الاثنين، 27 أبريل 2026

هل المروءة والسمت العلمي للمنتسبين لعلوم الشريعة هو: في ترك ربطة العنق (الكرافته)؟

 

[الملخص: لا يليق بطالب العلم أن يلبس الكرفته؛ لأنها لا تليق بحملة الشريعة، ويصح الإنكار على من لبسها بالتوجيه والبيان]

يتساهل بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي في لبس ربطة العنق في المحافل العامة والمؤتمرات، بل تجاوز ذلك إلى مناقشات الرسائل العلمية وبحوث التخرج. وهذا يستدعي تحريرًا للمسألة وبيانًا ينضبط بالأصول والقواعد المحكمة في الشريعة..

ابتداءً: لا بد من تقرير أن لبس ربطة العنق في ذاته محل خلاف بين الفقهاء المعاصرين؛ فمنهم من منع نظرًا إلى أصل مخالفة الكفار قي لباسهم وما قد يُستصحب من دلالات تاريخية وعقدية لربطة العنق، ومنهم من جوّز باعتبار أنها صارت من اللباس العام الذي عمت به البلوى، ولم تعد شعارًا خاصًا
وقد قيل في أصلها أقوال متعددة؛ منها نسبتها إلى لباس الكروات في الحروب، ومنها ما يُذكر من ارتباطها برمز الصليب...

غير أن النظر المقاصدي لا يقف عند حدود الإباحة المجردة، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبار المقاصد الشرعية والمآلات...
ذلك أن الأحكام المتعلقة بهيئات أهل العلم يراعى في حكمها النظر إلى مقاصد الشريعة في التميّز والمخالفة وحفظ مقام العلماء وسمتهم؛ فالعالم ليس فردًا عاديًا في نظر العامة، بل هو قدوة وممثّل للشرع في ظاهره قبل باطنه.

ولذا نص الفقهاء على أن الفقيه تنخرم مروءته إذا لبس عمامة سوقي لا تليق به[انظر تحفة المحتاج شىح المنهاج لابن حجر الهيتمي]
وقال البرماوي في الفوائد السنية في بيان معنى المروءة:( توقي الإنسان ما لا يليق بحاله، ويختلف ذلك باختلاف الناس)

ولأهمية التحلي بالمروءة اشترط المحدثون في الراوي الذي تقبل رواية حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزهه عن كل ما يسقط المروءة ...

وذكر الفقهاء والأصوليون في شروط المفتي أن يكون متنزها عن مسقطات المروءة، وأن من لم يكن متنزها فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد، [انظر كلام ابن الصلاح في أدب المفتي ولمستفتي وغيره]
بل شدد الفقهاء فأسقطوا الثقة بقول من ارتكب ما لا يليق بمثله ونفوا قبول شهادته....
قال الغزالي:(فمن يرتكب ما لا يليق بأمثاله من المباحات...فتسقط الثقة بقوله ولا تقبل شهادته) العزيز شرح الوجيز للرافعي القوزيني

وعند تنزيل هذا الأصل على مسألتنا: فإن ربطة العنق – وإن لم تعد اليوم شعارًا دينيًا خاصًا – إلا أنها لم تجرِ عادة أهل العلم بلبسها، بل غلب اقترانها في الأذهان بالساسة والبرلمانيين ونحوهم ممن أفعالهم في الجملة لا تليق بأهل العلم...

وعليه؛ فكون ربطة العنق لم تعد شعارًا دينيًا خاصًا بالكفار يُخفف جانب المنع في حق عامة الناس، لكنه لا يُسقط الاعتبار بالكلية؛ لأن للهيئة الظاهرة أثرًا معتبرًا في إبراز التميّز وحفظ السمت.

ومن هنا يظهر أن محل الإشكال ليس في لبسها من عموم الناس على القول بالجواز، بل فيمن يلبسها ممن ينتسب إلى العلم الشرعي ويُعرف به؛ إذ ليس من اللائق بحملة الشريعة ودعاتها أن يتشبهوا في هيئاتهم بما لا ينسجم مع سمتهم العلمي، وليس المقصود بذلك تحريمًا لذاته، وإنما مراعاةٌ لجانب المروءة، وحفظٌ لهيبة العلم، وسدّ لما قد يُفضي إلى تمييع الفوارق الظاهرة بين أهل العلم وغيرهم.

وقد قرر الفقهاء أن من يُقتدى به عليه أن يراعي في هيئته ما يحفظ به قدر العلم في النفوس، وأن يترك ما يُنقصه في أعين الناس، ولو كان الفعل في ذاته مباحًا؛ لأن المروءة والسمت من المعاني المعتبرة شرعًا، لا سيما في حق من يتصدر للتعليم والدعوة.

كما أن تميز أهل العلم باللباس عن غيرهم أمر متقرر عند الفقهاء
فقد ذكر الخرشي في شرح مختصر خليل:(وقالوا: ينبغي للعالم أن يلبس ما يميزه عن غيره)

والحاصل أن ترك لبس ربطة العنق من أهل العلم في هذا السياق ليس من جهة تحريم لذات الفعل، وإنما من جهة تحقيق المروءة وحفظ مكانة العلم...وهو أصل معتبر عند السلف والأئمة...
ولذا صح الإنكار على من لبسها...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق