الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

 هل يلزم من ثبوت البدعة في المعين منع كل ثناء مقيد عليه اقتضته المصلحة ؟

أرسل إلي أحد الإخوة مقطعا  للشيخ #عبد_العزيزالريس ينتقد فيه قول الشيخ العلامة #صالح_آل_الشيخ: (إذا أثنى على المبتدع في بدعته فهذا يخرج من دائرة أهل السنة والجماعة، أما إذا أثنى على مبتدع في غير بدعته، فهذه مسألة اجتهاد، وتبع للمصالح والمفاسد...
إذا صار كل واحد يثني على عالم ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا  يقال إنه ليس من أهل السنة، فهنا ما بقي أحد )

فرد الشيخ الريس هذا التقصيل ووصف كلام الشيخ صالح بأنه #تمييع وأنه يفرح به #السروريون...محتجا بإطلاقات السلف في هجر أهل البدع وإجماعهم على ذلك.
قال الشيخ الريس: (هذا الكلام قطعا خطأ، ...ومما يدل على خطئه الأدلة على هجر أهل البدع وإجماع السلف على هجرهم. وأنه لا تذكر حسنات أهل البدع في مقابل الرد عليهم..)
واستدل بالآثار أن من عظم أهل البدعة فقد أعان على هدم الإسلام...

وفيما يلي بيان لموضع الغلط عند الشيخ الريس:

مدار الخطأ في رد الشيخ الريس أنه لم يميّز بين نوعين مختلفين: الثناء المطلق على المبتدع والوصف المقيد.
فالثنلء المطلق، كقول القائل: فلان إمام هدى بإطلاق، لا يجوز إطلاقه على صاحب بدعة؛ لأن إطلاقه يوهم تزكية دينه ومذهبه كليا، ولا يجيزه الشيخ صالح آل الشيخ أصلا.

والوصف المقيد، كقول القائل: فلان أجاد في ردوده على النصارى، هذا  يجوز إظهاره عند قيام المصلحة الشرعية وانتفاء ما يترتب عليه من مفسدة راجحة،، مع بقاء الحكم عليه بالبدعة والتحذير من بدعته بحسب مقتضى الحال
وهو الذي دار عليه كلام الشيخ صالح، ولذا مثل بالثناء على صلاح الدين الأيوبي في جهاد.ده.

فرد الشيخ الريس ألغى هذا التفصيل جملة، وجعل كل ثناء جزئي في حكم الموالاة المطلقة والتعظيم الكامل للمبتدع، وهذا من أعجب ما يقال!!

ثم إن الناظر في طريقة استدلال الشيخ الريس في هذه المسألة يجد أنه أوقع إطلاقات السلف — وهي أقوال وردت في سياق التأصيل العام، أو ما ورد عن السلف في معين علموا حاله — موقع الحكم على كل معين في كل حال وزمان ومكان، فهو يمنع الثنلء مطلقا على كل مبتدع محتجا بإطلاقات السلف، وهذا المسلك فيه إغفال لقاعدة تحقيق المناط في المعين واعتبار المصالح، إذ إن الحكم بالكليات لا يلزم منه طرد التطبيق على كل الأعيان دون اعتبار للموانع والمصالح والمفاسد الشرعية.

فليس الخلل في الاستدلال بإطلاقات السلف من حيث الأصل، وإنما في دعوى أن تلك الإطلاقات تقتضي حكما واحدا على كل معين في كل حال.

ومن ذلك احتجاجه بإجماعات السلف في الهجر على رد كلام الشيخ صالح في المعين الذي اقتضت المصلحة الثناء عليه في غير بدعته
فليس النزاع في أصل الهجر، وإنما في دعوى كونه حكما لازما لكل مبتدع معين، في كل ظرف، بحيث لا تدخل المصلحة والمفسدة في تقدير فعله ولا يجوز معه الثناء عليه مطلقا، وهذا يخالف ما حرره علماء أهل السنة، ولا يمكن للشيخ الريس أن يلتزم بهذه الدعوى مطلقا.
قال ابن تيمية: «إن أقواما جعلوا ذلك عاما، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به مما لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ...ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابًا أو استحبابًا ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه»
فهذا نص صريح من الإمام ابن تيمية في أن إطلاق الهجر على كل معين خروج عن منهج السلف الوسط.

ويستأنس لهذا الأصل بصنيع #الأئمة مع إبراهيم بن طهمان:
قال أبو زرعة: كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر إبراهيم بن طهمان، وكان متكئًا من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فَيُتَّكأ.
وقال أحمد كان مرجئا  شديدا على الجهمية
فهذا الأثر شاهد على أصل مهم، وهو أن ثبوت البدعة في المعين لا يستلزم بالضرورة إسقاط جميع أوصاف الخير عنه، ولا يمنع من الاعتراف بفضله في وجه آخر، وإنما ينظر في كيفية إظهار ذلك وآثاره بحسب المصلحة والمفسدة، ولذا لم يمنع الإمام أحمد وجود الإرجاء عند إبراهيم من إثبات صلاحه وإظهار الثناء على شدته على الجهمية.

ومن أعظم ما تضمنه رد الشيخ #الريس من هفوات: إغفاله أصلا مجمعا عليه عند السلف، وهو أن المعين الواحد قد يجتمع فيه خير وشر، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية، ومقتضى ذلك جواز إعمال الثناء المقيد عند اقتضاء المصلحة الشرعية.

وأما الأثر المروي في أن تعظيم #صاحب_البدعة يهدم الإسلام فمحله من عظمه لأجل بدعته أو من أقره عليها أو من قدمه في الدين مطلقا
أما الاعتراف بفضله في غير بدعته إذا اقتضت المصلحة ذلك فهو من جنس ما فعله الأئمة مع إبراهيم بن طهمان.

وأما وصف الريس كلام الشيخ صالح بالتمييع فهذا من التلبيس وينطوي على مغالطة #رجل_القش؛ إذ صور  الشيخ صالح وكأنه يدعو لمذهب الموازنات أو تسوية السني بالمبتدع، أو اتخذ من المصلحة ذريعة لإسقاط حكم التبديع بعد ثبوت موجبه، أو استعمل المصلحة لتحرير موالاة أهل البدع بإطلاق ونصرتهم..
والله المستعان
ولو كان كلام الشيخ صالح #تمييعا لكان فعل الأئمة كأحمد تمييعا، وهذا لا يقوله سني في حق أولئك الأئمة.

فليتق الله الشيخ الريس وليعلم أن الذي فعله في رده أنه أبطل كلام الشيخ صالح بإطلاقات السلف التي لا تتوجه إلى كل معين، فشابه ذلك جزئيا ما فعله #عبدالله_الخليفي وأتباعه في إسقاط النصوص المطلقة على كل معين دون تحقيق مناط.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار