الثلاثاء، 19 مايو 2026

حقيقة #الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته عند #السبكي وابن حجر الهيتمي وأمثالهما والرد على الشيخ فيصل قزار


سمعت كثيرًا من المحاضرة الأخيرة التي ألقاها الشيخ #فيصل_قزار حول مسألة العذر بالجهل، فوجدت أنه لم يُحسن التأصيل في مواضع كثيرة منها، ولا وفِّق في تنزيل الأحكام على محالِّها، بل وقع في اضطراب ظاهر في تحرير محل النزاع، مع كثرة الأغاليط والتناقضات.

ومن كثرة ما اشتملت عليه المحاضرة من الأخطاء يصعب استقصاؤها جميعًا، غير أن أكثر ما بدا أنه أقلق الشيخ فيصل هو إلزامه في مسألة العذر بالجهل بأقوال تقي الدين السبكي، وابن حجر الهيتمي وأمثالهما ممن لم يُكفِّرهم العلماء، مع تقريرهم لما هو من الشرك الصريح في باب الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته.

ولهذا حاول جاهدًا أن يصوّر الاستغاثة التي يثبتها هؤلاء بأنها من جنس التوسل أو طلب الدعاء من الميت، وأن غاية ما يقال فيها: إنها من باب الشرك الخفي أو الشرك الأصغر، لا من الشرك الأكبر الصريح.

وهذا التصوير غير صحيح؛ فإن الذين أجازوا الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته، أو بالأولياء والصالحين بعد موتهم، إنما أجازوا دعاءهم وطلب الحاجات منهم حقيقةً، لا مجرد التوسل بهم أو طلب دعائهم.
وإن جعلوا من معاني الاستغاثة: التوسل والاستشفاع..قال السبكي الأب في شفاء السقام ((314) : ( فصار لفظ الاستغاثة بالنبي له معنيان: أحدهما أن يكون مستغاثا, والثاني أن يكون مستغاثا به)

وقد صرح بذلك ابن الحاج (ت 737هـ) في آداب الزيارة بقوله: “ثم يتوسل بالأنبياء عليهم السلام إلى الله في قضاء حوائجه ويستغيث بهم، ويطلب منهم الحوائج...” إلى آخر كلامه، الذي صرّح فيه بطلب الحاجات من النبي ﷺ والاستغاثة به بعد وفاته.

وكذلك أجاز السبكي في شفاء السقيم الاستغاثة بهذا المعنى، وذكر أنها على جهة التسبب والشفاعة لا على جهة الخلق والاستقلال، وتبعه على ذلك ابن حجر الهيتمي وغيره.
ولعل الشيخ فيصل بن قزاز لم يفهم قولهم على جهة التسبب..

ومعنى قولهم: إن الاستغاثة بالنبي ﷺ إنما هي “على جهة التسبب والشفاعة”: أن المستغيث يطلب من النبي ﷺ أن يكون واسطة في تحصيل الغوث من الله تعالى، حتى يجعلوا الطلب من المخلوق طلبًا من الله في المعنى.

وقد صرّح ابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم (٦٢٤): بقوله ( ...والمستغاث به في الحقيقة هو الله, والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بينه وبين المستغيث, فهو سبحانه مستغاث به والغوث منه خلقا وإيجادا, والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاث والغوث منه سببا وكسبا)

فهؤلاء جعلوا الطلب من الميت وسيلة في الطلب من الله, وكأنهم يجعلون نفس الطلب من الميت طلباً من الله.

وقد أداهم ذلك إلى رجاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة به من كل مكروب, وعلى وجه الرجاء والخوف
حتى قال ابن حجر الهيتمي في المنح المكية ( قد رجوناك معشر محبيك وخدامك أيها النبي الكريم ..للأمور الخطيرة العظيمة من الذنوب)

وقال عند شرح قول البوصيري في همزيته: (أناديك نداء ملهوف أي مضطر متحسر  محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه ) المنج المكية (654)

ولا ريب أن هذا من جنس ما حكاه الله عن المشركين الأولين، الذين كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق المدبر، وإنما اتخذوا معبوداتهم وسائل وشفعاء، كما قال تعالى:﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾،
وقال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

ولهذا قال سليمان بن سحمان في الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص: 464): (وأما قوله: (قال السبكي، والقسطلاني في "المواهب اللدنية" والسمهودي في "تاريخ المدينة" وابن حجر في "الجوهر المنظم": إن الاستغاثة به -عليه الصلاة والسلام- وبغيره من الأنبياء والصالحين إنما هي بمعنى التوسل بجاههم، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يجعل له الغوث ممن هو أعلى منه، فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بين المستغيث وبين المستغاث به الحقيقي، فالغوث منه تعالى إنما يكون خلقاً وإيجاداً، والغوث من النبي تسبباً وكسباً .
فالجواب أن يقال: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسول إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم، ويستغيثون بهم ويعبدونهم، وهذا هو دأب عبدة الصالحين والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم،...)

مع التنبيه إلى أني ممن أعذر بالجهل المعتبر، ولست ممن يكفر السبكي أو ابن حجر ...

لكن على كل حال
الشيخ فيصل لشدة خصومتة مع الشيخ الريس انغلق عليه باب تحرير المسائل وحسن الاستنباط

ومن عجيب ما ذكره في محاضرته أنه يخشى الردة على من وضع شروطا وقيودا في إقامة الحجة زائدة، كاشتراط أن الذي يقوم بالحجة عالم أو لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه....!!!

هدانا الله وإياهم
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/05/blog-post_19.html


السبت، 16 مايو 2026

محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟

 ما أجمل مناقشة مسائل العلم بالعلم !


محل البحث في معاملة 2000 دولار هو: استصحاب أصل الحل في معاملة صرف فُرض فيها وجود شك في تحقق التقابض

والسؤال هنا: هل كل شك ناشئ عن تنفيذ المعاملة في تحقق التقابض ينقض أصل الحل ويبطل العقد؟


والجواب باختصار: لا؛ لأن هذا احتمال طارئ على العقد, وليس جزءا من ماهية العقد, فالأصل أن العقد تحقق فيه شرط التقابض, ثم فرض بعد ذلك شك في حصول تأخير في التقابض...

هذه هي صورة المسألة, والشريعة تلغي الشك الطارئ بالاستصحاب ولا توجب التوقف..


وليس الشك في تحقق شرط التقابض هنا كالشك في التماثل في الربويات التي من جنس واحد؛ لأن التقابض شرط في صحة العقد وليس هو من ماهية العقد ولا هو علة الربا, بخلاف الجهل بالتماثل فهو جهل بوجود علة الربا نفسها, فافترق البابان.


ثم أقول:

إن الاحتجاج بقاعدة: "لا يجوز للعبد أن يُقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه" لإيجاب التوقف على الناس في معاملة 2000 دولار

إنما يستقيم لو فرض عدم وجود أصل شرعي يرجع إليه الناس في الإقدام على هذه المعاملة 

أما مع وجود أصل الاستصحاب في باب البيوع عند عدم وجود مانع معتبر فلا يستقيم استعمال هذه القاعدة ولا جعلها موجبة للتوقف...

وذلك لأن القاعدة إنما قيدت الإقدام على الفعل بالعلم بحكم الله, والعلم بجكم الله ليس مقتصرا على النص الجزئي فقط, وإنما حكم الله قد يعلم بالنص الشرعي الجزئي, كما قد يعلم بدليل كلي أو باستصحاب أصل شرعي ؛ إذ الاستصحاب من الأدلة الشرعية المعتبرة.

وعليه، فالإقدام على هذه المعاملة بناءً على استصحاب أصل الحل في البيوع: إقدام مستند إلى دليل شرعي، ولا يُعدل عنه إلا بمعتبر شرعي, أما مجرد الشكوك والاحتمالات فلا تُعد ناقلة عن الأصل وإن كانت في بيع صرف؛ لأن الشريعة ألغت اعتبار الشك المجرد ولم تجعله معارضًا للأصول المستقرة. 


فإن قيل: استصحاب الحل في معاملة 2000 دولار يعارضه وجود شك واحتمال في عدم تحقق شرط الصرف وهو التقابض, وعقد الصرف وإن كان يدخل في مطلق البيع إلا أن له شروطا خاصة

قيل: أن هذا الاحتمال ما دام باقياً في دائرة الشك غير المتيقن فإنه لا يصلح مانعًا من استصحاب أصل الحل؛ لأن الاستصحاب يعمل به في المحل الذي دخله احتمال طارئ مع بقاء الأصل السابق، ولم يقم هنا دليل معتبر يرفع ذلك الأصل. ومن ثم يبقى الاعتماد على الاستصحاب صحيحًا.

ولا يصح الانتقال من وجود احتمال في تحقق الشرط إلى إسقاط أصل الحل دون إقامة دليل أو قرينة راجحة يثبت اختلال الشرط فعلا؛ إذ لو صح ذلك لصار التعويل على مجرد فرض الاحتمالات في نقض الأصول الشرعية, وهذا باطل

ولو كان مجرد فرض الاحتمالات مؤثرا على حكم المعاملة لتعطلت أكثر المعاملات لأنها لا تخلو معاملة من وجود احتمال يمنع منها.


فإن قلت: سأعمل بالاحتياط وأتوقف ولن أستصحب الأصل؛ سدا لذريعة الربا

قيل: يسوغ لك التوقف في حق نفسك, أو تمتنع عن إعطاء حكم على ذات معاملة 2000 دولار لم يكتمل تصورك لها, لكن ليس لك إيجاب التوقف على عموم الناس؛ لوجود اشتباه عندك, فهذا تضييق ظاهر ترده أصول الشريعة وقواعدها

كما أن حالة الاشتباه إنما نشأت لعدم اكتمال تصور المعاملة, فإذا كانت صورة العقد غير مكتملة التصور فكيف يتم تصور حالة الاشتباه تصورا تاما, فادعاء هذا تناقض ظاهر

ثم إن حالة الاشتباه مبنية على فرض التأخر, وهذا غير موجود في واقع المعاملة, فإذا لم يثبت التأخر فلا اشتباه مؤثرا أصلا, ويبقى العقد على أصله وهو الصحة.

كتب د أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 8 مايو 2026

كيف تعرف الإخواني من غيره؟

 


[ سئل الشيخ الألباني عن سلمان العودة، فقال: هو ليس إخواننا، لكن منهجه منهج الإخوان المسلمين 

https://youtu.be/Xq3aqyAhDzU?si=T5_M9cehjYAG8S44

     ] انتهى كلامه 


وهنا يتبادر سؤال: كيف لا يكون إخوانيا ويكون على منهج الإخوان؟


أقول مجيبا على السؤالين:


الوصف بالإخوانية ليس مقصورًا على من دخل في تنظيم الإخوان، وبايع المرشد العام، ووالى وعادى لأجل الجماعة؛ فهذه مناطات الوصف الخاص، فالإخواني بالإطلاق الخاص هو من كان كذلك. 


لكن هناك إطلاقًا عامًا أوسع، ونظير ذلك الوصف بالجهمية. 


فالوصف بالجهمية له إطلاق خاص على من جمع بين نفي الصفات جميعها، والقول بالجبر الخالص، والقول بالإرجاء الغالي. 


وله أيضًا إطلاق عام؛ فيُطلق على كل من تبنى دليل حدوث الأجسام، 

فيُوصف المعتزلي بأنه جهمي من هذا الوجه، ويُوصف الأشعري بأنه جهمي من هذا الوجه، ويُوصف الماتريدي بذلك أيضًا، وإن لم يأخذوا حكم الجهمية من كل وجه. 


وكذلك الخارجي والمرجئ والقدري بالإطلاق الخاص غير الخارجي والمرجئ والقدري بالإطلاق العام 


وهكذا الحال في الوصف بالإخوانية؛ فالإطلاق العام يدخل فيه كل من تبنى الفكرة وشاركهم في مناط هذا الإطلاق، وإن لم يدخل في التنظيم، ولم يأخذ حكمهم من كل وجه. 


فما مناط الإطلاق العام للإخوانية؟ 


يطلق وصف الإخوانية على كل من يجعل الوصول إلى الحكم والانشغال بالعمل السياسي أصلًا تُبنى عليه الأولويات بإطلاق، حتى يُقدَّم الولاء السياسي والحركي على الولاء العقدي والمنهجي. 


ولأجل ذلك تغلب الرؤية السياسية على التصحيح العقدي، والتميز المنهجي، والوضوح في مسائل الاعتقاد والانحرافات الفكرية. 


فتجد عند هؤلاء أن الولاء ابتداء يكون على النظر السياسي والتكتل الحركي، وأما العقيدة فهي الوسيلة الخادمة، فكثيرا ما يُهون منها ... 


وباختصار فالإخواني بالإطلاق العام: من جعل الوصول إلى الحكم والتمكين السياسي أصلا في دعوته، حتى يصبح الولاء لهذا المشروع السياسي مقدما بإطلاق على الولاء العقدي والتمايز المنهجي

فالكلام فيمن يجعل السياسة أصلًا حاكمًا على العقيدة والمنهج 


ومن هنا نفهم تعاطف كثير من الرموز الدينية مع إيرااان، حيث يُهوَّنون من الانحراف العقدي لأجل الاشتراك في مشروع سياسي أو موقف مرحلي. 

ولا أتكلم هنا عن عوام الناس... 


تنبيه مهم:

ليس كل من اهتم بالسياسة يُوصف بالإخوانية، وإنما العبرة بالغلبة والأولويات. 


فإذا كان الأصل عند الشخص هو التصحيح العقدي، والتميز المنهجي، وكانت السياسة وسيلة خادمة لذلك، لم يصح وصفه بالإخوانية، لا بالمعنى الخاص ولا بالمعنى العام. 


أما إذا كانت السياسة، والوصول إلى الحكم، والعمل الحركي، هي الأصل الذي تُرتب عليه المواقف والتحالفات والأولويات، صح وصفه بالإخوانية بالمعنى العام، وإن لم يكن منتميًا تنظيميًا إلى جماعة الإخوان المسلمين. 


وكما صح توسع الأئمة في إطلاق الجهمية بالمعنى العام على من لم يكن جهميًا بالمعنى الخاص، صح ذلك أيضًا في إطلاق الإخوانية من أهله؛ لبيان خطورة الأصل الذي ضلوا فيه، وتحذير الناس من الوقوع فيه. 


وأنبه إلى أنه يجب أن يكون هذا التوسع منضبطًا بصحة تحقق المناط، لا برمي الناس بما لا يعتقدونه، ولا بنسبة الأقوال والمناهج إليهم بغير بينة وعدل. 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 7 مايو 2026

اقرأ بصبر وإنصاف هل أخطأ الإخوان المسلمون حين لم يعتنوا بتصحيح العقيدة؟

 

الشبهة التي علقت في أذهان بعض الشباب عند الكلام عن جماعة الإخوان المسلمين: أنهم جماعة سياسية وليست فرقة عقدية؛ بمعنى أنهم جماعة تُعنى بالشأن السياسي والوصول إلى سدة الحكم، وليست جماعة تبنت أصولًا عقدية مخصوصة.

وفلسفة هؤلاء أن المعركة لما كانت متجهة إلى الكافر الأصلي، وإلى العلمنة وإقصاء الشريعة؛ لم يكن للإخوان مجال للاشتغال بتصحيح المعتقد في الصف الداخلي، ولا بإعمال باب الولاء والبراء في مسائل البدع والانحرافات العقدية.

فيتفق هؤلاء معنا أن جماعة الإخوان لم تعتن بالتمييز العقدي ولا راعت الولاء والبراء على البدع في أصول الدين إلا أنهم يسوغون ذلك لهم ويعتذرون للإخوان بحجة الدفاع عن أصل الإسلام، والسعي إلى إعادة تحكيم الشريعة ...

فالمقدمات التي انطلق منها هؤلاء في الاعتذار للإخوان وتبرير منهجهم ترجع إلى مقدمتين:

الأولى: أن المرحلة التي وُجد فيها الإخوان لم تكن تسمح بالاشتغال بتصحيح العقيدة.

الثانية: أن مصلحة مواجهة العدو الخارجي مقدمة على التمييز العقدي الداخلي وإعمال باب الولاء والبراء وإعمال باب الأسماء والأحكام.

ولهذا يطالب هؤلاء السلفيين بأن يراعوا في حكمهم على جماعة الإخوان: المقاصد والظروف والملابسات التي نشأت فيها الجماعة.

لكن حتى لا يُظلم القوم، فقد عرض العلماء — قديمًا وحديثًا — منهج الإخوان على أصول الشريعة وقواعدها، ونظروا في طريقتهم بميزان الوحي ومنهج الأنبياء والسلف، فنتج عن ذلك أمور:

أولًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها وطريقة الأنبياء مع أقوامهم أن تصحيح العقيدة هو أصل مواجهة الباطل ولا يصح أن يكون أمرا مؤجلا...

فالأنبياء عليهم السلام لم يبدؤوا بمواجهة الأنظمة السياسية ولا القوى المهيمنة قبل تصحيح التوحيد.

كما أن النبي لم يؤسس تجمعًا عامًا يضم المشرك والموحد بدعوى الاتحاد ضد قريش، وإنما تحمل الأذى في سبيل تصحيح المعتقد ومحاربة الشرك.

وبهذا يتبين أن أصل الفكرة التي انطلقت منها الجماعة — وهي تجميع المتناقضات العقدية تحت راية واحدة بدعوى مواجهة العدو الخارجي في زمن يمكن معه تصحيح المعتقد — هو نفسه مخالف لطريقة الأنبياء وهدي الشريعة.

ثانيا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن الانحراف العقدي نفسه هو أعظم أسباب تسلط الأعداء
فالقرآن كثيرا ما يربط بين فساد العقائد وبين حلول الذل والهزيمة والتفرق، كما قال تعالى:{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات}
فكيف يصح تأجيل ما هو في نفسه سببٌ لتسلط العدو؟!

ثالثًا: دلت أصول الش،يعة وقواعدها على أن جمع الفرق المتناقضة عقديًا ليس هو الاعتصام بحبل الله ولا يحقق الوحدة المطلوبة شرعا، وبالتالي لن يترتب عليه هزيمة العدو، ولا نصر الله لأوليائه...

ولهذا كان الإمام أحمد يحذر من الجهمية زمن الفتن، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقاتل التتار، ومع ذلك يرد على الاتحادية والباطنية والصوفية المنحرفة، ولم يُذب الفوارق العقدية بحجة مواجهة العدو الخارجي.

رابعا: النظر إلى المآلات والعاقبة أمر دلت عليه أصول الشريعة وقواعدها
ومن نظر إلى ما آل إليه حال جماعة الإخوان المسلمين التي قدمت الوحدة الحركية على تصحيح العقيدة
وجد أنهم انتهوا إلى: التميع العقدي، وتقديس التنظيم على حساب صحة لمعتقد، والغلو في الجماعة، والتنازلات الفكرية
حتى أنهم تركوا تحكيم الشريعة لما وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان، بل حكموا دساتير فيها أمور كفرية، كما فعل مرسي في مصر..

وعليه
فالسلفيون لما يظلموا الإخوان حين حكموا عليهم بالضلال والانحراف؛ لأنهم انطلقوا في حكمهم من أصول الشريعة وقواعدها والتي اقتضت هذا الحكم...

ونحن  إذ نحذر من الإخوان المسلمين ونبين ضلالهم لا يعني ذلك أننا نحكم على كل فرد منهم بأنه من أهل النار....

ومع تحذيرنا كلما استجد أمر تمدح فيه هذه الجماعة يؤسفنا حال من يدافع عن الإخوان ممن غاب عنه كون  السلف كانوا يفرقون بين التعاون المشروع وبين التمييع العقدي وتأسيس مشروع عليه

فأهل السنة لا يمنعون التعاون مع المخالف في أمرٍ مشروع إذا دعت إليه الحاجة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بهذا التعاون
لكن من دون تزكية البدع أو إسقاط التحذير بالكلية، ومن دون إلغاء أحكام التفسيق والتبديع بإطلاق....

فهناك فرق بين التعاون الجزئي المقيد وبين بناء مشروع إصلاحي كامل على تذويب الفوارق العقدية وإلغاء باب الأسماء والأحكام.

وأخيرا
إن سألتني عن أهم الفوارق بين السلفيين بحق وبين السروريين والإخوان

لكان جوابي: أن السرورية والإخوانية جعلت إقامة الإسلام مساوية للوصول إلى الحكم وإسقاط الأنظمة المسلمة القائمة.

أما السلفيون بحق فيرون أن إقامة الإسلام تبدأ بـ: تصحيح التوحيد، وتصحيح العبادة. وتربية الناس على السنة..وهم في غاية البعد عن سفك الدماء وبث الفوضى في البلدان المسلمة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار




الأربعاء، 29 أبريل 2026

ماحقيقة #تصوف_أحمد_زروق؟

 


خرجت بعض القنوات في الآونة الأخيرة لتصوّر للناس أن هناك تصوفًا حقيقيًا قد شوّه المنتسبون إليه صورته، وأن هذا #التصوف لا يخرج عن الزهد وصدق التوجه إلى الله وتحقيق مقام الإحسان. 


ودعا بعض أصحاب هذا التوجه ـ ممن يرفعون شعار #التصوف_السني وتصحيح التصوف المعاصر ـ إلى الاعتماد على التقعيد الذي وضعه #أحمد_زروق في كتابه #قواعد_التصوف، وعدّوه من أهم الكتب التي قعّدت للتصوف وربطته بالشريعة. 


غير أن الناظر في هذا الكتاب يجد فيه إشكالات ظاهرة في الأصول المعرفية والعقدية؛ إذ ينطلق المؤلف من اعتبار #التصوف علمًا مستقلًا له موازينه الخاصة ومصادر تلقيه المميزة. 

فهو وإن قرر أن أصوله الأصلية ترجع إلى الكتاب والسنة، إلا أنه يجعل طريقة أخذ #الصوفي منهما مختلفة عن طريقة الفقيه والمحدث، ويضيف إلى ذلك اعتماد الصوفي على مصادر أخرى في باب الأحوال والسلوك، كالذوق والمكاشفة والخواطر والإلهامات. 


وبناءً على ذلك، قرر أحمد زروق أنه لا يُعتمد على فقيه ولا محدث في التصوف، وإنما يرجع لأهل الطريقة فيما يختص بصلاح الباطن...


وقد أدى هذا المسلك إلى فتح باب التلقي الديني عن غير طريق الوحي المحض، ورسخ فكرة أن هناك مرتبة خاصة لا يدركها #أهل_الظاهر، وأن كمال الدين لا يتحقق إلا بسلوك الطريق الصوفي. 


●وما قرره أحمد #زروق هو خلاف ما قرره الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم، فأهل السنة تكلموا في أعمال القلوب، وتهذيب النفس، وصلاح الباطن ومقامات الإيمان من الإخلاص والخوف والرجاء والزهد والصبر والتوكل ونحوها، من غير أن يكونوا متصوفة ولا احدثوا كيفية جديدة في الأخذ من الكتاب والسنة. ولم يجعلوا لها علمًا مستقلًا له مصادر تلقٍّ خاصة وأرباب مخصوصون به. 


●ومن أخطر ما قرره أيضًا إثباته للتفسير الإشاري، القائم على دعوى أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا قد يخالف الظاهر، مع الاعتماد في ذلك على المكاشفات والذوق. وهذه الإشارات التي يعتمدها كثير من المتصوفة هي في كثير منها: تحريف لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست من باب الاعتبار الصحيح أو إلحاق غير المنصوص بالمنصوص؛ إذ إنها تعتمد على معانٍ ذوقية ورمزية لا يدل عليها اللفظ ولا السياق. 

ومن أمثلة ذلك تفسير بعضهم قوله تعالى:[تذبحوا بقرة) بذبح النفس..!!! 


●وإذا جئنا لكتاب #قواعد_التصوف لأحمد زروق وجدنا أنه في القاعدة (76) يثبت علم المكاشفة، ثم يقرر في القاعدة (77) أن الصوفية المحققين هم من يأخذون الإشارة من ظاهر اللفظ أو من باطن المعنى، مما يعيد أصل الإشكال في فتح باب الإشارات الذوقية. 


■ويبقى السؤال: كيف يصل الصوفي إلى هذه الإشارات؟ وعلى أي أساس يعتمد في التفسير الإشاري؟ 


يجيب أحمد زروق بأن هذه #الإشارات ودقائق علوم التصوف إنما هي منح إلهية ومواهب اختصاصية لا تُنال بمعتاد الطلب، كما في كلامه في ص (30). 

وهذا يجعل بعض المعارف الدينية خارجة عن طرق التلقي الشرعي المعروفة، مع تقريره في مواضع متعددة الاعتماد على الخواطر الربانية والذوق والرموز.


بل يظهر كلامه تأثر بنظرية #الفيض_الفلسفي، حين جعل من العلم ما يؤخذ من ظاهر الخطاب، ومنه ما يُؤخذ بطريق الإفاضة على القلب. 


كما قرر في كتابه قواعد التصوف أن نظر الصوفي في نصوص الكتاب والسنة يكون من حيث #الحقيقة في عين التحقيق حتى يصل ظاهره بباطنه كما في القاعدة (32)، 

وهي عبارة تجعل للنصوص ظاهرًا للعامة وباطنًا للخاصة، وهو من الأبواب التي دخل منها الانحراف الإشاري والباطني. 


●كما يقول أحمد زروق ب #التوحيد_الشهودي، الذي يقوم على أن الله يُرى ظاهرًا ومتجليًا في كل شيء من مخلوقاته.

ويرى كذلك أن العارف إذا تكلم من حيث الحال سُلِّم له ذوقه، وأن المعتبر فيه وجدانه، ولا يقتدي به إلا من كان مثله. كما القاعدة (39)  

وفي هذا تعظيم للذوق الوجداني حتى يُجعل ميزانًا في باب الإدراك والمعرفة، مع تقليل سلطان النص والبرهان في تقويم تلك الأحوال والمواجيد. 


■أما في باب الاعتقاد؛ فيسير زروق على طريقة متأخري الأشاعرة في الصفات، مع ميل ظاهر إلى #التفويض، كما في القاعدة 84، ثم يقرر في القاعدة (51) أن التأويل لا يبطل أصل التفويض ما لم يُعتقد أن المؤوَّل هو عين المراد. 

فالتفويض عنده ليس في أصل المعنى وإنما في تعيين المحتمل كما في قاعدة 51 


●كما جوز #التبرك بقبور الصالحين. بناء على أن كل من جاز التبرك به في حياته جاز التبرك به بعد موته كما قرر ذلك في قاعدة 159

ويرى أن لبسة الخرقة ومناولة السبحة وأخذ العهد جائز من باب الرواية كما في قاعدة 158

واعتبر #الخلوة في غير المسجد نوعا من أنواع الاعتكاف كما في قاعدة 114 


■فإذا كانت هذه الأصول والتقريرات هي مما يثبته أحمد زروق في كتابه قواعد التصوف؛ فكيف يُقدَّم هذا المنهج على أنه هو #التصوف_السني الموافق لمنهج أهل السنة والجماعة؟! 


●ومن المواضع الخطيرة أيضًا في كتابه: تصحيحه لتصوف ابن سبعين، وجعله مناسبًا للمشتغل بالفلسفة والمنطق كما في القاعدة (59)، 

مع أن ابن سبعين من أشهر القائلين بوحدة الوجود والاتحاد.

كما اعتذر  لابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، مع اشتهار مقالاتهم في وحدة الوجود والاتحاد، وذلك في شرحه للمباحث الأصلية. 


والكتاب فيه كثير من المخالفات الشرعية. 


هدانا الله وإياهم لسلوك الصراط المستقيم

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 27 أبريل 2026

هل المروءة والسمت العلمي للمنتسبين لعلوم الشريعة هو: في ترك ربطة العنق (الكرافته)؟

 

[الملخص: لا يليق بطالب العلم أن يلبس الكرفته؛ لأنها لا تليق بحملة الشريعة، ويصح الإنكار على من لبسها بالتوجيه والبيان]

يتساهل بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي في لبس ربطة العنق في المحافل العامة والمؤتمرات، بل تجاوز ذلك إلى مناقشات الرسائل العلمية وبحوث التخرج. وهذا يستدعي تحريرًا للمسألة وبيانًا ينضبط بالأصول والقواعد المحكمة في الشريعة..

ابتداءً: لا بد من تقرير أن لبس ربطة العنق في ذاته محل خلاف بين الفقهاء المعاصرين؛ فمنهم من منع نظرًا إلى أصل مخالفة الكفار قي لباسهم وما قد يُستصحب من دلالات تاريخية وعقدية لربطة العنق، ومنهم من جوّز باعتبار أنها صارت من اللباس العام الذي عمت به البلوى، ولم تعد شعارًا خاصًا
وقد قيل في أصلها أقوال متعددة؛ منها نسبتها إلى لباس الكروات في الحروب، ومنها ما يُذكر من ارتباطها برمز الصليب...

غير أن النظر المقاصدي لا يقف عند حدود الإباحة المجردة، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبار المقاصد الشرعية والمآلات...
ذلك أن الأحكام المتعلقة بهيئات أهل العلم يراعى في حكمها النظر إلى مقاصد الشريعة في التميّز والمخالفة وحفظ مقام العلماء وسمتهم؛ فالعالم ليس فردًا عاديًا في نظر العامة، بل هو قدوة وممثّل للشرع في ظاهره قبل باطنه.

ولذا نص الفقهاء على أن الفقيه تنخرم مروءته إذا لبس عمامة سوقي لا تليق به[انظر تحفة المحتاج شىح المنهاج لابن حجر الهيتمي]
وقال البرماوي في الفوائد السنية في بيان معنى المروءة:( توقي الإنسان ما لا يليق بحاله، ويختلف ذلك باختلاف الناس)

ولأهمية التحلي بالمروءة اشترط المحدثون في الراوي الذي تقبل رواية حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزهه عن كل ما يسقط المروءة ...

وذكر الفقهاء والأصوليون في شروط المفتي أن يكون متنزها عن مسقطات المروءة، وأن من لم يكن متنزها فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد، [انظر كلام ابن الصلاح في أدب المفتي ولمستفتي وغيره]
بل شدد الفقهاء فأسقطوا الثقة بقول من ارتكب ما لا يليق بمثله ونفوا قبول شهادته....
قال الغزالي:(فمن يرتكب ما لا يليق بأمثاله من المباحات...فتسقط الثقة بقوله ولا تقبل شهادته) العزيز شرح الوجيز للرافعي القوزيني

وعند تنزيل هذا الأصل على مسألتنا: فإن ربطة العنق – وإن لم تعد اليوم شعارًا دينيًا خاصًا – إلا أنها لم تجرِ عادة أهل العلم بلبسها، بل غلب اقترانها في الأذهان بالساسة والبرلمانيين ونحوهم ممن أفعالهم في الجملة لا تليق بأهل العلم...

وعليه؛ فكون ربطة العنق لم تعد شعارًا دينيًا خاصًا بالكفار يُخفف جانب المنع في حق عامة الناس، لكنه لا يُسقط الاعتبار بالكلية؛ لأن للهيئة الظاهرة أثرًا معتبرًا في إبراز التميّز وحفظ السمت.

ومن هنا يظهر أن محل الإشكال ليس في لبسها من عموم الناس على القول بالجواز، بل فيمن يلبسها ممن ينتسب إلى العلم الشرعي ويُعرف به؛ إذ ليس من اللائق بحملة الشريعة ودعاتها أن يتشبهوا في هيئاتهم بما لا ينسجم مع سمتهم العلمي، وليس المقصود بذلك تحريمًا لذاته، وإنما مراعاةٌ لجانب المروءة، وحفظٌ لهيبة العلم، وسدّ لما قد يُفضي إلى تمييع الفوارق الظاهرة بين أهل العلم وغيرهم.

وقد قرر الفقهاء أن من يُقتدى به عليه أن يراعي في هيئته ما يحفظ به قدر العلم في النفوس، وأن يترك ما يُنقصه في أعين الناس، ولو كان الفعل في ذاته مباحًا؛ لأن المروءة والسمت من المعاني المعتبرة شرعًا، لا سيما في حق من يتصدر للتعليم والدعوة.

كما أن تميز أهل العلم باللباس عن غيرهم أمر متقرر عند الفقهاء
فقد ذكر الخرشي في شرح مختصر خليل:(وقالوا: ينبغي للعالم أن يلبس ما يميزه عن غيره)

والحاصل أن ترك لبس ربطة العنق من أهل العلم في هذا السياق ليس من جهة تحريم لذات الفعل، وإنما من جهة تحقيق المروءة وحفظ مكانة العلم...وهو أصل معتبر عند السلف والأئمة...
ولذا صح الإنكار على من لبسها...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 22 أبريل 2026

هل هذه العبارة التي صدرت من بعض الإخوة وهي أن "تطبيق شرع الله من جميع الناس هو التوحيد ومناط كلمة لا إله إلا الله" عبارة صحيحة؟ وهل تنسجم مع أصول أهل السنة؟

 هل هذه العبارة التي صدرت من بعض الإخوة وهي أن "تطبيق شرع الله من جميع الناس هو التوحيد ومناط كلمة لا إله إلا الله" عبارة صحيحة؟ وهل تنسجم مع أصول أهل السنة؟

وجوابي:
أولا: هذه العبارة ليس فيها تفسير التوحيد بالحاكمية على الوجه الذي قرره المودودي وسيد قطب؛ لأن الأخ لم يقصر تطبيق الشريعة على الحكام والقضاة وإنما عممه على جميع الناس...ولم يتكلم عن التحاكم..

ثانيا: المقصود بتطبيق الشريعة: العمل بأوامر الشريعة في جميع أبواب الدين؛ فيدخل في ذلك باب العقائد، والعبادات، والمعاملات، وسائر التكاليف..
وهذا هو الانقياد العملي

ثالثا: ومع هذا، فالعبارة غير صحيحة، وفيها خلط بين التوحيد نفسه ومناطه، وبين لوازمه وواجباته.
فتطبيق الشريعة الذي هو الانقياد العملي من لوازم التوحيد ومقتضياته، لكنه ليس هو التوحيد نفسه، ولا هو مناط كلمة لا إله إلا الله. والتفريق بين الأصل ولازمه أصلٌ مهم في تقرير مذهب أهل السنة، ويترتب على الخطأ فيه اضطراب في باب التكفير.

وبيان ذلك أن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة، فمناطه مركب من إفراد الله بالعبادة مع الانقياد القلبي والخضوع والقبول
أما تطبيق الشريعة فهو العمل بأحكامها في أصولها وفروعها، وهذا من لوازم التوحيد ومقتضياته، لا أنه عين التوحيد ولا مناطه.

لماذا لا يكون تطبيق الشريعة مناطًا للتوحيد؟
لأن المناط في اصطلاح الأصوليين: هو الوصف الذي يدور معه الحكم وجودًا وعدمًا.

فإذا قيل: إن تطبيق الشريعة مناط التوحيد، لزم من ذلك أن التوحيد ينتفي بانتفائه، ولا يبقى مع ترك التطبيق شيء من أصل التوحيد.

وهذا غير صحيح؛ لأن ما يندرج تحت تطبيق الشريعة جنسٌ واسع، يشمل: ما يذهب تركه أصل التوحيد، وما يذهب تركه كمال التوحيد الواجب، وما يذهب تركه كمال التوحيد المستحب
فما يدخل تحت تطبيق الشريعة متفاوت الأحكام، لا يستقيم جعله مناطًا واحدًا يدور معه التوحيد وجودًا وعدمًا.
ولأن الذي ينتفي به أصل التوحيد هو ما يزول بزواله القبول والانقياد القلبي والخضوع لا مطلق ترك تطبيق الشريعة..

فإن قلت: مقصودي بترك تطبيق الشريعة الذي ينتفي بانتفائه التوحيد هو الترك بالكلية
قيل: الخطاب هو للمسلم، ولا يتصور من مسلم أن يترك تطبيق جميع ما أمر به الشرع بالكلية؛ لأن الترك بالكلية يلزم منه ترك جزء من أوامر الشريعة المتعلق بإفراد الله بالعبادة، ومن تركه لم يدخل في الإسلام أصلا..ولذا لم يصح مخاطبته بتطبيق الشريعة لعدم دخوله في الإسلام ابتداء
ولأن الترك بالكلية يلزم منه زوال القبول لكلمة التوحيد وزوال الخضوع والانقياد القلبي..

ومن هنا يظهر أن خطورة هذه العبارة في أنها:
1-جعلت اللازم مناطا للتوحيد
2-جعلت جميع جزئيات تطبيق الشريعة ينتفي التوحيد بانتفائه، وهذا يلزم منه: تكفير عموم العصاة؛ لتركهم جزئيات من الشريعة لم يطبقوها، فيكون توحيدهم قد بطل لانتفاء مناطه....

ثالثا: ما تقدم تقريره بناء على أن مفهوم تطبيق الشريعة ليس محصورا في باب المنازعات والخصومات أو في جانب القضاء والحدود فقط، بل هو أوسع من ذلك، فيشمل باب العقائد والعبادات وسائر أبواب الدين.
وعلى هذا الفهم الشامل، لا يُتصوَّر من مسلم أن يترك تطبيق الشريعة بالكلية، وإنما يقع الترك جزئيًا لا كليًا.

أما إذا قُصِر المفهوم على الجانب القانوني أو القضائي، وجُعل خاصًا بالحكام أو القضاة، ثم جُعل هذا هو التوحيد ومناطه، فهذا مسلك لا ينسجم مع أصول أهل السنة، وهو الذي أوقع الخوارج قديمًا، وبعض المعاصرين في توسيع دائرة التكفير؛ إذ ضيّقوا مفهوم الشريعة، ووسّعوا مفهوم التوحيد عمليًا، وألغوا التفصيل بين ما يرجع إلى التكذيب أو الامتناع، وما لا يرجع إليهما.

ومن المقرر عند أهل السنة أن التوحيد لا يزول من أصله بمجرد ترك بعض تطبيقات الشريعة – بالمفهوم الضيق – ما لم يكن ذلك على وجه التكذيب أو الامتناع.
..
وقد ترك النجاشي تطبيق أكثر شرائع الإسلام لعجزه، ومع ذلك صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعده صلى الله عليه وسلم تاركا للتوحيد !

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 9 أبريل 2026

هل تُعدّ إيران دولة مسلمة؟

هل تُعدّ إيران دولة مسلمة والتي تقدر نسبة الرافضة فيها 80% تقريبا على اختلاف في الإحصائيات؟ 


برزت الحاجة إلى طرح على هذا السؤال قي هذا الوقت في سياق الرد على ما يقوم به بعضهم من الترويج لإيراان والاعتذار لها

فقط لكونها تقاتل عدوا للمسلمين... 


ولكي نجيب على هذا السؤال:

أولًا: المقصود هنا هو الحكم على الدولة ونظامها السياسي، وليس على أفراد الشعب، ولا عامة الشيعة، خاصة من يجهل حقيقة مذهبه. 


ثانيًا: لفهم الإجابة، لا بد من التعرف على طبيعة نظام الحكم في إيران:

بعد عام 1979، أصبح النظام في إيراان قائمًا على مبدأ ولاية الفقيه، الذي أقرّه الخميني، ويقضي بأن يتولى قيادة الدولة عالم شيعي اثنا عشري إلى حين عودة الإمام الثاني عشر، الذي اختفى في القرن التاسع 


وبناءً على ذلك، فإن منصب المرشد الأعلى — وهو أعلى سلطة في البلاد — يجب أن يكون من رجال الدين الاثني عشري، وقد تولى هذا المنصب كل من الخميني ثم علي خامنئي والآن ابنه. 


ويمتلك المرشد الأعلى صلاحيات واسعة تشمل: توجيه السياسات العامة، الإشراف على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التحكم في الجيش والحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات، اتخاذ قرارات الحرب والسلم والملف النووي

فالسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، تكون جميعها تحت إشراف المرشد الأعلى..ابتداء بالخميني ثم الخامئني.... 


ثالثًا: بما أن النظام في إيران ديني في طبيعته؛ لكونه قائما على أيديولوجيا دينية (ولاية الفقيه)، فالعقيدة الرافضية جزء من بنية الحكم، وتوجهات الدولة تعكس عقيدة القيادة الدينية (المرشد)، وليس الرئيس المنتخب الذي يقتصر دوره على التنفيذ.

وبالتالي، فإن العقيدة التي تحكم الدولة هي العقيدة التي تبناها الخميني، وهي عقيدة غلاة الرافضة...والتي تُصنَّف عند العلماء ضمن العقائد الكفرية... 


رابعًا: أما الحكم على الشيعة كأفراد، فالكلام عن أعيان الرافضة ليس له حكم واحد وإنما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة وهو يتكلم عن أعيانهم: (والرافضة ليسوا كفارًا كفرًا مطلقًا، بل فيهم كفر، وفيهم بدعة، وفيهم ظلم وفجور..)

وهذا الكلام يتناول الأفراد والطوائف، فهو يتكلم عن الرافضة كطائفة وأعيان لم تعرف لهم دولة استقر نظامها على عقائد مخصوصة

ولذا كان من الغلط تنزيل كلام ابن تيمية في الرافضة على نظام دولة إيراان

وأحكام الفرق في القديم لا تُنزل مباشرة على الدول الحديثة دون تحقيق مناط دقيق 


خامسا: ولتوضيح التكييف الشرعي لدولة إيران، لا بد من النظر إلى جملة من المعايير، وفي مقدمتها: السلطان الظاهر، وإقامة الشعائر الإسلامية، أو الغلبة . 


فإذا نظرنا إلى واقع إيران، نجد أن السلطان الظاهر فيها إنما هو لغلاة الرافضة، ونسبة الرافضة أغلبية وهي توالي النظام، ولا يوجد في طهران مسجد واحد لأهل السنة يعلن فيه بالأذان....بينما تعج بالمعابد اليهوودية والهندوسية والكنائس...!!، ولم يأمن أهل السنة الذين هم أقلية في هذه الدولة على دينهم وأعراضهم بل يعيشون مضطهدين..

ولذا كان التكييف الشرعي لها أنها دولة تظهر الإسلام وتبطن الكفر والزندقة... 


وقد عوملت من حيث كونها دولة معاملة المنافقين في بعض الشعائر، كالحج والعمرة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 


http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/04/blog-post_9.html

الخميس، 2 أبريل 2026

اعتراضات وإجابات حول مسألة الفارق بين سعر النقد والبطاقة المصرفية

 اعتراضات وإجابات حول مسألة الفارق بين سعر النقد والبطاقة المصرفية

شهدت مسألة حكم رفع سعر السلع عند الدفع بالبطاقة المصرفية مقارنة بسعر النقد، جدلًا فقهيًا
وقد اطّلعتُ على مقالٍ سعى صاحبه إلى دفع اعتراضات المانعين، مؤسسًا قوله على فكرة مفادها: حماية التاجر من الضرر، ولو آل ذلك إلى تحميل عموم المستهلكين تبعة تلك الحماية.

ومحصّل هذا المسلك: أن التاجر لما كان يتضرر بتأخر السيولة وفرض العمولات من قبل المصرف، جاز له أن يزيد في السعر عند الدفع بالبطاقة، وجُعلت هذه الزيادة في مقابل الفارق الزمني بين قبض المشتري للسلعة وانتفاعه بها، وبين قبض التاجر للثمن وانتفاعه به.

فلأجل حماية التاجر من تآكل رأس ماله بسبب عدم التزام المصرف بتوفير السيولة مع فرض العمولة عليه
جوز للتاجر الزيادة في السعر عند الدفع بالبطاقة، وجعل هذه الزيادة لأجل الزمن، أي: لأجل الفارق الزمني بين استلام الزبون للسلعة وانتفاعه بها، والزمن الذي يستلم فيه البائع للثمن وانتفاعه به. فحمل تكاليف هذا الزمن على عموم المستهلكين...

وهذا المسلك لا يخلو من نظرٍ من وجوه:

أولًا: أنه نظر إلى المسألة من جهة واحدة، فاعتبر مصلحة التاجر، وأغفل مصلحة المستهلك، ولم يراع المآلات العامة، وهذا قصور في التصور؛ إذ الشريعة إنما تقيم ميزان العدل بين المتعاملين، لا أن ترجّح طرفًا بإيقاع الضرر على آخر.

ثانيًا: أنه خلط بين جهتين متباينتين في التعاقد؛ فالعلاقة بين التاجر والمصرف شيء، والعلاقة بين التاجر والمشتري شيء آخر.
فمسألة تأخر السيولة أو فرض العمولة إنما هي ناشئة عن عقد التاجر مع المصرف، لا عن عقده مع المشتري. وإذا أخلّ أحد المتعاقدين بالتزامه، فإنما يثبت للطرف الآخر حق الفسخ أو المطالبة، ولا يُسوّغ له نقل تبعة هذا الإخلال إلى طرفٍ أجنبي عن العقد. والقاعدة المقررة أن “العقد لا يلزم إلا عاقديه”، فلا يجوز تحميل المشتري ما ليس من موجبات عقده
وانتبه إلى هذا

ثالثًا: أن تعليل الزيادة في السعر بكونها في مقابل الزمن تعليل غير منضبط؛ لأنه مبني على قياسٍ مع الفارق. فالزيادة في البيع الآجل إنما تقابل زمنًا ينتفع به المشتري، حيث يُمهل في دفع الثمن.
أما في الدفع بالبطاقة الاي هي وسيلة دفع لا زمن فيها، فالمشتري قد دفع الثمن حالًا من جهته، وانتقلت ذمته إلى المصرف، فالعقد بينه وبين التاجر عقدٌ حالّ، لا يتضمن تأجيلًا في حقه. وأما التأخر في قبض التاجر للثمن، فهو أثرٌ لعلاقته بالمصرف، لا للمشتري فيه يد. وعليه، فلا يصح جعل المشتري محمّلًا بزيادةٍ في مقابل زمنٍ لم ينتفع به، ولا التزامٍ لم يلتزمه. ثم إن الأصل أن الثمن يتبع السلعة، لا وسيلة الدفع.

رابعًا: أن تحميل المستهلك هذه التكاليف يتعارض مع جملة من القواعد الكلية؛ فمنها قاعدة “الغُنم بالغُرم”، فإن المنتفع بالخدمة هو التاجر، فيتحمل تبعتها. وما يلحقه من عمولات أو فروقات هو من قبيل المخاطر التجارية التي دخل فيها باختياره، فلا يُنقل أثرها إلى غيره.
كما يتعارض مع قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، إذ لا يُدفع الضرر عن التاجر بإيقاعه على المستهلك.
وكذلك قاعدة “الضرر لا يزال بالضرر”، فإن رفع ضررٍ خاص بإحداث ضررٍ عام أو مماثل ليس من مقاصد الشريعة.
وفيه أيضًا فتحٌ لباب الذرائع إلى الغرر والغبن، إذ التوسع في مثل هذه الزيادات يؤدي إلى انفلات التسعير ووقوع الجهالة وعدم الانضباط.

وإذا نُظر إلى المسألة نظرًا مقاصديًا، فإن القول بإباحة هذه الزيادة يفضي إلى آثارٍ غير محمودة: من إرهاق عموم الناس، وتعطيل وسائل الدفع الحديثة، وزيادة الاعتماد على النقد، بما يعمّق الإشكالات الاقتصادية القائمة بدل معالجتها.

وعليه، فإن تنزيل هذه النازلة على أصول الشريعة وقواعدها يقتضي المنع من هذه الزيادة..

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 27 مارس 2026

هل اللي يشتغل في مسائل فقهية أو اجتهادية، أو يحذّر من جماعات وفرق يُعدّ بالضرورة مُهمِلًا لقضايا الأمة الكبرى، وما هو أشد خطرا، تاركًا لفقه الأولويات؟

 هل اللي يشتغل في مسائل فقهية أو اجتهادية، أو يحذّر من جماعات وفرق يُعدّ بالضرورة مُهمِلًا لقضايا الأمة الكبرى، وما هو أشد خطرا، تاركًا لفقه الأولويات؟


وهل اللي يكتب مقالات متعددة في مسألة كإخراج زكاة الفطر طعاما

ولا يتكلم في المنظمات الغربية ونحوها يكون مقصرا؟ 


الجواب: لا

لأن الذي يتكلم في المسائل الجزئية قد لا يكون أهلا لأن يتكلم في القضايا العامة، إما من جهة ضعف الآلة وإما من جهة عدم الإحاطة بواقع القضايا...وقد تكون الحاجة في محيطه لبيان المسائل الجزئية أعظم من حاجتهم لبيان غيرها...


والمهم أن كون المسألة قي نفسها أخطر لا يلزم أن يكون الكلام فيها مقدما في كل زمان ومكان... 


وقد أفرد كثير من علماء الأمة عبر تاريخها مسائل جزئية بالتأليف، مع مناقشة المخالفين تفصيلًا، من غير أن يُعرف عنهم الكلام في التنصير أو في نقض الفلاسفة، ولم يُعدّ هذا قدحًا في علمهم، ولا تقصيرًا في حق الأمة. 


ومع وضوح هذه المسألة

فقد ظهر في الآونة الأخيرة طرحٌ يزعم أن كثيرًا من المشايخ والدعاة قد اختلّ عندهم ميزان الأولويات، وأنهم انشغلوا بالجزئيات عن القضايا الكبرى، ... 


وهذا طرحٌ غير دقيق؛ إذ يقوم ضمنيًا على فكرة أن الاشتغال بمسائل فقهية أو اجتهادية، أو التحذير من الجماعات والفرق، يساوي إهمال القضايا الكبرى والانشغال عما هو أخطر!!!. 


ويكفي في نقضه أن الشريعة لم تجعل أبواب الدين ومسائله متزاحمةً على وجهٍ يلزم منه أن الاشتغال ببعضها يؤدي إلى إهمال غيرها، بل هي أبواب متكاملة، يقوم بعضها ببعض. 

كما أن الشريعة لم تجعل أهل العلم سواءً في تناول جميع المسائل، بل اقتضت الحكمة تنوّع تخصصاتهم؛ فمنهم الفقيه، ومنهم المفسّر، ومنهم من يتصدّى للنوازل الفكرية والقضايا المعاصرة. 


وعليه، فاشتغال بعضهم بالفقه بحسب تخصصه لا يُعدّ تقصيرًا في غيره من الأبواب؛ لأنه مخاطب أن يتكلم فيما يحسنه

كما لا يُلام المفسّر على عدم اشتغاله بالفقه التفصيلي، ولا المتصدّي للنوازل على عدم التفرغ للتدريس الفقهي؛ لأن توزّع الجهود في الأمة ليس خللًا، بل هو من تمام الكفاية فيها. 


ومن القصور في هذا الطرح: تجاهل وجود عدد كبير من العلماء والدعاة يتناولون: قضايا التغريب، والتحديات الفكرية، فأهل العلم يكمل بعضهم بعضا ... 


ثم إن الكلام في قضايا الأمة ليس مناطُه مجرد الإكثار من الحديث في الجزئيات، ولا يُقاس بكثرة المقالات في مسائل بعينها – كالمسح على الجوربين – تكرارًا وتفصيلًا؛

وإنما مناطه الحقيقي: تحقّق الأهلية العلمية، والقدرة على الاستنباط الصحيح، مع فقهٍ دقيقٍ للواقع وإدراكٍ لتعقيداته...


وكم تكلم أناس في القضايا العامة فضلوا وأضلوا!!!


كتب د أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 23 مارس 2026

موقف #السلفيين من حرب إيراان والحياد فيها

  يؤكد الواقع، في كل مرة تتجدد فيها الأزمات، أن المنهج الذي ينطلق منه السلفيون القائم على كليات الشريعة ومناطاتها في فهم الوقائع السياسية وتحديد المواقف ليس مجرد تنظير ذهني، بل هو محاولة جادة لربط المواقف بالأصول الشرعية، بعيدًا عن الشعارات الخادعة والانجرار وراء العواطف. 


وفي هذا السياق، برز خطاب يروّج لفكرة أن الوقوف مع إيرااان هو وقوف مع الإسلام، وأن أي موقف ناقد أو حتى محايد إنما يصبّ في مصلحة اليهووود. 


غير أن هذا الطرح عند تحليله يتبيّن أنه قائم على خلط منهجي بين الدين والسياسة، وبين العقيدة والمصالح. 


فالقول بأن إيراان تمثل الإسلام هو اختزال مخلّ، يتجاهل كونها دولة ظاهرها الإسلام وباطنها الكفر ، ويتغافل عن حقيقتها كدولة لها مصالحها الخاصة، ويتجاهل أيضا طبيعة مشروعها الذي لا ينفصل عن سعيٍ واضح لبناء نفوذ سياسي ممتد في المنطقة. 

ومن ثَم فإن ربط الإسلام بها ربطٌ يفتقر إلى الدقة، ويؤدي إلى تضليل في فهم الواقع. 

فالذين انتقدوا الحياد وعدم الوقوف مع إيرران بنوه على أن إيراان تمثل الإسلام...


ومن أخطر ما يروّج له هذا الخطاب كذلك مغالطة الثنائية التي تختزل المشهد في خيارين لا ثالث لهما: إما الوقوف مع إيراان، أو تمكين اليهووود. 

وهذا تبسيط شديد؛ لأن الواقع أعقد من ذلك بكثير؛ إذ تتعدد القوى الفاعلة، وتتشابك المصالح، وتتداخل الصراعات على نحو يجعل من المستحيل اختزال المشهد في طرفين فقط. 


أما الهجوم على الحياد، فهو في حقيقته مبني على ضغط عاطفي، وتخوين مسبق لكل من يرفض الاصطفاف مع إيراان، لا على تحليل واقعي أو تأصيل شرعي معتبر. 


بينما الحياد، في ميزان الشرع والعقل، موقف معتبر؛ إذ يقوم على رفض الظلم من جميع الأطراف، ويرفض في الوقت نفسه الانجرار خلف دعايات متناقضة أو اصطفافات غير منضبطة. 


وأخيرا أقول: إن الإشكال الحقيقي يكمن في محاولة إلزام الناس بخيارات محددة، وحصرهم في ثنائية زائفة، تحت ضغط التخوين والتشكيك. 


وهذا ما يحذر منه السلفيون حقا، إذ يؤكدون على ضرورة التمييز بين الدين والمشروعات السياسية، وعدم الانخداع بالشعارات على حساب الحقائق.


فهنيئًا لمن التزم منهج السلف، وأحسن النظر، ولم يُسلّم عقله للشعارات. 


✍️ كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 13 مارس 2026

هل الحرب على إيران حرب دينية؟

 هل الحرب على إيران حرب دينية؟

يستثمر بعضهم تصريحات لبعض المسؤولين الغربيين حول البعد الديني للصراع؛ ليجعل ذلك مسوغًا للقول بوجوب الوقوف مع إيران باعتبار أن الحرب عليها حربٌ دينية على الإسلام.

غير أن الأقرب إلى الواقع أن الحرب على إيران  ليست في أصلها حربًا دينية، وإنما هي حرب نفوذٍ وهيمنةٍ وصراعٍ على مراكز التأثير في الاقتصاد العالمي وممرّاته الحيوية.
فالموقع الجغرافي لإيران، وتحكّمها النسبي في مسارات الطاقة والتجارة، يجعلها جزءًا من صراع دولي أوسع يتعلّق بتوازنات القوة والنفوذ أكثر مما يتعلّق بالعقائد الدينية.

ومع ذلك، فهذا لا ينفي أن بعض الأطراف قد تستثمر البعد الديني في تفسير الصراع أو تعبئة الأنصار أو إضفاء معنى عقدي على ما يجري.

ومن هنا يظهر حضور عدد من التصورات الدينية في خطاب هذه الأطراف، وغالبًا ما يُربط ذلك بفكرة المخلّص المنتظر أو بالأحداث التي تسبق ظهوره.

ففي المعتقد الشيعي الإمامي

تذكر الروايات الشيعية أن خروج المهدي المنتظر يسبقه اضطراب عظيم في العالم، وحروب واسعة يكثر فيها القتل والفساد، حتى تمتلئ الأرض جورًا وظلمًا، ثم يخرج المهدي ليملأها عدلًا.
وهو عند الرافضة سيصلب أبا بكر وعمر، ويقيم على عائشة حد الزنا قاتلهم الله

وفي المعتقد اليهودي

ينتظر اليهود ما يسمونه بـ  المخلّص، وهو عندهم من نسل داود عليه السلام، يأتي في آخر الزمان ليجمع اليهود ويقيم لهم ملكًا عظيمًا، ويعيد بناء الهيكل في أورشليم.
وقد ارتبطت هذه الفكرة في الفكر الصهيوني الحديث بمشروع إعادة تجميع اليهود في فلسطين وإقامة دولة قوية تكون مركز السيادة والنفوذ.
والخلاص قد يكون  بعودة المسيح الذي هو من نسل داود أو بقيام دولة المسيح وإن لم يأت المسيح...

وفي المعتقد النصراني

انتظار عودة المسيح عيسى عليه السلام في آخر الزمان بعد ما صلب نفسه، ليقيم ملكوت الله ويخلّص العالم من الشرور والظلم.

ومن هنا ينبغي التفريق بين الدوافع الحقيقية للصراع التي تدور غالبًا حول النفوذ والمصالح، وبين الخطابات الدينية التي قد تُوظَّف في تفسيره أو تسويقه.

اللهم أهلك الظالمين بالظالمبن
د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 8 مارس 2026

حكم معاملة (2000) دولار عبر المنصة

حكم معاملة (2000) دولار عبر المنصة

بعد الدخول إلى المنصة وتسجيل البيانات واختيار شركة صرافة وصدور الموافقة من شركة الصرافة يتم حجز قيمة الدولار بالدينار الليبي..

وقد استشكل كثير من الناس ما يقع في هذه المعاملة من حجز قيمة العملة بالدينار من حساب الزبون، ثم تأخر إيداع الدولار في حسابه مدة من الزمن، وظن بعضهم أن هذا التأخر قد يوقع في ربا النسيئة لعدم تحقق التقابض في بيع العملات.

والأقرب فقهيًا في رفع هذا الإشكال وتجويز المعاملة أن يقال: إن عقد الصرف لا ينعقد بمجرد حجز المصرف للقيمة بالدينار الليبي من حساب الزبون، وإنما ينعقد عند التنفيذ الفعلي وقيد الدولار في الحساب.
فالحجز الإلكتروني ليس عقد صرف، وإنما إجراء تمهيدي...

وتوضيح ذلك فيما يأتي:

أولًا:
يشترط في بيع العملات (الصرف) حصول التقابض في المجلس، إما قبضًا حسيًا كاستلام العملة باليد، أو قبضًا حكميًا يقوم مقامه، ومن صور القبض الحكمي المعاصرة القيد المصرفي الذي يثبت به المال في الحساب ويتمكن صاحبه من التصرف فيه.

ثانيًا:
عندما تقوم شركة الصرافة بطلب شراء الدولار عبر منظومة مصرف ليبيا المركزي: توجه المنظومة المصرف التجاري إلى الحجز على المقابل بالدينار من حساب الزبون. فيقوم المصرف التجاري – بوصفه وكيلاً – بحجز قيمة العملة فقط، دون أن يتم في هذه المرحلة بيع العملة أو تحويلها.

ولهذا فهذه المرحلة ليست بيعًا ولا صرفًا، وإنما مجرد حجز لضمان توفر المقابل المالي. فمجرد حجز المصرف التجاري لقيمة العملية بالدينار الليبي من حساب الزبون لا يُعد صرفًا، ولا يعد قبضًا إلكترونيًا؛ لأنهلا يترتب عليه التمكين من التصرف وهو إحراء،ضماني فقط.
ومن الطبيعي تبعًا لذلك أن يتأخر دخول الدولار في حساب المشتري؛ لأن عملية الصرف لم تتم بعد، وإنما هي في طور الإجراءات التنظيمية، ويشبه ذلك ما يقع في الشيك المصدق من حجز المبلغ دون انتقاله في الحال،
وللمشتري خيار إلغاء الطلب قبل التنفيذ.

أما شركة الصرافة في هذه المرحلة فدورها وساطة تنظيمية ..ويسكنها المصرف من الاطلاع على حساب الزبون وتوفر القيمة فيه...

ثالثًا:
بعد اعتماد الطلب وتنفيذه عبر المنظومة، يتم في الوقت نفسه اقتطاع المقابل بالدينار الليبي وقيد قيمة الدولار في حساب الزبون..
وهذا القيد هو القيد الفعلي الذي يتحقق به القبض الحكمي المعتبر شرعًا، وإن تأخر تسليم البطاقة..

وعليه فهذه المعاملة صحيحة من حيث الأصل، ولا يؤثر تأخر التسوية الفنية بين المصارف على صحتها ما دام القيد الفعلي للعملة قد تم.

كما لا يؤثر على صحة المعاملة عدم توفر سيولة نقدية من الدولار يمكن للزبون سحبها في لحظة إبرام العقد؛ لأن المعتبر في القبض الحكمي ثبوت المال في الحساب والتمكن من التصرف فيه، لا مجرد التمكن الفوري من سحبه نقدًا.

والله أعلم.

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/03/2000.html

الجمعة، 6 مارس 2026

الموقف من الحرب على إيرااان ينظر فيه لمصلحة الأمة المستضعفة

يظن بعض الناس أننا عندما نفرح بكسر شوكة اليهووود ونظام إيرااان معًا، فإننا غافلون عما يصرّح به بعض الأمريكييين وغيرهم من أن ما يجري هو حرب ذات أبعاد دينية، وأنهم لا يرون حرجًا في أن يسيطر اليهووود على أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، وأن هناك تحالفًا صهيوو-أمرييكيًا يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة ورسم ملامح النظام العالمي القادم، وتحديد من سيبقى مؤثرًا فيه. 


لم نكن غافلين عن هذا، فقد أصبح يدركه الصغير والكبير...

غير أن الواقع المؤلم هو أن أهل السنة في هذه المرحلة ليس لهم في هذه الأحداث إلا موقع المتفرج، إذ لا يملكون القدرة على خوض مثل هذه المواجهات الكبرى. 


وعلى أهل السنة أن لا يبقوا مكتوفي الأيدي متفرجين، بل عليهم أن يسعوا لتقوية صفهم وتوحيد كلمتهم، متعاونين على النهوض بأمتهم مستعصين على عدوهم....... 


لكن إدراكنا لهذا الواقع لا يعني أبدًا أن نصوّر إيراااان على أنها الحارس لبيضة الإسلام، أو أن نعتبر انتصاراتها انتصاراتٍ للدين وحمايةً لبلاد المسلمين، كما يفعله الإخوان ومن تأثر بطرحهم ... 


فإيراان لم تدخل هذه المعركة دفاعًا عن الأمة، بل دفاعًا عن نفسها ومشروعها؛ فهي تقاتل لتضمن لنظامها موطئ قدم في النظام العالمي الجديد، وتسعى بكل ما تملك من قوة إلى بقاء النظام الخميني الصفوي واستمراره. 


فإيرااان لم تدخل المعركة لتمثل الإسلام، ولا لتحافظ على بلدان المسلمين، وإنما هي دولة ظاهرها الإسلام وباطنها الكفر. 

وبهذا يدرك المرء مدى بُعد وسذاجة من انطلق في الوقوف مع إيرااان على أن المعركة دائرة بين مسلمٍ يمثل الإسلام وكافرٍ يحاربه. 


وإنما المناط الذي يدور عليه الموقف هو: أيهما أشد ضررًا على المسلمين؟ 


فبعضهم يصور أن النظام الإيراااني فيه خير للمسلمين وغفل أنه نظام لا يقل عداوة ولا خطورة على المسلمين من عداوة اليهوود؛ فاستباحة دماء أهل السنة لديه ليست مجرد سياسة عابرة، بل هي امتداد لعقيدة راسخة. وقد شهدت العقود الأخيرة في العراق وسوريا ولبنان قتلًا وتشريدًا واسعًا لأهل السنة، ربما يفوق ما ارتكبه الصهاااينة، وخطرهم على عقيدة أهل السنة أعظم من خطر اليهوود... 


كما أن النظرة العقدية لدى كثير منهم تعتبر دول أهل السنة دولًا كافرة، وترى قتالها أولى من قتال اليهود والنصارى. ومن يطالع التراث الرافضي يدرك حجم الهوة العقدية بينه وبين عقيدة أهل السنة. 


ومن يظن أن انتصار إيرااان هو انتصار للإسلام، فإنه يتغافل عن حقيقة المشروع الذي تسعى إليه؛ مشروع يقوم على عقيدة تكفير الصحابة، ولعن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وتقتيل أهل السنة، وجعل المعتقد الرافضي الاثني عشري أساسًا لدستور الدولة ونظامها. 


ومع ذلك، فنحن لسنا مع استيلاء اليهوود على إيرااان؛ لأن تمكّنهم قد يقرّبهم من تحقيق مشروعهم التوسعي في المنطقة، وهو أمر لا يخدم مصالح أمرييكا نفسها،مما يفسر لنا إقحام أمرييكا اليهوود في حروب أنهكتها. 


كما أننا لسنا مع انتصار إيرااان؛ لأن ذلك يؤدي إلى بسط نفوذها على بلدان أهل السنة، وإشعال مزيد من الحروب الطائفية، وتشريد الشعوب وتمزيق المجتمعات، كما أن خطرهم على عقيدة أهل السنة كبير... 


إنما الذي نرجوه هو أن يخرج الجميع من هذا الصراع منهكين ضعفاء، فلا يعلو فيه باطل على حساب الأمة.


ومن السذاجة أن يظن ظانٌّ أن هذا الموقف يعني تفضيل كافر على مسلم، أو التسوية بين مجرم ومسلم؛ فالمسألة ليست مفاضلة بين حق وباطل، ولا بين مسلم وكافر، وإنما نظر إلى مصلحة الأمة. 


ومن يسم موقفنا بأنه موقف حياد فليسمه؛ إذ هو الموقف الشرعي الصحيح الذي يوافق كليات الشريعة ومقاصدها..

واستدعاء كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه النازلة استدعاء لكلام في غير سياقه وعلى غير واقعه...فشيخ الإسلام لم يتكلم عن دولة لها مشروعها.. 


اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين. 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 3 مارس 2026

هل انتصار إيرااان – لو وقع – أخفُّ ضرراً على الأمة؟

 هل انتصار إيرااان – لو وقع – أخفُّ ضرراً على الأمة؟ 


[يقول ابن تيمية في منهاج السنة النبوية وهو يصف حال طوائف من الرافضة حين تمكنوا في بعض سواحل الشام:“...وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء...”]


من يقرأ التاريخ قراءة فاحصة، وينظر في وقائع الحاضر، يدرك أن انتصار إيران – لو وقع – ليس فيه نفع للأمة، ولا يُدرج في باب أخفّ الضررين. 


فالمعيار في تقدير المصالح ليس هو: من يواجه من؟

بل: ماذا سيحدث داخل الأمة إذا تمكّن هذا المشروع؟ 


والمشروع السياسي الذي تتبناه إيرااان لم يُخفِ خصومته العقدية والسياسية لأهل السنّة، ولم يوار حقده الدفين على أهل السنة ..

والتاريخ يشهد بأن تمكين الرافضة إذا اقترن بالسلطان والسلاح كان وبالاً على المسلمين... 

قال ابن تيمية في منهاج السنة:(وقد علم أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه ألوف من الرافضة يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقا عظيما وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان، أخذوا الخيل والسلاح، والأسرى وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا من مر بهم من الجند، وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى، وقالوا له: أيما خير: المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى. فقالوا له: مع من تحشر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى. وسلموا إليهم بعض بلاد المسلمين) 


وقد صدرت تصريحات عن قياداته، ومنهم علي خاامنئي، القائل بأن المعركة الحقيقية ليست مع اليهوود ولا مع النصارى وإنما المعركة الحقيقية مع أهل السنة، وهو ما انعكس عمليا على العراق وسوريا... 


كما أن التراث العقدي لبعض منظّري التشيّع الاثني عشري يتضمن أحكاماً صريحة في تكفير المخالفين. يقول نِعمةُ اللهِ الجَزائِريُّ في تكفيره غَيرِ الشِّيعةِ الاثنَي عَشريَّةِ: (لم نَجتَمِعْ مَعَهم على إلهٍ ولا نَبيٍّ ولا على إمامٍ، وذلك أنَّهم يقولونَ: إنَّ رَبَّهم هو الذي كان محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَبيَّه، وخَليفتُه أبو بكرٍ، ونحن لا نَقولُ بهذا الرَّبِّ، ولا بذلك النَّبيِّ، بل نَقولُ: إنَّ الرَّبَّ الذي خَليفةُ نَبيِّه أبو بكرٍ ليس رَبَّنا، ولا ذلك النَّبيُّ نَبيَّنا)    ((الأنوار النعمانية)) (2/279). 

ويقول أبو القاسِمِ الخوئيُّ: (لا شُبهةَ في كُفرِهم .....وتَدُلُّ عليه الأخبارُ المُتَواتِرةُ الظَّاهرةُ في كُفرِ مُنكِرِ الوِلايةِ أنَّه لا أُخوَّةَ ولا عِصمةَ بَينَنا وبَينَ المُخالفينَ)  ((مصباح الفقاهة)) (2/11). 

ولهذا فإن السؤال الجوهري يبقى قائماً: هل يُجعل مشروعٌ طائفيٌّ توسعيٌّ أخفَّ ضرراً لمجرد أنه في خصومة مع عدوٍ آخر؟!!! 


إن قاعدة المصالح والمفاسد لا تُبنى على الشعارات، بل على المآلات. فإذا كان تمكين هذا المشروع يُفضي بحسب التجربة القائمة إلى تعميق الانقسام الداخلي في الأمة، ومزيد تقتيل لأهل السنة، وإضعاف سيادة الدول السنية، واستدامة الصراع الطائفي داخل المجتمعات المسلمةد، فإن وصفه بأنه أخف ضرراً لا يستقيم شرعا ولا عقلا... 


فالانحراف العقدي إذا اجتمع مع مشروعٍ توسعيٍّ مسلح، كانت مفسدته مضاعفة، لأنه يستهدف البنية الداخلية للأمة قبل عدوها الخارجي... 


اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الاثنين، 2 مارس 2026

تنزيل كلام شيخ الإسلام على الحرب الدائرة على إيرااان

 

قال ابن تيمية : "‌أَلَا ‌تَرَى ‌أَنَّ ‌أَهْلَ ‌السُّنَّةِ ‌وَإِنْ ‌كَانُوا ‌يَقُولُونَ ‌فِي ‌الْخَوَارِجِ ‌وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ، لَكِنْ لَا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ ظُهُورَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ" منهاج السنة 6/375.


تنزيل كلام شيخ الإسلام على إيراان اليوم يتوقف على تحرير سؤالين جوهرين:

الأول: هل نحن أمام صورة إزالة سلطان الإسلام وظهور الكفر في ديار المسلمين؟ أو نحن أمام صراع نفوذٍ، تتنازع فيه قوى إقليمية ودولية القرار والسيادة؟ 


والثاني: هل مآل هذه الحرب محصورٌ بين خيارين: تمكين الكفر من بلاد المسلمين، أو بقاء الإسلام مع بدعة؟


الصورة التي تكلم عنها شيخ الإسلام هي حالة تمكين الكفر الصريح وإزالة سلطان الإسلام. 

في تلك الصورة لا يسع أهل السنة إلا أن يقرروا أنهم لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر على ظهور البدعة، ولو كانت بدعةً مغلظة؛ فيكون الولاء لأصل الإسلام في مقابل الكفر الصريح. 


أما الصورة المعاصرة فمختلفة تماما، فنحن لسنا أمام تمكينٍ مباشرٍ للكفر من إزالة سلطان الإسلام في بلدٍ بعينه مقابل بقاء بدعة، بل أمام صراعات نفوذٍ إقليمية ودولية لا تنحصر في ثنائية “إسلام مقابل كفر”.، بل تتشابك فيها اعتبارات القوة والسيادة والهيمنة. 


كما أن إيران اليوم ليست مجرد دولةٍ توصف ببدعة، بل دولة ذات مشروعٍ توسعيٍّ عابرٍ للحدود، له أثرٌ مباشر في إضعاف كياناتٍ سنيةٍ قائمة، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وهذا توصيفٌ سياسيٌّ للواقع، لا حكمٌ على الأفراد أو طائفة بدعية. 


وعليه فإن المناط الذي علّق عليه شيخ الإسلام حكمه ـ وهو ظهور الكفر وإزالة سلطان الإسلام ـ غير متحقق بالصورة التي تُطرح اليوم. فاختلاف الصورة يقتضي اختلاف الحكم؛ لأن الأحكام دائرةٌ مع عللها وجودًا وعدمًا. 


ولو أن إيران تخلّت عن مشروعها الدموي، وكفّت شرّها وأذاها عن أهل السنّة، وتبرّأت من عقيدتها العدائية التي تُجرّمهم وتدعو إلى استئصالهم؛ لأمكن حينئذٍ بحث إمكان الوقوف معها ضمن رؤيةٍ مصلحيةٍ منضبطة، تُقدَّر بقدرها، وتُراعى فيها المآلات ومصالح عموم الأمة. وعندئذٍ يمكن النظر في تنزيل كلام ابن تيمية على تلك الصورة. 


لكن الواقع اليوم يدل على أن إيران لم تتخلَّ عن مشروعها، ولا تبدو في طريقها إلى ذلك إلا أن يشاء الله. 


أما الانطلاق في تحديد الموقف الشرعي من تصوّراتٍ ذهنيةٍ غير منضبطة، كتصوير أن سقوط إيران سقوطٌ للأمة، وأن الدور سينتقل تباعًا إلى بقية الدول المسلمة، وأن اليهود سيتغوّلون بلا مقاومة؛ فذلك تحليلٌ يقوم على فرضياتٍ لا على قراءةٍ دقيقة للواقع. 


هذا التصوير يغفل طبيعة الصراع في النظام الدولي، حيث التنافس قائمٌ على السيطرة على مصادر القوة والمعرفة والتقنية، وعلى امتلاك القرار السياسي وتوجيهه. وليس من مصلحة الأمة أن يخرج أحد الطرفين غالبًا وهو في ذروة قوته؛ بل مصلحتها في استنزاف مشاريع الهيمنة بعضها لبعض، بحيث يضعف سلطان القرار ولو تحقق نصرٌ عسكريٌّ في الظاهر. فالقوة المنهكة ليست كالقوة المتغوّلة. 


ولهذا كان من دعاء علماء أهل السنة:

اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين. 


وأما الاغترار بالشعارات العاطفية أو الولاءات الحزبية أو النظر الضيق  

فليس أساسًا صحيحا لبناء موقفٍ شرعيٍّ في قضايا مصيرية... 


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 20 فبراير 2026

صلاة المرأة التراويح في المسجد

 صلاة المرأة التراويح في المسجد

يظن بعض النساء أن صلاتهن في المسجد أعظم أجرا من صلاتهن في البيت, وهذا خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن)  أي أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد

وذلك أن المرأة في الشريعة خصها الله بمزيد الاستتار والاحتجاب, فكلما كانت المرأة أشد التزاما بالاستتار والاحتجاب عن الرجال كانت أقرب إلى تحقيق مقصود الله سبحانه

ولذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاتهن في البيوت أفضل لهن حتى من شهود الجمعة والجماعة إلا العيد ,  وحتى من شهود الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسجد النبوي, مع أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة, فقال صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن) أي خير لهن من الصلاة في المسجد, وإذا ثبت هذه الخيرية في الفرض ففي النفل من باب أولى

واستثنيت صلاة العيد؛ لأن صلاة العيد لا تصلى في البيت, فإذا لم يحضرن النساء العيد في المصلى فاتتهن الصلاة .. بخلاف بقية الصلوات التي يمكن أداؤها في البيت, فعدم حضورهن المسجد لن يترتب عليه فوات هذه الصلوات....

وقوله صلى الله عليه وسلم:( وبيوتهن خير لهن) يقتضي أن شهود النساء للجماعة في المسجد مباح لكنه لا يرتقي إلى كونه مستحبا أو أكثر أجرا, والإباحة مقيدة بأمن الفتنة, أما مع وجودها فإنه يصبح الحكم محرما...وعند خشية الفتنة يكون الحكم هو الكراهة..

وأما قول عائشة -رضي الله عنها-: "لو أدرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل قلت لعمرة: أو منعن؟ قالت: نعم". فلا يدل على منع النساء مطلقا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ما أحدث النساء فلم ينتف الجواز مطلقا, ولأن الإحداث المقتضي للمنع لم يحدث من كل النساء وإنما حدث من بعضهن..

أقوال المذاهب الفقهية:

اتفق الفقهاء إلى أن المرأة التي يخشى منها الفتنة أنه يحرم على الخروج إلى المسجد للصلاة

وأما من عداها فـ:

ذهبت الحنفية إلى الكراهة ؛ لأنه لا يؤمن الفتنة من خروجهن, واختلفوا هل يستثنى من ذلك العجوز؟ وهل تشمل الكراهة كل الصلوات.. انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (1/ 380)

وذهبت مالك إلى أن خروجهن جائز وتركه أحب, قال  ابن رشد: تلخيص هذا الباب على تحقيق القول فيه عندي أن النساء أربع: عجوز قد انقطعت حاجة الرجل منها؛ فهي كالرجل في ذلك، ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجل منها بالجملة، فهذه تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد كما قال في الرواية، وشابة من الشواب؛ فهذه تخرج إلى المسجد في الفرض وفي جنائز أهلها وقرابتها، وشابة فارهة في الشباب والنجابة؛ فهذه الاختيار لها أن لا تخرج أصلا. انظر: لوامع الدرر في هتك استار المختصر (2/ 494)

وذهبت الشافعية إلى أنه إن كانت شابة أو كبيرة يشتهى مثلها كره لها الحضور وإن كانت عجوزاً لا تشتهى لم يكره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن الخروج إلا عجوزاً في منقلها. انظر المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (1/ 177)

وذهبت الحنابلة إلى الجواز وعدم الكراهة. انظر: المبدع في شرح المقنع (2/ 67)

والخلاصة أن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من الصلاة في المسجد لا سيما النوافل كالتراويح مع بقاء أصل الجواز إذا أمنت الفتنة وتقيدت بالضوابط الشرعية.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 11 فبراير 2026

هل فخر الدين الرازي مجدد للدين؟

 هل فخر الدين الرازي مجدد للدين؟ 


المراد بتجديد الدين هو إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأخذ بمقتضاهما، بحيث يُعيد المجدد ما اندثر من هدي الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. فالتجديد لا يكون إلا بعد الدروس والانطماس، وليس المقصود بالتجديد تغيير الشريعة أو إحداث منهج جديد في الاستدلال لم يكن عليه سلف الأمة. 


وهنا يثور التساؤل يدور عليه التجديد: ما موقف الرازي من الدليل النقلي؟ 


يرى فخر الدين الرازي أنه لا يوجد دليل نقلي مستقل بجميع مقدماته، بل لابد من مقدمة عقلية لإثبات صحة النقل، وإلا لزم الدور. يقول في الأربعين في أصول الدين (2/595):"أما القسم الثاني، وهو الدليل الذي يكون نقليًا بجميع مقدماته، فهذا محال؛ لأن الاستدلال بالكتاب والسنة موقوف على العلم بصدق الرسول، وهذا العلم لا يُستفاد من الأدلة النقلية." 


فهو لا يُسلّم بوجود دليل نقلي يخلو من مقدمة عقلية. وبناءً على ذلك، منع الاستدلال بالنقل فيما تتوقف صحة النقل عليه، كإثبات وجود الصانع أو صدق الرسول ﷺ، قائلاً في معالم أصول الدين (22):"كل مقدمة لا يمكن إثبات النقل إلا بعد ثبوتها، فإنه لا يمكن إثباتها بالنقل." 


ويرى أن الدليل النقلي لا يفيد اليقين؛ لتوقف الاستدلال به على عشرة أمور إلا أن هذا ليس على إطلاقه عند الرازي وإنما يستثني من ذلك إذا احتفت بالدليل قرائن قطعية 

فيقول في الأربعين(2/598):"هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمورٌ عُرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي هذه الاحتمالات، وعلى هذا التقرير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن مفيدة لليقين." 


غير أن هذا الاستثناء مقيد عنده بما لا يعارض الدليل العقلي، أما إذا تعارض النقل والعقل، فالنقل عنده من المتشابهات، لا يفيد القطع، ويُؤوَّل أو يُفوَّض.

وهذا مسلك خطير سلكه الرازي تبعًا لمتأخري الأشاعرة والمعتزلة، إذ جعلوا إثبات الصانع بالعقل وحده، ورتبوا على ذلك تقديم العقل عند التعارض مع النقل، وهو ما قننه الرازي بقانونه الكلي المشهور:"إذا تعارض العقل والنقل قُدِّم العقل." 


فكيف بعد هذا يُعد الرازي مجددًا للدين، وهو من اعتمد منهجًا محدثًا في الاستدلال يخالف طريقة الصحابة ومن تبعهم بإحسان؟

بل كان كثير التناقض والاضطراب في أقواله، كما قال ابن تيمية في منهاج السنة (5/270):"متناقض في عامة ما يقوله، يقرر هنا شيئًا ثم ينقضه في موضع آخر." 


ثم إن الرازي انشغل بعلم الكلام والفلسفة، حتى قال عنه ابن الصلاح:"أخبرني القطب الطوعاني مرتين، أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى."(شذرات الذهب 7/41) 


كما تضمنت بعض كتبه انحرافات عظيمة، بل ألّف كتابًا في السحر وعبادة الكواكب ثم تاب منه، وقد قال الذهبي في السير (21/500):"وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم، وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر." 


فمن خلال هذا كله، يتبيّن أن فخر الدين الرازي ليس من المجددين للدين، إذ لم يكن تجديده إحياءً للسنة والعمل بها، بل كان في مجالات الكلام والفلسفة، وهي أبعد ما تكون عن منهج التجديد الشرعي. 


✍️ كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 30 يناير 2026

حكم #نبش_القبور_لأجل_استخراج #السحر

 حكم #نبش_القبور_لأجل_استخراج #السحر 


هذه مسألة كثر الجدل حولها في بلدنا، وتداخلت فيها أصولٌ متعددة، مما قوّى الخلاف فيها، بعيدًا عن سوء الظن بأحد. 


والتحرير فيها يقتضي التفريق بين مسألتين: 


الأولى: البحث عن السحر بين القبور

فهذه لا إشكال فيها من حيث الأصل، وأمرها واسع في دائرة الجواز، ما لم يترتب عليها محظور شرعي. 


الثانية: نبش القبر

فالأصل المقرّر شرعًا أن المؤمن محترم في حياته وبعد مماته، فلا يجوز نبش قبره ما دام الميت فيه، إلا لضرورة تتعارض فيها مصلحة الحي الضرورية مع مصلحة الميت.

وحينئذٍ تُقدَّم المصلحة الضرورية للحي؛ لقوتها ورجحانها، وهذا محل تنبّه وتحقيق. 


ولهذا استثنى الفقهاء صورًا يجوز فيها كشف القبر عن الميت، تتحقق فيها الضرورة، بل وما دون الضرورة عند بعضهم. 


فقد أخرج مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه:«أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين، كانا في قبر واحد، وقد حفر السيل قبرهما… فحُفر عنهما ليُغيَّرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا… وكان بين يوم أحد ويوم حُفر عنهما ست وأربعون سنة».

قال ابن عبد البر في الاستذكار (5/156):«وفيه: لا بأس باستخراج الموتى من قبورهم إن وُجدت إلى ذلك ضرورة، وأُريد به الخير، وأن ذلك ليس في باب شيء من النبش». 


وجاء في مواهب الجليل (1/304) عن البرزلي فيمن أوصى أن يُجعل في كفنه قرآن أو أحاديث:«…والختمة يجب أن تُنبش وتُخرج إذا طُمع في المنفعة بها، وأُمن من كشف جسد الميت ومضرته والاطلاع على عورته». 


وجوّز فقهاء الشافعية النبش فيما هو أدنى من الضرورة، كمن دُفن بلا غسل، أو دُفن في أرض مغصوبة، مراعاةً لحق الحي، كما في الوسيط (2/390). 


بل جوز بعضهم ما دون الضرورة بمراحل قال ابن قدامة في المغني(2/414):«وإن وقع في القبر ما له قيمة نُبش وأُخرج…». 


فإذا جاز النبش في مثل هذه الصور، فالضرورة أولى بالجواز. 


وإذا نظرنا إلى أثر السحر على الإنسان، وجدنا أنه قد بلغ حدّ الضرورة؛ إذ قد يفضي إلى الهلاك أو يقاربه..وهذا أمر ينبغي ألا يختلف فيه.. 


بقيت مسألة وهي: هل يشترط لنبش القبر العلم القطعي بوجود السحر في القبر أو أن القرائن تقوم مقام القطع؟ 


وجوابه إن وضع السحر في المقابر قد انتشر بين السحرة واشتهر، وهذه قرينةٌ قوية معتبرة تُقوّي احتمال وجوده من حيث العموم.

أما وجوده في قبرٍ بعينه أو قبورٍ معينة، فالعبرة بما قام عند من يباشر النبش من علمٍ بوجود السحر فيه؛ لأن القرائن إذا بلغت حدًّا يطمئن إليه الناظر أفادت عنده علمًا، فيكون قد عمل بمقتضى دليلٍ معتبر شرعًا يبيح له النبش. 


لكن مع ذلك تُقيَّد الرخصة بقيود، منها:

1-ألا يُقدم على النبش إلا إذا عُلم وجود السحر فيه أو قام على ذلك دليل معتبر أو قرينة قوية؛ كاعتراف الساحر، أو وجود ثقب في القبر يرى منه السحر. أو نحو ذلك 


2- ألا يتولى ذلك آحاد الناس، بل يكون ذلك عبر هيئة شرعية مختصة وبمشاركة جهات أمنية مسؤولة. 


وأخيرا أنبه إلى أنه لا يُشترط أن يتعين النبش وسيلة للشفاء، وإنما العبرة بكون الوصف الموجب للضرورة متحققًا، وهو قد عمّ وانتشر، ووجود القرائن القوية المعتبرة في الشريعة على وجوده ... 


والله أعلم. 


كتبه:

د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 27 يناير 2026

هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟

 هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟ 


[نعم، وهو واقع ومشاهد، وليس في أدلة الشريعة ما ينفيه]


أولا: مس الجني للإنسي ثابت بالنصوص المتواترة 

فقد أعطى الله الجني القدرة على التأثير في بدن الإنسان بحيث إنه يجري في دمه ويسوس له ويتخبطه ويصرعه...

والذي ينكر ذلك ينكر ما هو معلوم بالضرورة.... 


ثانيا: تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه: جائز عقلا وشرعا... 


ثالثا: عدم ورود نص شرعي قطعي الدلالة على وقوع تحكم الجني بجسد الإنسان لا يمنع من القول بوقوعه؛ وذلك لأمرين:

• وجود شواهد واقعية كثيرة تدل عليه.

• عدم وجود ما يمنع هذا الأمر عقلاً أو شرعاً، فليس في الأدلة الشرعية ما ينافيه... 


رابعا: تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه: أمر مشاهد معلوم، وقد اشتهر واستفاض بين الناس، والمشاهدة المتكررة تفيد علما ضروريا لمن شاهدها...مع التأكيد على أنه ليس في الأدلة الشرعية ما يعارض هذه المشاهدة أو ينفيها...

قال ابن تيمية:( وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع. ققال: يا بني إنهم يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه..

وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما، والمشروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع غير المصروع ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول الآلات وينقل من مكان إلى مكان ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علما ضروريا بأن الناطق على لسان الإنسان والمحرك لهذه الأجسام جنس آخرغير الإنسان، وليس في أئمة الإسلام من ينكر دخول الجني في بدن المصروع...)


وبهذا نرد على من أنكر تحكم الجني بجسد الإنسان استنادا على عدم وجود نصوص صريحة تثبت صراحة التلبّس؛ لعدم التوقف القول بالتحكم على النص القطعي ..


وأما قول بعضهم إنها اضطرابات نفسيّة أو حالات نفسية معقّدة... او لها تفسيرات علمية طبية...

فجوابه أن هذا يصدق على بعض الحالات وليس على كلها، وما صدق على البعض لا يلزم بالضرورة أن يصدق على الجميع..

ثم أي تفسير يقدمه العلم التجريبي لمن يتكلم بغير اللغة التي يعرفها المصروع ؟!!!

وقد أحسن ابن القيم لما قال:(وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها). 


خامساً: زعم بعضهم أن مسألة تحكم الجني بالإنسي من مسائل الغيب، ثم ادعى أن الغيب لا يقبل فيه إلا النص القطعي...

وغاب عنه أن أهل السنة في إثبات أمور الغيب

لا يشترطون وجود نص قطعي الدلالة، بل يُجوزون الاحتجاج بالدليل الظني إذا صح وثبت، خلافاً لأهل الكلام الذين يشترطون القطع. 


ثم إن مسألة إثبات تحكم الجني بجسد الإنسان والتكلم على لسانه من الأمور المشاهدة، من غير خوض في الكيفية ذلك.... 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 26 يناير 2026

ما يُتداول اليوم من دعوى أن قصر السحر على #سحر_التخييل هو مذهب لأهل السنة دعوى باطلة

 

ما يُتداول اليوم من دعوى أن قصر السحر على #سحر_التخييل هو مذهب لأهل السنة دعوى باطلة لا تصح، بل هذا القول اشتهر عن المعتزلة، ووافقهم عليه بعض الأفراد، كابن حزم، وأبي جعفر الاستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية.

أما الذي عليه أهل السنة والجماعة، فهو أن السحر منه سحر حقيقي له تأثير في المسحور، ومنه سحر تخييلي يقع على الأعين، وقد يقع على الأعيان من حيث الإحساس، لا من حيث قلب الحقائق.

قال ابن القيم رحمه الله في البدائع:«وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام – من المعتزلة وغيرهم – وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة، لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد، وإنما ذلك تخييل لأعين الناظرين، ولا حقيقة له سوى ذلك. وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء».

وحتى الأشاعرة لم يوافقوا المعتزلة في هذا الأصل، قال المازري رحمه الله:«مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات».

بل قال القرطبي في الجامع:« ولا عبرة -مع اتفاقهم- بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق».

فالعجب كل العجب ممن يخرج على الناس فينسب مذهبًا يخالف ما تواترت به الآثار
ووُصِف بأنه قول لحثالة المعتزلة..
إلى أهل السنة والجماعة!

ثم كيف يغيب عن بعضهم أن إنكار التأثير والخوارق الشيطانية في حدود ما أُعطيه جنس المخلوق هو من البدع المضلّة؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في جامع المسائل:«من أنكر خوارق أهل السحر وأتباعه من الشياطين فهو من أهل البدع الضالين».

نعم، نُقِرّ بأن تأثير السحر الحقيقي لا يصل إلى قلب الأعيان، فلا يستطيع الساحر أن يقلب الإنسان حيوانًا، ولا الورق ذهبًا أو فضة، فقلب الحقائق من خصائص الربوبية، لا من مقدور جنس المخلوق.

ويبقى بعد ذلك بحث مسألة مهمة، وهي:
هل يمكن للجني أن يتحكم في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟
وسيأتي الكلام عنها – إن شاء الله – في منشور لاحق.

كتبه:
د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 4 يناير 2026

هل #السرورية تمثل اكتمالًا للسياقين: #السلفي و #الإخواني؟ قراءة موضوعية نقدية هادئة

 هل #السرورية تمثل اكتمالًا للسياقين: #السلفي و #الإخواني؟ قراءة موضوعية نقدية هادئة 


يقول #أحمد_السيد في محاضرة التجارب الإصلاحية 4:(السياق الحركي في مصر مع السياق الشرعي في السعودية 

نتيجة التفاعل بين هذين السياقين نشأت الصحوة الإسلامية ...

هذا التلاقح أوجد صورة جديدة كما لو تأتي بلون وتخلطه بلون فيخرج لونا ثالثا...

السياق الحركي كان يحتاج إلى تعديل والسياق الشرعي العلمي كان يحتاج إلى تعديل ...) 


بادئ ذي بدء أسجل اعترافا بحرص كثير من أبناء هذه الأمة على نهضة الأمة وإصلاح واقعها، إلا أن طرح فكرة "تعديل" المنهج السلفي أو استكماله بالسياق الحركي يثير إشكالات منهجية تحتاج إلى مراجعة هادئة لمن ينتهج منهج السلف. 


ولكي يكون النقاش موضوعيًا ومنضبطًا وحرصا مني على من تأثر بهذا الطرح، فإن من المهم الوقوف معه وقفة تحليل علمي هادئة، بعيدًا عن سوء الظن أو التشنج، مع استحضار مقصد النصيحة. 


أولا: ينبني كلام أحمد السيد على أن السلفية -كمنهج وأصول- والتي عليها (ابن باز والألباني والعثيمين) لم يكن الحق متمحضا فيها في جميع جوانبها، وإنما اعتراها نقص في بعض المساحات التنظيرية التأصيلية...

وهو الجانب الذي اعتنى بتأصيله #الإخوان_المسلمون وتميزوا به عن #السلفية الشرعية العلمية كما سماها أحمد السيد... 

فنحن هنا لسنا أمام: اجتهادات بشرية قابلة للأخذ والرد، ولا تنزيلات زمنية، بل نحن أمام منهج تلقٍّ وفهمٍ للدين ..فالمفاهيم التي اتفق المنتسبون للسلفية على أنها أصول سلفية ثابتة لا يمكن أن يتطرق إليها الخطأ..


فأول ما  يؤخذ من كلام أحمد السيد دعوى أن #السلفية الشرعية العلمية لم يتمحض فيها الحق من جهة منهجها وأصولها....

وهذا الاستنتاج ليس تحميلًا لكلامه ما لا يحتمل، بل هو ما صرح به في قوله: ( والسياق الشرعي العلمي كان يحتاج إلى تعديل)

وعليه فكل من يتبنى طرح أحمد السيد عليه أن يعترف بهذه المقدمة وإلا فإنه يكون جاهلا للوازم ما يتبناه.........وهذا لا يليق...

مع العلم أن اعترافه بعدم تمحض الحق في المنهج السلفي يقطع النقاش معه في تصور ضلال كلام أحمد السيد...ويفتح نقاشات أخرى.. 


ثانيا: إذا قيل إن هناك جانبًا قصّرت فيه السلفية الشرعية العلمية، وأجاد فيه السياق الحركي – كما يُفهم من الطرح – فإن السؤال المنهجي البديهي هو:

ما طبيعة هذا الجانب؟

والجواب عنه: المجال السياسي، وطريقة التعاطي مع الحكام، وقضايا الأمة العامة، وفق الرؤية الحركية التي اشتهرت بها جماعة الإخوان والمودوي.

وهنا يبرز تساؤل جوهري:

هل انطلق هذا التصور السياسي من فهم السلف الصالح لمفاهيم التوحيد، والولاء والبراء، والحاكمية؟

أو أنه تأثر بنظريات حديثة، كتصورات الحاكمية عند المودودي، وما ترتب عليه من إعادة صياغة لمفاهيم عقدية ومنهجية؟ 


ثالثا: تصريح أحمد السيد بنشوء طائفة جديدة نتجت عن التلاقح بين السلفية والإخوانية اعتراف منه أن هذه الطائفة -والتي سميت بعدُ بالسرورية- ليست امتدادًا خالصًا للسلفية، ولا هي استمرارًا للإخوان، بل كيانًا ثالثًا جديدا.

وهذا في حد ذاته يستدعي التوقف؛ إذ إن انقطاع الصلة بالسلفية – التي تميزت بسلامة الأصول ووضوح المنهج – يعني انقطاع الصلة بمصدر التلقي الصحيح، خاصة في القضايا الكلية التي تمس العقيدة والمنهج قبل العمل والحركة.

فمنهج السلف الصالح متمحض في أصوله، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».

ومفاهيم الحاكمية والولاء والبراء من مسائل الاعتقاد، وليست شعارات سياسية قابلة لإعادة الصياغة وفق الواقع أو المصلحة المتوهمة. 


رابعا: السياق الذي يدعو إليه أحمد السيد هو تضخيم التفسير السياسي والذي بني على أن الحاكمية والموقف من الحكام المسلمين ونفي شرعية ولايتهم والتحريض عليهم = هو أعلى الغايات وأولى الأولويات وسبيل الإصلاح ودليل العلم بفقه الواقع وتنزيل النصوص في محالها

وأن السلفية التقليدية -على تعبير البعض- جامدة في نظرتها للسياسة والحكم والولاء والبراء....

وهذا  في حد ذاته باطل. وما بني على باطل فهو باطل..


والكلام يطول .... 


وانطلاقًا من ذلك، فإن التحذير من برنامج البناء المنهجي الذي يقوم عليه أحمد السيد ليس طعنًا في النيات، ولا انتقاصًا من الأشخاص، وإنما هو تحذير علمي من أصول منهجية يُخشى من آثارها، ومن أبرز تلك المخاوف:

• تحويل الولاء والبراء من كونه قائمًا على صحة العقيدة وسلامة المنهج، إلى كونه مرتبطًا بالعمل الحركي والمشاريع المشتركة، ولو اختلفت الأصول. 


• إلغاء قاعدة التصفية والتربية التي قام عليها منهج السلف، واستبدالها بفكرة الاجتماع على الغايات العامة، مما يُضعف مركزية العقيدة في البناء التربوي. 


• تقديس الرموز الحركية وربط الحق بالأشخاص والمشاريع لا بالدليل والمنهج. 


• تمييع مسائل الاعتقاد بحجة العمل بالمشتركات، وإزاحة الخلافات العقدية إلى الهامش. 


• تقديم الانشغال السياسي على ترسيخ التوحيد والتزكية، فينشأ جيل مشحون بالحماسة، ضعيف التأصيل. 


• التشجيع على الصدام والإنكار غير المنضبط مع الحكام، بما يفتح أبواب الفتن وسفك الدماء، باسم محاربة الطغيان. 


وأقول أخيرا: إن المنهج السلفي لم يكن مجرد سياق تاريخي، بل هو ميزان علمي في فهم النصوص وتنزيلها، يقوم على تصحيح العقيدة قبل العمل الحركي، وعلى جمع الكلمة قبل إثارة الصدام، وعلى اعتبار درء،المفاسد في أبواب السياسة والحكم. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار