الثلاثاء، 30 يونيو 2026

تحرير محل النزاع بين الأشاعرة وأهل السنة في مسألة الاستغاثة بالميت هل كون الله هو الفاعل الحقيقي يبيح الاستغاثة بالأموات؟

 للمتخصصين


تحرير محل النزاع بين الأشاعرة وأهل السنة في مسألة الاستغاثة بالميت

هل كون الله هو الفاعل الحقيقي يبيح الاستغاثة بالأموات؟ 


كثيراً ما ينتقل الأشاعرة عند مناقشة أهل السنة في حكم دعاء الميت والاستغاثة به من الكلام عن حكم سؤال الميت وتوجيه الطلب إليه، إلى الكلام عن أصل آخر، وهو أن الله هو الفاعل الحقيقي لكل شيء، وهذا انتقال من مسألة إلى أخرى مغايرة لها، فلا يصح أن يُجعل أحدهما دليلاً على الآخر. 


فلو سلم جدلا بما يقرره الأشاعرة من أن العبد له قدرة غير مؤثرة وأنه مجرد محل يجري الفعل عنده، فإن إثبات أن الله هو الفاعل الحقيقي لا يستلزم أن كل محل يُجري الله الفعل عنده يصلح أن يكون محلاً لتوجيه الطلب إليه. 


فالمقدمة (الله هو الفاعل الحقيقي) لا تُنتج النتيجة (فيجوز سؤال كل من جرى الفعل عنده) إلا بإضافة مقدمة مضمرة فاسدة، وهي: "كل ما جرى الفعل عنده يجوز توجيه الطلب إليه". 

وهذه المقدمة باطلة لا يلتزم بها الأشاعرة أنفسهم؛ إذ لو صح أن مجرد كون الشيء محلاً لفعل الله يبيح سؤاله لجاز سؤال الجماد والحيوان وسائر المخلوقات؛ لأنها على أصلهم محالَّ يجري الله الفعل عندها. وهذا لا يقول به الأشعري نفسه، لأنه لا يجيز سؤال كل شيء. 


وعليه، فالاستدلال بالفاعلية الحقيقية لله تعالى ليس جوابًا عن محل النزاع، وإنما هو تبديل لموضوعه. 


وأهل السنة لا يجعلون مناط الشرك في الاستغاثة بالميت مجرد اعتقاد استقلال المخلوق بالفعل حتى يلزموا بأن الله هو الفاعل الحقبقي على التصور الأشعري، وإنما يجعلون مناطه توجيه الطلب الذي،لا يقدر عليه إلا الله إلى الميت، سواء اعتقد الداعي استقلاله بالفعل أو جعله مجرد سبب؛ لأن هذا النوع من الطلب لا يتوجه به الطالب إلا إلى من يثبت له سماعا عاما مطلقا، وعلما بحال الداعي، وقدرة على الاستجابة. 

فهذه اللوازم من مقتضيات الفعل نفسه، لا من الاعتقادات التي يلزم التصريح بها، ولذلك كان صرف هذا الطلب إلى غير الله إخلالًا بالتوحيد .. 


ولا يندفع هذا الإلزام بقول الأشاعرة: "إن الميت مجرد سبب ولا قدرة له مؤثرة"، لأنه سيقال لهم الجماد -الذي يعتقد الأشاعرة أن الله هو خالق كل الأحداث فيه وإن لم يكن للجماد كسب أصلًا- والحيوان وسائر الكائنات: قدرتهم غير مؤثرة عندكم ولم تجوزوا الطلب منهم .. 


ولو كانت العلة مجرد كون الله هو الفاعل الحقيقي، لما كان لعدم السماع أثر؛ لأن محل الاستدلال عندكم هو الفاعلية الإلهية لا السماع. فإذا جعلتم السماع شرطًا، فقد تركتم الاستدلال الأول وانتقلتم إلى استدلال آخر.. 


على أن أهل السنة أنفسهم يقررون أن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن العبد له قدرة مؤثرة داخلة تحت مشيئة الله، ومع ذلك يفرقون بين سؤال الحي الحاضر القادر وسؤال الميت أو الغائب غيبة الموت. وسبب هذا التفريق ليس اعتقاد استقلال الحي بالفعل دون مشيئة الله، بل لأن الله جعل أفعال الأحياء أسبابًا معتادة، وأذن في مخاطبتهم وطلب ما يقدرون عليه عادة، من غير أن يلزم على الطلب نفسه لوازم فاسدة عقديا. 

فالفارق إذن ليس في إثبات القدرة المؤثرة أو نفيها. 


أما الاستدلال بالمعجزات والكرامات وخوارق العادات على جواز الاستغاثة بالميت فليس في موضعه؛ لأن المعجزة والكرامة ليستا ناشئتين عن سؤال الناس لأصحابها بعد موتهم، وإنما هي أفعال يجريها الله في حياتهم عند من شاء وفي الوقت الذي شاء 


فوقوع الكرامة للنبي أو للولي لا يستلزم جواز سؤاله بعد موته، كما أن وقوع المعجزة لموسى عليه السلام لا يبيح لبني إسرائيل بعد موته أن يقولوا: يا موسى اشقق لنا البحر. 


ووقوع خرق العادة بإذن الله لفلان لا يستلزم شرعية اتخاذه محلاً للدعاء بعد موته... 


ومن أدلتهم أيضًا أنهم يرتبون على القول بأن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن الميت مجرد سبب، أن ثبوت سماع الميت يكفي لجواز توجيه الطلب إليه، مستدلين بأحاديث سؤال الميت في قبره، وسماعه قرع نعال المشيعين، وسماعه سلام من يسلم عليه، ويقولون: إذا ثبت السماع جاز توجيه الخطاب والطلب. 


والجواب عن ذلك من وجوه: 


أولًا: الذي ثبت في النصوص هو سماعٌ خاص ومحدود، وليس سماعًا عامًا لكل الدعوات والطلبات في كل زمان ومكان، وهو السماع الذي تتوقف عليه دعوى جواز الاستغاثة بالأموات. 


ثانبا: مجرد ثبوت السماع وحده ليس كافيا لتجويز السؤال

والذي فعله الأشاعرة أنهم جعلوا من ثبوت سماع الميت في مواطن لازما لمشروعية سؤاله، وهذا انتقال غير صحيح، فالملائكة تسمع وتحضر وتكتب الأعمال، ومع ذلك لم يُشرع دعاؤها وسؤالها مباشرة. 


ثالثا: أن مجرد السماع لا يستلزم الاستجابة ولا القدرة على التصرف، قال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:14].

فهذه الآية تبطل دعوى صلاحية المدعو للاستجابة، وهي الأساس الذي تقوم عليه دعوى اتخاذه سببًا.. 


وبهذا يتبين أن محل النزاع ليس في أن الله هو الفاعل الحقيقي، ولا في إمكان وقوع الكرامات، ولا في أصل ثبوت نوع من السماع للميت، وإنما في مشروعية توجيه هذا النوع من الطلب إلى الميت، واتخاذه سببًا في تحصيل المطلوب. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 29 يونيو 2026

كشف المزاعم التي أطلقها #عبد_القادر_حسين على من يسميهم " #الوهابية" حول الدعاء والاستغاثة

 

أطلق عبد القادر حسين على خصومه الذين يسميهم "الوهابية" عدداً من المزاعم والافتراءات التي لا تصدر عن نقل دقيق لمذهبهم، ولا عن مناقشة منصفة لأقوالهم. ولئن أحسنّا الظن بصاحب هذه المزاعم، قلنا: أُتي من سوء فهمه، وقلة اطلاعه على تقريرات القوم بأنفسهم..

ومن أبرز ما زعمه هذا الرجل المفتري:

1. أن  الوهابية بزعمه يقولون: كل دعاء عبادة.
2. أن الوهابية بزعمه يقولون مجرد نداء النبي صلى الله عليه وسلم يُعَدّ عندهم شركاً أكبر، مطلقاً وبلا تفصيل.

واستدل لنقض هذين الزعمين بدليلين:
- حديث: «إذا ضلّت دابة أحدكم بأرض فلاة فليقل: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا».
- أثر ابن عمر رضي الله عنه، حين خَدِرَت رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك، فقال: «يا محمد».

وفيما يلي الجواب على هذه المزاعم:

١-دعوى: " أن الوهابية بزعمه يقولون: كل دعاء عبادة

وجوابي:
لم يجعل علماء السنة الدعاء بمعناه العام كله عبادة، وإنما خصّوا نوعاً معيناً من الدعاء بأنه عبادة، وهو الذي تنطبق عليه حدّ العبادة بمعناها الشرعي، أي: الدعاء الذي يكون على وجه غاية الخضوع مع غاية المحبة. هذا النوع وحده هو الذي وُصف بكونه عبادة..

لكن من أين سيفهم مذهبهم وهو ينطلق من قراءة غير دقيقة لتقريراتهم؟!!

فمن قال من علماء أهل السنة: "كل دعاء عبادة"، فإنما يقصد بذلك الدعاءَ الذي تحقق فيه معنى العبادة، لا مطلقَ الدعاء بكل صوره وأحواله.
لكن للأسف هذا الرجل ينطلق في نقده من فهمه المنكوس لمذهبهم، لا من تقريراتهم هم وعباراتهم في مصنفاتهم.!!!!

أما الدعاء الذي هو بمعنى الطلب المجرد، ولم يبلغ حدّ العبادة، فهذا منه ما هو جائز، ومنه ما هو شرك. والحدّ الفاصل بين الجائز والممنوع، هو موضوع الطلب نفسه:

- فمن طلب من مخلوق ما يقدر عليه المخلوق، فهذا جائز.
- ومن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك.

ووجه كون هذا النوع شركاً ليس كما زعمه هذا المتقوّل لأنه عبادة، وإنما لأن التوجه بهذا السؤال في نفسه لا يتصور إلا مع تضمُّنه نسبة خصائص لا تكون إلا لله إلى المسؤول، كاعتقاد أنه يسمع النداء، ويعلم حال الداعي، ويقدر على إجابته، ولذلك حكم أهل السنة عليه بالشرك، ولم يشترطوا أن يصرح الداعي بهذا الاعتقاد، لأن الاعتقاد اللازم للفعل يُحكم به من نفس الفعل.

وطلب الشفاعة من الميت البعيد داخل فيه؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، وليست هي خدمة يقدمها الميت متى شاء ....

وحتى لو قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع بعض الأصوات فليس في ذلك دليل على ثبوت القدرة على الإجابة والتأثير..

وانتبه هنا أن أهل السنة لم يجعلوا التصريح بالاعتقاد شرطاً للحكم بالشرك في هذا النوع من السؤال، فضلاً عن السؤال الذي بلغ حدّ العبادة.

٢- دعوى: " ان الوهابية على زعمه يجعلون نداء النبي صلى الله عليه وسلم شركا أكبر مطلقاً"

هذا وهم فاحش، أو تعمد للكذب..

أولاً: حديث "يا عباد الله احبسوا"

فليس الحديث دليلاً على جواز سؤال الأموات، لأن المخاطَب في الحديث موجود حي يسمع بإخبار الشارع، بخلاف الميت الذي لم يثبت سماعه لهذا النداء ولا قدرته على إجابته.
فالنداء في الحديث موجه لمن أخبر الله بوجودهم في الأرض وسماعهم لمثل هذا النداء، فانتفى المناط الموجب للشرك بهذا الخبر الشرعي، والقياس بين هذا النداء ونداء الميت أو الغائب الذي يلزم من سؤاله أنه يسمع أصوات الداعين في كل مكان ويعلم أحوالهم ويقدر على إجابتهم قياس غير صحيح، لاختلاف المناط بينهما.

ثانياً: أثر ابن عمر "يا محمد"

أما ما استُدل به من أثر ابن عمر رضي الله عنه، فقد رُوي من طرق متعددة،  لكن النظر في صحة الإسناد ليس هو موضع الخلاف الجوهري، فحتى لو سُلِّم بثبوت الأثر، فلا حجة فيه على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وذلك من وجهين:

الوجه الأول: أن مجرد النداء الخالي من الطلب ليس عبادة ولا شركًا، وإنما يكون النداء شركًا إذا اقترن بطلب يختص بالله تعالى. ولذلك لم يكن قول النبي صلى اله عليه وسلم: «وإن لفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، ولا قول المصلي: «السلام عليك أيها النبي»، من الشرك، لعدم اقترانهما بطلب.

الوجه الثاني: أن قول ابن عمر «يا محمد» مجرد ذكر للاسم، لا يتضمن طلبًا، وهو من باب عادات التداوي بذكر المحبوب

فمن أراد مناقشة مذهب القوم، فالواجب عليه أن يناقش تقريراتهم كما قرروها هم، لا كما يتوهمها هو، فذلك أقرب إلى العدل والإنصاف الذي توجبه أخلاق المناظرة.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 25 يونيو 2026

حد العبادة بين أهل السنة ومخالفيهم

 حد العبادة بين أهل السنة ومخالفيهم

النزاع بين أهل السنة وبين الأشاعرة والمتصوفة ليس في كون الشرك حرامًا وكفرًا، ولا في عدم جواز صرف العبادة لغير الله، فهذا متفق عليه، وإنما النزاع في حد العبادة الذي يتميز به الفعل المشروع من الفعل الشركي.

فأهل السنة يقررون أن حقيقة العبادة هي غاية الخضوع والتذلل مع كمال المحبة، وأن صرف هذه الحقيقة لغير الله شرك، سواء صرّح الفاعل باعتقاد ربوبية المعبود أو لم يصرح بذلك.

أما المخالفون فيجعلون التصريح الباطن باعتقاد الألوهية أو الربوبية شرطًا لازمًا للحكم على الفعل بأنه عبادة، فلا يكفي عندهم وقوع الفعل ولا ما يصاحبه من قرائن ظاهرة تدل على التأله، حتى يُستفصل عن عقيدة الفاعل النظرية.

ولذلك فالمخالف إذا رأى رجلًا يسجد لميت فإنه لا يستطيع أن يحكم على الفعل بأنه عبادة أو شرك حتى يستفصل عن الاعتقاد الباطن للفاعل؛ لأن مناط العبادة ليس الفعل وما دل عليه من الخضوع والتأله، وإنما اعتقاد الربوبية الذي يزعم اقترانه بالفعل...!!!

ومن أشهر إشكالاتهم: لو كانت العبادة تتحقق بمجرد الفعل الظاهر دون اعتبار التصريح بالاعتقاد، للزم أن يكون الله قد أمر الملائكة بالشرك حين أمرهم بالسجود لآدم.

والجواب:

أهل السنة لا يقولون إن مجرد صورة السجود عبادة بإطلاق، وإنما يقولون إن العبادة هي خضوع القلب وتألهه وتوجهه وذله مع كمال المحبة، وأن الشارع جعل الأفعال الظاهرة دالة عليه ولازمة له
وتخصيص هذه الأفعال بكونها لا تصلح إلا لله استُفيد ابتداءً من النص الشرعي نفسه؛ فالقرآن والسنة نهيا عن السجود لغير الله، وعن الذبح والنذر لغير الله، وعن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو

فهناك عبادات محضة دالة بذاتها على غاية الخضوع والمحبة، كالصلاة والحج والصيام، وهي ثابتة صورة ومعنى معًا في كل شريعة،
وهناك هيئات شرعية لاتدل بذاتها، كالسجود؛ إذ إن صورته الخارجية: مجرد الانحناء أو وضع الجبهة على الأرض وهي قابلة للإذن بها أو نسخها بين الشرائع بحسب ما يأذن به الشارع، وأما معناها التعبدي بأن يفعل على وجه غاية الخضوع للمسجود له 
فهذا  لا يُنسخ أبدًا في أي شريعة، ولا يجوز صرفه لغير الله بحال.
فالسجود عبادة محضة من جهة معناه إذا قُصد به غاية الخضوع والمحبة، وهيئة قابلة للنسخ من جهة صورته إذا لم يُقصد به ذلك.
ولهذا لم يكن سجود الملائكة لآدم عبادة لآدم، لأن قلوبهم لم تتوجه إليه بالتأله والخضوع، ولم يأمر الله الملائكة بخضوع قلوبهم لآدم، وإنما كانوا عابدين لله بذلك السجود؛ لأنه وقع امتثالًا لأمره سبحانه.،والخضوع إنما كان لله لا لآدم
وهذا نظير استقبال الكعبة في الصلاة؛ فالمصلي يتوجه ببدنه إلى الكعبة، لكنه لا يعبد الكعبة، وإنما يعبد الله الذي أمره بهذا التوجه.

قال ابن تيمية:(أما الخضوع والقنوات بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله وحده، وهو في غيره ممتنع باطل، وأما السجود فشريعة من الشرائع، إذ أمرنا الله أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله) مجموع الفتاوى (٤/٣٦٠)

فإن قيل: إذا كانت حقيقة العبادة غاية الخضوع والمحبة، فماهو الحد الفاصل بين ما يكون غاية وما لا يكون غاية؟

قيل: العلماء لم يتركوا غاية الخضوع مجردة عن الضبط، بل ردّوها إلى معايير موضوعية تخرجها عن كونها مجرد شعور نفسي يصعب قياسه. والضبط يكون من جهات:

أولا: ربط الغاية بالأفعال التي خصّها الشارع بالعبادة
فالشارع نفسه ضبط هذا الإجمال بأن جعل أفعالًا معينة لا تصلح إلا لله، فإذا وُجدت كانت دليلًا على بلوغ الغاية، ولو لم نطّلع على القلب، كالسجود تعظيمًا، والذبح تقربًا، والنذر
فهذه الأفعال بذاتها في عرف الشريعة علامة على بلوغ الغاية، فصار الإجمال في المفهوم النظري مردودًا إلى تفصيل في الأفعال العملية.

ثانيا: ربط الغاية بالاحوال المصاحبة للفعل.

ثالثا: ربط الغاية بـمتعلَّق الخضوع لا بـشدته وكماله،  فإذا كان الخضوع مصحوبًا بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا بذاته  دليل على أن الخضوع بلغ الغاية، أي تجاوز حد ما يُعطى للمخلوق عادة.

فالسني يكتفي بظهور القرينة الفعلية كوقوع السجود للحكم على الفعل بأنه عبادة، دون توقف الحكم على استفصال الفاعل عن عقيدته هل يعتقد فيه الربوبية أو لا؟
والمخالف يعلّق الحكم على التصريح الباطن ذاته، فلا يكفيه ظهور القرينة، بل يشترط أن يصرح الفاعل أنه يعتقد في المعبود خصائص الربوبية، وإلا توقف عن الحكم.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 11 يونيو 2026

هل الحق يعرف بالرجال؟


كنتُ قديمًا أردد عبارة " الحق لا يعرف بالرجال" بإطلاق، من غير تحرير لمعناها، ومن غير تفريق بين كون الرجال مصدرًا للحق، وكونهم وسيلةً للوصول إليه.

ولذا لم يكن السلف يذمون الرجوع إلى العلماء ومعرفة الحق عن طريقهم فيما لا يحتمل الخلاف، وإنما يذمون التقليد الأعمى الذي يجعل أقوال الرجال حاكمة على النص.

والذي يظهر أن علماءنا حين أطلقوا هذه العبارة إنما أرادوا التحذير من جعل الرجال مصدرًا للحق، لا نفي الحاجة إليهم في معرفة الحق وفهمه

ولا شك أن مصدر الحق هو الوحي قطعًا، أو ما دل عليه الوحي دلالة صحيحة.
لكن الوصول إلى هذا الحق وفهمه وتحريره لا يكون في الواقع إلا عبر الرجال الناقلين والمفسرين والمحررين، وهذا أمر لا مفر منه.

ولهذا نجد جميع الفرق والطوائف قد اعتمدت في تقرير مذاهبها على أعيان من علمائها.

فالمعتزلة اعتمدت على ما حرره عبد الجبار المعتزلي
والأشاعرة اعتمدت على ما حرره الجويني والرازي وما استقر عليه السنوسي...وهكذا بقية الفرق

وكذلك أهل الحديث اعتمدوا على ما قرره أئمة السنة من أمثال الإمام أحمد ومن سار على طريقته في تحريرهم ما دل عليه النص الشرعي، وما كان حقا وهدى فيما يتعلق بأصول الدين 
واعتمدوا ايضا على ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبا للسلف.

غير أن التسوية بين الفرق في الاعتماد على الرجال إنما هي من جهة الواقع لا من جهة صحة المنهج؛ إذ لا بد لكل أحد من رجال يتلقى عنهم. وإنما يقع الفرق في المنهج الذي سلكه هؤلاء الرجال في فهم الوحي والاستدلال به.
فأهل الحديث اعتمدوا على رجال يفسرون النص بالنص ويجعلون فهم الصحابة والتابعين أصلًا في الاستدلال، بينما اعتمدت فرق أخرى على رجال قدّموا العقل الكلامي على ظاهر النص، أو جعلوا الذوق والكشف ونحوهما حاكمين عليه.

فمجرد الاعتماد على الرجال في الوصول إلى الحق ليس منكرًا في نفسه؛ لأنه أمر لا بد منه، وإنما المنكر هو الاعتماد على رجال فسد أصل منهجهم في التعامل مع الوحي. ولذلك ضلت بعض الفرق حين بنت أصولها على رجال خالفوا النصوص الصريحة..

فإن قيل: إذا كانت أهلية الرجال الذين يُعتمد عليهم في الوصول إلى الحق تتوقف على موافقتهم للنص وسلامة منهجهم، وكانت سلامة المنهج لا تُعرف إلا من خلال الرجال أيضًا، لزم الدور.

قيل: لا يلزم الدور؛ لأن أصل المعرفة لا يتوقف ابتداءً على أفراد معينين من الرجال.
فثبوت القرآن والسنة، وحجية الوحي، ووجوب الرد إلى الله ورسوله، أمور ثابتة بأدلتها القطعية قبل النظر في أقوال المتنازعين من العلماء والفرق.
كما أن النصوص نفسها أرشدت إلى منهج التلقي والاستدلال، قال تعالى:﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقال﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

فالمعرفة تبدأ بالوحي الثابت ودلالاته الظاهرة، ثم يأتي دور الرجال في التفريع والتحرير والتفصيل.
فالدور إنما يلزم لو كانت المعرفة كلها موقوفة على الرجال من أولها، لكن لما كان لها أصل مستقل انكسر الدور.

وخلاصة القول:
أن الحق يُعرف بالوحي، ويُتوصل إليه بواسطة الرجال الذين سلمت منهجيتهم، ويُحكم على الرجال بالوحي لا العكس. فمن وافق الوحي نصًا ومنهجًا قُبل قوله، ومن خالفه رُدَّ عليه كائنًا من كان

هذا هو التوازن الذي حافظ عليه أهل السنة والجماعة تاريخياً، خلافاً لمن جعل العقل أو الذوق أو الكلام حاكماً، أو من جعل الرجال أنفسهم مصدراً للحق.

فإن قيل؛ من يكون الحكم عند التنازع في تحديد من وافق النص ومن خالفه؟ لأن كل فرقة تدّعي أنها هي الموافقة للنص.
قيل: المرجع عند النزاع هو الكتاب والسنة بفهم الصحابة والتابعين وأئمة القرون المفضلة؛ لأنهم أول من تلقى الوحي، وأعلم الناس بلغة القرآن، وأقرب الأمة إلى عهد النبوة.
ولهذا كانت أقوالهم وإجماعاتهم المنقولة من أعظم ما يُستعان به في فهم النصوص وترجيح معانيها.

فإن قيل: عرفنا أقوال الصحابة والتابعين وإجماعات السلف بواسطة الرجال أيضًا، فيلزم الدور.

قيل: لا يلزم ذلك؛ لأن هذه الأقوال لم تُعرف من طريق فرد واحد حتى يتوقف قبولها عليه، وإنما نقلتها جماعات من أهل العلم جيلاً بعد جيل، واشتهرت واستفاضت في الأمة، وتتابع الأئمة على حكايتها، مع عدم ظهور مخالف معتبر في كثير من المواضع، فتتكون من مجموع ذلك قرائن قوية على صحة النقل وثبوته

فإن قيل: أنا أوافقك أن الرجال وسيلة لا مصدر، لكن لماذا اخترت رجال أهل الحديث دون رجال الأشاعرة؟

قيل: المزية في رجال أهل الحديث هو في قرب منهجهم من طريقة الصحابة والتابعين واعتمادهم النصوص والآثار أصلًا في باب الاعتقاد.

فإن قيل: هل هذا التقرير يصحح عمل من اعتمد على شيخ بعينه معاصر، فصار لا يخرج عن قوله، ويرى أن قوله هو الحق دون غيره؟

قيل: من جعل شيخه حكماً فقد عكس المنهج لا طبّقه؛ لأن العبرة بالإجماع المتقدم المحكي عن أمثال الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية، فمن لا يخرج عن قول شيخه سواء وافق الإجماع المتقدم أم خالفه، فقد جعله مصدراً لا وسيلة، وهذا عين المنهي عنه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار