيق ما هو من سمات الحدوث، وهل من لازم كون الله في السماء أن تحويه الحوادث؟

أهل السنة ينفون هذا التلازم نفيا قاطعا، ويعتقدون أن الله تعالى بائن من خلقه فوق سماواته منفصل عن مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته.

الوجه الثالث: المفتي الرفاعي بنى فهمه على افتراض ثنائية حاصرة باطلة وهي إما أن الله في السماء بمعنى تحويه، أو نفي عن الله أنه في السماء مطلقا
فينتج عن هذه القسمة أن الله لا داخل العالم ولا خارجه....!!!

فهو لما نزه الله أن تحويه السماء وهذا حق ظن أنه لا يبقى إلا نفي علو الذات مطلقا وبالتالي يكون لا داخل العالم ولا خارجه
وهذا غلط ظاهر؛ لأن الحق أن القسمة ثلاثية وليست ثنائية، فإما احتواء وهو منفي، وإما نفي العلو مطلقا وهو باطل نصا وفطرة وإجماع السلف، وإما إثبات أن الله قوق سمواته بائن من خلقه، وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة والقدرة والعقل وإجماع السلف

وأما القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارج فهذا رفع للنقيضين، ورفع النقيضين محال كما أن جمع النقيضين محال.

ثم قال الرفاعي:( كلمة الله أكبر تتناقض تناقضا كبيرا مع قولنا الله في السماء).

والجواب: لا تناقض بحال؛ لأن إثبات كونه في السماء لا يعني أن السماء تحيط به، فالله أكبر من كل شيء، وهو العلي الأعلى فوق كل شيء، وهو المحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

حين يقدم المعيار السياسي على الأصول العقدية والمصالح الإسلامية الكبرى حقيقة العقيدة الحوثية ومخاطر مشروعها الإقليمي

حين يقدم المعيار السياسي على الأصول العقدية والمصالح الإسلامية الكبرى

حقيقة #العقيدة_الحوثية ومخاطر مشروعها الإقليمي

قاد بدر الدين #الحوثي ثم ابنه حسين من بعده، تحولا عقائديا أخرج الجماعة من دائرة الزيدية التقليدية إلى أحضان الفكر #الصفوي الباطني.

وينبني هذا المعتقد في أساسه على سب صحابة رسول الله صلى اللهعليهوسلم، والطعن في أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وتقرير نظرية الإمامة وجعلها ركنا من أركان الدين، والإيمان بعقيدة المهدي المنتظر على الطريقة الاثني عشرية، إلى آخره
ومن حيث التلقي، ترفض الحوثية السنة النبوية المروية من طريق الصحابة.

ولا يمكن فصل هذه الحركة عن المخطط الأشمل للتمدد #الإيراني في البلاد الإسلامية القائم على استحلال دماء أهل السنة، وإشاعة الفوضى، ونشر الفكر الرافضي، وتشويه تاريخ المسلمين؛ إذ تعد حركة الحوثي ذراعا عسكريا يدار بالكلية من نظام طهران، ضمن استراتيجية تصدير الثورة، فهي نسخة مكررة على نمط #حزب_الله اللبناني الطائفي، تسخر لزعزعة استقرار المنطقة، وتحويلها إلى مسرحٍ لنفوذ مشاريع طائفية هادمة، تدين بالولاء لولاية الفقيه..

وبعد هذا البيان، فإن من يسوق للحوثي اليوم بحجة موقف عارض من قضية فلسطين أو بناء على خصومة مع الدولة #السعودية، إنما يقع في واحدة من ثلاث: إما جهل بحقيقة هذا المشروع وخلفياته العقدية، فذلك يعالج بالبيان والتعليم ومنعه من الكلام..

أو تلبيس متعمد يقدم فيه الباطل في صورة الحق طلبا لمصلحة سياسية أو استقطاب جماهيري، فذلك خيانة للأمانة العلمية وغش للأمة

أو انسياق عاطفي خلف الشاشات والسرديات المؤدلجة دون تحقيق مناط ولا تثبت، فذلك ما حذرنا منه مرارا في هذا الباب.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_384.html


تأصيل فقهي لقتال الحوثيين في اليمن

تأصيل فقهي لقتال الحوثيين

بقلم د. أحمد محمد الصادق النجار

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فمن المقرر أصوليا وفقهيا أن القتال ضد المعتدي لا يثبت له حكم واحد على الإطلاق، وإنما يختلف باختلاف الأحوال والوقائع والقدرة والمآلات،
فمنه حال دفع الصائل الذي يهجم فعلا وحالا، فلا يشترط فيه حال هجومه شرط زائد على أصل القدرة الحسية
ومنه حال القتال عند التمكن والهدوء النسبي، حيث تراعى فيه شروط الإعداد والقدرة والاستطاعة وما يترتب على الفعل من مصالح ومفاسد، كما قررته بوضوح في كلامي حول أحداث غ زة.

وهذا التفصيل هو أحد الموازين الفقهية التي تنزل على نازلة القتال ضد الجماعة الحوثية، وإن كان الأصل الفقهي الحاكم للنازلة لا ينحصر في هذا الباب وحده، وإنما تتضافر عليه أصول ثلاثة:

الأصل الأول: دفع الصائل
فالحوثيون اليوم جماعة صائلة تباشر العدوان، إذ باغتوا السلطة الشرعية، واستولوا على المؤسسات بالقوة، واستمروا في استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ الباليستية والمسيرات؛ فهذا من حيث الأصل اعتداء قائم متواصل، فيكون دفعه متعينا بحسب الإمكان، كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية معنى ذلك في قوله المشهور: "يُدفع بحسب الإمكان"
والواجب دفعه بحسب القدرة، وبالقدر الذي يتحقق به دفع العدوان أو تقليله.

الأصل الثاني: قتال البغاة الخارجين على ولي الأمر، قَالَ النووي:( وأجمعت الصَّحَابَة رضي الله عنهم على قتال الْبغاة)
فالحوثيون خرجوا بالسلاح على السلطة الشرعية القائمة، وامتنعوا عن أدلء،الحقوق، واستولوا على مقاليد الأمر قهرا وعدوانا، فوجب قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله وينقادوا لولي الأمر.

الأصل الثالث: قتال الطائفة الممتنعة عن التزام الشرائع والحقوق
فكل جماعة امتنعت بقوة وشوكة.عن التزام هذه الأحكام، وجب قتالها، والحوثيون اليوم يمتنعون بشوكتهم عن رد الحقوق الشرعية والمظالم الواقعة على المسلمين، ويستبيحون الدماء والأموال بغير موجب شرعي، ولا خلاف على قتال من امتنع عن أداء الواجبات.

فإذا اجتمعت هذه الأصول الثلاثة في نازلةٍ واحدة، تقوّى بها الحكم وترسخ، وصار القتال متعينا.من عدة أوجه لا من وجهٍ واحد..
فكيف إذا كانوا ينفذون مشروعا صفويا يقوم على سفك دماء أهل السنة وتكفيرهم ونشر الشرك والكفر؟!!

ووجوب الدفع، وإن ثبت أصله باعتبار وقوع العدوان، فإن اختيار وسائل الدفع وتكتيكاته يبقى مقيدا بعدم ترتب مفسدة راجحة على عامة المسلمين والمدنيين تفوق مصلحة الدفع نفسه؛ فالقدرة المعتبرة شرعا تشمل القدرة على تحقيق المقصود من الدفع مع مراعاة ما يترتب عليه من آثار ومآلات.

ويمكن تلخيص ما سبق فأقول:

إن قتال التحالف وقوات الحكومة الشرعية للجماعة الحوثية يندرج في أصله تحت ثلاثة أبواب فقهية متضافرة: دفع الصائل، وقتال البغاة، وقتال الطائفة الممتنعة عن التزام الشرائع والحقوق، وتجري عليه بذلك أحكام الجهاد المشروع من وجوهٍ متعددة، ويبقى مع ذلك تحت قيد القدرة الشرعية التي تضبط وسائله وتدفع المفاسد الراجحة عن المدنيين.

فإن قيل: "كيف توجبون هذا القتال وفي صفّ المقاتلين من فيه تقصير ديني أو فساد نية أو مصالح سياسية مصاحبة؟
قيل: وجود الفجور أو فساد النية عند بعض من يقاتل لا يسقط وجوب الجهاد معه، ما دامت مفسدة تركه أعظم من مفسدة القتال معه على هذا الوجه، وأن هذا من أصول أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والروافض.

والله أعلم.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_18.html

الخميس، 17 سبتمبر 2026

حين تصبح الفتوى تحليلا سياسيا تفتقر إلى أدوات تحقيق المناط التصريح بأن العمليات العسكرية التي تخوضها #السعودية في #اليمن إنما هي #حرب_بالوكالة عن أمرييكا.

 حين تصبح الفتوى تحليلا سياسيا تفتقر إلى أدوات تحقيق المناط

التصريح بأن العمليات العسكرية التي تخوضها #السعودية في #اليمن إنما هي #حرب_بالوكالة عن أمرييكا. هو في حقيقته: خطاب سياسي مبني على توجيه إعلامي، لا صلة له بالاجتهاد الفقهي، يخدم في مآله المشروع الإيرااني الحووثي؛ إذ يلمع صورته، ويضفي شرعية على اعتدائه على بلاد أهل السنة، ومنها الحرمان الشريفان.

ومما يكشف هشاشة هذا التوصيف وتسرعه: أن المشهد الميداني نفسه أكثر تعقيدا وتضاربا مما تصوره السردية الجاهزة؛ فقد تناقلت وسائل الإعلام تعهدا حوثيا لأمريبكا بالكف عن استهداف سفنها في باب المندب، وهو خبر إن صح فإنه ينقض دعوى الوكالة.

وأنا هنا لا أسوق هذا الخبر دليلا قطعيا، وإنما أسوقه لأبين أن الواقع العسكري والسياسي أشد تركيبا وتقلبا من أن يختزل في توصيف واحد.

فليس الإشكال في تناول #الفتيا للواقع السياسي، وإنما الإشكال في غياب أدوات تحقيق المناط. ذلك أن إقحام #المؤسسات_الفقهية ومناصب #الإفتاء في تحليلات عسكرية، معتمدة في ذلك على متابعة الشاشات والقنوات المؤدلجة ومنصات التواصل الاجتماعي، يوقعها في إشكالات منهجية عميقة؛ إذ من المقررات الأصولية أن الفتوى تقوم على محورين اثنين: تكييف الحكم الشرعي (تنزيل النص)، وتحقيق المناط (فهم الواقع).

والإشكال في مثل هذه الفتاوى أن تحقيق المناط في القضايا العسكرية والنزاعات الإقليمية المعاصرة مناط مركب بالغ التعقيد، لا يقطع به أو يرجح فيه إلا بتوافر أدوات تخصصية: كالتقارير الميدانية، وموازين القوى، والمعلومات الموثقة. ..

أما الاعتماد على الخطاب الإعلامي الموجه والسرديات الدعائية، فلا يورث علما ولا ظنا راجحا، وإنما يبنى على شبهات وظنون فاسدة لا تصلح أساسا لبناء الأحكام الشرعية.

فحين يصدر الشيخ أو طالب العلم حكما على حرب بأنها وكالة لدولة ما، فإنه في الحقيقة يمارس عملية تحقيق مناط بغير أدواتها المؤهلة لذلك، فيتحول بذلك حكمه الفقهي إلى #رأي_سياسي يتدثر برداء الشريعة، ويصور للناس على أنه حكم قاطع تترتب عليه الجنة والنار، لا مجرد رأي اجتهادي قابل للنقاش والمراجعة.
!!!!!!!
إن إسباغ صفة الحكم الشرعي على تحليلات سياسية ظنية متغيرة هو من باب القول على الله بغير علم، ويترتب عليه مفسدتان شرعيتان:

الأولى: تضليل العامة، وخلط الثوابت الدينية بالمتغيرات السياسية.

الثانية: إقحام المؤسسات الإفتائية في الصراعات الدعائية، وتحويل الخطاب الديني إلى ورقة استقطاب وأداة من أدوات الحرب، مما يسقط هيبة الفتوى ومصداقيتها عند الناس.

وهنا يجب التذكير بأن الأصل الشرعي يوجب العدل والإنصاف، وعدم حمل الخصومات السياسية على إطلاق الأحكام، وتكييف الوقائع من غير بيّنة قطعية أو ظاهرة راجحة، لقوله تعالى: [وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ]

فوصف استراتيجية عسكرية لدولة كالسعودية بأنها حرب بالوكالة يستلزم أدلة إثبات قطعية أو ظنية راجحة، لا الاعتماد على السرديات الشائعة في الإعلام.

د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

المذهب المالكي لم يولد أشعريا ولا صوفيا، ويعني

 المذهب المالكي لم يولد أشعريا ولا صوفيا، ويعني هذا أن المعتقد الأشعري والمسلك الصوفي ليسا جزءا تأسيسيا من هوية المذهب الفقهي المالكي، وإنما هما أمران طارئان عليه، اختارهما بعض أتباعه في طبقات متأخرة. 


والملاحظ أن هذا الطارئ لم يكن من قبيل التفريع أو التخريج الذي تحتمله طبيعة الاجتهاد الفقهي، وإنما كان تغيرا منهجيا في الأصل الاستدلالي نفسه، انتقالا من التسليم للنص الشرعي في باب العقيدة إلى معارضته أو تأويله بمقتضى الأصول العقلية الكلامية، وهذا مسلك لم يرتضه الإمام مالك، ولا ارتضاه أئمة مذهبه المتقدمون. 


يعني تتكلم على منهج ربط بالذهب المالكي لا يرتضيه صاحب المذهب، بل يذمه ويبدعه..وهو يغير المنهج الاستدلالي 


كما أن اشتراط الأشعرية كجزء لا يتجزأ من هوية المالكي الحقيقي يلزم منه لازم باطل، وهو وصف الإمام مالك نفسه، وجمهور المتقدمين من أصحابه بأنهم مالكية ناقصو الهوية العقدية! 

وهذا لازم لا يقبله عاقل منصف..ويبطل أصل الربط... 


وتبني بعض علماء المالكية المتأخرين للأشعرية مهما بلغ عددهم أو مكانتهم، لا يدل على أن هذا هو أصل الهوية المالكية، ولا يجعلها معيارا أصيلا لها، فالانتشار اللاحق يصف واقعًا تاريخيا، ولا يؤسس أصالة. 


أما استقرار العقيدة الأشعرية فترة من الزمن في ليبيا، فلم يكن استقرارا اختياريا نابعا عن قناعة، وإنما هو نتاج فرضٍ بالقوة توارثته الأجيال بعد ذلك كأمر واقع. 


وما تمكين القذافي للصوفية والأشعرية في المناهج والمساجد عنا ببعيد، فهو شاهد معاصر على فرض توجه عقدي معين بقرار سلطوي، بمعزل عن الاختيار. 


فشتان بين عقيدة أثرية دخلت مع الفتح الإسلامي الأول برعاية الصحابة والتابعين وأئمة أهل المدينة، وبين تأويلات كلامية فرضتها الظروف السياسية لاحقا. 


وعليه، فإن العودة إلى المعتقد الأثري ليست استيرادا لفكر خارجي، وإنما هي عودة جادة إلى الأصل والجذر الذي انقطع استمراره الطبيعي بفعل القوة لا بفعل الاختيار. 


إن ربط #المذهب_المالكي بما استقرت عليه #العقيدة_الأشعرية تكتنفه عدة إشكالات منهجية وتاريخية، منها: 


١. التأخر الزمني والمضموني للعقيدة الأشعرية يلزم من هذا التأخر عدم صحة الربط أصالة؛ إذ لم يعتنق مؤسس المذهب ولا أكابر أصحابه هذا المعتقد، فقد توفي الإمام مالك (ت 179هـ) قبل ظهور أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ) وتأسيس مدرسته بعقود طويلة. 


٢. تصريح أئمة المذهب المتقدمين بما يخالف المقررات الأشعرية المتأخرة

ومن ذلك ما صرح به إمام المذهب مالك بن أنس نفسه في مسألة الاستواء والصفات، وما دونه كبار المالكية من بعده كابن أبي زيد القيرواني في مقدمة رسالته، وابن عبد البر، والطلمنكي، وغيرهم؛ وهذا يمنع صحة الربط مضمونا وإسنادًا معا. 


٣. اعتناق جمع من المتأخرين المنتسبين للمذهب المالكي للمدرسة الأشعرية لا يسوغ جعلها متلازمة حتمية له؛ لأن إثبات الملازمة يتطلب إثبات الاعتناق الكلي الشامل عبر كافة طبقات المذهب، وهذا افتراض وهمي يخالف الواقع، فمتقدمو أئمة المالكية لم يعتنقوا هذا المذهب الكلامي المتأخر زمنا ومضمونا، ولا يُتصوَّر منهم ذلك. 


٤. عُرف عن الإمام مالك وأصحابه إنكارهم الشديد لعلم الكلام وأهله، وتحذيرهم منه، في حين بُنيت العقيدة الأشعرية في أصولها واستدلالاتها على المناهج الكلامية؛ فكيف يصح إذن ادعاء التلازم بين أصلٍ وفرعٍ يناقضه في المنهج نفسه؟!


لا يشك كل متأمل مطّلع متجرد للحق أن الإمام مالكا وجماهير أئمة المذهب المتقدمين كانوا على عقيدة أهل الحديث والأثر، وهو المسلك الذي يتناسب مع عصر مالك والعصور الفاضلة التي سبقت استقرار التمذهب الكلامي، وشهدت الإنكار الشديد على المتكلمين. 


وما يقال في المذهب المالكي يقال نظيره تماما في بقية المذاهب الفقهية. 


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 13 سبتمبر 2026

هل #الأشاعرة هم #السواد_الأعظم؟ #المؤتمر_الدولي_الثاني_للهوية_الدينية_الليبية الذي تقيمه #الجامعة_الأسمرية، يشترك ويتقاطع كثيرا مع توصيات #مؤتمر_الشيشان.

 هل #الأشاعرة هم #السواد_الأعظم؟

#المؤتمر_الدولي_الثاني_للهوية_الدينية_الليبية الذي تقيمه #الجامعة_الأسمرية، يشترك ويتقاطع كثيرا مع توصيات #مؤتمر_الشيشان.

وقد صُدر بيان مؤتمر الشيشان بهذه الجملة: "أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا وتزكية."

ومن المستضافين في مؤتمر الجامعة الأسمرية بزليتن الدكتور جمال فاروق الدقاق، وقد قال في كلمة ألقاها في قاعة المؤتمر، بحسب المقطع المتداول: "أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم، وهذا المذهب يتكون من مدرستين: مدرسة الأشاعرة، ومدرسة الماتريدية، وهما يشكلان معا مذهب أهل السنة والجماعة."

ولم يكتفِ بهذا، فقد وصف أهل الحديث بأنهم مجسمة، وزعم في سابقة تاريخية تدل على قلة فهم أنهم لم يلقبوا بأهل السنة إلا في القرن السابع أو الثاني عشر، وأن اللقب قبل ذلك لم يكن إلا للأشاعرة. هكذا زعم، مع أن لقب أهل الحديث وربطه بالسنة والجماعة ثابت في مدونات السلف منذ القرنين الثاني والثالث الهجريين قبل استقرار المذهب الأشعري.

وكأن الهدف من هذا المؤتمر هو نفسه الهدف الذي انعقد عليه مؤتمر الشيشان، وهو: إخراج أهل الحديث السلفيين من دائرة أهل السنة والجماعة، وإلحاق وصف التجسيم بهم تنفيرا عنهم، لما رأوا تأثر العالم بمعتقدهم الذي يشع نورا وهدى.

وللرد على الأزهري د. جمال، أقول:

هل ينطبق على الأشاعرة والماتريدية الوصف النبوي "السواد الأعظم"؟

أولا: ليس المقصود بالسواد الأعظم - الذي هو علامة على أهل السنة وعلامة على الحق - الكثرة العددية ولا مطلق الجماعة، كما يتخيل د. جمال وغيره؛ إذ إن النصوص الواردة في لزوم الجماعة والتمسك بالسنة تدل على أن الاعتبار ليس بالعدد وحده، وإنما بالحق الذي تجتمع عليه الجماعة.
ويتضح هذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق."؛ إذ،جعل من أعظم أوصافهم في وقت من الاوقات: القلة.

وإنما المقصود بالسواد الأعظم  من حيث العدد: جماعة الصحابة والتابعين، ومن حيث الوصف: ما وافق الكتاب والسنة وإجماع السلف.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى."

قال نعيم بن حماد شارحت: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ.

وقال إسحاق بن راهويه: لو سألت الجهال: من السواد الأعظم؟ لقالوا: جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فقد ترك الجماعة.

وقد ذكر العلماء أن الإمام أحمد في زمن المحنة كان يمثل السواد الأعظم وحده، لتمسكه بالسنة حين أجاب كثيرون غيره.

فتبين أن السواد الأعظم هو جماعة الصحابة ومن أخذ بمنهجهم وفهمهم وسار على طريقتهم ولو كان واحدا، لا كما فهمه د. جمال الأزهري!!.

وبهذا يظهر أن المقدمة التي بنى عليها أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية - وهي تفسير "السواد الأعظم" بكثرة العدد - مقدمة باطلة، وما بُني على باطل فهو باطل.

ثانيا: لو أخذنا بمنطق د. جمال نفسه، لانقلب عليه الأمر؛ فقد نقل ابن عساكر نفسه - وهو من كبار المدافعين عن الأشعري - هذه الحقيقة وهي أن الأشاعرة ليسوا الأكثر عددا في سياق اعتراض عليه، حيث قال في كتابه تبيين كذب المفتري: "فإن قيل: إن الجم الغفير في سائر الأزمان، وأكثر العامة في جميع البلدان لا يقتدون بالأشعري ولا يقلدونه، ولا يرون مذهبه، وهم السواد الأعظم، وسبيلهم السبيل الأقوم..."

فكيف يكونون هم أهل السنة وقد انتفى عنهم وصف السواد الأعظم على فهم الأزهري؟!

ثالثا:  كيف يكونون هم أهل السنة والجماعة دون غيرهم، وقد تأخر ظهور المذهب الأشعري إلى القرن الرابع الهجري، فخلت منه القرون الثلاثة المفضلة؟ ومذهب الأشاعرة ليس امتدادا لمذهب السلف، بل مخالف له في مسائل أصلية، كصفة العلو مثلا، كما تبيّنه الآثار التي أوردها الذهبي وابن القيم وغيرهما، وهي مخالفة واضحة لأئمة القرون الثلاثة وأئمة المذاهب الفقهية. بل لم يخلُ عصر من العصور من مخالف لهم، فكيف يكونون هم السواد الأعظم بإطلاق؟!

وقد ذكر ابن المبرد في كتابه جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر أكثر من أربعمائة عالم بين محدث وفقيه وعابد وإمام، كلهم مجانبون للأشاعرة ومخالفون لهم.
كما سمى اللالكائي جماعة من أهل الحديث ممن ليسوا على مذهب الاشاعرة والماتريدية في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة, وذكر بسنده عن قتيبة أنه قال: «إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد , وعبد الرحمن بن مهدي , وأحمد بن محمد بن حنبل , وإسحاق بن راهويه - وذكر قوما آخرين - فإنه على السنة , ومن خالف هؤلاء فاعلم أنه مبتدع»

وسمى الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث أئنة الأثر ممن ليسوا على اعتقاد الأشاعرة: محمد بن إدريس الشافعي، وسعيد بن جبير والزهري، والشعبي والتيمي ومن بعدهم، كالليث بن سعد والأوزاعي والثوري وسفيان بن عيينة الهلالي، وحماد بن سلمة وحماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وأيوب وابن عوف ونظرائهم.
ومن بعدهم مثل يزيد بن هارون، وعبد الرزاق وجرير بن عبد الحميد، ومن بعدهم محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري، وأبي داود السجستاني وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم وابنه ومحمد بن مسلم بن واره، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة الذي كان يدعى إمام الأئمة، والمقري كان إمام الأئمة في عصره ووقته، وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل البستي، وجدي من قبل أبي أبو سعيد يحيى بن منصور الزاهد الهروي...
وكذا البخاري رحمه الله القائل: « لقيتُ أكثرَ من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر: لقيتُهم كَرَّات، قرنا بعد قرن، ثم قرنا بعد قرن...فما رأيتُ أحدا منهم يختلف في هذه الأشياء: ... »
وما ذكره من معتقد هو خلاف ما عليه مذهب الأشاعرة،
والسؤال الفاصل هنا: من أحق بوصف أهل السنة،ط والجماعة؛ أهو الموافق لأهل الحديث في عقائدهم أم المخالف لهم؟!!

وأخيرا نبه ابن تيمية على أن أهل الحديث لا يراد بهم أهل الرواية والصنعة الحديثية فقط، بل كل من حفظ السنة وفهمها واتبعها ظاهرا وباطنا في جميع أبواب الدين.
وأزيد فأقول: ولا يدخل فيها متأخرو الاشاعرة الذين يحرمون الاستدلال بالكتاب والسنة في باي الإلهيات والنبوات.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 12 سبتمبر 2026

حتى يدرك الشعب الليبي وحكومته أبعاد خطر #المؤتمر_الدولي_الثاني_للهوية_الدينية_الليبية الذي تقيمه #الجامعة_الأسمرية، يجدر بنا أن نسلط الضوء على عقائد ومناهج من تفتح لهم المنصات وتقدم لهم الدعوات، ولنبدأ بـ عزيز الكبيطي إدريس الحسني.

 خطر عظيم على المعتقد في ليبيا

حتى يدرك الشعب الليبي وحكومته أبعاد خطر #المؤتمر_الدولي_الثاني_للهوية_الدينية_الليبية الذي تقيمه #الجامعة_الأسمرية، يجدر بنا أن نسلط الضوء على عقائد ومناهج من تفتح لهم المنصات وتقدم لهم الدعوات، ولنبدأ بـ عزيز الكبيطي إدريس الحسني. 


يتبنى #عزيز_الكبيطي منهجا في #التصوف_الباطني، ويكتب مؤصلا لطرح يقوم على دعاوى #الفيض_الإشراقي والاتصال الغيبي والحلول، وهذا ما يتضح من خلال قراءة في مؤلفاته: 

يصف الكبيطي نفسه بأنه شيخ #المنهج_المحمدي المباشر ووارث سر النبي صلى الله عليه وسلم، ويقر بتقسيم الدين إلى ظاهر وباطن، وحقيقة وشريعة، مدعيا تلقيا مباشر من الحضرة المحمدية عبر أحوال باطنية لا يدركها مريدوه، كما ورد في كتابه المنهج النبوي ص56. 

وفي كتابه آداب المريدين ص149، يرتفع بدعواه إلى حد ادعاء #العصمة من أن يتمثل به الشيطان. وفي الكتاب نفسه، ص151، يذكر أن عالم الأرواح مفتوح له ممكن بالسر من الروح وأمرها. 

وفي انزلاق عقدي خطير ينضح كلامه بمفاهيم #الحلول والتجلي، حيث يقول: (فيعتبر الشيخ مظهرا لسيدنا رسول الله ومظهرا لله ، وهذا المظهر يشبه المرآة التي تنعكس فيها التجليات والانوار، فقد ياخذ الشيخ صورة اخد مشايخ البرزخ أو الأولياء الاحياء أو صورة سيدنا رسول الله ) كما في آداب المريدين 151 

كما يقرر مسألة #الفناء الصوفي الذي تذاب فيه صفات المريد لتتلاشى في ذات شيخه، مقابل تنمية أوصاف الشيخ في المريد. 

ويعتقد #الكبيطي أن للرسول صلى الله عليه وسلم سرا ينفث في روح ولي مجدد للدين كل ثلاثة قرون كما في كتابه المنهج النبوي، ص 9-10، 

ويرى في نفسه مجدد هذا العصر الحامل لهذا السر من ولادته! لذا وضع لمريديه كتابه المنهج النبوي معتبرا أن من ظفر بصحبته فقد حاز الخير العظيم الذي يصح الافتخار به. 

ويرى أن تجديد الدين لا يتم عبر الطرق التقليدية بل عبر المنهج؛ لأن الطرق بزعمه لا ترتبط بالسر مباشرة، وإنما الذي يختص بالسر والإذن بالجهر هو المنهج الباطني الذي يدعو إليه. 

ويزعم أن روح الحي قادرة على الاجتماع والالتقاء بشيخه المتوفى في عالم #البرزخ ببركة وسر المنهج كما في كتابه المنهج النبوي، ص 34 

ويبرر عدم معالجته للمصابين بتلبس الجن بأن مهامه الباطنية والإرشادية سامية وأكبر من مجرد محاربة #الجن، ويوجه مريديه للقيام بهذه المهام كما في كتابه المنهج النبوي، ص 54. 

وفي كتابه المنهج النبوي ص106 يرى أن للشيخ اتصالا باطنيا مباشرا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا يمكن أن يكون الشيخ شيخا دون اتصال بالحضرة المحمدية، وأن ما يأتي به الشيخ من توجيهات ومعارف ما هو إلا فيض من #الحضرة_المحمدية

ويعتبر الشيخ هو الناقل من #عين_الغيب إلى عين الشهود 

ويصرح في كتابه آداب المريدين، ص 144 بأن أهل الله غير منفصلين عن الله، وأن التوجه إليهم يجب أن يكون بإحضار معية الله لهم، كما أن الحضور مع المشايخ هو حضور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم 

إن ما ذكر أعلاه ليس إلا غيضا من فيض، ونزرا يسيرا مما احتوته هذه الكتب التي طالعتها بنفسي، ولم أستطع إكمال القراءة لفظاظتها وانحرافها عن محكمات الدين. 

وللإخوة في #المغرب فهارس تفصيلية تبين تهافت هذا الطرح وخروجه عن جادة أهل السنة والجماعة، بل وعن جادة ما عليه أهل الإسلام، وسأنقل لكم بعضها في التعليقات. 


وأخيرا أقول: 

إن استضافة أمثال هؤلاء عبر المنصات الأكاديمية الرسمية ليست مجرد نشاط علمي عابر، وإنما هي اختراق فكري وعقدي ناعم يمسّ مرجعية البلاد، ويهدد أمنها #الفكري، ويسعى لإحلال المفاهيم الإشراقية والباطنية المنحرفة محل العقيدة الصافية التي أجمعت عليها الأمة، مما يستوجب على المسؤولين وأهل العلم والغيرة وقف هذه التجاوزات والرد عليها، وحماية الناشئة من الشبهات #الباطنية المغلفة بمسوح #التصوف. 


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

مسألة #النقد_الأجنبي 2000 دولار

 مسألة #النقد_الأجنبي 2000 دولار

هذا سؤال من أحد الإخوة:

بالله الفتوى هذه اليوم صدرت، بالله لو تقرأها ،انا كنت واخذ بفتوتك بالجواز 

لو تكرمت بارك الله فيك فإذا غيرت فتوتك فذكرني ونبهني جزاك الله خيرا 


بارك الله فيك 

لم تتغير فتواي، فأنا أقول بالجواز، والآن أقدم للانتفاع بهذه المعاملة

وأما الفتوى التي سألت عنها، فهذا رأيي فيها: 


تحليل فقهي لفتوى تحريم التعامل بمبلغ 2000 دولار الصادق من مجلس البحوث (مدارسة فقهية) 


لقد صدرت فتوى تمنع التعامل بمبلغ 2000 دولار، منطلقة في حكمها من أن تحديد السعر عند الحجز المبدئي يجعل الحجز مواعدة في حكم العقد، ويعتبرها مصارفة مؤجلة التنفيذ، مما يؤدي إلى ربا النسيئة؛ لتأخر قبض البدلين. 

بناء على المشهور عند المالكية من منع المواعدة التي تكون عن مراوضة في الصرف، والمراوضة تعني الاتفاق على سعر الصرف عند المواعدة

وأما المواعدة فتعني التوافق بين الطرفين على إيقاع الصرف في وقت لاحق سواء حدد السعر أو لا

قال المازري : (وقد اختلف في المواعدة على الصرف، فأجيزت في قول، ومنعت في قول، وكرهت في قول ثالث..)

وابن رشد الجد حمل الكراهة والجواز على غير المراوضة...

وتخصيص ابن رشد الكراهة والجواز بغير المراوضة هو توفيق اجتهادي منه، وليس نصا منصوصا عنهم، ولا قوله يمنع أصل الخلاف في المسألة، وكثير من شراح المذهب أطلق الخلاف ولم يخصص. 


وتكمن إشكالية الفتوى في الصورة التي فرضتها وبنت عليها الحكم، 

فصورت أن السعر الذي يظهر عند الحجز هو سعر تعاقدي ملزم للطرفين، بحيث إذا تغير السعر الرسمي للدولة قبل التنفيذ، فإن العقد سيكون على السعر الأول لا السعر الجديد.

وأهملت أن العميل له خيار إلغاء المعاملة. 


بينما الصورة الصحيحة أن السعر يذكر باعتباره السعر الرسمي النافذ في ذلك الوقت، مع بقاء الحق في تغييره إذا تغير السعر الرسمي قبل التنفيذ، وبقاء حق الإلغاء من العميل.


وانا الاستناد على المجمع الفقهي فهو في غير محله، فقد نص على منع المواعدة الملزمة للطرفين، ومسألتنا ليس فيها إلزام للطرفين!!!! 


والرد على الفتوى من أوجه:

الوجه الأول: الحجز المبدئي لا يعتبر وعدا ملزما؛ لأنه يحق للعميل إلغاؤه دون تحمل أي تبعات مالية أو غرامات 

ويتضح من ذلك أن الحجز إجراء تمهيدي وتنظيم إداري سابق على العقد، لا يترتب عليه إنشاء بيع ولا التزام بإبرامه.

وبالتالي لا يصح أن يقال: لماذا تأخر التقابض؟ لأن الحجز ليس عقدا ولا وعدا ملزما فمن الطبيعي ألا يحصل تقابض عند الحجز... 


فما يجري عند دخول العميل إلى المنظومة مجرد حجز للحق في طلب النقد الأجنبي، لا عقد صرف ولا مواعدة ملزمة.

وقد استقرت قرارات المجامع الفقهية وفتاوى الهيئات على جواز مثل هذه المواعدات الإدارية التنظيمية التي لا تنشئ التزاما تعاقديا.. 


الوجه الثاني: قد أجاز المواعدة غير الملزمة للطرفين معا على الصرف حتى مع الاتفاق على سعر الصرف عند المواعدة: عدد من الهيئات العلمية الشرعية، كما في فتاوى ندوات البركة، وقرارات المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت في مارس ١٩٨٣، والفتاوى الشرعية للبنك الإسلامي الأردني، وغيرها

وقبلهم ابن حزم فإنه يرى جواز المواعدة على الصرف مطلقا؛ لأنه ليس بيعا، حيث قال "والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وفي بيع الفضة بالفضة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك، أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعا"

مع التنبيه إلى أن ابن حزم يقول بعدم الإلزام بالوعد. 


الوجه الثالث: طبيعة السعر المحدد في ليبيا أنه إعلام بالسعر التظامي الرسمي الصادر عن الجهة النقدية في الدولة، مع بقاء العقد إلى حين التنفيذ، وإذا تغير السعر الرسمي قبل التنفيذ طبق السعر الجديد. 


إذن هو سعر نظامي عام، الإعلام به وتحديده عند الحجز هو بمثابة الإعلام بالسعر الساري في المنظومة المصرفية 

ولا يترتب على تحديده إنشاء العقد أو اعتباره مواعدة ملزمة؛ لأن آثار العقد من الخصم والإيداع تترتب من حين إنشائه يوم التنفيذ ولا تترتب من حين المواعدة والحجز. 


وأما كون الصرف يتم لاحقا بالسعر المعلن يوم الحجز، فليس ناتجا عن تواطؤ أو اتفاق مسبق بين الطرفين على تثبيت سعر مستقبلي ملزم للطرفين، وإنما هو ناتج عن استقرار السعر الرسمي بحكم النظام العام بصرف النظر عن إرادة المتعاقدين. 


كما أن المشتري له حق الرجوع والإلغاء، فليس في المعاملة أي وعد ملزم للطرفين بالصرف، وأما ما يظن من إلزام المصرف فهو ليس التزاما بعقد صرف آجل، وإنما هو التزام تنظيمي إداري من جهة عامة بتقديم خدمة بيع العملة بالسعر الرسمي المعتمد يوم التنفيذ لمن استوفى الشروط. 


والملاحظ أن الفتوى المانعة الصادرة من المجلس لم تراع الفرق بين أن يتواطأ طرفا الصرف على سعر خاص بينهما يطبق مستقبلا على وجه الإلزام ولو تغير السعر الحقيقي في السوق، وبين أن يكون السعر ثابتا بقرار رسمي من الدولة على التفصيل السابق ... 


وبما أن العقد والتقابض يقعان معا يوم التنفيذ بالسعر الرسمي النافذ حينها، وليس هناك مواعدة ملزمة، فإن المعاملة تخرج تماما من محذور الصرف الآجل لتكون جائزة شرعا. 

يسأل بعض الإخوة
توجد عمولة في معانلة 2000  دولار تخصم من العميل لصالح #شركة_الصرافة.
والعميل لابد أن يحدد شركة عند الحجز
فهل هذا يؤثر في جواز معاملة 2000 دولار؟

الجواب:

عقد الصرف الذي يتم بين الزبون والمصرف مكتمل الأركان في نفسه، وهذه الأركان لا علاقة لها بالعمولة المقتطعة لصالح شركة الصرافة؛ إذ العمولة التزام فرضته المنظومة الإجرائية على العميل، لا جزء من عقد المعاوضة نفسه.

فحتى لو قيل بتحريم هذه العمولة لعدم مقابلتها بخدمة حقيقية، فإن عقد الصرف بين الزبون والمركزي يبقى صحيحا مستقلا بذاته، والتحريم يقتصر على العمولة نفسها، ولا يسري بطلانه إلى عقد الصرف الأساسي.

وتكبير موضوع شركة الصرافة بحيث يستثمر لإبطال أصل المعاملة تكبير في غير محله ولا يصدر من فقيه؛ لأن محل النظر في هذه العمولة مستقل عن محل النظر في عقد الصرف نفسه، ولكل منهما حكمه الخاص به،إلا في حالات استثنائية لا تتحقق هنا.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 5 سبتمبر 2026

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

ما أحوج طلبة العلم اليوم إلى تعلم تفاصيل عقيدة السلف، حتى لا تختلط عليهم المفاهيم، فيصبحوا في نهاية الأمر على مذهب المتكلمين وهم لا يشعرون.

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

وجوابي
قد يشكل هذا على من لم يدرك حقيقة مذهب أهل السنة في باب الصفات، ولم يحط بأصول مذهب الأشاعرة، فيحسب أن التعبيرين متساويان من جهة المعنى واللوازم العقدية، وليس الأمر كذلك، وهو جهل بحقيقة المذهبين.

فالتعبير بـالقصد إذا صدر من سني يراد به إثبات فعل اختياري يتعلق بمشيئة الله وقدرته، بخلاف التعبير بـتعلق الإرادة، فهو اصطلاح كلامي يفسر به حدوث الآثار وتجدد تخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ونفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله تعالى على الوجه الذي يثبته أهل السنة.

فأي دارس لعقيدة السلف وعنده خلفية جيدة بمذهب الأشاعرة ولو قليلا سيقف طويلا عند لفظ #التعلق؛ إذ هذا التعبير يقوم على أصل كلامي كبير، وهو نفي حلول الحوادث بذات الله.

والمقصود هنا ليس مجرد لفظ التعلق من حيث هو لفظ، وإنما المقصود هو البناء الكلامي الذي يجعل تعلق الإرادة تفسيرا لإيجاد  المخلوقات، مع نفي أن يكون هناك فعل اختياري متجدد قائم بذات الله تعالى.

فمصطلح #التعلق هو أداة #الأشاعرة في تفريغ #الأفعال_الإلهية من حقيقتها، فالأفعال عند جمهورهم هي التعلق التنجيزي للإرادة والقدرة بالممكنات.
فهم لا يثبتون فعلا قائما بذات الله عز وجل، وإنما يجعلون الفعل هو عين المفعول البائن أو مجرد التعلق الحادث.
مع اختلاف بينهم في مسألة التكوين.

فأهل السنة كابن عثيمين رحمه الله وغيره ممن فسر "استوى إلى السماء" بـ"قصد إلى خلق السماء"، يثبتون فعلا حقيقيا لله قائما بذاته.
بينما من فسّر "استوى إلى السماء" بـ"تعلق الإرادة" لا يثبت فعلا قائما بذات الله، وإنما يرجع الأمر كله إلى مجرد تعلق صفة الإرادة بالسموات، مع كون الفعل هو عين المفعول.

وهذا الفرق بدهيّ عند أهل التخصص في هذا الباب، ولا يشكل عليهم.

والخطأ هنا في تفسير الاستواء مرتبط بكارثة عقدية نبهت عليها في مقالي السابق مما هو موجود في التفاسير الكلامية، وما انتخب منها في بعض التفاسير المعاصرة والمختصرات،

وهذه الكارثة لن يجدوا جوابا عنها يستقيم مع أصول أهل السنة
وهي في تفسيرهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بأن الإيجاد لا يكون بقول الله المتجدد الحقيقي، وإنما يكون بمجرد تعلق الإرادة والقدرة، بما يستلزم نفي أن الله يقول قولا متجددا متعلقا بمشيئته واختياره عند كل تكوين على الوجه الذي يثبته أهل السنة من الصفات الاختيارية. وبما يستلزم أيضا نفي فعل الخلق القائم بذات الله المتجدد.

فتخيل أن تجد تفاسير قديمة كتفسير البيضاوي الكلامي وتفسير الرازي وتفاسير معاصرة كتفسير طنطاوي وغيره
تتداول بين الناس تقول بأن إيجاد المخلوقات يكون فقط بتعلق القدرة والإرادة، وليس بقوله كن عند كل تكوين،
هذه هي حقيقة مذهب جمهور الأشاعرة في أفعال الله سبحانه، فهم لا ينفون لفظ "كن"، وإنما يؤولونه إما بكونه تمثيلا لسرعة نفاذ القدرة والإرادة دون امتناع، أو بكونه تعلقا للكلام النفسي الأزلي، نافين بذٰلك صفة القول المتجدد الحقيقي بصوت وحرف بحسب مشيئته سبحانه واختياره عند كل تكوين.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_05.html


الجمعة، 4 سبتمبر 2026

الفرق بين التفسير السني والتفسير البدعي

 الفرق بين التفسير السني والتفسير البدعي

التفسير السني يعتمد في تفسيره على الكتاب والسنة وعلى أقوال السلف ومفتضى اللغة ليصل إلى المعنى من الآية في آيات العقيدة وغيرها
وأما التفسير البدعي فيعتمد في تفسيره على أصل كلامي أو فلسفي أو إشاري صوفي يقرر خارج النص الشرعي ثم يدخل على النص الشرعي إدخالا، ويسقط على الآية قسرا

فكل تفسير يفسر القرآن -لاسيما آيات العقيدة- بمقتضى أصل عقلي أو كلامي أو ذوقي مقرر سلفا، ثم يُحمَّل النص عليه، فليس من تفاسير أهل السنة وإن كان المؤلف منتسبا للسنة..

مثلا
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، في التفسير السني يرجع المؤلف لأقوال السلف ومقتضى اللغة، فبفسر الاستواء ب علا، ارتفع، أما في التفسير البدعي فيرجع المؤلف لأصل كلامي وهو امتناع الجهة على الله ثم يؤول النص ليوافق هذا الأصل المسبق.

ولا نتكلم هنا عن خطأ في موضع أو موضعين، وإنما نتكلم عن شيء يتكرر
وهذا التكرار قد يطرد وقد لا يطرد، فإن اطرد في جميع آيات العقيدة أو في كل آيات الصفات دل ذلك على تبني أصل كلامي يطبقه بانضباط،
وأما إذا لم يطرد لكنه تكرر فهذا يدل على اضطراب في تبني الأصل الكلامي، وتأثر بالمتكلمين .

ويبقى الحكم على المؤلف نفسه، هل هو سني أو لا؟ من أضيق الدوائر وأشدها احتياطا، فلا يبنى على مجرد ظهور تأويل أو أكثر في كتابه، بخلاف الحكم على تفسيره بأنه تفسير بدعي لا سني.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 3 سبتمبر 2026

حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

 حكم الانتفاع بالتفاسير المعاصرة المشتملة على أخطاء عقدية

سلامة المعتقد شرط في كل كتاب يراد اتخاذه مرجعا في بيان مراد الله تعالى؛ إذ التفسير في حقيقته إخبار عن مراد المتكلم سبحانه، فإذا حرف المفسر مراده الله في أعظم أبواب العلم لم يصح الاعتماد على تفسيره بإطلاق، وأما الانتفاع به ففيه تفصيل سيأتي

فكتب التفاسير المعاصرة التي لم تسلم من الأخطاء العقدية من حيث الانتفاع بها تدور بين حالين لا ثالث لهما:

الحال الأولى: كتاب فيه إضافة علمية مستقلة، كأن يضيف إضافة علمية مستقلة، أو يخدم جانبا من العلوم الشرعية، كتفسير التحرير والتنوير فيما يتعلق بعلوم اللغة والبلاغة، أو عنايته بمقاصد السور ونحو ذلك،
فهذا يجوز الانتفاع به بضابطين:
الأول: أن يتنبه القارئ للخلل العقدي الموجود فيه.
الثاني: أن يكون القارئ مؤهلا علميا قادرا على التمييز.

فإن انتفى الشرطان أو أحدهما لم يجز الانتفاع؛ لأن جواز الانتفاع مشروط بألا تترتب عليه مفسدة راجحة، وأما قراءة العامي لكتاب فيه تحريف لصفات الله دون تمييز فمفسدتها راجحة على منفعتها اللغوية.

الحال الثانية: كتاب لا يعدو أن يكون تلخيصا أو منتخبات من كتب أخرى وليس فيه إضافة علمية تذكر، وإنما هو نقل عن كتب التفسير الكلامية كالنقل من تفسير الرازي والزمخشري والبيضاوي والطنطاوي ونحوها دون تمحيص عقدي، وقد يشتمل كذلك على نقول من تفاسير سنية..
فهذا لا داعي له أصلا؛ إذ في القديم والمعاصر السليم من الأخطاء العقدية غنية عنه.

ومن الأخطاء العقدية التي في كتب التفاسير الكلامية والتي لم تخل منها بعض المنتخبات والملخصات:

1-تفسير قوله تعالى: [الله يستهزئ بهم] وقوله تعالى: [ومكروا ومكر الله]
بالمشاكلة، أي فسروا الاستهزاء بالمستهزئ والمكر بالماكر بأنهما مجرد جزاء أو مجاز على طريقة المشاكلة اللفظية والازدواج، أي تسمية الشيء باسم غيره لمشاكلته له في اللفظ فقط، وليس حقيقة؛ اعتمادا على قرينة عقلية مبنية على تصورهم الفلسفي لمعنى هذه الألفاظ في حق المخلوق فقط، لا في حق الخالق، وهذا مبني على قياس الغائب على الشاهد في حقيقة الصفة، وهو قياس ممنوع في باب صفات الله تعالى عند أهل السنة؛ إذ لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى اشتراكهما في الحقيقة أو الكيفية.
فالمنهج الصحيح إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه من الاستهزاء والمكر المقيدين على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف، ولا يصح جعل ذلك مجرد مشاكلة لفظية تقتضي نفي حقيقة المعنى.

2-تفسير قوله تعالى: [ ثم استوى إلى السماء]
بتعلق إرادته سبحانه بخلق السموات، كما في تفسير الطنطاوي وغيره
وهو تأويل أشعري للاستواء بـالإرادة، مفاده صرف الاستواء عن معناه العلو والارتفاع إلى مجرد الإرادة، مع خلل عقدي خطير، وهو جعل إيجاد الشيء وخلقه متعلق بالإرادة فقط، وسيأتي توضيحه

3'تفسير المتشابه في قوله تعالى:[وأخر متشابهات] بالخفي الذي لم يتضح معناه، والتمثيل عليه بنصوص الصفات السمعية...

والخطأ الكلامي المرفوض: أن يجعل أصل المعنى نفسه من المتشابه الخفي.

4-نفي صفة الحياء في تفسير قوله تعالى[إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا بعوضة فما فوقها]
بناء على أن أصل الاستحياء في اللغة استقباح فعل الشيء لنقص فيه, وترتب عليه تأويله بأنه مجرد كناية عن عدم الامتناع عن ذكر المثل الذي يريده.

وهذا النفي مبني على مقدمات كلامية فاسدة:
الأولى: المعنى اللغوي للاستحياء حمل على الصورة المشاهدة المتحققة منه في المخلوق، ولم يُنظر إلى أصله الكلي الذي يشترك فيه أفراد المعنى مع اختلاف حقائقها، وهذه هي طريقة المتكلمين في المعاني اللغوية .
الثانية: إلزام الخالق بما يقتضيه المعنى المتحقق في المخلوق من خصائص ولوازم.
الثالثة: التأويل بناء على أصول كلامية.

ومن أخطر ما اشتملت علبه كتب التفاسير الكلامية وملخصاتها ومنتخباتها
قولهم في تفسير قوله تعالى: [وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون]
حيث جعلوا إيجاد الشيء لا يكون بقول الله تعالى له: «كن»، وإنما جعلوا الإيجاد حاصلا بمجرد تعلق الإرادة به، أو بتعلق الإرادة والقدرة به، فإذا أراد الله إيجاد شيء تعلقت به إرادته فيوجد من غير قول كن....فليس هناك صفة خلق قائمة بذات الله. ولا يثبتون قولا من الله تعالى متعلقا بالإيجاد، كقوله سبحانه: «كن».

فعندما ينتخب مثل هذا القول الفاسد الذي ينفي وجود قول من الله، ويجعل إيجاد المخلوقات هو مجرد تعلق إرادة وقدرة كما هو مذهب الأشاعرة
يتبين بذلك مدى خطورة هذه التفاسير التي تصرف ظاهر النصوص عن دلالتها وتنفي حقائق صفات الله سبحانه.

كما اشتملت أيضا على خطأ عقدي متكرر وهو نفي تأثير الأسباب في مسبباتها، وأن المسبب يحصل عند السبب لا به.
ومن ذلك جعلهم السحر الحقيقي يخلق الله عنده الضر والنفع.

وهناك أخطاء كثيرة، هذا شيء يسير جدا منها.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار



الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

شبهات حول حديث الجساسة

 السلام عليكم أخانا الكريم، رفع الله قدرك ودرجتك في جناته

خرج قوم ينكرون صحة حديث تميم الداري والجساسة في صحيح الإمام مسلم، بحجة أن الحديث يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس في المسجد ليخبرهم بقصة تميم الداري، ثم لم يأت هذا الحديث إلا من طريق واحد، وهو طريق فاطمة بنت قيس.

والرد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: لابد أن نفرق بين التدوين وبين اشتهار الحديث واستفاضته عند جيل من الأجيال؛ إذ لا يلزم من اشتهاره واستفاضته وتواتر علم الناس به في جيل من الأجيال أن ينقل في الدواوين والكتب بتواتر أسانيده أو استفاضتها.

فقد كان الأئمة يحفظون آلاف الطرق، ولم ينقل لنا منها في المدوّنات إلا القليل، فكون الحديث يأتي من طريق واحد في التدوين لا يلزم منه ألا يكون مشتهرا في عصره.

وقد خلط المشككون في إيراد هذه الشبهة العليلة بين التحمل والتحديث، فسماع الحديث والاطلاع عليه هو ما شهده الجمع الكبير من الصحابة، لكن التصدي للتحديث به لم يكن من الصحابة جميعا، فلم يكونوا كلهم مشتغلين بالتحديث والرواية؛ فمنهم من اشتغل بالفتوحات، ومنهم من كان يتهيب باب الرواية والتحديث، ومنهم من اكتفى بتحديث غيره.

فباب التدوين أضيق من باب التحديث؛ إذ ليس كل ما حُدِّث به الجمع دُوِّن عن الجمع.
والله سبحانه تكفّل بحفظ دينه، ولم يقيد الحفظ بأن يصل إلى الأمة مدونا بطريق التواتر.

وهذا أشهر حديث "إنما الأعمال بالنيات" حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، ولم يدون إلا عن صحابي واحد هو عمر بن الخطاب، ولم يصح عن التابعين إلا من طريق علقمة، ولا عمن بعدهم إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عمن بعدهم إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري! ورغم هذا التفرد في طبقاته الأولى، تلقته الأمة بالقبول والتصديق وجعلته أصلا من أصول الدين.
وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة كانت أمام أكثر من مائة ألف، ومع ذلك لم يصلنا كثير من تفاصيلها إلا من طرق محدودة، ولم يقل أحد ببطلانها لذلك.

وإذا كان هذا موجودا في حياة الناس اليوم، إذ يشتهر خبر ما في بلد، ولا يصل إلى غيرهم إلا بطريق الآحاد، من غير أن يقدح ذلك في ثبوته ووقوعه، فالعادة لا تمنع نقل الواقعة المشتهرة إلى الأمة عن طريق الآحاد. فإذا كان هذا غير ممتنع عقلا ولا عادة، فكيف ينكر؟!

ولو كان ثبوت الخبر متوقفا على نقله متواترا إذا أُلقي في جمع كبير، للزم رد كل خبر كان كذلك، لكنه لم يرد.

والمعهود في طبائع البشر أن يلقي الحاكم خطابا أمام الآلاف، ثم لا ينقله للأجيال موثقا إلا صحفي واحد، ويقبل من غير ان يطعن فيه.

الوجه الثاني: الحديث لم تنفرد به فاطمة بنت قيس، بل جاء أيضا عن أبي هريرة وعائشة وجابر وتميم، قال الحافظ ابن حجر: (وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر)
وكون البخاري لم يخرجه قي صحيحه لا يدل على عدم ثبوته؛ لأن البخاري لم يتعهد بإخراج كل ما كان صحيحا، ويكفي أن مسلما أخرجه في الصحيح ...

​وأما عن وجود الدجال وكونه حيا إلى أن يأذن الله له بالخروج وهو في جزيرة، فهذا مما خرج عن العادة الجارية، وهو آية من آيات الله سبحانه؛ فلا تورد هنا أسئلة الاستبعاد العادي نحو: كيف يكون حيا؟ وكيف يأكل؟ وكيف لم تكتشف الجزيرة التي يعيش فيها؟ فهذه الأسئلة لا مدخل لها ههنا؛ لأن وجوده وحياته وخروجه في آخر الزمان حالة خاصة خارقة للمعتاد، متعلقة بقدرة الله تعالى وحكمته وإرادته.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

 هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

أرسل إلي أحد الإخوة مقطعا  للشيخ #عبد_العزيزالريس ينتقد فيه قول الشيخ العلامة #صالح_آل_الشيخ: (إذا أثنى على المبتدع في بدعته فهذا يخرج من دائرة أهل السنة والجماعة، أما إذا أثنى على مبتدع في غير بدعته، فهذه مسألة اجتهاد، وتبع للمصالح والمفاسد...
إذا صار كل واحد يثني على عالم ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا  يقال إنه ليس من أهل السنة، فهنا ما بقي أحد )

فرد الشيخ الريس هذا التقصيل ووصف كلام الشيخ صالح بأنه #تمييع وأنه يفرح به #السروريون...محتجا بإطلاقات السلف في هجر أهل البدع وإجماعهم على ذلك.
قال الشيخ الريس: (هذا الكلام قطعا خطأ، ...ومما يدل على خطئه الأدلة على هجر أهل البدع وإجماع السلف على هجرهم. وأنه لا تذكر حسنات أهل البدع في مقابل الرد عليهم..)
واستدل بالآثار أن من عظم أهل البدعة فقد أعان على هدم الإسلام...

وفيما يلي بيان لموضع الغلط عند الشيخ الريس:

مدار الخطأ في رد الشيخ الريس أنه لم يميّز بين نوعين مختلفين: الثناء المطلق على المبتدع والوصف المقيد.
فالثناء المطلق، كقول القائل: فلان إمام هدى بإطلاق، لا يجوز إطلاقه على صاحب بدعة؛ لأن إطلاقه يوهم تزكية دينه ومذهبه كليا، ولا يجيزه الشيخ صالح آل الشيخ أصلا.

والوصف المقيد، كقول القائل: فلان أجاد في ردوده على النصارى، هذا  يجوز إظهاره عند قيام المصلحة الشرعية وانتفاء ما يترتب عليه من مفسدة راجحة،، مع بقاء الحكم عليه بالبدعة والتحذير من بدعته بحسب مقتضى الحال
وهو الذي دار عليه كلام الشيخ صالح، ولذا مثل بالثناء على صلاح الدين الأيوبي في جهاد.ده.

فرد الشيخ الريس ألغى هذا التفصيل جملة، وجعل كل ثناء جزئي في حكم الموالاة المطلقة والتعظيم الكامل للمبتدع، وهذا من أعجب ما يقال!!

ثم إن الناظر في طريقة استدلال الشيخ الريس في هذه المسألة يجد أنه أوقع إطلاقات السلف — وهي أقوال وردت في سياق التأصيل العام، أو ما ورد عن السلف في معين علموا حاله — موقع الحكم على كل معين في كل حال وزمان ومكان، فهو يمنع الثنلء مطلقا على كل مبتدع محتجا بإطلاقات السلف، وهذا المسلك فيه إغفال لقاعدة تحقيق المناط في المعين واعتبار المصالح، إذ إن الحكم بالكليات لا يلزم منه طرد التطبيق على كل الأعيان دون اعتبار للموانع والمصالح والمفاسد الشرعية.

فليس الخلل في الاستدلال بإطلاقات السلف من حيث الأصل، وإنما في دعوى أن تلك الإطلاقات تقتضي حكما واحدا على كل معين في كل حال.

ومن ذلك احتجاجه بإجماعات السلف في الهجر على رد كلام الشيخ صالح في المعين الذي اقتضت المصلحة الثناء عليه في غير بدعته
فليس النزاع في أصل الهجر، وإنما في دعوى كونه حكما لازما لكل مبتدع معين، في كل ظرف، بحيث لا تدخل المصلحة والمفسدة في تقدير فعله ولا يجوز معه الثناء عليه مطلقا، وهذا يخالف ما حرره علماء أهل السنة، ولا يمكن للشيخ الريس أن يلتزم بهذه الدعوى مطلقا.
قال ابن تيمية: «إن أقواما جعلوا ذلك عاما، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به مما لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ...ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابًا أو استحبابًا ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه»
فهذا نص صريح من الإمام ابن تيمية في أن إطلاق الهجر على كل معين خروج عن منهج السلف الوسط.

ويستأنس لهذا الأصل بصنيع #الأئمة مع إبراهيم بن طهمان:
قال أبو زرعة: كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر إبراهيم بن طهمان، وكان متكئًا من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فَيُتَّكأ.
وقال أحمد كان مرجئا  شديدا على الجهمية
فهذا الأثر شاهد على أصل مهم، وهو أن ثبوت البدعة في المعين لا يستلزم بالضرورة إسقاط جميع أوصاف الخير عنه، ولا يمنع من الاعتراف بفضله في وجه آخر، وإنما ينظر في كيفية إظهار ذلك وآثاره بحسب المصلحة والمفسدة، ولذا لم يمنع الإمام أحمد وجود الإرجاء عند إبراهيم من إثبات صلاحه وإظهار الثناء على شدته على الجهمية.

ومن أعظم ما تضمنه رد الشيخ #الريس من هفوات: إغفاله أصلا مجمعا عليه عند السلف، وهو أن المعين الواحد قد يجتمع فيه خير وشر، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية، ومقتضى ذلك جواز إعمال الثناء المقيد عند اقتضاء المصلحة الشرعية.

وأما الأثر المروي في أن تعظيم #صاحب_البدعة يهدم الإسلام فمحله من عظمه لأجل بدعته أو من أقره عليها أو من قدمه في الدين مطلقا
أما الاعتراف بفضله في غير بدعته إذا اقتضت المصلحة ذلك فهو من جنس ما فعله الأئمة مع إبراهيم بن طهمان.

وأما وصف الريس كلام الشيخ صالح بالتمييع فهذا من التلبيس وينطوي على مغالطة #رجل_القش؛ إذ صور  الشيخ صالح وكأنه يدعو لمذهب الموازنات أو تسوية السني بالمبتدع، أو اتخذ من المصلحة ذريعة لإسقاط حكم التبديع بعد ثبوت موجبه، أو استعمل المصلحة لتحرير موالاة أهل البدع بإطلاق ونصرتهم..
والله المستعان
ولو كان كلام الشيخ صالح #تمييعا لكان فعل الأئمة كأحمد تمييعا، وهذا لا يقوله سني في حق أولئك الأئمة.

فليتق الله الشيخ الريس وليعلم أن الذي فعله في رده أنه أبطل كلام الشيخ صالح بإطلاقات السلف التي لا تتوجه إلى كل معين، فشابه ذلك جزئيا ما فعله #عبدالله_الخليفي وأتباعه في إسقاط النصوص المطلقة على كل معين دون تحقيق مناط.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

السبت، 29 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟

للمتخصصين


استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟ 


قبل الجواب لابد أن نبين أن حقيقة الفعل الشركي أو المقالة البدعية ماهية واحدة لا تتجزأ ولا تختلف باختلاف الفاعلين؛ فصرف العبادة لغير الله شرك أكبر، ولا تختلف هذه الحقيقة باختلاف المعينين 


وأما كيف لا يكون مشركا مع تحقق الوصف الشركي في الفعل الصادر من المعين؟ 


فأظهر ما يبين إمكان الانفكاك بين وصف القول بالكفر  والحكم على قائله هو حال الإكراه، فالمكره على التلفظ بكلمة الكفر يقصد النطق بعينه، وتحققت حقيقة الكفر في القول، والشرع يصف نفس القول بأنه كفر: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ}، ثم يستثني حال المكره من الحكم لا من وصف القول، فإذا صح تصور الانفكاك في الإكراه وهو مانع صح تصوره في غيره من الموانع. 


ومعنى قيام حقيقة الشرك في المعين هنا هو تحقق وصف الشرك في الفعل الصادر من المعين من حيث ماهيته، لا من حيث الحكم على الشخص المعين. 


والسؤال الذي هو حقيقة البحث: هل قولنا: هذا الفعل شرك يوجب تسمية الفاعل مشركا شرعا؟

والمعين الذي نبحث فيه هو من ثبت له أصل الإسلام، وليس النفي في كل  معين، فقد تقوم حقيقة الشرك بمعين ويكون مشركا وقد لا يكون مشركا ..


ولكي نجيب على هذا السؤال

لابد أن نفهم كيف كيفت الشريعة هذه الحقائق إذا قامت بمعين: هل بمجرد قيام حقيقة الشرك في معين يكون قد قام به سبب موجب لتسميته مشركا على أي حال، أو يكون سببا مقتضيا بحيث لا يسمى مشركا إلا بعد إقامة الحجة، لكونه سببا لا يوجب الاسم وحده؟ 


نعم، إذا نظرنا في لغة العرب وجدنا أن من قام به الفعل اشتق له منه اسم فاعل؛ فمن قامت به الحركة سمي متحركا،

لكن في الشرع اختلف الأمر من جهة كون الأسماء تترتب عليها أحكام دنيوية وأخروية، فلا ينزل الاسم المترتب عليه أحكام شرعية على المعين حتى تتحقق شروطه وتنتفي موانعه المعتبرة في الباب. 


فإن قيل: هل إقامة الحجة شرط في الاسم أو في الحكم؟ 


قيل: إن أريد بالاسم مجرد الوصف المشتق من الفعل، فهذه مسألة لغوية والخلاف فيها لفظي، وإن أريد به الاسم الشرعي الذي يترتب عليه حكم الكفر أو الفسق، فالنزاع في تنزيله على المعين. 


والذي تدل عليه الأدلة أنه يمتنع تنزيل اسم الشرك على المعين في مقام الحكم إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. 


ومن ذلك حديث ذات أنواط، فقد خرج جماعة من الصحابة إلى حنين وهم حديثو عهد بإسلام، فمروا بشجرة كان المشركون يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مثلها يتبركون بها، فأنكر عليهم  وشبه قولهم بقول قوم موسى: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة}. 


فلم يقع من الصحابة هنا فعل تعبدي عند الشجرة؛ فهم لم يعكفوا عندها ولم يعلّقوا أسلحتهم، وإنما صدر منهم طلب وسؤال بأن يجعل لهم مثل ما للمشركين، فهو طلب يتضمن الإذن بمعنى شركي، 

ومن الدليل على أن المطلوب من جنس ابشرك الأكبر لا الأصغر قوله :( ويعكفون عندها)، والعكوف في لغة العرب فعل تعبدي وليس مجرد الجلوس، كما أن التشبيه الصريح من النبي بطلب بني إسرائيل يدل على شدة مشابهة مطلوبهم لما وقع فيه أولئك من طلب اتخاذ إله أو معبود، وإنما منع من ثبوت اسم الفاعل وحكمه كونهم حديثي عهد، فكان الجهل متعلقا بحكم الفعل الشرعي، لا بحقيقة ما طلبوه من حيث التصور..

فهم لم يباشروا الفعل الذي كان عليه المشركون، وإنما صدر منهم طلب يطلبون فيه إنشاء مثل ما يفعله المشركون، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعهم فيها.

فالحديث شاهد على أن صدور القول أو الفعل المتضمن لتحويز معنى شركي لا يستلزم بذاته ثبوت الاسم الحكمي على فاعله؛ لأنه سبب مقتض لا موجب. 


فإن قيل: أليس هناك تناقض عندما تثبت قيام حقيقة الشرك في المعين ثم تنفي عنه أن يكون مشركا؟ 


قيل: لا؛ لأن التناقض يقع لو قلنا: هذا الفعل ليس شركا لكن الفاعل مشرك، أو قلنا: هذا الفعل شرك، والفاعل لم يفعل الشرك. 

أما قولنا: هذا الفعل شرك والفاعل ليس مشركا فلا تناقض فيه؛ لانفكاك الجهة. 

فالحكم على الفعل بالشرك من جهة تحقق ماهية الشرك فيه، وعدم الحكم على الفاعل بأنه مشرك من جهة عدم استيفاء شروط الاسم الشرعي في المعين 

ونظيره أن يقال: القول كفري، وقائله المعين قد لا يحكم بكفره.

وهذا لا يعني أن القول صار غير كفري او انتفت حقبقة الكفر قي المعين من حبث الفعل. 


وأما ما يرد من إطلاق بعض النصوص اسم الشرك أو المشركين على أقوام قبل بلوغ الرسالة، فليس ذلك نقضا لأصل التفريق؛ لأن الكلام في تنزيل الأسماء الشرعية على المعين بعد قيام موجب الإسلام في حقه، وهي مسألة تختلف باختلاف حال المخاطَب وبلوغ الرسالة وقيام الحجة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_29.html


الخميس، 27 أغسطس 2026

إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

 إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

لا ريب أن إنكار علو الله بالتأويل مقالة بدعة معلظة، وقد تواترت نصوص أئمة السلف على إطلاق الكفر على منكري العلو
وهي في أصلها واردة في الحكم على المقالة وأهلها من حيث الجملة، وورد عنهم تكفير عيني لمن تبين لهم حاله بخصوصه.

إلا أن تحرير محل البحث ينعقد قي السؤال الآتي: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل، وإنما حمله على ذلك ظنه أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا تأويل العلو تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل؟

وبطبيعة الحال البحث هنا بمعزل تام عن رؤوس المتكلمين ودعاتهم المنظرين الذي،يحرمون الايطستدلال بالواي في الإلهيات والنبوات كبشر المريسي والجويني والرازي وأمثالهم من دعاة الكلام المنظرين، وإنما البحث في حق شراح الحديث ممن غلب علبهم جانب الاتباع وتقديم الاحتجاج بالكتاب والسنة إلا أنه شابت أفهامهم بعض الشبهات الكلامية المتوارثة ظنا منهم أنها دل عليها الوحي...

للإجابة على السؤال: يجب الإقرار ابتداء بأن مساحة الإعذار في مسألة العلو ونحوها أضيق بكثير من مساحة الإعذار في مسائل الإرجاء مع اشتراك المسألتين في أصل الظهور؛ لكن امتازمت مسالة العلو بتكاثر الأدلة وتنوعها والتي منها الفطرة ..

نعم
الأصل في تحقيق المناط واحد في كل الأبواب ومطرد، لكن سعة تطبيقه تضيق جدا في مسألة العلو خصوصا والمسائل الظاهرة عموما
ولذا فإن تمثيل بعض العلماء كابن تيمية بمن نشأ في البادية أو كان حديث عهد بإسلام لم يكن على سبيل الحصر الحقيقي للموانع
وإنما سيق لبيان تضييق دائرة الإعذار في المسائل الواضحة قي نفسها لا إغلاق باب الإعذار بالكلية على من سواهم

وأما الجواب عن سؤال: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل؟
فنعم، يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية بناء على ظن أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه، كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا التأويل تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل، ومن غير أن يتبين له أصلا كلاميا مخالفا للوحي، ولم تبلغه الحجة على وجه تقوم به عليه، وليس من رؤوس المقالة والمنظرين لها.
فهذا يعذر في خطئه، ولا يلزم من وقوعه في هذه المقالة أن يُحكم عليه بأنه مبتدع ....

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: (ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه).
فمن ينفي العلو متؤولا ظانا منه أنه يطلب الحق من جهة الرسول معتقدا أن هذا هو اعتقاده -وإن كان ظنه لا يوافق نفس الأمر-: يعذر ولا يستحق التبديع العيني فضلا عن التكفير؛ إذ ليس كل من نفى العلو بالتأويل ينطلق من عقليات قدمها على النص الشرعي.
قال ابن تيمية في منهاج السنة: (أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها. وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين).
وهذا بخلاف من يؤول من غير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما من جهة تقديم العقل الكلامي كالجويني..

وأما الدعوى القائمة على أن المسألة إذا كانت أدلتها ظاهرة، فلا حاجة لإقامة حجة إضافية على الظهور؛ لأن الظهور نفسه يغني عن اشتراط قيام الحجة؛ فهي دعوى مردودة؛ لأن الظهور والخفاء عند المحققين كابن تيمية وغيره ليسا وصفين ذاتيين لازمين للمسألة نفسها بمعزل عن حال الناظر فيها وبيئته، وإنما هما أمران نسبيان إضافيان يختلفان باختلاف بيئة المعين وعصره وما بلغه من العلم، فقد تكون المسألة في غاية الظهور عند طالب علم صغير نشأ في بيئة سنية محضة، وتكون خفية أو محل اشتباه عند عالم متبحر في الفنون الشرعية لكنه نشأ في بيئة كلامية ورث فيها هذا التأويل عن مشايخه دون نظر مستقل.

وكثيرا ما أمثل على نقض مسألة الظهور بمسألة إرجاع الضمير في حديث الصورة إلى الله
فقد كان أمرا ظاهرا في القرون الثلاثة، حتى قال الإمام أحمد. لما قيل له: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته؛ أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وفي رواية قال عنه مبتدع
ومع ذلك أرجع ابن خزيمة الضمير لآدم؛ موافقا بذلك قول الجهمية
فلو كان مجرد الظهور موجبا للتبديع وكافيا لإسقاط شرط قيام الحجة، للزم من ذلك تبديع ابن خزيمة مباشرة بلا نظر، وهذا ما لم يفعله أحد من أئمة أهل السنة، وبقي ابن خزيمة إماما معدودا من أئمة السنة وحفاظ الحديث.

وذكرت ابن خزيمة هنا ليكون شاهدا على أن الوقوع في نتيجة قول الجهمية لا يستلزم التبديع الفوري بمجرد الظهور

ولو طرد معيار الظهور يغني عن الحجة للزم منه هدم قول ابن تيمية الذي يحكي فيه ما عليه السلف والأئمة في قوله: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة"
فإن كانت بدعة الإرجاء ظاهرة بحيث تغني عن قيام الحجة، فكيف بقي هؤلاء الفقهاء والعباد معدودين من أهل السنة عند ابن تيمية نفسه ومن يحكي عنهم من السلف؟

إذن لابد من التفريق بين ظهور الدليل نفسه، كوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة وتواترها وبين ظهور الدليل عند المعين بحيث نسأل: هل بلغه هذا الدليل على وجه يقطع عذره، أو نشأ في بيئة أخفت عنه وجه الدلالة وأوهمته أن منطلق التأويل هو الكتاب والسنة؟

والحكم على المعيّن لا يتعلّق بمجرد ظهور المسألة في نفسها، وإنما بتحقيق قيام الحجة المعتبرة في حقه، مع النظر في موانع الحكم، ومن ذلك مدى بلوغه الدليل وفهمه وقيام موجب العلم عليه.

ولذا عندما نناقش الإعذار  في مسألة العلو نناقشه من هذا الجانب، وليس من جانب الدفاع عن إنكار العلو، ولا من جانب الدفاع عن الأشعرية، وإنما هو من جانب تقرير ضابط الحكم على لمعين
فكون إنكار العلو كفرا وبدعة مغلظة لا يعني بالضرورة أن منكر العلو بالتأويل كافر، والأشكال في إثبات التلازم ...
ولذا قال ابن تيمية في عدم تكفير من ينكر العلو ممن يقدم العقل على النقل قي الاستدلال: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم).
هذا فيمن أول من غير جهة الرسول لكن لا على وجه التكذيب والعناد، فانتفى عنه التكفير إلا أنه مستحق للتبديع العيني .
وهذا بخلاف شراح الحديث كالنووي وابن حجر، فالحق أنهم ليسوا من أهل البدع؛ لأن أصل منهجهم هو الاستدلال بالكتاب والسنة والتعظيم للأثر، وإنما وقعت لهم الهفوة تقليدا فبما ظن ه أنه م أفق للكتاب والسنة

فإن قيل: ألا يعارض ما تقدم إطلاقات أئمة السلف أن من أنكر العلو فهو كافر

قيل: لا تعارض، فنصوص السلف جارية على منهج القرآن والسنة في الوعيد العام والتكفير المطلق للنوع، قال ابن تيمية (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ، وإن كان مخطئا ...)

فإن قيل: ما توجيه قول الدارمي لما قال عن مسألة العلو : (وظَاهِرُ القرآنِ وباطِنُهُ كُلُّه يَدُلُّ على ذلك، لا لبس فيه ولا تأول، إلا لِمُتَأَوِّلٍ جَاحِدٍ، يُكَابِرُ الحُجَّةَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ)

قيل: كلام الدارمي في سياق رده على رؤوس الجهمية كبشر المريسي ممن تبين له مكابرتهم وعنادهم، فالدارمي يصف هنا نوعا مخصوصا من المتأولين، وهو المتأول الجاحد المكابر للحجة مع العلم بها، فلا يصح نقل وصفه هذا إلى كل من وقع في التأويل دون تحقق وصف الجحود والمكابرة في حقه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار