الأحد، 23 أغسطس 2026

وقفة مع قول البربهاري: (ولا يحل لرجل أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، فلا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها)

وقفة مع قول البربهاري: (ولا يحل لرجل أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، فلا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها)

ظاهر كلام البربهاري أنه يتحدث عن إطلاق وصف صاحب سنة على الشخص المعين، لا عن الحكم على جنس الأقوال والأفعال والأفراد.
فالمعنى: لا يُطلق على كل شخص معين وصف صاحب سنة بإطلاق ولا يشهد لمعين بذلك حتى يُتأكد من اجتماع خصال السنة كلها فيه، أي أصول السنة وقواعد الاعتقاد
فلو سُئلنا عن زيد بعينه وخالد بعينه فعلى كلام البربهاري لا نطلق عليهما وصف صاحب سنة ولا نشهد لهما بذلك حتى نتأكد من اجتماع خصال السنة فيهما، وإلا لم نطلق عليهما هذا الوصف.

وهذا النص ليس من جنس إطلاقات الأئمة كأحمد وابن المديني والثوري وغيرهم، الذين يقولون: «السنة كذا، ومن ترك منها خصلة لم يكن من أهلها»، ويقولون: «من فعل كذا فهو مبتدع».
لماذا؟
لأن هذه من عبارات الحكم العام على الأوصاف والأفعال، وقد تتناول المعين عند تحقق شروط تنزيل الحكم عليه، لكنها لا تعني تنزيل الحكم على كل معين بعينه، ولا نفي إطلاق الاسم على كل شخص بعينه حتى يستجمع خصال السنة كلها، كما فعل البربهاري.
فقد قرر الأئمة إمكانية اجتماع السنة والبدعة في رجل واحد إذا كان أصله على السنة وتأوّل في بعض المسائل أو قلد فيها.

وهذا فارق دقيق بين كلام السلف وكلام البربهاري لا يتفطن له من لا يدقق،
فظاهر كلام البربهاري رحمه الله أنه ينفي عمن لم تجتمع فيه أصول السنة كلها أن يقال عنه صاحب سنة، لكنه لم يقترح وصفه بلقب آخر كمبتدع أو خارجي أو قدري أو مرجئ بحسب ما وقع فيه من مخالفة، وإنما اقتصر على نفي وصف صاحب سنة عنه، أي ينفي عنه أن يكون سنيا على وجه الإطلاق، من غير أن يضيف: هو مبتدع أو هو خارجي أو هو مرجئ، فلم يقل: ليس بسني لكنه قدري مثلا، ولم يقل: كل من لم تجتمع فيه خصال السنة فهو مبتدع أو يوصف بالبدعة التي خالف بها أصول أهل السنة.

وبهذا يظهر الفرق المنهجي المهم بين كلام البربهاري وبين من يقول عن المعين ابتداء: «ليس بسني، بل هو مرجئ».

وحتى نفهم كلام البربهاري نسأل سؤالا: هل نفي وصف السني على وجه الإطلاق نفي لكونه سنيا في بعض الأبواب دون بعض؟ بمعنى: هل يمكن أن يقال: سني فيما وافق فيه أهل السنة، ومبتدع فيما خالف فيه؟

الذي فهمه الشيخ عبد العزيز الراجحي من كلام البربهاري أن النفي منصب على الإطلاق، وهو لا ينافي التبعيض.
أي أنه حمل كلام البربهاري على نفي أن يكون صاحب سنة على وجه الإطلاق، مع إمكان أن يقال عنه هو سني فيما وافق فيه أهل السنة، ومبتدع فيما وافق فيه أهل البدعة.
ولما سُئل الشيخ العثيمين عن ابن حجر والنووي قال: من خالف السلف في صفات الله لا يعطى الاسم المطلق وإنما يقيد يقال هم أهل السنة والجماعة في طريقتهم الفقهية مثلا، أما في طريقتهم البدعية فلا يقال من أهل السنة والجماعة
https://youtu.be/m0RQH_CE1fw?si=Md7xSIklILwggei4

وعليه، فكلام البربهاري تقعيد لمنع تنزيل وصف المدح بإطلاق على كل معين إلا باستجماع الخصال كلها، لكنه ليس تقعيدا لإثبات وصف الذم المقابل (البدعة) بإطلاق ومباشرة.

وقول الشيخين مبني على أن نفي وصف السنة المطلق عن المعين لا يلزم منه بالضرورة إثبات وصف البدعة المطلق عليه؛ لأنه ليس لازمًا من مجرد نفي أحدهما إثبات الآخر ما لم يثبت أن التقسيم بينهما حاصر، بحيث لا توجد واسطة بينهما.

وهنا يمكن أن نقول: كلام البربهاري يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون مراده التشديد في إطلاق اسم صاحب سنة على كل معين، بحيث لا يطلق عليه هذا الوصف المطلق ولا يشهد به على كل معين إلا بعد استجماع خصال السنة كلها دون أن يستلزم ذلك الحكم عليه بالضد، وإنما هناك واسطة، كما قرره الراجحي في شرحه، والعثيمين عندما تكلم عن النووي وابن حجر، وكذلك اللجنة الدائمة.

الثاني: أن يكون صاحب سنة عنده وصفا في مقابلة صاحب بدعة، بحيث يكون التقابل بينهما مقصودا  وحينئذ يكون نفي الأول عن المعين إثباتا للثاني؛ لأن كلامه تقعيد للحكم على كل معين، وليس كلاما عن جنس الأقوال والأفراد.
بمعنى أن بكون مقصوده من نفي أن يكون صاحب سنة إثبات أنه صاحب بدعة، فهو إما أن يكون سنيا وإما أن يكون مبتدعا. ولا واسطة بينهما.

الإيرادات التي ترد على الاحتمالين:

يرد على الاحتمال الأول أن إثبات واسطة بين إطلاقي صاحب سنة وصاحب بدعة لا يُعرف عن السلف من جهة التسمية؛ فمن نفوا عنه السنة عينا أثبتوا له البدعة مباشرة.
ويمكن دفع هذا الإيراد بحمل القول بأنه مبتدع من وجه على مجرد الوقوع في البدعة، لا على إسقاط أصل السنة أو الحكم بالفسق الاعتقادي.

وأما الاحتمال الثاني فصحيح أن التقابل بين السني والمبتدع تقابل ضدين من جهة التسمية، بحيث إنهما لا يجتمعان في معين واحد، فالمعين إما أن بكون سنيا وإما أن يكون مبتدعا
إلا أنه لا يسلم للبربهاري أن إثبات كون المعين مبتدعا يكون بمجرد عدم استجماعه خصال السنة كلها أو بمجرد مخالفة لأصل؛ لأن هذا المعنى يخالف طريقة أهل السنة كأحمد وغيره في المعين الذي ثبت له أصل السنة الاستدلالي، فالأئمة عذروا جملة من المعينين الذين ثبت لهم أصل السنة الاستدلالي وكانوا جهالا لم تقم عليهم الحجة فيما وقعوا فيه من بدعة تخالف أصلا من أصول أهل السنة ولم يطلقوا عليهم وصف البدعة بمجرد وقوعهم في المخالفة.
فإذا حمل كلام البربهاري على أن مجرد عدم استجماع خصال السنة يوجب تبديع كل معين من غير اعتبار للعلم والقصد وقيام الحجة وسائر الفروق التي قررها السلف في تنزيل الأحكام على الأعيان، فهذا الحمل يرد عليه إشكال قوي؛ لأنه لا ينسجم مع ما ثبت عن أحمد وغيره من التفريق بين أحوال المعيّنين وعدم تبديع الجاهل أو غير المتأهل لمجرد وقوعه في المقالة المخالفة إذا ثبت له أصل السنة الاستدلالي.

يؤيد ذلك:
قال أحمد بن منيع البغوي: «من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم». فلم يصفه بالبدعة، وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه.

وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يسأل عمن وقف؟ قال أبي: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».

فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف:
الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلَّم ولا يُبدَّع.
الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليداً، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع.
الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظِّرا لمقالته، فهذا جهمي. ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال؛ إذ لا بد في تكفيره عينا من توفر الشروط وانتفاء الموانع.

كتب الدكتور أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_23.html

الخميس، 20 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة تعقبي على الشيخ #محمد_بن_هادي بحسب ما نقلت عنه في المقال، إذ لم يجد وقتا لسماع مقطع الشيخ محمد المعنون ب بمن هو السلفي؟ والذي مدته تقر،يبا 25دقيقة

 استشكل بعض الإخوة تعقبي على الشيخ #محمد_بن_هادي بحسب ما نقلت عنه في المقال، إذ لم يجد وقتا لسماع مقطع الشيخ محمد المعنون ب بمن هو السلفي؟ والذي مدته تقر،يبا 25دقيقة 


وخلاصة الاستشكال: إذا كان قول الإمام أحمد: «من ترك منها خصلة لم يكن من أهلها»، لا يعني عندي أن مقصود الإمام أحمد كل معين وقع في مخالفة خصلة من خصال السنة يُحكم عليه بمجرد ذلك بأنه مبتدع خارج عن أهل السنة؛ فلماذا جعلت قول الشيخ محمد بن هادي: «السلفي هو من استجمع خصال السنة» محمولا على هذا المعنى؟ وما القرينة التي نقلت كلامه من باب بيان حقيقة السلفية وتمييز أهل السنة عن أهل البدع من حيث الجنس والوصف العام إلى باب تنزيل الحكم على كل معين؟ 


وجوابي: 

أن الأخ لو سمع المقطع لاتضح له أن الشيخ #ابن_هادي لا يتكلم عن جنس وأوصاف عامة وإطلاق في التعيين، وإنما يتكلم عن تحقيق المناط عند التنزيل على المعين

يعني يتكلم عن كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة، كمن وقع في بدعة الإرجاء أو القدر، هل نسميه سلفيا؟ وهل نعتبره سنيا؟ 


فالشيخ ابن هادي يدور مقطعه على عدم إمكانية اجتماع الوصف بالسنية أو السلفية مع مخالفة أصل في معين واحد...

والسلفي والسني يصدقان على شيء واحد، فنفي كون المعين سلفيا هو نفي لكونه سني، كما هو معلوم وقرره الشيخ ابن هادي في مقطعه... 

يقول الشيخ محمد بن هادي:( المرء لا يقال فيه من أهل السنة إلا إذا اجتمعت فبه خصال السنة جميعا)

ويقول وهو يتكلم عن معينين:(فالذي صار بيننا وبينهم وارتفع الأمر إلى أشياخ البلاد الكبار مع هؤلاء إنما هو مسألة السمع والطاعة وهم فيه على مذهب الخوارج ولكنهم في باب الأسماء والصفات مستقيمين على الجادة فهل يقال عن هؤلاء سلفيين؟! ما يمكن أن يقال..

اعكس المسألة إذا جئت إلى مسألة السمع والطاعة ووجدت الأبواب الأخرى فيها خلل عنده لا يمكن أن يكون سلفيا مهما كان) 


فكانت الفكرة التي يدعو إليها الشيخ ابن هادي ألا نسمي المخالف المعين بالسلفي ولا بالسني، وإنما نسميه بنوع البدعة التي وقع فيها، فيقال مرجئ وقدري

لأن اسما السني والسلفي لا يتحققان في المعين إلا إذا استجمع خصال السنة كلها

يقول الشيخ ابن هادي:(ما المانع أن تقول فيه عالم لكنه خارجي، فقيه لكنه رافضي، مفسر له ناصبي)

ويقول:(يماشي أهل البدع. أخلاقه أهل البدع أصفياؤه أهل البدع .. ما يمكن أن يكون ، والله ما يمكن أن يكون سلفيا) 


فهو لا يتكلم عن مطلق المعين. وإنما يتكلم عن كل معين....وأنه لا يمكن أن يجتمع وصف السني بوقوع مخالفة لأصل من أصول أهل السنة.. 


وكلامه هذا يختلف عن جنس إطلاقات السلف المقصود بها بيان الجنس والوصف العام ومطلق المعينين...

فإطلاقات أحمد وسفيان وابن المديني هي وضع قاعدة لبيان الحكم المطلق، ثم عند التنزيل على المعينين راعوا الشروط والموانع .

ولذا قد يجتمع عند الإمام أحمد الوصف بالسنية والوقوع في الإرجاء مثلا، وهذا ينفيه ابن هادي..!!! 


فكلام الشيخ محمد بن هادي هو في وضع قاعدة في التنزيل نفسه، بمعنى أن نفي السلفية عن كل من خالف في خصلة هو صلب ما يقرره، لا نتيجة عارضة يحتمل تقييدها... 


فالشيخ #ابن_هادي يتكلم عن تحقيق مناط نفي السلفية ونفي السنية في كل معين، 

فهو يضع قاعدة في التنزيل على كل معين، وأما السلف فوضعوا قاعدة لبيان الحكم المطلق سواء في لنوع أو في العين، ولماجاؤوا للمعينبن راعوا موانع التنزيل، ولم يقترحوا الفكرة التي اقترحها الشيخ ابن هادي، فشتان بين الموقفين.. 


والغريب أن الشيخ #ابن_هادي له مقطع يذكر فيه أن #التبديع لابد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فلا أدري ما محل التبديع عنده الذي يشترط فيه توفر الشروط وانتفاءالموانع؟ 


وهذا يفتح ثلاثة احتمالات:


الاحتمال الأول: أن يكون هناك تراجع فعلي عن هذا القول الذي يشترط في التبديع إقامة الحجة؛ لأن العبرة بالمتأخر. 


الاحتمال الثاني: أن يكون الموضعان في مقامين مختلفين، فمقطع من هو السلفي في مقام هل يسمى سلفيا أولا، ومقطع الشروط والموانع في هل يُبدَّع أو لا، فيكون عند الشيخ فرق بين نفي التسمية بالسلفية والسنية وإثبات التبديع، وهذا خطأ ظاهر، فنفي التسمية بالسلفية والسنية إثبات للتبديع. 


الاحتمال الثالث: أن يكون هذا تناقضا في كلامه، لم يتنبه له. 


نعم، أوافق الشيخ أن مخالطة الحزبيين كان له أثر سيء على كثير من الشباب السلفي حتى اختلطت عندهم المفاهيم...وهذا يستدعي التحذير من مماشاة أهل البدع لغير مصلحة شرعية من غير أن نغير قواعد أهل السنة. 


وفقني الله وإياه لما يحب ويرضى 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

ما صحة عبارة (فلان وافق الخوارج لكنه ليس خارجيا مبتدعا) (وافق فلان الأشاعرة لكنه ليس أشعريا مبتدعا) ؟

 فقه كلام السلف في التبديع


ما صحة عبارة (فلان وافق الخوارج لكنه ليس خارجيا مبتدعا) (وافق فلان الأشاعرة لكنه ليس أشعريا مبتدعا) ؟ 


لا نستطيع الحكم بصحة العبارة أو عدم صحتها إلا بعد النظر في حقيقة الموافقة 

فالموافقة لفظ مجمل لا يجوز تنزيله على حكم واحد حتى يُنظر في متعلَّق الموافقة نفسها، لا في مجرد وقوعها. 

تنقسم الموافقة إلى أربعة أقسام بحسب اختلاف هذا المتعلَّق:

1-الموافقة في المنظومة الاستدلالية ذاتها على وجه يتحقق فيها علم المعين بمخالفتها للكتاب والسنة بحيث يكون تعطيل النص عند التعارض وتقديم العقل عليه هو أصل طريقته في التلقي، لا مجرد نتيجة عرضت له في مسألة بعينها.

فهذا يكون مبتدعا، ويدخل في ذلك الجويني والرازي والآمدي ووو 


2-الموافقة التفصيلية في جملة المذهب، بأن يأخذ المعين بمذهبهم على وجه التفصيل والاطراد، بحيث تتسق عنده جميع فروع المذهب اتساق من يتبنى المنظومة كاملة، فهذا أيضا يكون مبتدعا عينا، فلا بتصور الانفكاك بين الأخذ،بجميع فروع المذهب العقدي المبتده واطراد المنظومة الاستدلالية البدعية، لكن يمكن إدراك الانفكاك في الأخذ ببعض فروع المذهب وعدم الاطراد. 


3-الموافقة الجزئية في مذهبهم غير المطردة 

كأن يوافق في تأويل جملة من الصفات لا على سبيل الموافقة الكلية لهم في المذهب

وهذا القسم بين احتمالين في حكم المعين:

الأول: أن ينطلق من نفس المنظومة البدعية مع علمه أنه يقدّم الدليل العقلي أو الذوقي على الدليل الشرعي، فهذا مبتدع؛ لتحقق العلة وهي علمه بمخالفة مصدر تلقيه للكتاب والسنة، وإن قلّت مسائله الموافقة.

الثاني: أن ينطلق مما ظنه موافقا للدليل الشرعي نفسه، فلا يكون منطلقه في ظنه من العقل أو الذوق أصلا، وإنما ينطلق من تعظيم النص والاعتماد عليه، فهذا لا يُبدَّع مباشرة؛ لتخلف العلة، وإن وافقت نتيجته نتيجة أهل الكلام، ولو انتسب إلى الأشعرية

فالحكم على الفرقة بالبدعة لا يستلزم تنزيل حكمها على كل معين وافقها في بعض أقوالها أو انتسب إليها

وكون المخالف متبعا للنص في ظنه لا يمنع من وصف القول بالخطأ أو البدعة، وإنما يمنع من التسرع في تنزيل حكم التبديع على عينه قبل النظر في حاله وقيام الحجة وانتفاء الموانع. 


4- الموافقة في مسألة واحدة عن نظر في دليل شرعي بعينه كحال ابن خزيمة في حديث الصورة؛ فموافقته لم تصدر عن تقديم كلامي، ولا عن اطراد مذهبي، وإنما عن فهم ظنه هو مقتضى النص، وهذا لا يستلزم تبديع المعين بمجرد هذه الموافقة، وإنما ينظر في حاله، وما قامت عليه الحجة فيه، وما يعترض ذلك من الشبه والموانع. 


وبهذا يمكن أن نفهم لماذا لم يبدع الأئمة ابن خزيمة، ولم يبدع علماؤنا النووي وابن حجر ولا كثيرا من شراح الحديث والمفسرين...

فهؤلاء العلماء وقعت منهم موافقات غير مطردة لأهل الكلام إلاأنها صدرت عن تعظيم النص الشرعي لا عن تقديم علم الكلام عليه، فتخلفت علة التبديع المباشر وإن قامت صورة الموافقة. 


وقياس هذا على البدع المخففة أولى، فإذا كان هذا التفصيل جاريا في البدع المغلظة كتأويل الصفات، فهو في البدع المخففة كإرجاء الفقهاءأولى بالجريان

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة». 


فتأمل قوله: «دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة»، وقوله: «ما كانوا يعدون إلا من أهل السنة»،


فإن قيل: ما ذكرته من تفصيل منقوض بالواقفة واللفظية فهم ليسوا في الأصل جهمية؛ لكن لما وافقوا الجهمية؛ حكم عليهم أئمة السلف بأنهم جهمية، ولم يكتفوا بمجرد قولهم: إنهم وافقوا الجهمية

قال الإمام أحمد: «الجهمية على ثلاث ضروب: فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله، وتقف، وفرقة قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ فهم عندي في المقالة واحد».

وقال: «الواقفة واللفظية؛ جهمية».

 ومن حيث التعيين؛ قال الإمام أحمد في يعقوب بن شيبة لما وقف: «مبتدع صاحب هوى». 


والجواب عن هذا الإيراد من أوجه: 


الوجه الأول: مسألة خلق القرآن وقعت في زمن المحنة، وهي مسألة ثنائية الطرفين لا تحتمل توسطا حقيقيا، فالقرآن إما مخلوق وإما غير مخلوق، وكان الوقف نفسه ينظر إليه من أئمة السنة كموقف تحايلي مراوغ يخفي وراءه الموافقة الباطنة على قول الجهمية مع تجنب التصريح، ولهذا غلّظ أحمد فيه تغليظا خاصا، فجاءت إطلاقاتهم على وجه التحذير. 


الوجه الثاني: كما وردت عن السلف روايات أطلقوا فيها القول يأن الواقفة جهمية جاءت أيضا عنهم روايات بالاستفصال، وبوجود نصوص الاستفصال نفسها عند الأئمة تكون هي الحاكمة على المطلق


قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم". 

فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه.

وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". 


فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف:

الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع.

الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع.

الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي


وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم". 

فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره. 


فإطلاقات الأئمة كقولهم"الواقفة جهمية"، "شر من الجهمية"، إنما تحمل ابتداء على الصنف الثالث وهو المتكلم المنظِّر، لا على كل من وقف بإطلاق؛ لأن هذا هو الغالب على من كان يخاصم في هذه المسألة بالذات في تلك الحقبة، فجرى الإطلاق مجرى الغالب، لا لأن الاستفصال ساقط الاعتبار.


الوحه الثالث: من بدعه الأئمة بعينه كيعقوب بن شيبة والكرابيسي وغيرهما فمحمول على أنه تبين حاله عندهم وقيام الحجة عليه، كما قال ابن تيمية:( وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد عام حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيانةالصادرة عن ابرسول، إنما يثبت حكمها في نظيرها) مجموع الفتاوى (28/213) 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا] وبقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] على مشروعية #الاحتفال_بالمولد_النبوي، والتعلق بزمان ظهوره صلى الله عليه وسلم

 مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا]  وبقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] على مشروعية #الاحتفال_بالمولد_النبوي، والتعلق بزمان ظهوره صلى الله عليه وسلم 


مناقشة الاستدلال بقوله تعالى[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا]  

أولا: لم يفهم هذا الفهم أحد من السلف 

فقد دارت أقوال السلف والمفسرين على أن المفروح به في هذه الآية هو الإسلام والإيمان واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولم تدل الآية على أن المفروح به يوم مولده صلى الله عليه وسلم والتعلق بزمن ظهوره

فالمفروح به في الآية بالنظر إلى سياقها هو كون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين 

ولما كان هذان من فضل الله ورحمته بهم حُق لهم أن يفرحوا بهما...

فالله فرع الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته على قوله تعالى: ((يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين)) مما يدل على أن الفضل والرحمة المفروح بهما هو مجموع ما ذكره الله في قوله [قد جاءتكم موعظة من ربكم] الآية

ولو كانت الآية دليلا على الاحتفال بمولده والتعلق بزمن ظهوره لم يغب ذلك على الصحابة والتابعين وأهل القرون الثلاثة، بل لم يغب على أكثر العلماء ...

ثم إن عدم احتفالهم يدل على أنه فهم محدث لا تدل عليه الآية

إذ كيف تدل عليه وهم لم يفهموه؟!!! 


وبهذا يتبين لنا بوضوح أن حمل الآية على الفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم مخالف لفهم السلف وعملهم...

وتكفي هذه المعارضة لإبطال هذا الاحتجاج...

نعم 

نفرح بيوم مولده لكن من غير أن نعظم هذا الزمن لذاته ونحتفل به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعظمه لذاته ولا احتفل به. 


ثانيا: هو فهم غريب عن الشريعة؛ لأننا إذا نظرنا لمجموع نصوص الشريعة وجدنا أنها تعلق رحمة الناس بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته، ولم تعلق ذلك بيوم مولده، قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }[الأنبياء (107)]

وقال تعالى[ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم] الآية

فالنبي صلى الله عليه وسلم رحمة للناس بإرساله لهم وبما تضمنته بعثته من صلاحهم في الدنيا والآخرة. 

فالفرح به فرح من جهة كونه سببا في الفضل والرحمة

ولا علاقة لذلك بتعظيم الزمن الذي ولد فيه لذاته. 


وأما قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الآية : (فضل الله العلم ، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) 

فلو صح 

فالمقصود به أنه رحمة بإرسال الله له، لا بيوم مولده، ولذا استدل بالآية التي فيها التنصيص على الإرسال. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار 


مناقشة استدلال من جوز #الاحتفال_بالمولد بقوله تعالى:[وذكرهم بأيام الله] 


الآية أمرت أمرا مطلقا بالتذكير بنعم الله ووعظهم بالأيام السالفة

إلا أن هذا التذكير يجب أن يكون خاليا من البدع في نفس التذكير وموضوعه. 


هل دلت الآية على جواز الاحتفال بالمولد؟ 


الآية دلت على الأمر بالتذكير بإطلاق 

ولم تدل على خصوص الأمر بالتذكير بالسيرة والمولد في يوم مولده صلى الله عليه وسلم 

فلا نعتمد في مشروعية التذكير بالسيرة في خصوص يوم مولده صلى الله عليه وسلم على الدلالة المطلقة للآية

لماذا؟

لأن غاية ما تفيد الآية هو السكوت عن هذا التخصيص، وهو التذكير بالسيرة في يوم المولد،  ولا يكفي مجرد تناولها له الدلالة على مشروعيته بخصوصه

وعليه فيشترط لمشروعيته ألا يصادمه ترك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة؛ لأن تركهم دليل على أن هذه الصورة غير مقصودة لله من الآية 


فالصحابة هم أعلم الناس بمراد الله ورسوله صلى اله عليه وسلم

ومع ذلك لم يحتفلوا مع أنهم يقرؤون هذه الآية، ويعلمون التعليل في قوله صلى الله علبه وسلم:(ذاك يوم ولدت فيه)

ويقرؤون قوله تعالى[ فبذلك فليفرحوا ] 

فدليل الترك هنا أقوى من سكوت الآية ومجرد تناول النصوص المطلقة لهذا التخصيص. 


وأما تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بنجاة موسى في يوم عاشوراء 

فهذا ورد فيه دليل خاص من النبي صلى الله عليه وسلم 

ولم نعتمد في تخصيص يوم عاشوراء على ما أطلقته الآية

ولا يصح هنا القياس؛ لمصادمته الدليل. 


والخلاصة أن تخصيص التذكير بشهر بيع الأول أو بيوم مولده قدر زائد على ما أطلقته الآية، فالآية أطلقت زمن التذكير ولم تقيده بوقت مخصوص

فتخصيص التذكير بالسيرة في يوم مولده ليس مقصودا لله في الآية ولا تدل عليه... 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار



الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

هل كل من خالف في باب من أبواب السنة انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، ولا يكون سلفيا؟

 هل كل من خالف في باب من أبواب السنة انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، ولا يكون سلفيا؟

سمعت مقطعًا للشيخ محمد بن هادي يتكلم فيه عن مسألة: من هو السلفي؟

وقد أحسن الشيخ في التحذير ممن يحصر وصف السلفي في الموافقة في بعض أبواب أصول السنة، كأن يوافق في باب الأسماء والصفات والإلهية، ولو خالف في أصل السمع والطاعة، أو العكس.

فمجرد كونه لم يحرف الصفات لا يعني أنه إذا ضل في باب السمع والطاعة لا يمكن بحال أن يكون مبتدعا؛ إذ لو تصور هؤلاء أن الخوارج الأوائل والمعتزلة الأوائل لم يحرفوا الصفات، ولم يشركوا في العبادة، لظهر لهم بطلان هذا المسلك في حصر اسم المبتدع في الموافقة في باب دون باب.

إلا أن الشيخ محمد بن هادي وقع -فيما يظهر- في زلة خطيرة، يترتب على طردها إخراج عدد كبير من التابعين وغيرهم ممن وقع منهم مخالفة لمنهج السلف في بعض المسائل، كما يترتب عليها إخراج كثير من المفسرين وشراح الحديث والفقهاء من دائرة أهل السنة والجماعة من أمثال ابن حجر وغيره..!!!

هذه الزلة هي الإطلاق في أن السلفي هو من استجمع خصال السنة كلها، وأما من خالف في باب من أبوابها انتقل اسمه إلى اسم مخالفته، فيقال: قدري، أو مرجئ، أو غير ذلك، ولا يكون سلفيا..!

واستدل على ذلك بإطلاقات من كلام السلف، كقولهم: «من جالس القدري فهو قدري»، وبقول الإمام أحمد في الحارث المحاسبي، واحتج كذلك بمسلك ابن حجر في التقريب في الجمع بين التوثيق والوصف بالبدعة، كقوله: ثقة مرجئ أو ثقة قدري.

ولا بأس بالتنبيه هنا من باب الشيء بالشيء يذكر: أن الحكم بإخراج الرجل المعين من دائرة أهل السنة والجماعة بناء على مثل هذه الإطلاقات هو المسلك الذي سار عليه محمد بن شمس وأتباعه، إلا أنهم طردوه وزادوا عليه وغلوا فيه.

ما وجه الخطأ عند الشيخ محمد بن هادي؟

الشيخ بهذا التأصيل لم يراع الفرق بين المعين الذي ثبت له أصل السنة، والمعين الذي لم يثبت له أصل السنة، فعاملهم معاملة واحدة في إطلاق الوصف الذي تضمنته المخالفة، ونفي السلفية عنهم.

بينما الأئمة لم يعاملوا كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة معاملة واحدة، ولا أطلقوا تبديع كل من وقع في مخالفة لأصل من أصول أهل السنة، أو وافق أهل البدع في باب، وإنما فرقوا بين الأعيان بعدة اعتبارات، من أعظمها: ثبوت أصل السنة في المعين من عدمه، فمن ثبت له أصل السنة والتزم أصول أهلها، ثم وقع في مخالفة محتملة للشبهة أو خفاء الدليل عليه، لم يكن مجرد وقوعه فيها موجبا للحكم عليه بالبدعة حتى تنظر حاله، وتقوم عليه الحجة فيما كان من هذا القبيل، وتنتفي الموانع المعتبرة.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى في مواضع متعددة، ومن ذلك قوله في قصة القاضي شريح رحمه الله، بعد أن ذكر إنكاره قراءة: {بَلْ عَجِبْتُ}، وقوله إن الله لا يعجب: «فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة».

فالقاضي شريح أنكر صفة من صفات الله تعالى، وأنكر قراءة ثابتة، ومع ذلك لم يسلب عنه اسم الإمامة، ولم يجعل بمجرد هذه المخالفة من أهل البدع، مع أن سبب إنكاره قائم على خطأ في الفهم والقياس، فقد روى عبد الرزاق بسنده عن أبي وائل قال: قرأها شريح: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}، وقال شريح: «إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم».

ومن الاعتبارات التي ينبغي مراعاتها في الحكم على المعيّن: حال البيئة التي نشأ فيها، ومدى شيوع المقالة فيها؛ فإن شيوع القول وانتشاره قد يكون له أثر في تقدير قيام الحجة، وفهم موجب المخالفة، وتمييز المتأول من المعاند

وقد نقل عن قتادة القول بالقدر، ومع ذلك بالغ الإمام أحمد في الثناء عليه، وذكر علمه وفقهه وتفسيره، مما يدل على أن مجرد نسبة الرجل إلى مخالفة في باب من أبواب الاعتقاد لا تسوغ إطلاق التبديع، ولا جعل النظر في جميع منزلته العلمية والدينية ساقطا.
وقتادة مع وقوعه في بدعة القدر لم يثبت تراجعه، قال الإمام أحمد:(وكان هشام الدستوائي وقتادة وسعيد يقولون بالقدر ويكلموني من أصحاب الحسن)
‏وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: (سمعت أبي يقول : سمعت أحمد بن حنبل وذكر قتادة فأطنب في ذكره ، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك ، وجعل يقول : عالم بتفسير القرآن وباختلاف العلماء ، ووصفه بالحفظ والفقه ، وقال : قلما تجد من يتقدمه أما المثل فلعل).

وهذا يبين لنا أن مجرد وقوع العالم في مخالفة لما عليه أهل السنة في مسألة من مسائل الاعتقاد لا يستلزم  بمجرده إخراجه من دائرة أهل السنة، ولا إطلاق التبديع، ولا سيما إذا كان أصل طريقته قائما على اتباع الكتاب والسنة وتعظيمهما ولو في ظنه.

ولو طردنا مسلك الشيخ محمد لبدعنا أكثر أهل الكوفة من التابعين وأكثر أهل البصرة من التابعين، قال الإمام أحمد:( لو فتشت أهل البصرة لوجدت ثلثهم قدرية) ولبدعنا أيضا أبا حنيفة وابن حجر ونحوهما ممن ثبت لهم أصل السنة بالتزامهم في الجملة أصول أهل السنة، ولزومهم الاحتجاج بالكتاب والسنة أصلا ومنهجا.

وهذا بخلاف من عدل عن مصدر التلقي جملة، وأقام مذهبه على أصول مناقضة لأصول أهل السنة مع علمه بالمخالفة، كالجهمية والمعتزلة؛ فهؤلاء يصح الحكم عليهم بالبدعة من حيث الأصل، لقيام أصل البدعة في طريقتهم ومذهبهم.

أما إطلاق القول بأن «من خالف في باب من أبواب السنة سُمّي باسم مخالفته» والاحتجاج على ذلك بإطلاقات من أقوال السلف من غير تفصيل، فهو إطلاق يصطدم بأصول الشريعة وقواعدها؛ إذ إن كل جزئية من فعل السلف أو قولهم لم يصرح فيها بالتقييد بالشروط والموانع يجب بمقتضى قواعد الشريعة أن تُفهم في ضوء تلك الشروط والموانع والقواعد الكلية، إذ لا ينفك فقه السلف عن قواعد الشرع العامة.

ومن هنا فإن تحويل الوصف الكلي بالبدعة إلى حكم قطعي على كل معين بمجرد تحقق سبب من أسباب الوصف هو إسقاط لهذا الأصل، وهو عين ما نحذر منه في مسألة الأسماء والأحكام؛ إذ ليس كل اسم شرعي أو حكم شرعي ينزل على المعين بمجرد وجود سببه، بل لا بد من اعتبار شروطه وموانعه فبمن ثبت له أصل السنة.

وقد نبّه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن البدع ليست على درجة واحدة، بل منها البدع المغلظة ومنها البدع المخففة، ولا يصح التسوية بينها في الحكم على الطوائف والأعيان، حيث قال:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».

فتأمل قوله: «دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة»، وقوله: «ما كانوا يُعدون إلا من أهل السنة»، فإنه يبين أن مجرد موافقة الشخص لطائفة في أصل من أصول بدعتها التي من جنيدي بدعة الإرجاء لا يلزم منه أن يأخذ جميع أحكام تلك الطائفة، ولا أن يحكم عليه بحكمها المطلق.

وبهذا يظهر وجه الخطأ في الاستدلال بإطلاقات السلف على تنزيل الاسم والحكم على كل معين، فإطلاقات السلف في التحذير من أهل البدع، وتشديدهم في المخالطة والمجالسة، والحكم على من جالس أهل البدع بأوصافهم، ينبغي أن تفهم في سياقها العلمي، وأنها كلام في الأوصاف والأجناس والتمييز بين الطوائف، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوصف قد تحقق في كل معين بكل أحكامه وآثاره، كما ينبغي أن يراعى أن كثيرا من تلك الإطلاقات قيلت في عصر كانت فيه السنة وأهلها في قوة، وكان من شأن أئمة السنة في ذلك العصر شدة التحذير من البدع، والمبالغة في الزجر عنها، وسد ذرائع انتشارها، والتحذير من مخالطة أهلها؛ صيانة للسنة وحسما لمادة البدعة.

فوقوع الرجل في بدعة تميزت بها طائفة من الطوائف لا يعني بالضرورة أن يأخذ حكم تلك الطائفة من غير تمييز بين البدعة المغلظة والبدعة المخففة، ولا بين علم المعين بالمخالفة وعدم علمه.

فبدعة إرجاء الفقهاء بدعة في أصل كلي من أصول الاعتقاد، وقد بدع السلف المرجئة، ولم يمنع ذلك من دخول طوائف من أهل الفقه والعبادة في بعض أقوالهم مع بقائهم معدودين في أهل السنة.

وعليه، فكلمة مرجئ لا تساوي دائما كلمة مبتدع في الحكم على المعين؛ فقد يوصف الرجل بأنه مرجئ باعتبار موافقته في مسألة الإيمان، مع كونه من أهل السنة باعتبار أصوله العامة ومنهجه في التلقي والاتباع.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك: أبو حنيفة رحمه الله؛ فقد وصفه غير واحد من أهل العلم بالإرجاء، ومع ذلك لم يكن هذا الوصف عند أئمة السنة لازما للحكم عليه بأنه مبتدع خارج عن أهل السنة والجماعة.

وكذلك غيره ممن نسب إلى بعض المقالات أو وقع في بعض المخالفات، فإن تنزيل القاعدة المذكورة على إطلاقها يقتضي أن كل من لم يستجمع خصال السنة كلها لا يكون من أهل السنة، وهذا لازم لا يستقيم مع صنيع أئمة السلف، ولا مع واقع تصانيفهم وأحكامهم على الأعيان.

وعلى كل حال
فمن الخطأ المنهجي أن يجعل كل من خالف في جزئية من مسائل السنة خارجا عن أهل السنة بإطلاق، كما أنه من الخطأ أن يُجعل كل من وافق في بعض الأبواب سلفيا بإطلاق، بل لا بد من تحقيق المناط في المعين، والنظر في مجموع أصوله، ومراعاة الشروط والموانع...

وهذا هو الذي ينبغي أن يُراعى عند الكلام في مسألة: من هو السلفي؟

كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 16 أغسطس 2026

هل تعد دورة المسجد النبوي من الاحتفال بالمولد؟

 هل تعد دورة المسجد النبوي من الاحتفال بالمولد؟ 


استشكل بعض الإخوة الدورة المعلن عنها في المسجد النبوي والتي عنونت بالدورة العلمية الأولى في السيرة النبوية وموعدها من 5-22ربيع الأول

ألا يعد هذا من الاحتفال بالمولد النبوي؟ 


وقبل الجواب عن هذا الاستشكال نسأل أسئلة يتضح بها البيان وهي:

هل هذه الدورة  تقام على أنها مظهر من مظاهر الاحتفال بالمولد وتعظيم الشهر أو هو نشاط تعليمي وقع في هذا التوقيت لأسباب إدارية لا علاقة لها بتعظيم الزمن نفسه؟

هل صرحت الجهة المنظمة بأنها لإحياء ذكرى المولد؟ هل اختير الشهر لخصوصية المولد أو لجدول دراسي؟ 


مجرد وقوع نشاط تعليمي في هذا الشهر لا يدل بذاته على تعظيم الشهر أو إحيائه

ولا يكفي الاشتراك في الزمن والموضوع لإثبات اتحاد الحكم؛ إذ لا بد من ثبوت القصد الذي به ينتقل النشاط من كونه درسا في السيرة إلى كونه احتفالا بذكرى المولد.

فتنظيم دورات ومحاضرات عن السيرة في شهر ربيع الأول له صورتان مختلفتان تماما في الحكم، وخلط الصوفية بينهما هو أصل الإشكال في استدلالهم: 


الصورة الأولى: أن تضع مؤسسة تعليمية أو مركز دعوي خطة سنوية لتغطية موضوعات متنوعة (فقه، عقيدة، سيرة، تفسير...) فتقع موضوعات السيرة ضمن هذه الخطة في ربيع الأول لمجرد كونه ترتيبا إداريا..فهنا لا يوجد قصد لتعظيم الشهر ذاته بشعيرة أو عيد أو معنى ديني مخصوص أو اتخاذه مناسبة دينية  

لاسيما وأن القائمين على هذه الدورات يرون بدعية الاحتفال بالمولد النبوي، فكيف يقال إنهم خصصوا هذا الوقت تعظيما للشهر وإحياء لذكرى المولد؟!! 


الصورة الثانية: أن يُقصد الشهر بعينه، فتُقام فيه المحاضرات والدورات بقصد إحياء ذكرى الميلاد، وتتكرر سنويا بنفس الشهر لنفس القصد، ويصر على وقوعها فيه تحديدا؛ لأن معناها مرتبط بكونه شهر المولد. 

فهذه الصورة هي الممنوعة والتي تدخل في البدعة في الدين؛ لأن خصوصية الشهر أصبحت سببا مقصودا لإنشاء النشاط، لا مجرد ظرف لوقوعه.

فإذا أُنشئ النشاط ابتداء لاتخاذ ذكرى المولد مناسبة دينية مخصوصة في زمن معين، فهنا انتقل من مجرد درس في السيرة إلى إنشاء مناسبة لها وصف ديني مستقل 


وهذا يختلف عن نشاط تعليمي مستقل عن مناسبة المولد، وإن وافق وقوعه شهر ربيع الأول دون أن يقصد به أصلا إحياء ذكرى المولد أو تخصيص الشهر بالتعظيم. 


ومن القرائن المهمة في معرفة القصد: هل كان اختيار الشهر لخصوصه سببا مقصودا في إنشاء النشاط، أو أن اختياره مجرد ظرف تنظيمي؟ 


إن كان الجواب نعم يمكن نقله عن زمنه، بحيث إنه لا فرق أن تقام دورة السيرة في ربيع الأول أو في أي شهر آخر كان ذلك قرينة قوية على أن اختيار الشهر تنظيمي لا مقصود لخصوصه، ولا علاقة له بتعظيم الشهر لذاته.. 


وإن كان الجواب لا، بحيث يكون الشهر متعينا مقصودا؛ لأن المقصود إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم في شهر بعينه، فلا معنى لنقله عن هذا الشهر

فهذا هو عين ما بني عليه حكم المنع؛ لأن خصوصية الشهر أصبحت سببا مقصودا لإنشاء النشاط وتكراره لا ظرفا عارضا. 


وبتطبيق هذا الضابط على الدورة العلمية: لم يظهر من إعلان الدورة اسم يُضيفها إلى المولد أو الاحتفال، ولا اقترنت بمظاهر احتفالية، وإنما جاءت بصيغة الدورة العلمية المتخصصة ضمن برنامج تعليمي، فهذه القرائن الظاهرة ترجّح كونها من الصورة الأولى. 


فإن قيل: حتى لو لم يسموها مولدا، لماذا اختاروا السيرة تحديدا في ربيع الأول؟

قيل: اختيار موضوع السيرة في شهر ربيع الأول من الأفعال المحتملة ولا يثبت وحده قصد الاحتفال بالمولد، كما أن اختيار موضوع فقهي في شهر معين لا يجعله شعيرة لذلك الشهر؛ وإنما العبرة بسبب التخصيص والقرائن الدالة على القصد. 


فلو ثبت أن اختيار السيرة كان بسبب كون ربيع الأول شهر المولد، وأن المقصود من ذلك إحياء ذكرى المولد واتخاذ الشهر مناسبة دينية مخصوصة دخل ذلك في الصورة الثانية محل المنع. 


فإن قيل: ما الفرق بين هذه الدورة وما أنكرته على د  #سعيد_الكملي ما سئل عن #الاحتفال_بالمولد، فقال: (نقول: ما موضوع الاحتفال؟ وبأي شيء يُحتفل؟

فإذا كان الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم بأن تُدرس سيرته، ويُذكَّر بأيامه، ... فهذا احتفال حسن.

وأما إذا كان الاحتفال مشتملًا على ما يسخطه صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يُحتفل بالنبي صلى الله عليه وسلم بما يبغضه). 


قيل:  الفرق واضح، فكلام الكملي منصب على تجويز الاحتفال عبر تحسين محتواه، فجعل تدريس السيرة من باب إحياء ذكرى المولد وتخصيص الشهر بالتعظيم ...

فهو يجعل الاحتفال بذكرى المولد أصلا ثابتا، ثم يبحث في محتواه: هل هو حسن أم سيئ؟

أما دورة المسجد النبوي فلا يظهر من عنوانها أو إعلانها أو وصفها ما يدل على أن المقصود منها إحياء ذكرى المولد، وإنما هي دورة علمية، ونشاط تعليمي شهر ربيع الاول ظرف له. 


وفي الرد على د. #سعيد_الكملي أقول:

محل المنع في الاحتفال بالمولد ليس نوع المادة المقدمة فيه، وإنما إنشاء مناسبة دينية مرتبطة بذكرى المولد وتخصيص زمن لها باعتبارها مناسبة مخصوصة

ويكون التكرار السنوي من القرائن الدالة على هذا القصد. 


فالاحتفال بالمولد ليس مجرد نشاط يقع في هذا الشهر، وإنما هو نشاط أُنشئ ابتداء لإحياء ذكرى المولد واتخاذها مناسبة دينية مخصوصة،. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 13 أغسطس 2026

الفهم الصحيح لكلام الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز في تبديع المعين يقول الشيخ ابن باز:( الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع هذا هو الأصل، من فعل البدعة يقال له: مبتدع، لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم ومتى تاب لا يسمى مبتدعً

 الفهم الصحيح لكلام الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز في تبديع المعين

يقول الشيخ ابن باز:( الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع هذا هو الأصل، من فعل البدعة يقال له: مبتدع، لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم ومتى تاب لا يسمى مبتدعًا، وإذا أصر يسمى مبتدعًا على حسب بدعته، كالذي يصر على الاحتفال بالمولد أو الموالد الأخرى يسمى مبتدع حتى يتوب)

تحليل كلام الشيخ:
قول الشيخ «الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع»
كلمة" الأصل" لها دلالة دقيقة عند العلماء؛ إذ هي بيان لتسمية فاعل البدعة من حيث تجريد الفعل عن العوارض، وهو وصف مبدئي مرتبط بالفعل ذاته، لا حكم شرعي نهائي على عين الفاعل.

فالشيخ يقرر أن الأصل في فاعل البدعة أن يوصف بكونه مبتدعا من حيث صدور البدعة منه، لكنه لا يسوي في تنزيل هذا الوصف على كل معين؛ وإنما يعتبر حال الشخص
ولهذا أتبع الشيخ كلامه مباشرة بقوله: «لكن إذا كان جاهلًا يُعلَّم، ومتى تاب لا يسمى مبتدعًا، وإذا أصرّ يسمى مبتدعًا على حسب بدعته».

فلا تعارض بين القولين، فالأول باعتبار الحكم المطلق المجرد عن العوارض، والثاني باعتبار الحكم على المعين عند وجود العوارض كالجهل.

فالشيخ لا يجعل مجرد وقوع الشخص في البدعة كافيا في جميع الأحوال للحكم عليه بأنه مبتدع؛ بل اعتبر الجهل عارضا مؤثرا، وذكر التعليم، ثم جعل الإصرار بعد ذلك موجبا لبقاء وصف التبديع.

وهذا التفريق هو بعينه الأصل الكبير الذي قررناه سابقا: أن الحكم المطلق يتناول حكم النوع وفردا غير معين ممن تحقق فيه الموجب، وأن تنزيله على كل معين قدر زائد يحتاج تحقق المناط.

وقول الشيخ "يُسمى مبتدعًا على حسب بدعته" يحمل إشارة مهمة إلى تفاوت مراتب البدعة في الحكم والأحكام.

فتبيّن أن التسمية النهائية بـ«مبتدع» عند الشيخ لا تقع على المعين الجاهل إلا بعد استيفاء التعليم، فإما رجوع فسقوط الاسم، وإما إصرار فثبوته.

ومما يستفاد من كلام الشيخ أن الاحتفال بالمولد وإن كان من البدع العملية إلا أن من أصر عليه بعد البيان والتعليم بما يزيل عنه الشبهة فإنه يكون مبتدعا.

فمناط تبديع المعين في البدع الأصولية والفرعية واحد، وهو: العلم بحقيقة مخالفته للصدر التلقي والاستمرار على البدعة بعد البيان المزيل للشبهة المناسبة لباب التبديع.

ونزيد سؤالا على تقرير الشيخ الإمام: هل يشترط الاقتناع؟

الجواب: الاقتناع باطنا بصحة موقف المخالف له ليس شرطا لثبوت التبديع بعد البيان، وإنما الذي،يشترط الفهم بمعنى: أن يدرك مضمون البيان ويعقل ما يقال له، ويعلم أن موقفه بحسب هذا البيان مخالف للنص.
ويتحقق الفهم المعتبر بأمرين اثنين:
١. بلوغ البيان إليه بلغة يفهمها ومستوى يناسب عقله.
٢. إدراكه أن موقفه بحسب هذا البيان مخالف للنص الشرعي ومذهب السلف، بصرف النظر عن تصديقه الباطن.

لماذا لا نشترط الاقتناع؟
لأن الاقتناع حالة باطنة غير منضبطة في المعين، كاتباع الهوى لا يصح أن يكون مناطا لتبديع المعين؛ لعدم انضباطه في المعين ولخفائه.

ولو جعلنا الاقتناع شرطا في تبديع المعين لأمكن لكل مصر على بدعته مهما بلغ البيان من الوضوح أن يدعي انه فهم الحجة لكنه لم يقتنع بها، فيعطل بهذا الادعاء المجرد كل إمكان لثبوت التبديع عليه، مهما بلغ إصراره وعناده.

والفرق الجوهري بين الاقتناع والفهم: الاقتناع تصديق قلبي بصحة الحجة، وهذا لا سبيل لاشتراطه لخفائه وقابليته للادعاء الكاذب المعطل للحكم بالكلية، أما الفهم فهو إدراك عقلي لمضمون الدعوى ومحل الخلاف.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

هل كان احتجاجنا بأن أول من أحدث الاحتفال بالمولد هم الفاطميون مسوقا ابتداء لمنع التشبه بهم؟

 هل كان احتجاجنا بأن أول من أحدث الاحتفال بالمولد هم الفاطميون مسوقا ابتداء لمنع التشبه بهم؟

هكذا فهم بعض الأشاعرة والمتصوفة، فاحتاج مني أن أبين لهم: 


ذِكر أن أول من احتفل بالمولد هم الدولة العبيدية في هذا السياق

إنما سيق ابتداء لإثبات وصف الإحداث، وأما التشبه فليس هو الغلة لأصلية من ذكر هذه الحجة وإنما هو تبع لها ولازم عنها. 


فبيان تاريخ أول ظهور الاحتفال بالمولد إنما هو قرينة تاريخية على تأخر هذا الاحتفال عن القرون الثلاثة المفضلة؛ إذ محل الاعتبار في باب المحدثات الدينية هو: هل ثبت هذا الفعل عن النبي صلىاللهعليهوسلم، أو عن أصحابه، أو عن القرون المفضلة، أو ظهر بعدهم بوصفه؟ 


وعليه، فالعبرة في أصل الاستدلال ليست بكون أول من أحدث المولد فاطميا باطنيا أو غير فاطمي، وإنما العبرة بعدم ثبوت هذه الهيئة التشريعية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون المفضلة، مع ظهورها بعد ذلك بوصفها هيئة دينية مخصوصة. 


أما الاعتراض القائم على أن أول من احتفل به من أهل السنة في مقابل الشيعة هو الملك المظفر كوكبري

فهذا لا ينقض أصل الاستدلال؛ لأن البعد الزمني عن القرون المفضلة إلى القرن السابع الهجري تقريبا ثابت ومتحقق سواء كان أول من فعله فاطميا باطنيا أو غير فاطمي، وكلا الاحتمالين متأخر عن العصور التي وقع اعتبارها في التمييز بين ما هو من الدين وما أُحدث فيه. 


ومع ذلك يجب أن يفهم هؤلاء أمرا وهو: أن ثبوت الإحداث لا يعني بمجرده أن كل ما لم يُفعل في القرون المفضلة يكون محرما؛ فهذه مرحلة أخرى من البحث لا بد من تحريرها.

فلا تقل: الهاتف محدث والسيارة محدثة وو 


إذ بعد ثبوت وصف الإحداث، ينظر في الفعل المحدث نفسه: هل هو من جنس العادات والوسائل والتنظيمات، أو هو من جنس العبادات والتشريعات؟ 


فإن كان من قبيل العادات المحضة أو الوسائل التنظيمية لم يكن مجرد عدم ثبوته عن القرون المفضلة كافيا للحكم بالتحريم؛ لأن الأصل في العادات والوسائل الإباحة، ولأن العبرة فيها بتحقق المقصود المشروع. 


ولهذا فإن ما أحدثه الفاطميون من تنظيم السُّماط لتوزيع الطعام في رمضان لا يعد إنشاء لحكم شرعي جديد؛ إذ لم ينشئوا أصل الإطعام، فمن فطر صائما له أجر خاص، وإنما استحدثوا صيغة تنظيمية لتنفيذ ما هو مشروع ثابت بأصل الشرع. 

فلو نُقلت هذه الموائد إلى غير رمضان، أو تغير شكلها الإداري والتنظيمي لم يتغير بذلك أصل الحكم؛ لأن المتغير هو الوسيلة والصورة، وأما أصل الإطعام فثابت بدليله، كما قررناه سابقا في مكبر الصوت والمسبحة. 


أما الاحتفال بالمولد، فليس هو مجرد وسيلة تنظيمية لتنفيذ عبادة ثابتة، ولا مجرد صورة عارضة لتحقيق معنى مشروع؛ وإنما هو إنشاء هيئة دينية مخصوصة، قوامها اجتماع مخصوص وأعمال وأذكار مخصوصة في وقت سنوي مخصوص ومعظم لذاته، مع قصد إحياء المناسبة الدينية في ذلك التاريخ بعينه على وجه يتكرر ويقصد به الأجر. 


وهذا النوع ثبوت الإحداث فيه يكفي لأن يكون قرينة على المنع والتحريم. 


فنحن لسنا أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها حتى لا يكون الإحداث قرينة على التحريم، وإنما نحن أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان معظم لذاته مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص. 


فإذا ثبت ذلك، انتقل الفعل من دائرة العادات والوسائل إلى دائرة التشريع وما يُقصد به التدين، وحينئذٍ يكون عدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون المفضلة ذا دلالة؛ لأن باب التشريع مبناه على التوقيف، ولا يكفي فيه مجرد وجود معنى حسن أو مقصد مشروع، بل لا بد من ثبوت أصل التخصيص وكيفيته وقصده.


وباختصار

الاستدلال بأصل الفاطميين في مسألة المولد ليس المراد منه ابتداء إثبات حرمة التشبه بهم، وإنما المراد إثبات تأخر ظهور هذه الهيئة الدينية وإحداثها. 


ثم يُبحث بعد ذلك في طبيعة هذا المحدث: أهو من قبيل الوسائل والعادات التي لا تستلزم إنشاء تشريع جديد، أم من قبيل الهيئات الدينية التي تستوجب إثبات تشريع جديد؟

فإن ثبت أنه من الثاني، كان وصف الإحداث وصفا مؤثرا في الحكم. 


وهنا لابد من تصريح مهم وهو:

أن الاحتفال بالمولد  ليس عادة محضة ولا وسيلة لتنفيذ عبادة ثابتة، وإنما هو تخصيص ديني لزمان معظم لذاته وهيئة وقصد، فيكون من جنس ما لا يثبت إلا بدليل شرعي.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



الاثنين، 10 أغسطس 2026

حين يقاس #الاحتفال_بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة

حين يقاس الاحتفال بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة

آخر ما وصل إليه بعض الأشاعرة في آخركتاباتهم هذه الأيام هو تكييف الاحتفال بالمولد بأنه أداة تنظيمية كالمسبحة ومكبر الصوت!!!

في كل موسم يعود فيه الجدل حول الاحتفال بالمولد النبوي، تتكرر حجة واحدة بصياغات مختلفة وهي: الاحتفال وسيلة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتذكير بسيرته، والوسائل لها أحكام المقاصد.

وهي حجة تبدو للوهلة الأولى متماسكة وقوية، لكنها عند الفحص تكشف عن خلط أصولي دقيق بين نوعين مختلفين من الوسائل، كما سيأتي بيانه.

فحين يُستعمل مكبر الصوت لنقل الأذان أو الدعوة إلى الله، فإن هذه الآلات لا تحمل في ذاتها أي صورة تعبدية أو تشريعا مستقلا، وإنما هي مجرد ناقل لمحتوى عبادة قائمة أصلا دون أن تُغيّر في هيئتها الشرعية شيئا، فالأذان في الأصل هو مشروع وقائم، ومكبر الصوت آلة جامدة تنقل فقط
ولذلك وسع الشارع في استعمال الآلات في العبادات، كما وسع في عدِّ التسبيح بالحصى والنوى والمسبحة؛ لأن المقصود وهو الذكر: ثابت، والمتغير إنما هو الأداة، فهل الاحتفال بالمولد من هذا الجنس؟!!!
الجواب: لا،
أما الاحتفال بالمولد فهو أمر مختلف جوهريا عن المسبحة ومكبر الصوت؛ لأن الاحتفال بالمولد ليس أداة تنقل عبادة قائمة، وإنما هو في ذاته صورة تشريعية جديدة، مهما حاول المجوِّزون إبعاده عن هذا التكييف. وكيف لا يكون صورة تشريعية جديدة، وهو اجتماع سنوي مؤقت، مرتبط بتعظيم يوم له مراسمه وهيئاته المتكررة من قراءة وإنشاد ووعظ، ويقام بقصد طلب الأجر من الله؟

وقد يحاول بعض المجوِّزين تلافي هذا الخلط بإعادة تعريف الاحتفال بالمولد نفسه، فيصفونه بأنه أداة اجتماعية تنظيمية لا عبادة في ذاته، ثم يقيسونه على المسبحة وخطوط تنظيم الصفوف، بل وعلى البث المباشر والمراكز الدعوية.
لكن هذا لا يعدو أن يكون تغييرا في الاسم دون تغيير في الحقيقة؛ والعبرة في الأصول بالحقائق والمعاني لا بمجرد الألفاظ والمباني.

ومحك التمييز بين النوعين بسيط: هل يُقصَد الزمن ذاته بأن يُخص هذا اليوم بعينه بالتعظيم والتمييز عن سائر الأيام، أو أن التوقيت مجرد ظرف عملي عارض لا نظر فيه إلى ذات اليوم؟
وهل تقبل الوسيلة الاستبدال والنقل عن زمنها المقصود لذاته وهيئتها دون أن يفوت المعنى المقصود منها؟

يعني المسبحة يستعاض عنها بالأصابع دون ان يفوت شيء من مقصود الذكر؛ لأن القصد متعلق بالعدّ لا بالأداة، ولا يوجد فيها أصلا قصدٌ لزمن يُخص بالتعظيم. وخط الصف يُستعاض عنه بتوجيه شفهي؛ لأن القصد متعلق باستقامة الصف لا بوجود الخط بذاته.

أما الاحتفال بالمولد فلا يقبل أهله نقله عن تاريخه السنوي المحدد المقصود لذاته دون شعور بفوات المعنى؛ لأن تعلقه بذلك التاريخ في نفسه هو الذي يمنحه خصوصيته عندهم.
وهذا هو عين معنى العيد، فهو  أمر يتكرر دوريا مقترنا بزمان معين يُعظَّم ويقصد لذاته بالتكرار، لا مجرد نشاط اجتماعي عارض يمكن إقامته في أي وقت.

وبناء عليه: فقياس الاحتفال بالمولد على المسبحة ومكبر الصوت قياس مع الفارق المؤثر؛ لأن الآلة في البابين الأولين لا تحمل قصدا بذاتها لزمن يُخص بالتعظيم، بخلاف التوقيت السنوي في المولد الذي هو نفسه محل القصد والتعظيم عند من يحتفل به.

فالإحداث ليس في أصل الذكر أو المدح أو قراءة السيرة، فهذه كلها عبادات مشروعة في نفسها، وإنما في اتخاذ توقيت سنوي معين محلا للتخصيص والتعظيم لذاته، وهذا ما يحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيته.
وبهذا يبطل تكييفهم ويظهر عوره..

وثمة حجة أخرى للمجوِّزين، وهي أن الذكر عبادة مطلقة، ويجوز للمرء أن يخصص لها وقتا يتناسب مع حاله من غير أن يعتقد فبه فضلا خاصا، مستدلين بحديث: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، ثم يُقاس على ذلك تخصيص يوم المولد بالاحتفال.

لكن هذا القياس يغفل أيضا فارقا جوهريا وهو: أن يخصص الفرد لنفسه وقتا لورده الشخصي بما يناسب حاله من غير أن يقصد بذلك الزمن نفسه تعظيما أو تمييزا عن سائر الأزمنة، أمر يختلف تماما عن إنشاء تشريع جماعي عام للأمة بيوم معظم لذاته سنوي له اسمه ومراسمه وهيئاته المتكررة، يتوارثه الناس جيلا بعد جيل حتى يصير في الوعي العام شعيرة مستقرة.
فالأول تخصيص فردي لا ينشئ معلما دينيا عاما وليس،فيه شيذدء من معنى التشريع، والثاني إنشاء لصورة تعبدية جماعية تتكرر على وجه مخصوص وهذا تشريع.

ويستدل المجوِّزون أيضا بأن الأمة تفرح بيوم الجمعة، مع أنه يوم وفاة آدم عليه السلام، وتصوم عاشوراء احتفاء بنجاة موسى عليه السلام، مع أن في ذلك اليوم أحداثا أخرى، فكذلك يصح الفرح بالمولد.

إلا أن هذه المقارنة بعيدة من جهة الدليل؛ فتخصيص الجمعة بالفضل وتخصيص عاشوراء بالصوم كلاهما ثبت بدليل شرعي يحدد اليوم نفسه والعبادة نفسها، بما يعني أن الشارع نفسه هو الذي قصد تعظيم ذلك الزمن بعينه وشرع له عبادة موقوتة.
أما المولد فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصص هذا اليوم بهيئة احتفالية معينة، ولا ثبت ذلك عن أهل القرون المفضلة.
وإنما الذي ثبت في النصوص هو صيام يوم الاثنين، وهو دليل على مشروعية الصيام في ذلك اليوم تحديدا، لا على مشروعية تعظيم اليوم بذاته بكل صورة يُراد إلحاقها به.

فارتباط الاحتفال بالمولد  بتوقيت سنوي معظم لذاته يُقصد بالتكرار والتعظيم: يخرجه عن حكم الأداة القابلة للاستبدال، ويدخله في حكم الصورة التعبدية التي تحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيتها، ولا يكتفى في مشروعيتها بالنصوص المطلقة؛ إذ ليس النزاع في أصل المحبة، ولا في أصل الذكر، ولا في أصل قراءة السيرة، وإنما النزاع في إنشاء هيئة دينية مخصوصة مرتبطة بزمان معين مقصود لذاته.

وقد يقال: إن اختيار هذا اليوم ليس تعظيما شرعيا له،ولا قصدا للزمن لذاته، وإنما هو مجرد استحضار لحدث تاريخي.

وجوابه: أن مجرد كون المناسبة تاريخية لا يفسر وحده تخصيص يوم بعينه بتكرار ممارسة دينية مخصوصة فيه؛ إذ الكلام ليس في استحضار الحادثة أو التذكير بها، وإنما في تحويل تاريخها إلى موعد سنوي يتكرر فيه اجتماع ديني على هيئة مخصوصة، ويُقصد إقامته طلبًا للأجر.

أما إذا قيل: بل لا بد من إقامة هذا الاجتماع في هذا اليوم تحديدا دون غيره؛ لأن فواته يفوّت المولد نفسه، فقد ثبت أن للتاريخ أثرا مقصودا في إنشاء المناسبة، وأن اليوم ليس مجرد وعاء زمني عارض للفعل، وإنما هو عنصر أساسي.
وهنا يظهر الفرق بين استحضار حادثة تاريخية وبين تخصيص زمن بها على وجه ديني متكرر.

وليس معنى هذا أن كل تذكير بحدث تاريخي في يوم وقوعه يصبح بدعة؛ فمحل الكلام هو أن يتحول هذا التذكير إلى مناسبة دينية سنوية ذات هيئة، وتصبح لها مظاهر ثابتة وتكرار معلوم.

فإذا قيل: إننا لا نتعبد باليوم، وإنما نتعبد بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته، قلنا: هذا يعيدنا إلى أصل الإشكال؛ فلماذا جُمعت هذه العبادات في هذا اليوم على وجه التكرار السنوي دون غيره؟
إن قيل: لأن هذا اليوم يذكّر بالمولد، قلنا: فقد صار ارتباط الزمان بالحدث سببا في تخصيصه.
وإن قيل: إن هذا الارتباط لا أثر له في الحكم، وأن المقصود هو الذكر والسيرة، قلنا: إذن لا معنى لإلزام الناس بهذا التاريخ، ويصبح نقل الاجتماع إلى يوم آخر لا يغيّر شيئا من المقصود.
فإن كان النقل لا يضر، عاد المولد إلى مجرد مجلس سيرة أو ذكر يمكن إقامته في أي وقت.
وإن كان النقل يغيّر حقيقة المناسبة ويُفوّت المقصود من إقامتها، فقد ثبت أن التوقيت عنصر مقصود في هذه الممارسة، ولم يعد مجرد ظرف عارض.

ومن هنا فالنزاع ليس في حق الناس في تذكر مولد النبي صلى اللهعليهوسلم، ولا في مشروعية قراءة سيرته، وإنما في إضفاء خصوصية دينية على زمن معين وتكرار اجتماع على هيئة مخصوصة، من غير دليل يثبت هذه الخصوصية وهذه الهيئة.

فإن قلت: كثير من الناس يفعلها على وجه العادة؟
قيل: العادة الجماعية المتوارثة إذا استقرت على هيئة مخصوصة وتكرار سنوي معلوم، فإنها تنشئ في الوعي العام شعيرة دينية مستقلة، ولو نُفي عنها التعظيم اللفظي صراحة؛ لأن العبرة بالفعل المتكرر والهيئة الثابتة لا بمجرد الدعوى.
فحين يمارس المجتمع فعلا بمواصفات الشعيرة، لكنه يُسميه عادة هروبا من الإلزام بدليل، فهذا لا يغيّر طبيعة الفعل، وإنما يضفي عليه اسما مغايرا للحقيقته، كما لو سمّى أحدهم الصلاة الجماعية المتكررة في مواقيت ثابتة لقاء اجتماعيا لينفي عنها صفة العبادة؛ فالاسم لا يُغيّر الوصف.


فهل نحن أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها، أو أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص؟
فإن كانت الأولى فهي من العادات، وإن كانت الثانية فلا يكفي تسميتها عادة؛ لأن محل البحث حينئذ هو مشروعية هذا التخصيص الديني المتكرر.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_10.html

الأحد، 9 أغسطس 2026

دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني على الحاكم وإثارة الفتنة

 اقرأ بصبر وتأمل وتجرد


دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني وإثارة الفتنة


سمعت مقطعا للشي #عبد_العزيز_الطريفي يذكر فيه أن إثبات التلازم بين #الإنكار_العلني حال الغيبة وإثارة الفتنة العامة هو قصور في الفهم، وقرر أن هذا التلازم ينتفي إذا بيّن المنكِر أن الخروج والفتنة العامة محرمان.


وقد تأثر بهذا التقرير بعض طلبة العلم، وظنوا أن مجرد بيان حرمة الخروج كاف في إزالة المفسدة المترتبة على الإنكار العلني، حتى أصبح من الممكن بناء على هذا الفهم : أن يصعد خطيب على المنبر، فيوجه النقد إلى الحاكم في غيبته ويسميه ويشحن الناس عاطفيا، ويغذي مشاعر الغضب عليه، ثم يقول في خاتمة كلامه: «ولا يجوز الخروج عليه، ولا إثارة الفوضى».


والأخطر من ذلك أن هناك من يقرر أنه لا تلازم أصلا بين نقد الحاكم في غيبته وشحن الناس وبين الخروج أو الفتنة العامة، ولو لم يبيّن للناس حرمة الخروج، كما هو ظاهر في الخطابات المتأثرة بالفكر #القطبي و #السروري.


وهذا كله يتطلب منا أن نضع هذا التقرير تحت الميزان الشرعي، لننظر في مدى صحته ودقته.

ولا بد ابتداء من بيان أن لفظ «الإنكار العلني» يطلق على معان متباينة مختلفة الحكم، فهو إلى #الاشتراك_اللفظي أقرب.

فمن إطلاقاته:

1- إنكار الفعل المنكر نفسه من غير ذكر الحاكم ولا تعيينه, فهذا يسمى بـ«الإنكار العلني».

2- الإنكار على الحاكم في حضوره، بحيث يواجه بالإنكار مباشرة، وهذه لها أحكامها وقيودها, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».


3- الإنكار على الحاكم في غيبته مع تسميته والطعن فيه وذكر مثالبه أمام العامة, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».

4- ذكر الحاكم وتسميته عند بيان منكر صدر منه، من غير أن يتضمن الخطاب طعنا فيه أو تأليبا عليه، فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».


وكما يلاحظ القارئ الكريم أن هذه الصور ليست شيئا واحدا، ومن الخطأ المنهجي أن ينقل أحد كلام عالم يجوز فيها الإنكار العلني إذا صدر المنكر علنا، ككلام الألباني أو ابن عثيمين، ثم يحمل كلامهما على الصورة التي يريد هو إثباتها.


فقد يكون العالم الذي قال بجواز بعض صور الإنكار العلني يتحدث عن إنكار المنكر في نفسه، أو عن إنكار المنكر على الوالي بحضرته، أو عن بيان حكم شرعي عام لا يتعلق بتشهير الوالي أمام العامة، بينما ينزل الناقل كلامه على خطاب جماهيري في غيبة الحاكم، يتضمن تسميته وشحن العامة ضده.

وهذا من التدليس العلمي الذي لا يصدر إلا من جاهل أو صاحب هوى


وبعد بيان الاشتراك الواقع في لفظ «الإنكار العلني»: نخلص إلى دفع إشكال متوهم في قولنا بالتلازم :

لا نقول إن الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة استلزاما حتميا، كاستلزام المحدَث للمحدِث, وإنما نقول بالتلازم الغالبي بالنظر إلى مجموع الوقائع عبر التاريخ


وهذه نقطة لا بد من تحريرها؛ لأن كثيرا من الاعتراضات على هذا القول إنما نشأت من تصور أن القائل بالتلازم يدعي أن كل واقعة من الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا لا بد أن تنتهي إلى فتنة عامة, وهذا ليس هو محل النزاع.

فنحن لا نقول: «كل إنكار علني على الحاكم بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة حتما»,

وإنما نقول: «إن الإنكار العلني على الحاكم في حال غيبته بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا هو من الأسباب الرئيسة التي تفضي غالبا إلى تهييج النفوس وإثارة الفتنة، وهذا هو التلازم الغالبي الذي يراعى في أبواب المآلات.


ولهذا فإن وجود واقعة أو عدة وقائع لم تترتب فيها الفتنة العامة على الإنكار العلني لا يبطل أصل القول بالتلازم الغالبي؛ لأن القضايا الغالبية لا تنتقض بمجرد وجود بعض الصور التي تخلف فيها المآل.


كما أننا لسنا نقول/ إنه السبب الوحيد الذي ينتج المسبب, وإنما نقول: هو أحد أسباب.

ومن أقوى ما يدل على خطورة التشهير ما جاء عن عبد الله بن عكيم أنه قال «لا أعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان». فقيل له: أوأعنت عليه؟ فقال: «كنت أعد ذكر مساويه عونا على دمه».


وهذا الأثر وإن كان في سياق فتنة عثمان رضي الله عنه، إلا أنه شاهد مهم في الباب؛ لأنه يبين أن ذكر مساوي الحاكم لا ينظر إليه دائما باعتباره بيان منكر، وإنما يتحول إلى عامل إعانة على ما يترتب عليه من الفتنة.


ولا يعني ذلك أننا نخرج الإنكار العلني حال الغيبة الذي يكتفى فيه بذكر اسمه من غير تحريض ولا طعن من الحكم وهو المنع؛ إلا أن إفضاءه إلى الفتنة العامة أخف, وقد بينت ذلك فيما سبق. 


أما دعوى #الطريفي أن بيان حرمة الخروج يلغي بالضرورة مفسدة التشهير, فهذا لا يكفي في نفي مفسدة الفتنة العامة؛ لأن النفوس قد شحنت، والمشاعر قد تكون أثيرت، وصورة الحاكم في نفوس السامعين قد تغيرت، والناس قد خرجوا من المجلس وهم أشد غضبا عليه.

ومن هنا فالعاقل لا ينتظر حتى يصل الخطاب إلى التصريح بالخروج حتى يحكم بأن هناك خطرا على استقرار الناس, فكما أن سد باب الفتنة يكون قبل وقوعها، فإن اعتبار أسبابها ومقدماتها يكون قبل أن تصل إلى نهايتها.


فإن قيل: هل يعني ذلك تحريم بيان منكرات الحاكم مطلقًا؟ وهل يلزم من منع التشهير وجوب السكوت عن بيان الظلم؟


قيل: لا, فلا يلزم من القول بمنع صورة معينة من الإنكار العلني أن يقال بتحريم بيان المنكرات في كل حال, ولا يلزم من سد باب التشهير أن يفتح باب السكوت المطلق عن الظلم, فالنصوص الشرعية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابتة، وإنما الكلام في كيفية الإنكار، ومحله، ومن يخاطَب به، وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 3 أغسطس 2026

خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته

 خلافنا مع #محمد_بن_شمس_الدين، ومن وافقه أو تأثر به، ليس في #النووي لذاته، ولا لكثرة مصنفاته وشروحه وتحقيقاته العلمية، كما أننا لا ننفي تأثر النووي بالمذهب #الأشعري في الجملة، ولا انتسابه إلى المتكلمين.

وإنما محل الخلاف هو المنهجية التي ساروا عليها في تبديع #النووي وابن حجر ووو، وفهمهم لإطلاقات #السلف، وطريقتهم في التعامل مع قضايا الأعيان.

فعندما يقول كبيرهم: إن الكلام في النووي وابن حجر وغيرهما من المسائل الظنية الاجتهادية، ثم يستنكر إنكارنا عليهم، فإنه لم يدرك حقيقة محل النزاع.

وللأسف، استطاعوا التأثير في عدد من الشباب صغار السن، ممن لم تتضح لهم حقيقة الخلاف، ولم يدرسوا طريقة العلماء في تخريج المناط وتهذيبه وتحقيقه.

وقد لاحظت أن أغلبهم من #سوريا ، مع أن فيها علماء وطلبة علم !!.

ولنقف وقفة مختصرة نبين فيها أصل الإشكال، ونتكلم عن حكم المقلد بين التبديع المباشر واشتراط إقامة الحجة

روى عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف، فقال: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم».

هنا لا بد من تحرير أصل مهم:
المناط الذي ينطلق منه السلف في التبديع المباشر هو: علم المعيَّن بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، مع التزامه بذلك طواعية.

فمن يؤول صفة الاستواء -مثلا- وهو يعلم أن تأويله مبني على تقديم العقل على الشرع، وإبعاد النصوص عن الاحتجاج بها في باب الإلهيات، ثم يلتزم هذا الأصل مختارا؛ فهذا هو الذي يبدعه السلف مباشرة من غير اشتراط إقامة الحجة.
وإقامة الحجة عليه في هذه الحال تكون في باب التكفير، لا مجرد التبديع.

ولهذا المناط أمارتان ظاهرتان غالبا:

الأولى: ممارسة علم الكلام والدفاع عنه.

فمن مارس علم الكلام، وجادل عنه، واستدل له، كانت هذه أمارة على علمه بحقيقة مخالفة منهجه للكتاب والسنة والإجماع، وهذا مما يصرح به عدد من أئمة المتكلمين، كالجويني، والآمدي، والقاضي عبد الجبار، وغيرهم.

الثانية: التقليد المحض، مع عدم ممارسة علم الكلام أو المجادلة عنه.

فهذه تدل بدلالة عكسية على انتفاء المناط السابق غالبا؛ لأن من لم يمارس النظر الكلامي ولا الاستدلال له، يغلب على الظن جهله بحقيقة مخالفته للكتاب والسنة، فتكون هذه أمارة على انتفاء العلم الموجب للتبديع المباشر.

وعليه، فالمقلد لا يُبدَّع بمجرد التقليد، وإن انتسب ظاهرا إلى مذهب كلامي؛ لانتفاء مناط التبديع في حقه.

وأتبه هنا إلى أنه إنما عُلِّق الحكم بالأمارة لغلبة اقترانها بالعلة، لا لأنها هي المعتبرة بذاتها.

ومن هنا يُفهم كلام الإمام أحمد: «من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم». فجعل مناط عدم التبديع المباشر كون الشخص غير معروف بعلم الكلام من جهة كونه أمارة وليس علة، ويدخل في ذلك غالب العوام والمقلدة.

نعم، قد توجد حالات نادرة تنفك فيها الأمارة عن العلة؛ كعامي لا يعرف بعلم الكلام ولا يمارس الجدل، لكنه ثبت أنه يعلم أن مذهبه يعارض النصوص، ومع ذلك يلتزمه راضيا مختارا،  فحينئذ يكون الحكم متعلقا بالعلة لا بمجرد الأمارة.

سؤال: هل يُبدَّع المقلد المنتسب إلى مذهب كلامي؟

والجواب أن المقلدين على نوعين:

النوع الأول: أن يأخذ الشخص بمقالة كلامية، وهو يظن أنه إنما يستند فيها إلى نص شرعي أو إجماع، لا إلى معارضة النصوص بالعقل، كما هو حال كثير من شراح الحديث، ومنهم النووي.

بمعنى أنه يؤول الصفة، فإذا سُئل: لم أولتها؟ قال: لأن هذا مقتضى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فهو يعتمد في ظنه على فهمه للنص، لا على أصل عقلي مجرد.
ومع أن هذا الفهم غير صحيح، ولا يوافق فهم السلف، وهو باطل قطعا وضلال إلا أن الكلام هنا في تبديع المعيَّن.

فهذا النوع لم ينتقض عنده أصل السنية؛ لأن مناطه هو الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع، بحسب اعتقاد المكلف وظنه.
فمن ظن أن تأويله موافق للنص، وهو في الحقيقة مخالف له، لم يخرج بهذا الظن عن دائرة من يعتبر في حقه مانع الجهل؛ لأن خطأه وقع في تطبيق المنهج، لا في أصل المنهج.

النوع الثاني: أن يأخذ الشخص ولو تقليدا بالمنظومة الكلامية الاستدلالية، مع علمه بأنها تقدم قواعد النظر العقلي على ظاهر النصوص.
فهذا لا يعذر بمجرد التقليد؛ لأن علة العذر بالتقليد هي ظن موافقة النص، أما هذا الصنف فهو يعلم أن منهجه يقدم العقل على النص، ثم يلتزم ذلك مختارا، وإن كان ناقلا عن غيره.
وهذه هي الحالة النادرة التي تنفك فيها الأمارة عن العلة.

فإن قيل: إذا كان الشخص داعية إلى البدعة، يقررها ويدعو إليها، فكيف يُجعل مقلدا معذورا؟

قيل: ليس كل داعية إلى البدعة يلزم أن يكون عالما بالأصل الكلامي الذي بنيت عليه البدعة، فقد يكون داعية إلى ما يعتقد أنه هو مقتضى الكتاب والسنة، وينقل ما تلقاه عن شيوخه، ويحتج بالنصوص، وهو يظن أن الحق معه، من غير أن يدرك أن هذا الفهم مبني في أصله على قواعد كلامية تخالف منهج السلف.
فمجرد الدعوة إلى بدعته لا تستلزم تحقق مناط التبديع الذي قررناه، وهو العلم بحقيقة مخالفة المنهج للكتاب والسنة والإجماع، مع الالتزام بذلك طواعية، وإنما تكون الدعوة أمارة على ذلك إذا اقترنت بممارسة أصول علم الكلام، والانتصار لها.

يقول بعضهم مستنكرا: إن اشتراط إقامة الحجة يلزم منه ألا نبدع أحدًا.

وهذا اعتراض ناشئ عن تصور غير دقيق لمعنى الحجة.

فعندنا رجلان:

الأول: يعلم أن منهجه مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ويلتزمه مختارا؛ فهذا نبيعه ولا نشترط قيه إقامة الحجة، وإقامة الحجة عليه تعني تكفيرة لا مجرد تبديعه.

والثاني: لا يعلم أن منهجه مخالف، بل يظن أنه منطلق من الكتاب والسنة؛ فهذا تقوم عليه الحجة بمعنى بيان خطأ ظنه، وإيضاح أن منهجه مخالف لما عليه السلف. وهذه هي الحجة التي نشترطها قبل تبديعه.

ولا يلزم من هذا الاشتراط تعطيل باب التبديع؛ لأن غاية ما يستثنى به هو المقلد الجاهل الذي يظن أنه مستند إلى النص، وهو صنف محدود، لا يشمل عامة أهل البدع المستقرين على مناهجهم والعارفين بأصولها.

وعليه، فإن دعوى أن اشتراط إقامة الحجة يؤدي إلى عدم تبديع أحد، دعوى مبالغ فيها، وهي من المغالطات التي يكثر تردادها عند محمد بن شمس الدين، ومن وافقه أو تأثر به.

كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 1 أغسطس 2026

هل قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر ينفي اشتراط إقامة الحجة في التبديع؟

 #قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر" 


يقول بعضهم: إن الرازيين حكما على الواقف جهلا بالتبديع دون أن يشترطا إقامة حجة، فدل هذا على أن التبديع لا يُشترط فيه إقامة الحجة أصلا.


وهذا فيه خلل من وجهين: 


الوجه الأول: لو سلمنا أن المراد من قولهما "ومن وقف فيه جهلا بُدِّع وعُلِّم" هو أن مجرد الوقف في القرآن مع الجهل يوجب التبديع بلا قيد ولا تفصيل لكان هذا مخالفا لصريح كلام الإمام أحمد بن حنبل وأحمد البغوي. 


قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم". 

فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه. 


وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". 

فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف: 


الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع. 


الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي، ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال.


وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم". 

فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره. 


ويظهر من مجموع هذه النصوص أن الجاهل الذي لا أهلية له للنظر لا يُبدَّع، وإنما يُعلَّم، كما يظهر من كلام الإمام أحمد أن المقلد يُبيَّن له أولا، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


فإذا حُمل كلام الرازيين على إطلاقه بحيث يشمل كل جاهل ولو كان ممن لا يعقل كالنساء والصبيان لزم التعارض بين أقوال السلف، والمنهجية الصحيحة تقتضي إثبات كلام السلف على وجه لا يكون فيه تعارض ولا تناقض ما أمكن . 


الوجه الثاني: كلام الرازيين هنا مجمل من جهة أنه لم يفصّل في حال الواقف: هل هو ممن لا يعقل أو ممن يعقل ويمارس علم الكلام؟ 


ولا يصح حمله على كل جاهل، بل يجب تفسيره في ضوء النصوص الأخرى 


وقد يقال: إن قولهما: "علم" منفردا أليق بالصنف الثاني الذي نص أحمد على أنه "يُجاوَب حتى يرجع"، أي: يحتاج بيانا يسبق حكما عليه، لكن حمل جملة الرازيين بكاملها على هذا الصنف يصطدم بإشكالين: 


الأول: أن نفي التكفير "ولم يُكفَّر" لا معنى له إلا في حق من يُتوهَّم في حقه التكفير أصلا، والمقلد الجاهل المتعلق بشبهة لم يرد في حقه عند أحمد أي تلميح لتوهم كفر، بخلاف الصنف الثالث الذي حكم عليه أحمد بـ"فهو جهمي"، فهذا وحده الذي يستدعي تبادر التكفير إلى الذهن


الثاني: أن وصفه بالتبديع من غير بيان قبله يصادم صراحة نص أحمد "يُجاوَب حتى يرجع"، الذي يجعل التبديع معلقا على مرحلة سابقة من البيان وعدم الرجوع، بينما ظاهر كلام الرازيين تقديم الحكم بالتبديع، ثم ذكر التعليم بعده، وهذا لا ينسجم مع كلام الإمام أحمد. 


والذي،يترجح لي هو حمل كلامهما على الصنف الثالث عند الإمام أحمد، وهو: من قال بالوقف مؤسسا لمذهبه على منظومة استدلالية كلامية، منظرا لها، مجادلا عنها. وهذا يستقيم معه ترتيب "بُدِّع وعُلِّم" استقامة تامة: 


- الوصف ب"بُدِّع" قبل إقامة الحجة: لأنه تبنى منهجا كلاميا استدلاليا يخالف طريقة السلف في الاستدلال.

- الوصف ب"عُلِّم": وهذا تعليم لاحق للحكم لا سابق له، غرضه استصلاحه ودعوته للرجوع بعد أن استقر تبديعه.

-الاحتراز ب "ولم يُكفَّر": لأن إلحاق مسلكه من جهة النوع بمسلك الجهمية يستدعي توهم تكفيره، فاحتاج الرازيان إلى التنصيص على دفع هذا التوهم؛ إذ تكفيره عينا موقوف على إقامة الحجة التفصيلية. 


وبهذا يستقيم الجمع بين نص الرازيين وسائر نصوص السلف على وجه واحد متسق لا تعارض فيه ولا تناقض. 


فإن قيل: الإمام أحمد جاءت عنه روايات في الواقفة لم يستفصل فيها وأطلق، قال الخلال في السنة: (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ الْمُخَرِّمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ: الْوَاقِفَةُ؟، قَالَ:«هُمْ شَرٌّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، اسْتَتَرُوا بِالْوَقْفِ»).

وقال أيضا: «مَنْ شَكَّ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ وَقَفَ فَهُوَ كَافِرٌ»).


قيل: هذه الإطلاقات لا تنقض ما تقدم، وإنما هي تندرج تحت أصل مقرر في فهم كلام السلف، وهو أن تناول الإطلاق للأفراد إنما هو تناول لا على سبيل التعيين؛ فالحكم المطلق، كقول أحمد "من وقف في القرآن فهو كافر" ، إنما يتناول حكم النوع، ويتناول فردا غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، لا كل من صدر منه الوقف على أي حال كان. 

أما تنزيل هذا الإطلاق على كل معيّن، فهو قدر زائد على مجرد دلالة اللفظ، ولا يثبت بمجرد اندراجه تحت العموم، بل لا بد فيه من تحقق مناط الحكم في حقه، وتوفر شروطه، وانتفاء موانعه، كما هو مطرد في نظائره من نصوص الوعد والوعيد. 


ومن الشواهد العملية على ذلك أن الإمام أحمد اعتبر جهل المعتصم مؤثرا في الحكم عليه، ففي المحنة قال الإمام أحمد:(كان أبو إسحاق لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم ولا يدري..) وقال:(قد جعلت أبا إسحاق في حل..) وكانت مسامحته للمعتصم قبل ندمه، فقد سامحه بعد أن خرج منه... 

وسامح كل من حضر وحللهم إلا أحمد بن أبي دراد ومن كان مثله..واستغفر لهم ولو كانوا مرتدين لم يجز له الاستغفار لهم... 


ويؤكد ما سبق أن عدم تنزيل الحكم المطلق على المعين إلا بعد قيام موجبه هو محل إجماع، فقد حكى ابن أبي عاصم في كتاب السنة ما اتفق أهل العلم على نسبته للسنة وذكر أمورا إلى أن قال:(ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل ان تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه)

فهذا الاتفاق المحكي متعلق بفرد بعينه ولا ينفي ما يحكيه أئمة السلف بأن من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لأنه محكي لبيان الحكم بإطلاق، كما تقدم توضيح ذلك. 


فالإطلاقات الواردة عن الإمام أحمد هي أحكام على النوع، أو على فرد غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، وليست أحكامًا على كل معيّن اتصف بمجرد الوصف. ومن حملها على ظاهرها في جميع الأعيان، وأعرض عن الروايات المفسرة والتطبيقات العملية للإمام أحمد، فقد اقتصر على بعض كلامه دون بعض، مع أن المنهج الصحيح في فهم كلام الأئمة هو جمع نصوصهم ورد مجملها إلى مفسرها، ومطلقها إلى مقيدها، لا إعمال بعضها وإهمال بعضها الآخر. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 31 يوليو 2026

فقه التبديع عند الأئمة

 

لم أقل: الحسنات العامة وكثرة التصانيف تمنع التبديع بل ولا تمنع من التكفير
فهذه ليست موانع شرعية؛ إذ لا اعتبار شرعيا لمثل هذا كمانع مستقل، وإنما قد تكون قرائن في سياقات خاصة، والقرينة أعم من الدليل..كما أن المقصود ليس تسويغ أخطاء النووي..
والمقصود هنا التأصيل لباب الاحتياط في أحكام الأعيان...
والذي قلته بمعناه: حتى نحكم  بالتبديع المباشر على المعين لابد من النظر إلى السلوك الاستدلالي عند المعين، ولابد أن نراعي أن الأصل بقاء السنة في المعين حتى يثبت خلافه، فذكر الاحتمالات هنا من باب التثبت في تنزيل الأحكام على المعين.

والأصل الذي يُبنى عليه هذا كله: أن خفاء الحق بطول الزمان واستحكام الشبهة معتبر شرعا في رفع وصف التبديع عن المعيّن، لكن بقيد لا بد من تحريره، وهو:

ثمة خط فاصل لا نعذر احدا بتجاوزه مهما صنف وكثرت حسناته، وهو تعظيم الوحي واعتباره حجة مستقلة لاسيما في خصوص باب الإلهيات الذي هو محور الجدل.
وهذا الخط هو الذي يشفع ابتداء لمن حققه أو حام حوله، سواء أخطأ بعد ذلك أم أصاب في التفاصيل.

فالجويني والرازي والآمدي والسنوسي لم يحترموا هذا الخط ابتداء في بابي الإلهيات والنبوات، فصدرت عنهم عبارات تنافي تعظيم الوحي بشبهات ذات أصل فلسفي، وأسّسوا منهجهم الاستدلالي على تقديم العقل الكلامي الذي وصفوه بالقطعي على ظاهر النص الذي وصفوه بالظني، لا عن تقليد، بل عن مناقشة ومجادلة مستقلة.

بينما النووي وأمثاله احترموا هذا الخط ولم يتجاوزوه تنظيرا، وما وقعوا فيه من تأويل كانوا يظنونه منطلقا من تعظيم الوحي والاستدلال به، فتمسكوا بما فهموه - وإن أخطأوا فيه - من قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ ونحوها.

فنحن نتكلم عن شخصين لا يستويان في الحكم: منظر مرجح ومقلد ناقل.
فالمنظر المرجح يطّرد عنده التأويل والتفويض؛ لأنه يعتقد المنهج الكلامي حجة مستقلة يصدر عنها اجتهاداا

وأما المقلد الناقل فلا يلزم اطراد منهجه، لأنه ليس صاحب منهج مستقل، فتارة ينسخ معتمد مذهبه كما هو، وتارة يخالفه بحسب ما يترجح له من النص في موضع بعينه.

فالمقلد الناقل: من ورث مدرسة فقهية كلامية فنقل معتمد مذهبه في كل مسألة يعرض لها، لا لأنه بحث المسألة كلاميا واستقل برأي، بل لأن هذا ما استقر عليه مصنفو مذهبه الذين ينقل عنهم فقها وعقيدة معا، وقد يرجح ويختار بناء على ما ظن أن دليل الشرع يسنده.

ولابد أن يختلف حكمه عمن أسّس منهجه الاستدلالي بنفسه، وهو الناظر المرجِّح،كما بين ذلك ابن القيم بوضوح

فقول النووي "قال أصحابنا كذا" في العقيدة نظير قوله "قال أصحابنا كذا" في الفقه إنما هو نقل لمعتمد مذهب المتأخرين الذي مزج الفقه بالعقيدة، لا اجتهاد كلامي مستقل.
فالنووي وارث لخطإ تراكمي عبر قرون، لا مُصدِر له ابتداء ولا مجادل عنه.

وعلى هذا الأصل جرى صنيع أهل العلم المتأخرين: بدعوا الجويني والرازي، ولم يبدِّعوا النووي وابن حجر، وما خالف في ذلك إلا من لم يفهم منهج أهل السنة في توسعة دائرة العذر لمن لم يتجاوز الخط الأحمر.

وإذا حررنا مثال الكرابيسي
فالكرابيسي لم يكن ناقلا لمسألة موروثة عبر قرون، وإنما كان محدثا لصيغة جديدة "لفظي بالقرآن مخلوق" في وقت المحنة نفسها، وهي صيغة رآها الإمام أحمد حيلة لتمرير القول بخلق القرآن، فكان الكرابيسي بذلك مشاركا فاعلا في صناعة الخلاف وقت نزاعه الحي، لا وارثا لمذهب مستقر، وهذه المشاركة المباشرة في إنتاج القول المحدَث لحظة نزاعه هي التي تُخرج صاحبها من دائرة الوارث المقلد المعذور إلى دائرة المحدِث المسؤول.

وبهذا يتبين لك أن تبديع المعيّن عند السلف له فقهه الخاص، وليس قواعد آلية مطردة أو قوانين رياضية كما يظن محمد شمس الدين وأمثاله، ممن يحسبون أنه ما دام السلف حكموا على منكِر العلو بالكفر، فكل منكِر للعلو يجب أن يكون كافرا وإلا كان ذلك تركا لمذهب السلف؛ وما دام العلماء حكموا على الأشعرية بالبدعة، فيجب أن يكون كل من انتسب إليها مبتدعا، ولو كان مجرد ناقل معظم لأصل الوحي.

قد يقال: ما الفرق بين الرازي والنووي؟

وجوابه: الرازي صرّح في كتبه بالقانون الكلي في تقديم العقل على النقل عند التعارض واستدل له، وهذا تنظير مستقل صريح لمنهج استدلالي، لا نقل عن مذهب.
أما النووي فلم ينظر له، ولا صنف كتابا في أصول الكلام أو قواعد تقديم العقل، وإنما غاية ما عنده نقل واستشهاد بأقوال متكلمي مذهبه في سياق شرح الحديث والفقه.

فإن قيل: أليس نقل النووي لأقوال أصحابه في العقيدة، مع تقصيره في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، تفريطا يستوجب اللوم بذاته؟

وجوابه: هذا اعتراض في محله من جهة التقصير، لكنه لا يرقى لموجب التبديع، فالتفريق هنا بين درجتين: تقصير في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، وهذا مما يُلام عليه المرء تقصيرا، وبين إحداث منهج مخالف للسنة في الاستدلال ينتظم عليه، وهذا هو مناط التبديع.
فالنووي مقصر في عدم استقلاله بالنظر، لكنه ليس مؤسِّسا لمذهب مخالف ولا مجادلا عنه منظرا له.

فإن قيل: ألا يلزم من هذا التقرير أن كل متأخري الأشاعرة معذورون بإطلاق؟

وحوابه: لا يلزم ذلك، لأن الضابط ليس الانتساب للمذهب ط، وإنما الضابط تحقق حال النقل في شخص كل معيّن بعينه، وهذا يقتضي النظر الفردي في كل عالم: هل صنّف في أصول الكلام مستقلا أو اقتصر على النقل؟
فقد يكون بعض متأخري الأشاعرة قد جاوز حد النقل إلى نظر مستقل، فيُبدَّع كالرازي، وقد يقتصر آخرون على النقل فيُعذرون كالنووي.

وعلى هذا التقرير يظهر خطأ هذا المسلك الذي سلكه محمد شمس الدين وأمثاله، إذ لا يصح تعميم حكم الطائفة على كل معين منتسب إليها، بل لا بد من تحقيق المناط في كل معيّن كما هو أصل هذا الباب من أوله.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 30 يوليو 2026

الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله

الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله 


نشر محمد بن شمس الدين منشورا بعنوان #نواقض_إسلام_السيوطي، انتهى فيه إلى الحكم على الحافظ جلال الدين السيوطي بالردة والكفر. !!


ومقصودي في هذا المقال: بيان الخلل المنهجي عنده في الانتقال من الحكم على القول إلى الحكم على القائل المعين؛ إذ إن هذا الانتقال ليس لازما بمجرد ثبوت كون القول كفرا أو شركا أو مخالفا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنما له ضوابط وشروط مقررة عند أهل العلم. 


وهذا أعظم خلل منهجي استدلالي عند هؤلاء، ترتب عليه الغلو في تكفير المعينين وتبديعهم، ولذا كانت قراءتهم لكتب السلف وأقوالهم قراءة منحرفة... 


ما هي نواقض إسلام السيوطي عند محمد شمس الدين؟ 


1. أنه دعا إلى عبادة قبره، واستند محمد شمس الدين في إثبات ذلك إلى قول الشاذلي بأن السيوطي أوصى أهل بيته أن يذكروا حاجتهم عند قبره فتقضى.

فقفز محمد شمس من فعل جزئي إلى حكم كلي بأنه يدعو إلى عبادة قبره!!! 


2. أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم.


3. أنه أهان القرآن باستعمال كلماته في كتاب رشف الزلال من السحر الحلال

وهذه النقطة تحتاج إلى وقفة، فهذا الكتاب شكك في نسبته للسيوطي جماعة، والشك في أصل النسبة كاف في باب درء العقوبة، وإن لم يكن كافيا في باب الجزم بالنفي.

وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فكيف بأعظم الأحكام وهو التكفير؟!! 


وأما تكرار استخدام المصطلحات الشرعية والقرآنية في هذا السياق الأدبي الجنسي، فيبقى لها تأويل يمنع من التكفير وهو استغلال الازدواج الدلالي للألفاظ بأن يكون للفظ الواحد معنى شرعي ومعنى آخر عادي، فيستعمله على المعنى العادي دون أن يقصد بذلك التقليل من قيمة المعنى الشرعي نفسه، والدافع له هو الصنعة اللفظية، لا الاستهزاء بالدين، وهذا احتمال يكفي لدرء الحكم بالتكفير وإن كان لا يدرأ قبح الاستخدام

أقول هذا ليس لتسويغ الاستعمال وإنما أقوله لنفي كونه استهزاء موجبا للتكفير على كل حال؛ لأن التكفير في هذا النوع يشترط فيه انتفاء الاحتمال الراجح المعارض، وهذا الاحتمال هنا راجح لقيام قرينة السياق الأدبي المعروف. 


4. أنه يقول بأن الله موجود في كل مكان.


5.  أنه يرى أن النبي حي بجسده يتصرف في الكون.

وهذه النقطة أيضا تحتاج إلى وقفة تحرير وتحقيق، فقد استند الكاتب فيها إلى قول السيوطي:"إن النبي حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته". 

فحمل محمد بن شمس الدين لفظ "يتصرف" على التصرف في الكون وتدبير شؤونه.!!!!

إلا أن الاقرب من سياق هذا النص أن المراد بـالتصرف هنا هو الحركة والسير والانتقال من مكان إلى آخر بهيئته البشرية، لا تدبير الكون وتصريف أموره، فهذه النقطة الخامسة مبنية على سوء فهم للنص منه.


والحاصل أن المآخذ التي ذكرها هي في الحقيقة ما بين كفر وشرك وضلال من حيث حكم الأقوال ذاتها، وليس هذا هو محل النزاع أصلا معه متى صحت النسبة، لكن محل النزاع الحقيقي هو: هل يستلزم كون هذه الاقوال كفرا أو شركا: الحكم على قائله المعين بالكفر مباشرة؟ 


وحتى يتضح الجواب، ونفصح عن الخلل المنهحي الذي وقع فيه محمد بن شمس لابد من تقسيم صور الكفر من حيث تنزيل حكم التكفير على المعين إلى ثلاثة أنواع: 


النوع الأول: كفر ينافي أصل الإيمان ولا يجتمع معه

كسبّ الله تعالى، فهذا يوقع الحكم بالكفر على القائل مباشرة دون توقف على إقامة حجة؛ لأنه من الألفاظ أو الأفعال الصريحة التي لا تحتمل التأويل غالبا، فلا يفتقر الحكم فيها إلى إقامة الحجة البيانية، إلا إذا وجد مانع معتبر كالإكراه أو ذهاب العقل ونحوه. 


النوع الثاني: كفر ينافي حقيقة توحيد العبادة دون أصل الإقرار بالشهادتين من جهة تنزيل الحكم على المعيّن، لا من جهة وصف الفعل في نفسه، كالاستغاثة الشركية ودعاء الأموات.

وهذا النوع وإن كان شركاً في ذاته إلا أنه لا يستلزم كفر المعين بالضرورة كالنوع الأول؛ لكثرة وقوع الجهل والتأويل في هذا الباب عند كثير من المتأخرين. 


النوع الثالث: ما يستلزم إنكاره تكذيب الله ورسوله أو الامتناع عن التسليم، كجحد وجوب الصلاة، أو كإنكار ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف من علو الله، وهذاالنوع مما يُعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، ورغم كونه من الضروريات إلا أنه لا يُكفر صاحبه إلا بعد إقامة الحجة عليه؛ لأن الكفر إذا كان راجعاً إلى التكذيب أو الامتناع، فإن ذلك لا يتحقق إلا فيمن تبيّن له الحق على وجهه ثم أعرض عنه، لا فيمن لم يتبين له الحق أصلا. 


ومما يحسم الخلاف قي هذا الباب: موقف السلف من الجهمية

فرغم أن مقالة الجهمية في نفي الصفات من أوضح الأقوال بطلانا، وتتعلق بمسائل من الضروريات المعلومة من الدين إلا أن السلف مع ذلك لم يكفروا جميع أعيان الجهمية مع تصريح كثير منهم بتكفير مقالتهم، وإنما التزموا شرط إقامة الحجة قبل إطلاق الحكم على الأشخاص. 


والذي أختم به أن ما نُقل عن السيوطي من استغاثة ودعوة لقصد قبره وقول بأن الله في كل مكان، وإن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده يسير 

وإن كانت هذه الأقوال ـ إذا صحت نسبتها ـ أقوالاً كفرية أو شركية أو بدعية بحسب كل مسألة إلا أنها من النوع الذي يتوقف الحكم على المعيّن فيها على تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ومن أعظمها قيام الحجة الرسالية.

وهذه هي الفوارق المنهجية التي أغفلها محمد بن شمس الدين في بنائه للحكم على السيوطي. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 29 يوليو 2026

#رقية_محمد_الحسن_الددو الشنقيطي للنساء

 


يزعم بعض المدافعين عن د. محمد الحسن الددو أنه لا دليل على تحريم هذه الهيئة المحدثة: التجمع الجماعي للنساء تحت النافذة، مع رفع القوارير من بعيد، ودون تحقق من وصول النفث إليها.

ثم يستدلون على جوازها بعموم النصوص الواردة في مشروعية النفث في الرقية، كحديث اللديغ الذي هو من أصول الاستدلال بالنفث في الماء .

وفعلهم هذا نظير من يزعم أنه لا دليل على تحريم اجتماع الناس على الذكر بصوت واحد، ثم يستدل على الجواز بالنصوص المطلقة الحاثة على الذكر.

ووجه الخطأ أن كلا الاستدلالين مبني على نقل مشروعية الأصل إلى هيئة مخصوصة لم يدل عليها دليل.

فإن قلت: الرقية بابها اجتهادي.

قيل: على القول بجواز الاجتهاد في بعض وسائل الرقية وكيفياتها التي لا تخالف الوارد، لكن شرطه:
١-أن يتحقق القارئ من وصول النفث إلى المحل الذي يقصد رقيته، كما هو المستفاد من صفة الرقية الواردة في السنة، كحديث اللديغ وحديث عائشة رضي الله عنها لما قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه، نفث في كفيه بـ {قل هو الله أحد} وبالمعوِّذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه)
واستمرار اتصال النفث بالمحل المرقي في جميع ما ورد من صفات الرقية مع عدم نقل صورة يخالفه: قرينة قوية على أن هذه هي الكيفية المشروعة، فلا يصح إلحاق صورة لم يتحقق فيها هذا الوصف بما ورد به النص إلا بدليل، وأما القول بأن النفع من الله لا من الريق، فمُسلَّم، لكن هذا لا يمنع أن يكون الله تعالى قد جعل هذا الاتصال سببا شرعيا لتنزل الشفاء كما هي عقيدة أهل السنة؛ ولذلك لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المجرد دون نفث، ولا بالنفث في الهواء دون تحديد محل.

٢-ألا يفضي إلى الغلو، فإن ما يفضي إلى الغلو في الأشخاص لا يسوغ استحداثه في هذا الباب؛ لأن باب الرقى من المواطن التي يظهر فيها تعلق العامة بالأشخاص، فتجري فيه قاعدة سد الذرائع.

ولم يكتفِ هؤلاء بهذا، بل استحسنوا بأذواقهم فزعموا أن هذه الهيئة إن لم تنفع فلا تضر.

وغفلوا أن القضية ليست طبية: هل يضر النفث في الماء أو لا؟
وإنما هي قضية تمس العقيدة؛ فهذه الهيئة تفتح بابا لتعظيم الشخص نفسه والغلو فيه، فتدخل بذلك تحت باب سد الذرائع،
وقاعدة سد الذرائع معتبرة في أبواب الاجتهاد كما تعتبر في غيرها عند تحقق مناطها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور مع كون الصلاة في أصلها عبادة مشروعة لكنها منعت لكونها تفضي إلى مفسدة عقدية.
ومقام العقيدة من مواضع المبالغة في الاحتياط عند السلف على حسب مقتضى مجموع النصوص الشرعية
حيث يُكتفى بإمكان المفسدة العقدية دون تحقق غلبتها الفعلية؛ نظرا لخطورة المآل.

وأؤكد هنا أننا لا نتكلم عن مشروعية أصل النفث في الرقية، وإنما نتكلم عن هيئة بعينها، ولا يصح إلحاق ما لا يتحقق فيه وصول النفث بما تحقق فيه وصوله.

فإن قيل: الاجتماع الجماعي ورفع القوارير ليس هيئة تعبدية تحتاج إلى توقيف، وإنما هو وسيلة تنظيمية، والوسائل التنظيمية أصلها الإباحة ما لم يثبت فيها محذور شرعي.

قيل: هذا أقوى ما يمكن أن يستدل به الددو في هذا المقام

وجوابه: أن الوسيلة التنظيمية المباحة هي التي لا تغير من صورة الفعل التعبدي نفسه كاستخدام مكبر الصوت لإسماع الذكر لجمع كبير، أما هنا فالتغيير وقع في نفس الصفة المشروعة، فبدل نفث مباشر متحقق الوصول كما وصفته السنة، صار الفعل نفثا في الهواء أو باتجاه قارورة بعيدة دون تحقق، وهذا ليس تنظيمًا لوسيلة الأداء، وإنما هو تحويل لصفة الفعل من نفث متصل إلى نفث منفصل مجرد، مع ما يفضي ذلك إلى الغلو في الشخص نفسه.

وأما حسن الظن بالنية، فهذا أمر لا يمنع من نقد الفعل نفسه؛ فالنية الحسنة لا تصحح هيئة تفتح بابا للغلو.

والخلاصة
الأصل في المنع: أن الهيئة غير ثابتة، ولا يصح إلحاقها بالوارد؛ لأنها غيرت الكيفية المأثورة.
ويؤكد المنع: أن الوصف الملازم للرقية في النصوص هو اتصال النفث بالمحل المرقي، وهذا غير متحقق في هذه الصورة.
ويزداد المنع قوة: لما تفضي إليه الهيئة من فتح باب الغلو في الشخص، فيعمل فيها أصل سد الذرائع.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

مباهلة في تبدبع النووي وتكفير السيوطي!!!

 مباهلة في تبدبع النووي وتكفير السيوطي!!!

من أكثر ما يبعث على الأسف أن تتحول المجالس والمنصات العلمية إلى ساحات مباهلة يتداول فيها: هل النووي مبتدع أو لا؟ وهل أبو حنيفة مبتدع أو لا؟ وهل السيوطي كافر مرتد أو لا؟

فمجرد طرح هذه الأسئلة على هذا النحو يكشف خللا في منهج الاستدلال وتنزيل الأحكام قبل أن يكشف خللا في المباهلة نفسها على هذه المواضيع.

وهذه الجرأة سبب في تشويه منهج أهل السنة عند كثير من الناس، حتى وجد خصومه كعبد القادر حسين وأمثاله مادة يطعنون بها في المنهج السلفي نفسه، ويصورونه على أنه منهج لا يعرف إلا التبديع والتكفير، مع أن هذا في الحقيقة مخالف للأصول التي قررها أئمة أهل السنة.

ولا خلاف بين أهل العلم المعتبرين السلفيين في أن النووي والسيوطي وقعا في أخطاء عقدية ومسائل خالفا فيها مذهب السلف، كما لا خلاف في أن أبا حنيفة رحمه الله قد نُقل عنه ما انتقده أهل العلم، لكنهم مع ذلك لم يسقطوهم ولم يجعلوا تلك الأخطاء سببا لإهدار مكانتهم العلمية

فالإشكال ليس في وصف القول أو الفعل بأنه بدعة أو ضلال إذا دل الدليل على ذلك، وإنما الخلل هو توهم أن كل من وافق المبتدع في بعض مقالاته فقد شاركه في الحكم الذي أطلقه السلف على أهل تلك المقالة بمجرد ذلك، دون تحقيق مناط ذلك الحكم في حقه.

وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه محمد بن شمس وأمثاله، حيث استدلوا بإطلاقات السلف في تبديع أهل البدع أو تكفير أصحاب المقالات الكفرية، ثم نزلوها على أعيان معينين جاؤوا بعدهم دون تحقيق المناط، مع أن تنزيل الأحكام على الأعيان باب مستقل غير باب بيان حكم الأقوال والأفعال، وهو من باب تحقيق المناط لا من باب معرفة الحكم الكلي.

والغريب أن من يكثر من إطلاق أحكام التبديع والتكفير يقع غالبا في تناقض منهجي؛ إذ يبدأ بالاستدلال بإطلاقات السلف ثم ينتهي إلى تنزيلها على كل من وافق أوصافها في نظره، دون مراعاة للفروق التي راعاها السلف أنفسهم، ودون اعتبار لاختلاف الأحوال والأشخاص، فيصبح تحقيق المناط غائبا، مع أنه لب الاجتهاد في هذا الباب.

وهنا نسأل: هل مجرد وجود إطلاق عن الإمام أحمد في ذم مقالة معينة أو الحكم المطلق بكفر قائلها يقتضي أن كل من وقع فيها بعده يدخل في حكمه بعينه، دون تحقيق مناط؟وما الدليل على تحقق المناط في النووي والسيوطي؟

والعجيب أن كثيرًا من هؤلاء يحتجون بكلام السلف في ذم البدع، لكنهم يغفلون عن منهج السلف في تنزيل تلك الأحكام على الأعيان،
لأن إطلاقات السلف أحكام عامة على أوصاف، لا أحكام على كل من ظُن دخوله فيها، أما تنزيلها على الأعيان فهو اجتهاد آخر يحتاج إلى تحقيق المناط، ولا يلزم من صحة الحكم الكلي صحة تنزيله على كل فرد يدعى دخوله فيه، حتى يثبت أن هذا المعين قد استوفى الوصف الذي علق عليه الحكم، وانتفت في حقه الموانع المعتبرة.
فالخطأ ليس في الاستدلال بإطلاقات السلف، وإنما في القفز من الحكم الكلي إلى تنزيله على معين دون تحقيق مناط الحكم في حقه.

ومن هنا فإن من الخطأ اختزال النووي في بعض تأويلاته، أو السيوطي في بعض أخطائه؛ فإن الأمة لم تعرفهم بهذه الزلات، وإنما عرفتهم بما قدموه من خدمة للعلم والسنة والفقه، مع بقاء وجوب بيان ما أخطؤوا فيه ورده بالدليل.

فبهذا يتحقق العدل الذي أمر الله به، وتسلم أصول أهل السنة من الغلو في التبديع والتكفير، كما تسلم من التفريط في إنكار البدع والمخالفات.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 23 يوليو 2026

عبارة: «أدخلتم الدين في كل شيء»

 عبارة: «أدخلتم الدين في كل شيء» 


عندما يأتي فقيه يتكلم عن أزمة الكهرباء أو درجات الحرارة 

تجد من يعلق قائلا: أدخلتم الدين في كل شيء 


ولتحرير العبارة وبيان حكمها أقول:

هذه العبارة مجملة، تحتمل معنيين مختلفي الحكم.. 


ومن أصول أهل السنة: الاستفصال في الألفاظ المجملة المحتملة لحق وباطل، فإن كثيرا من النزاع إنما نشأ من الاشتراك في الألفاظ، لا من حقيقة المعاني. 


قد يريد القائل: لا تُدخلوا أحكام الحلال والحرام، ولا الخطاب الشرعي في مسائل فنية أو تجريبية محضة لا يتعلق بها حكم تكليفي، كالكلام في الأسباب الهندسية لانقطاع الكهرباء، أو الحسابات العلمية لدرجات الحرارة، أو نحو ذلك من العلوم التي مردها إلى الخبرة والتجربة، فهذا المعنى في نفسه صحيح؛ فإن الشريعة لم تأت لتبيين دقائق الصناعات، ولا تفاصيل العلوم التجريبية، وإنما دلت على أن الأصل فيه الرجوع إلى أهله، كما في قوله  صلى الله علبه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». 


لأن هناك من لا يفرق بين جهتين مختلفتين:

١-جهة فنية محضة، وهي معرفة أسباب الانقطاع، وطرق الإصلاح والحلول التقنية والإحصاءات وهذه مردُّها إلى أهل الاختصاص. 


٢-جهة شرعية، وهي ما يتعلق بأفعال المكلفين، كحكم تعمد قطع الكهرباء عمن تتوقف حياته عليها، أو حكم الإسراف في استهلاكها، أو وجوب أداء الأمانة في إدارتها، أو مسؤولية ولي الأمر في القيام بما تقوم به مصالح الرعية.

فهذه الجهة الثانية من صميم الشريعة؛ لأنها حكم على أفعال المكلفين، لا على الحقائق الكونية أو القضايا الفنية. 


وقد يريد القائل أن الدين لا شأن له إلا بالعبادات والشعائر الفردية، وأن السياسة والاقتصاد والقضاء وسائر شؤون الحياة العامة ينبغي أن تدار بمعزل عن الوحي، وأن الرجوع إلى الشريعة فيها غير لازم أو غير مشروع. 


وهذا هو المعنى الباطل؛ لأنه مصادم لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة من أن الشريعة جاءت لهداية الخلق في أمر دينهم ودنياهم، وأن الله تعالى أمر بالحكم بما أنزل، وجعل ذلك أصلا في القضاء والسياسة والمعاملات، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. 


فمن اعتقد هذا المعنى فقد خالف قطعيات الشريعة وأصول الإسلام. 


وعلبه فمن يقول أدخلتم الدين في كل شيء قد يريد المعنى الأول أو الثاني، لما شاهده من تكلف بعض الناس في إقحام النصوص في مسائل فنية محضة، أو خلطهم بين البحث التجريبي والحكم الشرعي،

وقد يريد -والعياذ بالله- المعنى الثالث وهو العلمنة بعينها..


والفارق العملي بين المعنيين لا يدرك غالبا من مجرد سماع العبارة، وإنما يدرك بالنظر إلى القرائن وأصول المتكلم.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 19 يوليو 2026

مختصر في بيان حقيقة #التأله والعبادة عند أهل السنة


- التأله والتعبد لفظان مترادفان: حقيقة واحدة قوامها ما في القلب من كمال المحبة والذل والخضوع، ويلزم عنه شرعا ظهور مقتضاه على الجوارح.

- العبادة اسم جامع لهذه الحقيقة، واسم لأفرادها أيضا، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].
والعلاقة بين الأصل وأفراده علاقة تلازم لا تجريد، فمتى تحقق التأله في القلب وانتفى المانع، لزم ظهوره على الجوارح، وانتفاء جميع الأعمال الظاهرة مع انتفاء المانع دليل على انتفاء الأصل نفسه.

- التأله ليس مجرد اعتقاد ذهني بربوبية المعبود، وإنما هو غاية الذل والمحبة والانقياد، ظاهرا وباطنا.
ولهذا كان اعتقاد مشركي العرب في آلهتهم هو السبب الذي حملهم على صرف العبادة لها، لا نفس عبادتهم؛ فهم لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالربوبية، وإنما شفاعتها وتقريبها إلى الله، كما في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].

وهنا سؤال: لماذا خص المشركون الصنم بالسجود دون الغني وزعيم القبيلة مع اعتقاد القدرة في الجميع؟

والجواب: نوع الاعتقاد يفسر لماذا خُص الصنم بالتعبد، لكن هذا يثبته باعثا وداعيا وليس هو عين التأله، وهذه نكتة الخلاف مع الأشاعرة والمتصوفة
فحتى لو فرضنا جدلا أن المشركين يعتقدون في آلهتهم النفع الجزئي المستقل عن الله فليس هذا هو التأله، وإنما هذا هو الاعتقاد الباعث على التأله والداعي له، وهو شرط لوجود الفعل في الخارج وليس مناطا للشرك في النصوص الشرعية

فالشرع علق الشرك بالفعل كصرف سجود التعبد لغير الله
ولم يعلقه باعتقاد النفع في الآلهة، وإنما ذكر اعتقاد النفع باعثا وداعيا...
فافهم هذا بوركت
ولو أن رجلا اعتقد في ولي ميت أنه ينفع ويضر  دون أن يسجد له أو يدعوه، لكان مشركا في اعتقادة لا عابدا لغير الله ولا متألها له، حتى يقترن الاعتقاد بصرف شيء من العبادة.

- تنقسم الأفعال من حيث كونها تعبدا في نفسها من غير قرينة أو لا إلى قسمين:
الأفعال المحضة كالسجود التعبدي، ودعاء العبادة، والذبح قربة، والنذر، والطواف، فهذه الافعال عيّن الشارع جنسها ابتداء فصرفها لغير الله شرك بمجرد وقوعها دون حاجة لقرينة.
والأفعال المشترك كالقيام والانحناء، فهذه تحتمل التعبد وغيره، فلا تتعين تعبدا إلا بقرينة تخرجها عن معناها العرفي، كالاقتران بدعاء عبادة أو استغاثة، أو مبالغة تنفي كل تفسير معتاد.
والقرينة تعمل في تعيين جنس الفعل لا في كشف ما في القلب مباشرة.

- والحكم بأن الفعل عبادة حكم على جنسه لا على كل من وقع منه؛ فالحكم على الفاعل المعين يفتقر إلى استيفاء شروط التكليف وانتفاء الموانع كالإكراه والجهل والتأويل السائغ.
وبهذا يتميز قول أهل السنة عن الإرجاء الذي يُخرج الأعمال الظاهرة عن مسمى العبادة أصلا.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 17 يوليو 2026

هل مطلق الخضوع عبادة؟ رد على بعض إلزامات حاتم العوني في كتابه الهزيل «مفهوم شرك العبادة»

 هل مطلق الخضوع عبادة؟

رد على بعض إلزامات حاتم العوني في كتابه الهزيل «مفهوم شرك العبادة» 


ذكر حاتم العوني في كتابه (ص 26) ما نسبه إلى خصومه من أهل السنة في تعريف العبادة، فقال إنهم يقولون: «مادام أن الله هو الخالق الرازق المدبر فهو المستحق لأعمال فيها خضوع وتذلل نسميها العبادة». 


ثم بنى على هذا الفهم ثلاثة إلزامات:

الأول: أن كل خضوع عظيم وتذلل كبير يكون عبادة، فيَلزم أن من ذل لطاغية جبار فقبَّل قدميه يكون عابدا له كافرا.

الثاني: أن أي عمل لا يظهر فيه خضوع وتذلل لا يكون عبادة، كالوضوء وغسل الجنابة.

الثالث: أن كل مخلوق كان سببًا في رزق مخلوق أو نفعه أو ضره يستحق نصيبا من العبادة، فيكون ذل الولد لأبويه عبادة لهما. 


والرد عليه: 


هذه الإلزامات مبنية على تصوير غير صحيح لمذهب أهل السنة، فأهل السنة لا يجعلون مطلق الخضوع حقيقة العبادة، ولا يقتصرون على الخضوع الظاهر مع الاعتقاد بالربوبية فقط، بل يحررون العبادة بضابطها الشرعي الدقيق. 


ولذلك ينبغي تقرير ثلاثة أصول قبل الجواب عن الإلزامات: 


الأصل الأول: وسأخصه في بيان حقيقة غاية الخضوع التي بها تتحقق العبادة عند أهل السنة 


ليس كل ذلٍّ عبادة، ولا كل خضوع وإن عظمت صورته: يكون عبادة. 

والخطأ الذي وقع فيه العوني أنه تصوّر غاية الخضوع على أنها مجرد التذلل الظاهر في أعلى درجاته، ثم ظن أن هذه الغاية الظاهرة متى وُجدت كانت عبادة بذاتها.

وهذا تصوير غير دقيق؛ فالخضوع المعتبر شرعًا هو الخضوع التعبدي (التأله) لا مجرد الذل الظاهر.

والتأله في اصطلاح السلف ليس مجرد الاعتقاد الذهني باستحقاق المعبود للعبادة، ولا مجرد إرادة القلب المجردة، وإنما هو حقيقة تعبد القلب للمألوه، المتضمنة لكمال المحبة وكمال الذل والانقياد له. 


وبهذا الأصل يُفرَّق بين نوعين من الخضوع:

١. الخضوع التعبدي: وهو الخضوع الذي تحقق فيه التأله بحقيقته المتقدمة، وهذا لا يكون إلا لله وحده.

٢. الخضوع غير التعبدي: وهو الذي مهما بلغت صورته الظاهرة من الشدة لم يتحقق فيه التأله، سواء كان مشروعًا كبر الوالدين، أو جبليًا كذل المقهور. 


الأصل الثاني: وسأخصه في بيان أن العبادة أعمّ من صورة الخضوع الظاهر 


العبادة عند أهل السنة هي: كل ما شرعه الله على جهة التعبد والتقرب إليه، سواء ظهر فيه خضوع بدني أم لم يظهر، وأما باعتبار أفرادها الشرعية فكما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية، اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. 

فمدار العبادة على كون الفعل مشروعًا على جهة التعبد، مقصودًا به التقرب إلى الله، لا على مجرد ظهور هيئة الذل البدني. 


ولا بد هنا من التفريق بين حقيقة العبادة وطريق الحكم على الأفعال؛ فحقيقة العبادة عند أهل السنة هي التأله لله، وهو بعينه ما يُعبَّر عنه بغاية الذل مع غاية المحبة

وأما الحكم بالشرك فيتعلق بالفعل الذي جعله الشرع عبادة مختصة بالله كالسجود والدعاء والذبح والنذر إذا صُرف لغيره، ولو لم يستحضر الفاعل التفصيلي لمعنى التأله، كمن سجد لصنم تقليدًا لآبائه.


الأصل الثالث: وسأخصه في بيان طريق معرفة تحقق العبادة في الأفعال الظاهرة 


لا يلزم من كون التأله أصلا في حقيقة العبادة أن يُشترط إقامة الدليل على وجوده الباطن في كل معين؛ فإن الشرع جعل أفعالا معينة من خصائص العبادة، كالسجود والدعاء والذبح والنذر، فالحكم عليها يكون بجنس الفعل الذي جعله الشرع عبادة، لا بتفتيش ما في القلوب. 


وهذا هو الذي يميز مذهب أهل السنة عن مسالك المرجئة الذين يردون أحكام الظاهر إلى مجرد الاعتقاد الباطن. 


وأما ما لم يجعله الشرع شعارًا خاصًا للتأله من صور الذل والخضوع العام  كذل المقهور وبر الولد فمرجعه إلى القرائن الظاهرة الدالة عرفًا وسياقًا على اقتران الفعل بالتأله أو عدمه، لا إلى مجرد الصورة الحسية للفعل. 


نعود إلى الجواب عن الإلزامات: 


الإلزام الأول (الذل للطاغية):

هذا الإلزام مبني على تسوية باطلة من العوني بين الذل التعبدي وذل المقهور، مصدرها ظنه أن غاية الخضوع الظاهر هي غاية الخضوع المعتبرة شرعًا، وقد تقرر في الأصل الأول أن ذل المقهور وإن بلغ في صورته الظاهرة أقصى مبالغ التذلل، كتقبيل القدمين إلا أنه لم يبلغ حقيقة التأله؛ لأنه ذلٌّ صادر عن خوف من البطش لا عن تأله وتقرب. 


الإلزام الثاني (عدم وجود خضوع في الوضوء وغسل الجنابة):

هذا الإلزام من العوني يفترض أن كل عبادة لا بد أن تشتمل على هيئة خضوع بدني ظاهر، وهذا غير صحيح؛ فقد تقرر في الأصل الثاني أن العبادة أعم من ذلك؛ إذ مدارها على صدور الفعل ابتغاء التقرب إلى الله، لا على مجرد الصورة الحسية للذل. 

والوضوء من جنس ما حدد الشرع كونه عبادة؛ لأنه امتثال لأمر التطهر تقربا إلى الله، وإن لم يشتمل على هيئة الذل البدني الظاهرة، فعبادته تثبت بجنسه، لا بمجرد صورة الخضوع. 


الإلزام الثالث (ذل الولد لأبويه):

هذا الإلزام يجري على المنهج نفسه الذي بُني عليه الأول، فبر الولد بوالديه، وإن بلغ غاية الطاعة والإكرام في صورته الظاهرة، إلا أنه ذلٌّ ناشئ عن محبة فطرية وإحسان معلوم السبب كالتربية والرحمة، ولا يبلغ تعظيمًا من جنس التأله؛ فهو كذل المقهور لم يبلغ حقيقة التأله وإن بلغ الغاية في مظهره. 

والفارق ليس في مجرد وجود سبب الإحسان، فإحسان الله على عبده أعظم من إحسان الوالدين، وإنما استحق الله وحده التأله لكمال ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، ومن ذلك عموم إحسانه وإنعامه، 

بخلاف إحسان الوالدين المحدود الذي لا يبلغ هذه المرتبة أصلا،  ولو كان برهما تألهًا لهما لكانت طاعتهما مطلقة، كما أن مقتضى التأله لله يوجب تقديم طاعته على كل طاعة، فلما نهى الشرع عن طاعتهما في معصية الله علم أن برهما طاعة لله، لا عبادة لهما، قال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 15) 


ولا أدري كيف خفي على العوني أن هذه الإلزامات ساقطة من أصلها؛ لأنها مبنية على نسبة مقدمة إلى أهل السنة لا يقولون بها؛ إذ لا يصح إلزامهم بلازم مقدمة لا يلتزمونها. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 15 يوليو 2026

#نظام_الطيبات من منظور شرعي

 #نظام_الطيبات من منظور شرعي 

[تنبيه: أنا لا آكل الدجاج وبعض الاطعمة، وتركي لأكل بعض الأطعمة إنما هو لثبوت ضرر معين يتعلق بطريقة إنتاجه أو حقنه بمواد ثبت ضررها طبيًا، لا لأن جنس الدجاج محرم، ولا لأنه يقتات على القاذورات، فالفرق كبير بين اجتناب صورة ثبت ضررها وبين تحريم جنس الطعام الذي أحله الله 

يقول د. ضياء في مقطع مرئي:( ما فيش احد يأكل دجاج ولا يخاف من الظلمة، ولا تأتيه كوابيس)

ويقول:( أعجب ممن يأكل البيض المسلوق وينام ولا يموت) ] 


مقدمة 

الأصل المقرر عند الفقهاء أن جميع الأطعمة والأشربة مباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ولا يخرج شيء من هذا الأصل إلا بأحد أمرين: دليل شرعي خاص، أو ضرر معتبر تثبته وسائل الإثبات العلمية المعتبرة. 

وقبل بيان الاشكالات لابد من تعريف موجز بالنظام 

نظام الطيبات نظام غذائي وضعه الدكتور ضياء العوضي، يقوم على تقسيم الأطعمة إلى أطعمة مسموحة وأخرى ممنوعة. ويمنع النظام - على وجه العموم - أصنافًا كثيرة من الأغذية، من أبرزها: جميع أنواع الدواجن، والبيض، والألبان ومشتقاتها، والبقوليات كالعدس والحمص والفول، وعددًا من الخضروات النيئة كالخس والجرجير والجزر والخيار، وبعض الفواكه كالبرتقال والليمون، كما يدعو إلى اجتناب كثير من الأدوية الكيميائية، ومنها المضادات الحيوية، وأدوية الضغط والسكري، مكتفيًا بعبارة "استشر طبيبك". 


وعلى هذا النظام ملاحظتان جوهريتان: الأولى عقدية، والثانية فقهية. 

أولًا: إشكال عقدي في باب الأسباب 

لا يُقصد هنا الحكم على الأشخاص، وإنما بيان ما قد يشتمل عليه البناء النظري للنظام من إشكال يتعلق بباب الاعتقاد. 

يقوم النظام على تصورات قريبة من بعض مدارس الطب الطبيعي والفلسفات الحيوية، التي تبالغ في إبراز قدرة الجسم على استعادة توازنه والشفاء الذاتي بمجرد إزالة السموم والعوائق، مع التقليل من شأن الأسباب العلاجية الخارجية.

ومن هذه الجهة فإن النظام لا يمثل طرحًا جديدًا بقدر ما يعيد إنتاج كثير من الأفكار التي اشتهرت بها مدارس الطب الطبيعي والفلسفة الحيوية، وينص النظام على أن الجسم يصنع جميع احتياجاته بنفسه ولا يحتاج إلى مدخلات معقدة، بل يصرّح بأن الجسم هو السيد. 

ولا إشكال في أصل اعتقاد أن الله تعالى أودع في جسم الإنسان آليات عظيمة للشفاء؛ كالتئام الجروح، وعمل الجهاز المناعي؛ فهذا من سنن الله في خلقه، وإنما محل الإشكال في تصوير هذه الآليات تصويرًا يوهم استقلالها وكفايتها عن بقية الأسباب التي جعلها الله جزءًا من نظام الكون. 

فمن المقرر عند أهل السنة والجماعة أن الأسباب لا تستقل بإيجاد مسبباتها، وإنما تعمل بإذن الله، ومع اجتماع ما جعله الله من الأسباب الأخرى. 

وهذه سنة مطردة في جميع الموجودات؛ فالزرع لا ينبت بمجرد البذر، ولا بالماء وحده، ولا بالشمس وحدها، وإنما يحصل باجتماع أسباب متعددة ربط الله بعضها ببعض. 

وكذلك صحة الإنسان لا تقوم على آلية واحدة، بل على منظومة متكاملة تشمل: سلامة البنية الداخلية، والغذاء المناسب، والبيئة الصحية، والدواء عند الحاجة، وسائر ما أجرى الله العادة بترتب الصحة عليه. 

فحين يُصوَّر النظام الجسم بأنه سبب تام مكتفٍ بنفسه كما في عبارة "الجسم يصنع كل ما يحتاج إليه بنفسه ولا يحتاج إلى مدخلات خارجية" على إطلاقها، بينما هو في حقيقته جزء سبب يحتاج لانضمام أسباب أخرى إليه لينتج الأثر المقصود، فهذا خلل في تصور آلية الأسباب ذاتها التي أقرّها الشرع، لا مجرد خطأ تقديري في مقدار النافع والضار. 

وهو إخلال بدقيقة من دقائق التوحيد في باب الأسباب: أن يُنسب للسبب المخلوق من الاستقلال والكفاية ما لا يليق إلا بمن جعل الأسباب مترابطة بحكمته، فعبارات مثل "الجسم هو السيد" أو "الجسم يصنع كل شيء بنفسه" تدل - وإن لم يقصد قائلها هذا اللازم - على استقلال الجسم بما جعله الله قائمًا على تكامل الأسباب لا على انفراد سبب واحد بها.

والاخطر أن النظام يقترب من الاعتماد على الجسم كأنه بديل شامل، مع إهمال أن الله جعل الأسباب الطبية بما فيها الأدوية المكتشفة جزءًا من سننه أيضًا. 

ثانيًا: إشكال فقهي من جهتين: 

١- من جهة المنع العام من بعض الأطعمة المباحة 

المنع العام لجنس الدجاج، أو البيض، أو اللبن، أو البقول، لمجرد القول بأنها ليست نافعة في ذاتها للإنسان، أو أنها ليست الغذاء الأمثل، أو لاستقذارها= لا يكفي شرعًا لنقلها من أصل الإباحة إلى المنع.

أما إذا ثبت وفق الدراسات العلمية الرصينة أن صورة معينة من هذه الأطعمة يغلب فيها الضرر، كإكثار استخدام الهرمونات أو المضادات الحيوية، فإن المنع حينئذ يتعلق بهذه الصورة لا بجنس الطعام، وتكون العلة هي الضرر العارض، لا ذات الطعام. 

ولهذا لو ثبت أن محصولًا معينًا من الطماطم في بلد ما ملوث بنسبة عالية من المبيدات، فإن المنع يتعلق بذلك المنتج، ولا يقال بتحريم الطماطم في نفسها؛ وهذا هو الميزان الموافق للقواعد الأصولية، إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. 


٢- من جهة ترك التداوي 

الأصل أن التداوي مباح عند جمهور العلماء، بل مستحب عند كثير منهم؛ فقد نقل ابن عبد البر قول الجمهور على إباحته، وقرر ابن تيمية أن التداوي بالحلال لا يجب في الأصل عند أكثر أهل العلم. 

لكن هذا الأصل لا يشمل الحالتين اللتين اشتمل عليهما نظام الطيبات: 

الأولى: أن يترك الإنسان التداوي بناءً على اعتقاد أن الجسم يغني بنفسه عن جميع الأسباب العلاجية الخارجية، وهذه ليست مجرد مسألة فقهية، بل ثمرة للخلل العقدي في تصور الأسباب الذي سبق بيانه. 

والثانية: أن يقطع المريض دواءً ثبتت حاجته إليه واستقرت منفعته، كإيقاف الأنسولين لمريض السكري من النوع الأول، أو ترك أدوية الضغط لمن يعتمد عليها في منع المضاعفات، فهذه ليست من باب ترك التداوي ابتداء، وإنما هي من باب إزالة سبب قائم يغلب على الظن توقف السلامة عليه، ولذا نص كثير من الفقهاء على أن التداوي قد يجب إذا غلب على الظن حصول الهلاك بتركه، قياسًا على استعمال الترياق المعلوم النفع لدفع خطر السم القاتل، مع الفارق بين فورية خطر السم وتراكمية خطر الأمراض المزمنة، وهو فارق لا يمنع أصل القياس في وجوب دفع الهلاك المتيقن أو الراجح، وإن تفاوتت درجة الاستعجال فيه. 

ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». 

فالكلام هنا ليس عن مجرد ترك دواء مباح، بل عن تعريض النفس أو الغير لضرر غالب أو متحقق بإزالة سبب ثبتت منفعته. 

يقول د. ضياء في مقطع مرىي:( ما فيش دواء سيولة. لا أحد يأخذ دواء سيولة)

ويقول:( ما فيش دواء على وجه الأرض مفيد)

ثالثا: من الإشكالات الطبية

هناك تناقض داخلي في النظام مؤثر على صحة الإنسان

حيث إنه يحرم أطعمة طبيعية مثبت نفعها علميًا (خضروات ورقية، بقوليات، بيض، ألبان)، بينما يسمح في بعض السياقات بنكهات صناعية أو منتجات تحتوي على سكر مضاف (نوتيلا، عصائر محلاة)، وهذا التناقض يُضعف الادعاء بأن الحكم مبني على الضرر، ويجعله اجتهادًا شخصيًا غير منضبط. 

وكذلك تقييده شرب الماء عند العطش فقط وهذا قد يؤدي إلى خطر الجفاف، لاسيما مع الصيام المتكرر أو في الطقس الحار.

وكذلك منع الخضروات الورقية، البقوليات وهذا قد يؤدي إلى نقص حاد محتمل في: الألياف الغذائية والبروتين إلى غير ذلك 


وأخيرا أقول: 


يقوم الميزان الشرعي في هذه المسألة على أصلين متلازمين: التفريق بين الجنس والصورة في باب الأطعمة، فلا يُحرَّم جنس بعارض صورة؛ والتفريق بين الأسباب المفردة والأسباب المركّبة في باب الاعتقاد، فلا يُنسب لسبب واحد ما لا يكون إلا باجتماع أسباب. 

ونظام الطيبات، حين أخلّ بالأصل الثاني، انتهى عمليًا إلى الإخلال بالأصل الأول أيضًا: فمن اعتقد أن الجسم يكفي نفسه، لزمه أن يستغني عن الغذاء المتنوع والدواء معًا، ولو لم يقصد هذا اللازم ابتداءً. والله أعلم. 


بقي سؤال: هل من الممكن أن أستفيد من بعض ما في نظام الطيبات؟

الجواب: نعم، مما ثبت نفعه للإنسان عبر دراسات معتبرة وتحت إشراف طبيب لمن يعاني من مرض مزمن..

مع الابتعاد عن فلسفة النظام وأن الجسم هو السيد...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار