مسألة عدم نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذا إذا وجد السبب وانتفى المانع
لها صورتان:
الأولى: أن يدل على ثبوت الفعل دليل عام أو خاص
الثانية: ألا يدل على ثبوت الفعل دليل عام ولا خاص
فإن لم يدل على ثبوت الفعل دليل أصلا كان عدم النقل الذي توفر داعيه ولا مانع دليلا على عدم وقوع الفعل منه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تكفل بحفظ دينه، فلو كان قد فعل لنقل...
كالاستغاثة بالقبور أو زيادة صلاة سادسة
وأما إذا دل دليل خاص على ثبوت الفعل كمداومته على فعل ما في كل أحواله في الحضر كراتبة العشاء
فلا نحتاج في ثبوت مشروعية الفعل إلى نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله؛ لثبوت مشروعيته بدليل، فلا يكون عدم نقل فعله من السنة التركية، ولأن عدم نقله لا يدل على عدم الوقوع...
تبقى مسألة حيرت العقول وهي إذا دل دليل عام على ثبوت الفعل فهل عدم نقل الفعل إذا وجد الداعي ولا مانع يدل على المنع؟ وهل ينزل منزلة عدم وجود دليل؟
الذي ذهب إليه ابن العربي المالكي أنه عدم دليل معين وينظر في الأدلة الأخرى حيث قال:(...وتحقيقه أنه عدم دليل لا وجود دليل. فإن قيل: لو أخذها- أي زكاة الخضروات- لنقل. قلنا: وأي حاجة إلى نقله والقرآن يكفي فيه)
فابن العربي تمسك بالدليل العام ولم يجعل عدم النقل دليلا على عدم وجود دليل.
وذهب ابن القيم إلى أنه ينزل منزلة نقل الترك لكن في سياق كلامه على الابتداع في الدين، فلاحظ في إنزاله عدم النقل منزلة العلم بالترك: سد باب البدعة..
ولم يقصد المنع من إجراء العموم القولي على عمومه على كل حال، وإنما اعتبر في الأخذ بعدم النقل إلى قوة القرينة، فمتى قويت القرينة على رفع عدم النقل إلى العلم بالترك، كان ذلك مانعا من العمل بموجب الدليل العام...
وتقوى القرينة في الأمور التشريعية التعبدية التي لا يعقل معناها... فمن قصد تخصيص العام لغير معنى مناسب من غير أن يمنع منه دليل خاص أو الزيادة والنقصان على صفة المشروع استنادا على عموم...فهنا فتح باب البدعة على مصراعيه... ومن جاء إلى عبادة مخصوصة بصفتها وهيئتها وعددها فزاد عليها أمرا استنادا على عموم فقد وقع في الابتداع
وكذلك تقوى القرينة في الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها، والتي تعم بها البلوى... فعدم النقل فيها دليل على قصد الترك.... وإن كانت تناولها الإطلاق أو كانت إحدى جزئيات العام...
فمثلا الأذان في العيدين هو زيادة على الصفة المشروعة في العيدين، وتحتاج الأمة إلى معرفتها، فلو كان من الدين لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولنقل إلينا...
وكذلك الاجتماع على الذكر بصوت واحد فهذه الهيئة وإن تناولتها إطلاق النصوص الآمرة بالذكر إلا أن عدم النقل يدل على المنع؛ لأن الأمة محتاجة إلى بيان هذه الهيئة فعدم بيانها مع الحاجة إليها وتوفر الهمم على نقلها لو فعلت دليل على أنها ليست مقصودة للشارع وأن فعلها بدعة.
ومتى لم تقو القرينة لم يكن عدم النقل مانعا من العمل بموجب الدليل العام...
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق