الجمعة، 31 يوليو 2026

فقه التبديع عند الأئمة

 

لم أقل: الحسنات العامة وكثرة التصانيف تمنع التبديع بل ولا تمنع من التكفير
فهذه ليست موانع شرعية؛ إذ لا اعتبار شرعيا لمثل هذا كمانع مستقل، وإنما قد تكون قرائن في سياقات خاصة، والقرينة أعم من الدليل..كما أن المقصود ليس تسويغ أخطاء النووي..
والمقصود هنا التأصيل لباب الاحتياط في أحكام الأعيان...
والذي قلته بمعناه: حتى نحكم  بالتبديع المباشر على المعين لابد من النظر إلى السلوك الاستدلالي عند المعين، ولابد أن نراعي أن الأصل بقاء السنة في المعين حتى يثبت خلافه، فذكر الاحتمالات هنا من باب التثبت في تنزيل الأحكام على المعين.

والأصل الذي يُبنى عليه هذا كله: أن خفاء الحق بطول الزمان واستحكام الشبهة معتبر شرعا في رفع وصف التبديع عن المعيّن، لكن بقيد لا بد من تحريره، وهو:

ثمة خط فاصل لا نعذر احدا بتجاوزه مهما صنف وكثرت حسناته، وهو تعظيم الوحي واعتباره حجة مستقلة لاسيما في خصوص باب الإلهيات الذي هو محور الجدل.
وهذا الخط هو الذي يشفع ابتداء لمن حققه أو حام حوله، سواء أخطأ بعد ذلك أم أصاب في التفاصيل.

فالجويني والرازي والآمدي والسنوسي لم يحترموا هذا الخط ابتداء في بابي الإلهيات والنبوات، فصدرت عنهم عبارات تنافي تعظيم الوحي بشبهات ذات أصل فلسفي، وأسّسوا منهجهم الاستدلالي على تقديم العقل الكلامي الذي وصفوه بالقطعي على ظاهر النص الذي وصفوه بالظني، لا عن تقليد، بل عن مناقشة ومجادلة مستقلة.

بينما النووي وأمثاله احترموا هذا الخط ولم يتجاوزوه تنظيرا، وما وقعوا فيه من تأويل كانوا يظنونه منطلقا من تعظيم الوحي والاستدلال به، فتمسكوا بما فهموه - وإن أخطأوا فيه - من قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ ونحوها.

فنحن نتكلم عن شخصين لا يستويان في الحكم: منظر مرجح ومقلد ناقل.
فالمنظر المرجح يطّرد عنده التأويل والتفويض؛ لأنه يعتقد المنهج الكلامي حجة مستقلة يصدر عنها اجتهاداا

وأما المقلد الناقل فلا يلزم اطراد منهجه، لأنه ليس صاحب منهج مستقل، فتارة ينسخ معتمد مذهبه كما هو، وتارة يخالفه بحسب ما يترجح له من النص في موضع بعينه.

فالمقلد الناقل: من ورث مدرسة فقهية كلامية فنقل معتمد مذهبه في كل مسألة يعرض لها، لا لأنه بحث المسألة كلاميا واستقل برأي، بل لأن هذا ما استقر عليه مصنفو مذهبه الذين ينقل عنهم فقها وعقيدة معا، وقد يرجح ويختار بناء على ما ظن أن دليل الشرع يسنده.

ولابد أن يختلف حكمه عمن أسّس منهجه الاستدلالي بنفسه، وهو الناظر المرجِّح،كما بين ذلك ابن القيم بوضوح

فقول النووي "قال أصحابنا كذا" في العقيدة نظير قوله "قال أصحابنا كذا" في الفقه إنما هو نقل لمعتمد مذهب المتأخرين الذي مزج الفقه بالعقيدة، لا اجتهاد كلامي مستقل.
فالنووي وارث لخطإ تراكمي عبر قرون، لا مُصدِر له ابتداء ولا مجادل عنه.

وعلى هذا الأصل جرى صنيع أهل العلم المتأخرين: بدعوا الجويني والرازي، ولم يبدِّعوا النووي وابن حجر، وما خالف في ذلك إلا من لم يفهم منهج أهل السنة في توسعة دائرة العذر لمن لم يتجاوز الخط الأحمر.

وإذا حررنا مثال الكرابيسي
فالكرابيسي لم يكن ناقلا لمسألة موروثة عبر قرون، وإنما كان محدثا لصيغة جديدة "لفظي بالقرآن مخلوق" في وقت المحنة نفسها، وهي صيغة رآها الإمام أحمد حيلة لتمرير القول بخلق القرآن، فكان الكرابيسي بذلك مشاركا فاعلا في صناعة الخلاف وقت نزاعه الحي، لا وارثا لمذهب مستقر، وهذه المشاركة المباشرة في إنتاج القول المحدَث لحظة نزاعه هي التي تُخرج صاحبها من دائرة الوارث المقلد المعذور إلى دائرة المحدِث المسؤول.

وبهذا يتبين لك أن تبديع المعيّن عند السلف له فقهه الخاص، وليس قواعد آلية مطردة أو قوانين رياضية كما يظن محمد شمس الدين وأمثاله، ممن يحسبون أنه ما دام السلف حكموا على منكِر العلو بالكفر، فكل منكِر للعلو يجب أن يكون كافرا وإلا كان ذلك تركا لمذهب السلف؛ وما دام العلماء حكموا على الأشعرية بالبدعة، فيجب أن يكون كل من انتسب إليها مبتدعا، ولو كان مجرد ناقل معظم لأصل الوحي.

قد يقال: ما الفرق بين الرازي والنووي؟

وجوابه: الرازي صرّح في كتبه بالقانون الكلي في تقديم العقل على النقل عند التعارض واستدل له، وهذا تنظير مستقل صريح لمنهج استدلالي، لا نقل عن مذهب.
أما النووي فلم ينظر له، ولا صنف كتابا في أصول الكلام أو قواعد تقديم العقل، وإنما غاية ما عنده نقل واستشهاد بأقوال متكلمي مذهبه في سياق شرح الحديث والفقه.

فإن قيل: أليس نقل النووي لأقوال أصحابه في العقيدة، مع تقصيره في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، تفريطا يستوجب اللوم بذاته؟

وجوابه: هذا اعتراض في محله من جهة التقصير، لكنه لا يرقى لموجب التبديع، فالتفريق هنا بين درجتين: تقصير في الاستدلال وتحقيق مذهب السلف، وهذا مما يُلام عليه المرء تقصيرا، وبين إحداث منهج مخالف للسنة في الاستدلال ينتظم عليه، وهذا هو مناط التبديع.
فالنووي مقصر في عدم استقلاله بالنظر، لكنه ليس مؤسِّسا لمذهب مخالف ولا مجادلا عنه منظرا له.

فإن قيل: ألا يلزم من هذا التقرير أن كل متأخري الأشاعرة معذورون بإطلاق؟

وحوابه: لا يلزم ذلك، لأن الضابط ليس الانتساب للمذهب ط، وإنما الضابط تحقق حال النقل في شخص كل معيّن بعينه، وهذا يقتضي النظر الفردي في كل عالم: هل صنّف في أصول الكلام مستقلا أو اقتصر على النقل؟
فقد يكون بعض متأخري الأشاعرة قد جاوز حد النقل إلى نظر مستقل، فيُبدَّع كالرازي، وقد يقتصر آخرون على النقل فيُعذرون كالنووي.

وعلى هذا التقرير يظهر خطأ هذا المسلك الذي سلكه محمد شمس الدين وأمثاله، إذ لا يصح تعميم حكم الطائفة على كل معين منتسب إليها، بل لا بد من تحقيق المناط في كل معيّن كما هو أصل هذا الباب من أوله.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 30 يوليو 2026

الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله

الخلل المنهجي في حكم #محمد_بن_شمس_الدين بكفر الحافظ #السيوطي رحمه الله 


نشر محمد بن شمس الدين منشورا بعنوان #نواقض_إسلام_السيوطي، انتهى فيه إلى الحكم على الحافظ جلال الدين السيوطي بالردة والكفر. !!


ومقصودي في هذا المقال: بيان الخلل المنهجي عنده في الانتقال من الحكم على القول إلى الحكم على القائل المعين؛ إذ إن هذا الانتقال ليس لازما بمجرد ثبوت كون القول كفرا أو شركا أو مخالفا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنما له ضوابط وشروط مقررة عند أهل العلم. 


وهذا أعظم خلل منهجي استدلالي عند هؤلاء، ترتب عليه الغلو في تكفير المعينين وتبديعهم، ولذا كانت قراءتهم لكتب السلف وأقوالهم قراءة منحرفة... 


ما هي نواقض إسلام السيوطي عند محمد شمس الدين؟ 


1. أنه دعا إلى عبادة قبره، واستند محمد شمس الدين في إثبات ذلك إلى قول الشاذلي بأن السيوطي أوصى أهل بيته أن يذكروا حاجتهم عند قبره فتقضى.

فقفز محمد شمس من فعل جزئي إلى حكم كلي بأنه يدعو إلى عبادة قبره!!! 


2. أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم.


3. أنه أهان القرآن باستعمال كلماته في كتاب رشف الزلال من السحر الحلال

وهذه النقطة تحتاج إلى وقفة، فهذا الكتاب شكك في نسبته للسيوطي جماعة، والشك في أصل النسبة كاف في باب درء العقوبة، وإن لم يكن كافيا في باب الجزم بالنفي.

وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فكيف بأعظم الأحكام وهو التكفير؟!! 


وأما تكرار استخدام المصطلحات الشرعية والقرآنية في هذا السياق الأدبي الجنسي، فيبقى لها تأويل يمنع من التكفير وهو استغلال الازدواج الدلالي للألفاظ بأن يكون للفظ الواحد معنى شرعي ومعنى آخر عادي، فيستعمله على المعنى العادي دون أن يقصد بذلك التقليل من قيمة المعنى الشرعي نفسه، والدافع له هو الصنعة اللفظية، لا الاستهزاء بالدين، وهذا احتمال يكفي لدرء الحكم بالتكفير وإن كان لا يدرأ قبح الاستخدام

أقول هذا ليس لتسويغ الاستعمال وإنما أقوله لنفي كونه استهزاء موجبا للتكفير على كل حال؛ لأن التكفير في هذا النوع يشترط فيه انتفاء الاحتمال الراجح المعارض، وهذا الاحتمال هنا راجح لقيام قرينة السياق الأدبي المعروف. 


4. أنه يقول بأن الله موجود في كل مكان.


5.  أنه يرى أن النبي حي بجسده يتصرف في الكون.

وهذه النقطة أيضا تحتاج إلى وقفة تحرير وتحقيق، فقد استند الكاتب فيها إلى قول السيوطي:"إن النبي حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته". 

فحمل محمد بن شمس الدين لفظ "يتصرف" على التصرف في الكون وتدبير شؤونه.!!!!

إلا أن الاقرب من سياق هذا النص أن المراد بـالتصرف هنا هو الحركة والسير والانتقال من مكان إلى آخر بهيئته البشرية، لا تدبير الكون وتصريف أموره، فهذه النقطة الخامسة مبنية على سوء فهم للنص منه.


والحاصل أن المآخذ التي ذكرها هي في الحقيقة ما بين كفر وشرك وضلال من حيث حكم الأقوال ذاتها، وليس هذا هو محل النزاع أصلا معه متى صحت النسبة، لكن محل النزاع الحقيقي هو: هل يستلزم كون هذه الاقوال كفرا أو شركا: الحكم على قائله المعين بالكفر مباشرة؟ 


وحتى يتضح الجواب، ونفصح عن الخلل المنهحي الذي وقع فيه محمد بن شمس لابد من تقسيم صور الكفر من حيث تنزيل حكم التكفير على المعين إلى ثلاثة أنواع: 


النوع الأول: كفر ينافي أصل الإيمان ولا يجتمع معه

كسبّ الله تعالى، فهذا يوقع الحكم بالكفر على القائل مباشرة دون توقف على إقامة حجة؛ لأنه من الألفاظ أو الأفعال الصريحة التي لا تحتمل التأويل غالبا، فلا يفتقر الحكم فيها إلى إقامة الحجة البيانية، إلا إذا وجد مانع معتبر كالإكراه أو ذهاب العقل ونحوه. 


النوع الثاني: كفر ينافي حقيقة توحيد العبادة دون أصل الإقرار بالشهادتين من جهة تنزيل الحكم على المعيّن، لا من جهة وصف الفعل في نفسه، كالاستغاثة الشركية ودعاء الأموات.

وهذا النوع وإن كان شركاً في ذاته إلا أنه لا يستلزم كفر المعين بالضرورة كالنوع الأول؛ لكثرة وقوع الجهل والتأويل في هذا الباب عند كثير من المتأخرين. 


النوع الثالث: ما يستلزم إنكاره تكذيب الله ورسوله أو الامتناع عن التسليم، كجحد وجوب الصلاة، أو كإنكار ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف من علو الله، وهذاالنوع مما يُعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، ورغم كونه من الضروريات إلا أنه لا يُكفر صاحبه إلا بعد إقامة الحجة عليه؛ لأن الكفر إذا كان راجعاً إلى التكذيب أو الامتناع، فإن ذلك لا يتحقق إلا فيمن تبيّن له الحق على وجهه ثم أعرض عنه، لا فيمن لم يتبين له الحق أصلا. 


ومما يحسم الخلاف قي هذا الباب: موقف السلف من الجهمية

فرغم أن مقالة الجهمية في نفي الصفات من أوضح الأقوال بطلانا، وتتعلق بمسائل من الضروريات المعلومة من الدين إلا أن السلف مع ذلك لم يكفروا جميع أعيان الجهمية مع تصريح كثير منهم بتكفير مقالتهم، وإنما التزموا شرط إقامة الحجة قبل إطلاق الحكم على الأشخاص. 


والذي أختم به أن ما نُقل عن السيوطي من استغاثة ودعوة لقصد قبره وقول بأن الله في كل مكان، وإن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده يسير 

وإن كانت هذه الأقوال ـ إذا صحت نسبتها ـ أقوالاً كفرية أو شركية أو بدعية بحسب كل مسألة إلا أنها من النوع الذي يتوقف الحكم على المعيّن فيها على تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ومن أعظمها قيام الحجة الرسالية.

وهذه هي الفوارق المنهجية التي أغفلها محمد بن شمس الدين في بنائه للحكم على السيوطي. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 29 يوليو 2026

#رقية_محمد_الحسن_الددو الشنقيطي للنساء

 


يزعم بعض المدافعين عن د. محمد الحسن الددو أنه لا دليل على تحريم هذه الهيئة المحدثة: التجمع الجماعي للنساء تحت النافذة، مع رفع القوارير من بعيد، ودون تحقق من وصول النفث إليها.

ثم يستدلون على جوازها بعموم النصوص الواردة في مشروعية النفث في الرقية، كحديث اللديغ الذي هو من أصول الاستدلال بالنفث في الماء .

وفعلهم هذا نظير من يزعم أنه لا دليل على تحريم اجتماع الناس على الذكر بصوت واحد، ثم يستدل على الجواز بالنصوص المطلقة الحاثة على الذكر.

ووجه الخطأ أن كلا الاستدلالين مبني على نقل مشروعية الأصل إلى هيئة مخصوصة لم يدل عليها دليل.

فإن قلت: الرقية بابها اجتهادي.

قيل: على القول بجواز الاجتهاد في بعض وسائل الرقية وكيفياتها التي لا تخالف الوارد، لكن شرطه:
١-أن يتحقق القارئ من وصول النفث إلى المحل الذي يقصد رقيته، كما هو المستفاد من صفة الرقية الواردة في السنة، كحديث اللديغ وحديث عائشة رضي الله عنها لما قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه، نفث في كفيه بـ {قل هو الله أحد} وبالمعوِّذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه)
واستمرار اتصال النفث بالمحل المرقي في جميع ما ورد من صفات الرقية مع عدم نقل صورة يخالفه: قرينة قوية على أن هذه هي الكيفية المشروعة، فلا يصح إلحاق صورة لم يتحقق فيها هذا الوصف بما ورد به النص إلا بدليل، وأما القول بأن النفع من الله لا من الريق، فمُسلَّم، لكن هذا لا يمنع أن يكون الله تعالى قد جعل هذا الاتصال سببا شرعيا لتنزل الشفاء كما هي عقيدة أهل السنة؛ ولذلك لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المجرد دون نفث، ولا بالنفث في الهواء دون تحديد محل.

٢-ألا يفضي إلى الغلو، فإن ما يفضي إلى الغلو في الأشخاص لا يسوغ استحداثه في هذا الباب؛ لأن باب الرقى من المواطن التي يظهر فيها تعلق العامة بالأشخاص، فتجري فيه قاعدة سد الذرائع.

ولم يكتفِ هؤلاء بهذا، بل استحسنوا بأذواقهم فزعموا أن هذه الهيئة إن لم تنفع فلا تضر.

وغفلوا أن القضية ليست طبية: هل يضر النفث في الماء أو لا؟
وإنما هي قضية تمس العقيدة؛ فهذه الهيئة تفتح بابا لتعظيم الشخص نفسه والغلو فيه، فتدخل بذلك تحت باب سد الذرائع،
وقاعدة سد الذرائع معتبرة في أبواب الاجتهاد كما تعتبر في غيرها عند تحقق مناطها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور مع كون الصلاة في أصلها عبادة مشروعة لكنها منعت لكونها تفضي إلى مفسدة عقدية.
ومقام العقيدة من مواضع المبالغة في الاحتياط عند السلف على حسب مقتضى مجموع النصوص الشرعية
حيث يُكتفى بإمكان المفسدة العقدية دون تحقق غلبتها الفعلية؛ نظرا لخطورة المآل.

وأؤكد هنا أننا لا نتكلم عن مشروعية أصل النفث في الرقية، وإنما نتكلم عن هيئة بعينها، ولا يصح إلحاق ما لا يتحقق فيه وصول النفث بما تحقق فيه وصوله.

فإن قيل: الاجتماع الجماعي ورفع القوارير ليس هيئة تعبدية تحتاج إلى توقيف، وإنما هو وسيلة تنظيمية، والوسائل التنظيمية أصلها الإباحة ما لم يثبت فيها محذور شرعي.

قيل: هذا أقوى ما يمكن أن يستدل به الددو في هذا المقام

وجوابه: أن الوسيلة التنظيمية المباحة هي التي لا تغير من صورة الفعل التعبدي نفسه كاستخدام مكبر الصوت لإسماع الذكر لجمع كبير، أما هنا فالتغيير وقع في نفس الصفة المشروعة، فبدل نفث مباشر متحقق الوصول كما وصفته السنة، صار الفعل نفثا في الهواء أو باتجاه قارورة بعيدة دون تحقق، وهذا ليس تنظيمًا لوسيلة الأداء، وإنما هو تحويل لصفة الفعل من نفث متصل إلى نفث منفصل مجرد، مع ما يفضي ذلك إلى الغلو في الشخص نفسه.

وأما حسن الظن بالنية، فهذا أمر لا يمنع من نقد الفعل نفسه؛ فالنية الحسنة لا تصحح هيئة تفتح بابا للغلو.

والخلاصة
الأصل في المنع: أن الهيئة غير ثابتة، ولا يصح إلحاقها بالوارد؛ لأنها غيرت الكيفية المأثورة.
ويؤكد المنع: أن الوصف الملازم للرقية في النصوص هو اتصال النفث بالمحل المرقي، وهذا غير متحقق في هذه الصورة.
ويزداد المنع قوة: لما تفضي إليه الهيئة من فتح باب الغلو في الشخص، فيعمل فيها أصل سد الذرائع.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

مباهلة في تبدبع النووي وتكفير السيوطي!!!

 مباهلة في تبدبع النووي وتكفير السيوطي!!!

من أكثر ما يبعث على الأسف أن تتحول المجالس والمنصات العلمية إلى ساحات مباهلة يتداول فيها: هل النووي مبتدع أو لا؟ وهل أبو حنيفة مبتدع أو لا؟ وهل السيوطي كافر مرتد أو لا؟

فمجرد طرح هذه الأسئلة على هذا النحو يكشف خللا في منهج الاستدلال وتنزيل الأحكام قبل أن يكشف خللا في المباهلة نفسها على هذه المواضيع.

وهذه الجرأة سبب في تشويه منهج أهل السنة عند كثير من الناس، حتى وجد خصومه كعبد القادر حسين وأمثاله مادة يطعنون بها في المنهج السلفي نفسه، ويصورونه على أنه منهج لا يعرف إلا التبديع والتكفير، مع أن هذا في الحقيقة مخالف للأصول التي قررها أئمة أهل السنة.

ولا خلاف بين أهل العلم المعتبرين السلفيين في أن النووي والسيوطي وقعا في أخطاء عقدية ومسائل خالفا فيها مذهب السلف، كما لا خلاف في أن أبا حنيفة رحمه الله قد نُقل عنه ما انتقده أهل العلم، لكنهم مع ذلك لم يسقطوهم ولم يجعلوا تلك الأخطاء سببا لإهدار مكانتهم العلمية

فالإشكال ليس في وصف القول أو الفعل بأنه بدعة أو ضلال إذا دل الدليل على ذلك، وإنما الخلل هو توهم أن كل من وافق المبتدع في بعض مقالاته فقد شاركه في الحكم الذي أطلقه السلف على أهل تلك المقالة بمجرد ذلك، دون تحقيق مناط ذلك الحكم في حقه.

وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه محمد بن شمس وأمثاله، حيث استدلوا بإطلاقات السلف في تبديع أهل البدع أو تكفير أصحاب المقالات الكفرية، ثم نزلوها على أعيان معينين جاؤوا بعدهم دون تحقيق المناط، مع أن تنزيل الأحكام على الأعيان باب مستقل غير باب بيان حكم الأقوال والأفعال، وهو من باب تحقيق المناط لا من باب معرفة الحكم الكلي.

والغريب أن من يكثر من إطلاق أحكام التبديع والتكفير يقع غالبا في تناقض منهجي؛ إذ يبدأ بالاستدلال بإطلاقات السلف ثم ينتهي إلى تنزيلها على كل من وافق أوصافها في نظره، دون مراعاة للفروق التي راعاها السلف أنفسهم، ودون اعتبار لاختلاف الأحوال والأشخاص، فيصبح تحقيق المناط غائبا، مع أنه لب الاجتهاد في هذا الباب.

وهنا نسأل: هل مجرد وجود إطلاق عن الإمام أحمد في ذم مقالة معينة أو الحكم المطلق بكفر قائلها يقتضي أن كل من وقع فيها بعده يدخل في حكمه بعينه، دون تحقيق مناط؟وما الدليل على تحقق المناط في النووي والسيوطي؟

والعجيب أن كثيرًا من هؤلاء يحتجون بكلام السلف في ذم البدع، لكنهم يغفلون عن منهج السلف في تنزيل تلك الأحكام على الأعيان،
لأن إطلاقات السلف أحكام عامة على أوصاف، لا أحكام على كل من ظُن دخوله فيها، أما تنزيلها على الأعيان فهو اجتهاد آخر يحتاج إلى تحقيق المناط، ولا يلزم من صحة الحكم الكلي صحة تنزيله على كل فرد يدعى دخوله فيه، حتى يثبت أن هذا المعين قد استوفى الوصف الذي علق عليه الحكم، وانتفت في حقه الموانع المعتبرة.
فالخطأ ليس في الاستدلال بإطلاقات السلف، وإنما في القفز من الحكم الكلي إلى تنزيله على معين دون تحقيق مناط الحكم في حقه.

ومن هنا فإن من الخطأ اختزال النووي في بعض تأويلاته، أو السيوطي في بعض أخطائه؛ فإن الأمة لم تعرفهم بهذه الزلات، وإنما عرفتهم بما قدموه من خدمة للعلم والسنة والفقه، مع بقاء وجوب بيان ما أخطؤوا فيه ورده بالدليل.

فبهذا يتحقق العدل الذي أمر الله به، وتسلم أصول أهل السنة من الغلو في التبديع والتكفير، كما تسلم من التفريط في إنكار البدع والمخالفات.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 23 يوليو 2026

عبارة: «أدخلتم الدين في كل شيء»

 عبارة: «أدخلتم الدين في كل شيء» 


عندما يأتي فقيه يتكلم عن أزمة الكهرباء أو درجات الحرارة 

تجد من يعلق قائلا: أدخلتم الدين في كل شيء 


ولتحرير العبارة وبيان حكمها أقول:

هذه العبارة مجملة، تحتمل معنيين مختلفي الحكم.. 


ومن أصول أهل السنة: الاستفصال في الألفاظ المجملة المحتملة لحق وباطل، فإن كثيرا من النزاع إنما نشأ من الاشتراك في الألفاظ، لا من حقيقة المعاني. 


قد يريد القائل: لا تُدخلوا أحكام الحلال والحرام، ولا الخطاب الشرعي في مسائل فنية أو تجريبية محضة لا يتعلق بها حكم تكليفي، كالكلام في الأسباب الهندسية لانقطاع الكهرباء، أو الحسابات العلمية لدرجات الحرارة، أو نحو ذلك من العلوم التي مردها إلى الخبرة والتجربة، فهذا المعنى في نفسه صحيح؛ فإن الشريعة لم تأت لتبيين دقائق الصناعات، ولا تفاصيل العلوم التجريبية، وإنما دلت على أن الأصل فيه الرجوع إلى أهله، كما في قوله  صلى الله علبه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». 


لأن هناك من لا يفرق بين جهتين مختلفتين:

١-جهة فنية محضة، وهي معرفة أسباب الانقطاع، وطرق الإصلاح والحلول التقنية والإحصاءات وهذه مردُّها إلى أهل الاختصاص. 


٢-جهة شرعية، وهي ما يتعلق بأفعال المكلفين، كحكم تعمد قطع الكهرباء عمن تتوقف حياته عليها، أو حكم الإسراف في استهلاكها، أو وجوب أداء الأمانة في إدارتها، أو مسؤولية ولي الأمر في القيام بما تقوم به مصالح الرعية.

فهذه الجهة الثانية من صميم الشريعة؛ لأنها حكم على أفعال المكلفين، لا على الحقائق الكونية أو القضايا الفنية. 


وقد يريد القائل أن الدين لا شأن له إلا بالعبادات والشعائر الفردية، وأن السياسة والاقتصاد والقضاء وسائر شؤون الحياة العامة ينبغي أن تدار بمعزل عن الوحي، وأن الرجوع إلى الشريعة فيها غير لازم أو غير مشروع. 


وهذا هو المعنى الباطل؛ لأنه مصادم لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة من أن الشريعة جاءت لهداية الخلق في أمر دينهم ودنياهم، وأن الله تعالى أمر بالحكم بما أنزل، وجعل ذلك أصلا في القضاء والسياسة والمعاملات، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. 


فمن اعتقد هذا المعنى فقد خالف قطعيات الشريعة وأصول الإسلام. 


وعلبه فمن يقول أدخلتم الدين في كل شيء قد يريد المعنى الأول أو الثاني، لما شاهده من تكلف بعض الناس في إقحام النصوص في مسائل فنية محضة، أو خلطهم بين البحث التجريبي والحكم الشرعي،

وقد يريد -والعياذ بالله- المعنى الثالث وهو العلمنة بعينها..


والفارق العملي بين المعنيين لا يدرك غالبا من مجرد سماع العبارة، وإنما يدرك بالنظر إلى القرائن وأصول المتكلم.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 19 يوليو 2026

مختصر في بيان حقيقة #التأله والعبادة عند أهل السنة


- التأله والتعبد لفظان مترادفان: حقيقة واحدة قوامها ما في القلب من كمال المحبة والذل والخضوع، ويلزم عنه شرعا ظهور مقتضاه على الجوارح.

- العبادة اسم جامع لهذه الحقيقة، واسم لأفرادها أيضا، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].
والعلاقة بين الأصل وأفراده علاقة تلازم لا تجريد، فمتى تحقق التأله في القلب وانتفى المانع، لزم ظهوره على الجوارح، وانتفاء جميع الأعمال الظاهرة مع انتفاء المانع دليل على انتفاء الأصل نفسه.

- التأله ليس مجرد اعتقاد ذهني بربوبية المعبود، وإنما هو غاية الذل والمحبة والانقياد، ظاهرا وباطنا.
ولهذا كان اعتقاد مشركي العرب في آلهتهم هو السبب الذي حملهم على صرف العبادة لها، لا نفس عبادتهم؛ فهم لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالربوبية، وإنما شفاعتها وتقريبها إلى الله، كما في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].

وهنا سؤال: لماذا خص المشركون الصنم بالسجود دون الغني وزعيم القبيلة مع اعتقاد القدرة في الجميع؟

والجواب: نوع الاعتقاد يفسر لماذا خُص الصنم بالتعبد، لكن هذا يثبته باعثا وداعيا وليس هو عين التأله، وهذه نكتة الخلاف مع الأشاعرة والمتصوفة
فحتى لو فرضنا جدلا أن المشركين يعتقدون في آلهتهم النفع الجزئي المستقل عن الله فليس هذا هو التأله، وإنما هذا هو الاعتقاد الباعث على التأله والداعي له، وهو شرط لوجود الفعل في الخارج وليس مناطا للشرك في النصوص الشرعية

فالشرع علق الشرك بالفعل كصرف سجود التعبد لغير الله
ولم يعلقه باعتقاد النفع في الآلهة، وإنما ذكر اعتقاد النفع باعثا وداعيا...
فافهم هذا بوركت
ولو أن رجلا اعتقد في ولي ميت أنه ينفع ويضر  دون أن يسجد له أو يدعوه، لكان مشركا في اعتقادة لا عابدا لغير الله ولا متألها له، حتى يقترن الاعتقاد بصرف شيء من العبادة.

- تنقسم الأفعال من حيث كونها تعبدا في نفسها من غير قرينة أو لا إلى قسمين:
الأفعال المحضة كالسجود التعبدي، ودعاء العبادة، والذبح قربة، والنذر، والطواف، فهذه الافعال عيّن الشارع جنسها ابتداء فصرفها لغير الله شرك بمجرد وقوعها دون حاجة لقرينة.
والأفعال المشترك كالقيام والانحناء، فهذه تحتمل التعبد وغيره، فلا تتعين تعبدا إلا بقرينة تخرجها عن معناها العرفي، كالاقتران بدعاء عبادة أو استغاثة، أو مبالغة تنفي كل تفسير معتاد.
والقرينة تعمل في تعيين جنس الفعل لا في كشف ما في القلب مباشرة.

- والحكم بأن الفعل عبادة حكم على جنسه لا على كل من وقع منه؛ فالحكم على الفاعل المعين يفتقر إلى استيفاء شروط التكليف وانتفاء الموانع كالإكراه والجهل والتأويل السائغ.
وبهذا يتميز قول أهل السنة عن الإرجاء الذي يُخرج الأعمال الظاهرة عن مسمى العبادة أصلا.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 17 يوليو 2026

هل مطلق الخضوع عبادة؟ رد على بعض إلزامات حاتم العوني في كتابه الهزيل «مفهوم شرك العبادة»

 هل مطلق الخضوع عبادة؟

رد على بعض إلزامات حاتم العوني في كتابه الهزيل «مفهوم شرك العبادة» 


ذكر حاتم العوني في كتابه (ص 26) ما نسبه إلى خصومه من أهل السنة في تعريف العبادة، فقال إنهم يقولون: «مادام أن الله هو الخالق الرازق المدبر فهو المستحق لأعمال فيها خضوع وتذلل نسميها العبادة». 


ثم بنى على هذا الفهم ثلاثة إلزامات:

الأول: أن كل خضوع عظيم وتذلل كبير يكون عبادة، فيَلزم أن من ذل لطاغية جبار فقبَّل قدميه يكون عابدا له كافرا.

الثاني: أن أي عمل لا يظهر فيه خضوع وتذلل لا يكون عبادة، كالوضوء وغسل الجنابة.

الثالث: أن كل مخلوق كان سببًا في رزق مخلوق أو نفعه أو ضره يستحق نصيبا من العبادة، فيكون ذل الولد لأبويه عبادة لهما. 


والرد عليه: 


هذه الإلزامات مبنية على تصوير غير صحيح لمذهب أهل السنة، فأهل السنة لا يجعلون مطلق الخضوع حقيقة العبادة، ولا يقتصرون على الخضوع الظاهر مع الاعتقاد بالربوبية فقط، بل يحررون العبادة بضابطها الشرعي الدقيق. 


ولذلك ينبغي تقرير ثلاثة أصول قبل الجواب عن الإلزامات: 


الأصل الأول: وسأخصه في بيان حقيقة غاية الخضوع التي بها تتحقق العبادة عند أهل السنة 


ليس كل ذلٍّ عبادة، ولا كل خضوع وإن عظمت صورته: يكون عبادة. 

والخطأ الذي وقع فيه العوني أنه تصوّر غاية الخضوع على أنها مجرد التذلل الظاهر في أعلى درجاته، ثم ظن أن هذه الغاية الظاهرة متى وُجدت كانت عبادة بذاتها.

وهذا تصوير غير دقيق؛ فالخضوع المعتبر شرعًا هو الخضوع التعبدي (التأله) لا مجرد الذل الظاهر.

والتأله في اصطلاح السلف ليس مجرد الاعتقاد الذهني باستحقاق المعبود للعبادة، ولا مجرد إرادة القلب المجردة، وإنما هو حقيقة تعبد القلب للمألوه، المتضمنة لكمال المحبة وكمال الذل والانقياد له. 


وبهذا الأصل يُفرَّق بين نوعين من الخضوع:

١. الخضوع التعبدي: وهو الخضوع الذي تحقق فيه التأله بحقيقته المتقدمة، وهذا لا يكون إلا لله وحده.

٢. الخضوع غير التعبدي: وهو الذي مهما بلغت صورته الظاهرة من الشدة لم يتحقق فيه التأله، سواء كان مشروعًا كبر الوالدين، أو جبليًا كذل المقهور. 


الأصل الثاني: وسأخصه في بيان أن العبادة أعمّ من صورة الخضوع الظاهر 


العبادة عند أهل السنة هي: كل ما شرعه الله على جهة التعبد والتقرب إليه، سواء ظهر فيه خضوع بدني أم لم يظهر، وأما باعتبار أفرادها الشرعية فكما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية، اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. 

فمدار العبادة على كون الفعل مشروعًا على جهة التعبد، مقصودًا به التقرب إلى الله، لا على مجرد ظهور هيئة الذل البدني. 


ولا بد هنا من التفريق بين حقيقة العبادة وطريق الحكم على الأفعال؛ فحقيقة العبادة عند أهل السنة هي التأله لله، وهو بعينه ما يُعبَّر عنه بغاية الذل مع غاية المحبة

وأما الحكم بالشرك فيتعلق بالفعل الذي جعله الشرع عبادة مختصة بالله كالسجود والدعاء والذبح والنذر إذا صُرف لغيره، ولو لم يستحضر الفاعل التفصيلي لمعنى التأله، كمن سجد لصنم تقليدًا لآبائه.


الأصل الثالث: وسأخصه في بيان طريق معرفة تحقق العبادة في الأفعال الظاهرة 


لا يلزم من كون التأله أصلا في حقيقة العبادة أن يُشترط إقامة الدليل على وجوده الباطن في كل معين؛ فإن الشرع جعل أفعالا معينة من خصائص العبادة، كالسجود والدعاء والذبح والنذر، فالحكم عليها يكون بجنس الفعل الذي جعله الشرع عبادة، لا بتفتيش ما في القلوب. 


وهذا هو الذي يميز مذهب أهل السنة عن مسالك المرجئة الذين يردون أحكام الظاهر إلى مجرد الاعتقاد الباطن. 


وأما ما لم يجعله الشرع شعارًا خاصًا للتأله من صور الذل والخضوع العام  كذل المقهور وبر الولد فمرجعه إلى القرائن الظاهرة الدالة عرفًا وسياقًا على اقتران الفعل بالتأله أو عدمه، لا إلى مجرد الصورة الحسية للفعل. 


نعود إلى الجواب عن الإلزامات: 


الإلزام الأول (الذل للطاغية):

هذا الإلزام مبني على تسوية باطلة من العوني بين الذل التعبدي وذل المقهور، مصدرها ظنه أن غاية الخضوع الظاهر هي غاية الخضوع المعتبرة شرعًا، وقد تقرر في الأصل الأول أن ذل المقهور وإن بلغ في صورته الظاهرة أقصى مبالغ التذلل، كتقبيل القدمين إلا أنه لم يبلغ حقيقة التأله؛ لأنه ذلٌّ صادر عن خوف من البطش لا عن تأله وتقرب. 


الإلزام الثاني (عدم وجود خضوع في الوضوء وغسل الجنابة):

هذا الإلزام من العوني يفترض أن كل عبادة لا بد أن تشتمل على هيئة خضوع بدني ظاهر، وهذا غير صحيح؛ فقد تقرر في الأصل الثاني أن العبادة أعم من ذلك؛ إذ مدارها على صدور الفعل ابتغاء التقرب إلى الله، لا على مجرد الصورة الحسية للذل. 

والوضوء من جنس ما حدد الشرع كونه عبادة؛ لأنه امتثال لأمر التطهر تقربا إلى الله، وإن لم يشتمل على هيئة الذل البدني الظاهرة، فعبادته تثبت بجنسه، لا بمجرد صورة الخضوع. 


الإلزام الثالث (ذل الولد لأبويه):

هذا الإلزام يجري على المنهج نفسه الذي بُني عليه الأول، فبر الولد بوالديه، وإن بلغ غاية الطاعة والإكرام في صورته الظاهرة، إلا أنه ذلٌّ ناشئ عن محبة فطرية وإحسان معلوم السبب كالتربية والرحمة، ولا يبلغ تعظيمًا من جنس التأله؛ فهو كذل المقهور لم يبلغ حقيقة التأله وإن بلغ الغاية في مظهره. 

والفارق ليس في مجرد وجود سبب الإحسان، فإحسان الله على عبده أعظم من إحسان الوالدين، وإنما استحق الله وحده التأله لكمال ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، ومن ذلك عموم إحسانه وإنعامه، 

بخلاف إحسان الوالدين المحدود الذي لا يبلغ هذه المرتبة أصلا،  ولو كان برهما تألهًا لهما لكانت طاعتهما مطلقة، كما أن مقتضى التأله لله يوجب تقديم طاعته على كل طاعة، فلما نهى الشرع عن طاعتهما في معصية الله علم أن برهما طاعة لله، لا عبادة لهما، قال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 15) 


ولا أدري كيف خفي على العوني أن هذه الإلزامات ساقطة من أصلها؛ لأنها مبنية على نسبة مقدمة إلى أهل السنة لا يقولون بها؛ إذ لا يصح إلزامهم بلازم مقدمة لا يلتزمونها. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 15 يوليو 2026

#نظام_الطيبات من منظور شرعي

 #نظام_الطيبات من منظور شرعي 

[تنبيه: أنا لا آكل الدجاج وبعض الاطعمة، وتركي لأكل بعض الأطعمة إنما هو لثبوت ضرر معين يتعلق بطريقة إنتاجه أو حقنه بمواد ثبت ضررها طبيًا، لا لأن جنس الدجاج محرم، ولا لأنه يقتات على القاذورات، فالفرق كبير بين اجتناب صورة ثبت ضررها وبين تحريم جنس الطعام الذي أحله الله 

يقول د. ضياء في مقطع مرئي:( ما فيش احد يأكل دجاج ولا يخاف من الظلمة، ولا تأتيه كوابيس)

ويقول:( أعجب ممن يأكل البيض المسلوق وينام ولا يموت) ] 


مقدمة 

الأصل المقرر عند الفقهاء أن جميع الأطعمة والأشربة مباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ولا يخرج شيء من هذا الأصل إلا بأحد أمرين: دليل شرعي خاص، أو ضرر معتبر تثبته وسائل الإثبات العلمية المعتبرة. 

وقبل بيان الاشكالات لابد من تعريف موجز بالنظام 

نظام الطيبات نظام غذائي وضعه الدكتور ضياء العوضي، يقوم على تقسيم الأطعمة إلى أطعمة مسموحة وأخرى ممنوعة. ويمنع النظام - على وجه العموم - أصنافًا كثيرة من الأغذية، من أبرزها: جميع أنواع الدواجن، والبيض، والألبان ومشتقاتها، والبقوليات كالعدس والحمص والفول، وعددًا من الخضروات النيئة كالخس والجرجير والجزر والخيار، وبعض الفواكه كالبرتقال والليمون، كما يدعو إلى اجتناب كثير من الأدوية الكيميائية، ومنها المضادات الحيوية، وأدوية الضغط والسكري، مكتفيًا بعبارة "استشر طبيبك". 


وعلى هذا النظام ملاحظتان جوهريتان: الأولى عقدية، والثانية فقهية. 

أولًا: إشكال عقدي في باب الأسباب 

لا يُقصد هنا الحكم على الأشخاص، وإنما بيان ما قد يشتمل عليه البناء النظري للنظام من إشكال يتعلق بباب الاعتقاد. 

يقوم النظام على تصورات قريبة من بعض مدارس الطب الطبيعي والفلسفات الحيوية، التي تبالغ في إبراز قدرة الجسم على استعادة توازنه والشفاء الذاتي بمجرد إزالة السموم والعوائق، مع التقليل من شأن الأسباب العلاجية الخارجية.

ومن هذه الجهة فإن النظام لا يمثل طرحًا جديدًا بقدر ما يعيد إنتاج كثير من الأفكار التي اشتهرت بها مدارس الطب الطبيعي والفلسفة الحيوية، وينص النظام على أن الجسم يصنع جميع احتياجاته بنفسه ولا يحتاج إلى مدخلات معقدة، بل يصرّح بأن الجسم هو السيد. 

ولا إشكال في أصل اعتقاد أن الله تعالى أودع في جسم الإنسان آليات عظيمة للشفاء؛ كالتئام الجروح، وعمل الجهاز المناعي؛ فهذا من سنن الله في خلقه، وإنما محل الإشكال في تصوير هذه الآليات تصويرًا يوهم استقلالها وكفايتها عن بقية الأسباب التي جعلها الله جزءًا من نظام الكون. 

فمن المقرر عند أهل السنة والجماعة أن الأسباب لا تستقل بإيجاد مسبباتها، وإنما تعمل بإذن الله، ومع اجتماع ما جعله الله من الأسباب الأخرى. 

وهذه سنة مطردة في جميع الموجودات؛ فالزرع لا ينبت بمجرد البذر، ولا بالماء وحده، ولا بالشمس وحدها، وإنما يحصل باجتماع أسباب متعددة ربط الله بعضها ببعض. 

وكذلك صحة الإنسان لا تقوم على آلية واحدة، بل على منظومة متكاملة تشمل: سلامة البنية الداخلية، والغذاء المناسب، والبيئة الصحية، والدواء عند الحاجة، وسائر ما أجرى الله العادة بترتب الصحة عليه. 

فحين يُصوَّر النظام الجسم بأنه سبب تام مكتفٍ بنفسه كما في عبارة "الجسم يصنع كل ما يحتاج إليه بنفسه ولا يحتاج إلى مدخلات خارجية" على إطلاقها، بينما هو في حقيقته جزء سبب يحتاج لانضمام أسباب أخرى إليه لينتج الأثر المقصود، فهذا خلل في تصور آلية الأسباب ذاتها التي أقرّها الشرع، لا مجرد خطأ تقديري في مقدار النافع والضار. 

وهو إخلال بدقيقة من دقائق التوحيد في باب الأسباب: أن يُنسب للسبب المخلوق من الاستقلال والكفاية ما لا يليق إلا بمن جعل الأسباب مترابطة بحكمته، فعبارات مثل "الجسم هو السيد" أو "الجسم يصنع كل شيء بنفسه" تدل - وإن لم يقصد قائلها هذا اللازم - على استقلال الجسم بما جعله الله قائمًا على تكامل الأسباب لا على انفراد سبب واحد بها.

والاخطر أن النظام يقترب من الاعتماد على الجسم كأنه بديل شامل، مع إهمال أن الله جعل الأسباب الطبية بما فيها الأدوية المكتشفة جزءًا من سننه أيضًا. 

ثانيًا: إشكال فقهي من جهتين: 

١- من جهة المنع العام من بعض الأطعمة المباحة 

المنع العام لجنس الدجاج، أو البيض، أو اللبن، أو البقول، لمجرد القول بأنها ليست نافعة في ذاتها للإنسان، أو أنها ليست الغذاء الأمثل، أو لاستقذارها= لا يكفي شرعًا لنقلها من أصل الإباحة إلى المنع.

أما إذا ثبت وفق الدراسات العلمية الرصينة أن صورة معينة من هذه الأطعمة يغلب فيها الضرر، كإكثار استخدام الهرمونات أو المضادات الحيوية، فإن المنع حينئذ يتعلق بهذه الصورة لا بجنس الطعام، وتكون العلة هي الضرر العارض، لا ذات الطعام. 

ولهذا لو ثبت أن محصولًا معينًا من الطماطم في بلد ما ملوث بنسبة عالية من المبيدات، فإن المنع يتعلق بذلك المنتج، ولا يقال بتحريم الطماطم في نفسها؛ وهذا هو الميزان الموافق للقواعد الأصولية، إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. 


٢- من جهة ترك التداوي 

الأصل أن التداوي مباح عند جمهور العلماء، بل مستحب عند كثير منهم؛ فقد نقل ابن عبد البر قول الجمهور على إباحته، وقرر ابن تيمية أن التداوي بالحلال لا يجب في الأصل عند أكثر أهل العلم. 

لكن هذا الأصل لا يشمل الحالتين اللتين اشتمل عليهما نظام الطيبات: 

الأولى: أن يترك الإنسان التداوي بناءً على اعتقاد أن الجسم يغني بنفسه عن جميع الأسباب العلاجية الخارجية، وهذه ليست مجرد مسألة فقهية، بل ثمرة للخلل العقدي في تصور الأسباب الذي سبق بيانه. 

والثانية: أن يقطع المريض دواءً ثبتت حاجته إليه واستقرت منفعته، كإيقاف الأنسولين لمريض السكري من النوع الأول، أو ترك أدوية الضغط لمن يعتمد عليها في منع المضاعفات، فهذه ليست من باب ترك التداوي ابتداء، وإنما هي من باب إزالة سبب قائم يغلب على الظن توقف السلامة عليه، ولذا نص كثير من الفقهاء على أن التداوي قد يجب إذا غلب على الظن حصول الهلاك بتركه، قياسًا على استعمال الترياق المعلوم النفع لدفع خطر السم القاتل، مع الفارق بين فورية خطر السم وتراكمية خطر الأمراض المزمنة، وهو فارق لا يمنع أصل القياس في وجوب دفع الهلاك المتيقن أو الراجح، وإن تفاوتت درجة الاستعجال فيه. 

ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». 

فالكلام هنا ليس عن مجرد ترك دواء مباح، بل عن تعريض النفس أو الغير لضرر غالب أو متحقق بإزالة سبب ثبتت منفعته. 

يقول د. ضياء في مقطع مرىي:( ما فيش دواء سيولة. لا أحد يأخذ دواء سيولة)

ويقول:( ما فيش دواء على وجه الأرض مفيد)

ثالثا: من الإشكالات الطبية

هناك تناقض داخلي في النظام مؤثر على صحة الإنسان

حيث إنه يحرم أطعمة طبيعية مثبت نفعها علميًا (خضروات ورقية، بقوليات، بيض، ألبان)، بينما يسمح في بعض السياقات بنكهات صناعية أو منتجات تحتوي على سكر مضاف (نوتيلا، عصائر محلاة)، وهذا التناقض يُضعف الادعاء بأن الحكم مبني على الضرر، ويجعله اجتهادًا شخصيًا غير منضبط. 

وكذلك تقييده شرب الماء عند العطش فقط وهذا قد يؤدي إلى خطر الجفاف، لاسيما مع الصيام المتكرر أو في الطقس الحار.

وكذلك منع الخضروات الورقية، البقوليات وهذا قد يؤدي إلى نقص حاد محتمل في: الألياف الغذائية والبروتين إلى غير ذلك 


وأخيرا أقول: 


يقوم الميزان الشرعي في هذه المسألة على أصلين متلازمين: التفريق بين الجنس والصورة في باب الأطعمة، فلا يُحرَّم جنس بعارض صورة؛ والتفريق بين الأسباب المفردة والأسباب المركّبة في باب الاعتقاد، فلا يُنسب لسبب واحد ما لا يكون إلا باجتماع أسباب. 

ونظام الطيبات، حين أخلّ بالأصل الثاني، انتهى عمليًا إلى الإخلال بالأصل الأول أيضًا: فمن اعتقد أن الجسم يكفي نفسه، لزمه أن يستغني عن الغذاء المتنوع والدواء معًا، ولو لم يقصد هذا اللازم ابتداءً. والله أعلم. 


بقي سؤال: هل من الممكن أن أستفيد من بعض ما في نظام الطيبات؟

الجواب: نعم، مما ثبت نفعه للإنسان عبر دراسات معتبرة وتحت إشراف طبيب لمن يعاني من مرض مزمن..

مع الابتعاد عن فلسفة النظام وأن الجسم هو السيد...

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار



السبت، 11 يوليو 2026

مراجعة أصولية لمناط التفريق بين حضرة الحاكم وغيبته في مسألة الإنكار العلني

..مراجعة أصولية لمناط التفريق بين حضرة الحاكم وغيبته في مسألة الإنكار العلني 


يتفق الجميع على وجوب إنكار الظلم والمنكر، وحرمة السكوت عنه، سواء صدر من الحاكم أم من غيره، كما يتفق السلفيون على وجوب المحافظة على أصل السمع والطاعة، وحرمة كل ما يفضي إلى إضعافه أو إثارة الفتنة والفوضى العامة.

وإنما وقع الخلاف عموما في الوسيلة المشروعة للإنكار على الحاكم، وهل يُفرَّق فيها بين الإنكار في حضرته والإنكار عليه في غيبته؟ 


يتفق السلفيون على أن الإنكار العلني بالتسمية التي تتضمن طعنًا أو تفضي إليه لا تجوز، وليست من منهج السلف في شيء

ووقع خلاف من بعضهم -وهم قلة- في الانكار العلني بالتسمية التي ليس فيها طعن ولا تفضي إليه... 


وقد بينت الصواب في هذه المسألة، ومنشأ الغلط عند من جوزها كفتوى عامة وتقعيد عام.. 


والذي بُني عليه المنع من الإنكار العلني بالتسمية حال الغيبة أن المعنى المناسب هو الإفضاء إلى نقض أصل السمع والطاعة وإثارة الفوضى، لا مجرد الحضور أو الغياب بذاتيهما. 

فالحضور والغيبة ليسا مناطين مستقلين، وإنما يجتمع مع كل واحد منهما أوصاف أخرى؛ كون الإنكار علنيا، ومتضمنا للتسمية، وحال الغيبة أو الحضرة، فهذه الأوصاف مجتمعة هي التي تقوّي مظنة الإفضاء أو تضعفها. 


فما الوصف المؤثر الذي فرَّق به السلف بين ضورة الإنكار العني في حضرته والانكار العلني في غيبته؟ 


والجواب: أن الإنكار في حضرة الحاكم يكون خطابا موجها إليه في مجلس معلوم، له سياقه وأطرافه، بخلاف الإنكار في غيبته فإنه يكون خطابا موجها ابتداءً إلى العامة، ويُنقل غالبا مجردا عن سياقه الكامل، فتكون مظنة توظيفه في تأليب الناس على الحاكم وإضعاف أصل الطاعة أقوى وأغلب. 

ولذلك تختلف مخاطبة الحاكم مباشرة عن مخاطبة الجماهير بشأنه، وإن اتحد أصل الإنكار. 


ويؤيد هذا الفرق أن الشريعة ندبت إلى مواجهة السلطان بالحق في حضرته، كما في قوله صلى الله علبه وسلم:( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)

ومن حكمة أن هذا من أفضل الجهاد: ما اشتمل عليه من تعريض النفس للخطر في مواجهة السلطان مباشرة، وهذا المعنى إنما يتحقق في خطاب الحاكم في حضرته؛ إذ تكون المخاطرة راجعة إلى المتكلم نفسه، وليس محل المنع هنا مجرد ما يلحق المتكلم من الضرر، فإن احتمال الضرر الشخصي لا يمنع مشروعية كلمة الحق في مواضعها، وإنما محل المنع ما يغلب أن يفضي إلى ضرر عام يمس جماعة المسلمين أو أصل الطاعة الذي هو أثر توجيه الخطاب 


إلا أن هذا الأصل وهو كون خطر الحضرة فرديًا محصورًا إنما يصح في الصورة التي تبقى فيها مواجهة مباشرة بين المتكلم والحاكم، فأما إذا انقلب المجلس نفسه إلى جمع يتأثر بالخطاب ويتحرك به، فإن الخطر حينئذ يعود جماعيًا لا فرديًا، ويلتحق حكمه بحكم الخطاب الموجَّه للعامة، على ما سيأتي بيانه. 


وثبت أيضا عن السلف الإنكار على الولاة في حضرتهم عند الحاجة، ولم يُعرف عنهم اتخاذ الإنكار العلني عليهم بالتسمية في غيبتهم منهجًا عاما، وهذا يدل على أنهم اعتبروا فرقًا مؤثرًا بين الصورتين، وإن لم ينصوا عليه بلفظه. 


ومع ذلك-وافهم هذا التقرير السلفي- فإن القول بأن الحضرة مظنة لانحصار الخطاب وانتصار خطره على الفرد لا يعني أن ذلك وصف ثابت في جميع الأزمنة، بل هو حكم أغلبي نشأ عن طبيعة وسائل التواصل في عصر السلف؛ إذ كان مجلس الحضرة ينتهي غالبًا بانتهاء المجلس، ولا يتجاوز الحاضرين إلا في نطاق محدود. 


أما في عصرنا فقد يتحول الإنكار الواقع في حضرة الحاكم بسبب التصوير أو البث المباشر أو النشر المتعمد إلى خطاب جماهيري واسع، فتزول عنه خصوصية المجلس وخطورة على الفرد، ويلتحق حينئذ من جهة الأثر بحكم الخطاب الموجَّه إلى العامة. 


ولهذا احتيج في تنزيل الحكم على صور الإنكار العلني في الحضرة في زماننا إلى تحقيق المناط في كل واقعة بالنظر في قوة مظنة المصلحة أو المفسدة، لا بمجرد وصف الحضور الذي كان معتبرًا في زمن السلف من جهة ما اقترن به من الأحوال. 


ولا يقال: إذا كانت الحضرة قد أُعيد النظر في مظنتها بعد تغير الوسائل، فلماذا لا يعاد النظر كذلك في الغيبة؟ 


قيل: الأصل في البابين واحد، وهو أن الأحكام تدور مع مظانها الغالبة، لا مع تحقق المفسدة في كل صورة جزئية. 

إلا أن مظنة الإفضاء في الغيبة لا تزال أقوى وأغلب؛ لأن الخطاب فيها يوجَّه ابتداءً إلى الجمهور لا إلى الحاكم، وتبقى صورته الذهنية متوقفة على نقل الناقلين وفهم المتلقين، وهو ما يجعل احتمال استغلاله في تأليب العامة وإضعاف أصل الطاعة قائمًا على وجه الغلبة، وإن اختلفت الوسائل. 


أما الحضرة فإن خصوصية مجلسها كانت في الأزمنة السابقة تحد من انتشار الخطاب وآثاره، فلما زالت هذه الخصوصية في كثير من الصور المعاصرة، لم يعد مجرد حضور الحاكم كافيًا للحكم بالجواز، بل صار ذلك متوقفًا على النظر في تحقق المصلحة أو غلبة المفسدة في كل واقعة.


كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار


http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/07/blog-post_11.html

الخميس، 9 يوليو 2026

هل توافق الشيخ #فركوس في مسألة #الإنكار_العلني_على_الحاكم حال غيبته؟

 ...سألني أحد الإخوة: هل توافق الشيخ #فركوس في مسألة #الإنكار_العلني_على_الحاكم حال غيبته؟ 


والجواب: 


سبق أن قررنا أن محل المنع المطلق في هذه المسألة هو تسمية الحاكم والطعن فيه علنًا حال غيبته، فهذا هو مناط النزاع الذي تدور عليه عامة النصوص والآثار. 


ووجه المنع أن تسمية الحاكم مع توجيه الخطاب إليه في غيبته والطعن فيه هي في الغالب وسيلة مفضية إلى مفاسد راجحة، من أعظمها إضعاف أصل السمع والطاعة، وإثارة العامة، وفتح أبواب التهييج والفوضى، وما يترتب على ذلك من اضطراب الجماعة واختلال نظامها، وهي مقاصد جاءت الشريعة بحفظها. 


كما أن أكثر صور الإنكار العلني المعاصرة لا تنفك عن نوع من الطعن، صريحًا كان أو ضمنيا 


لكن يبقى سؤال آخر: 


ما حكم مجرد الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم المجردة عن الطعن حال غيبته؟ 


الذي يظهر لي أن هذه الصورة أخف من الصورة الأولى بلا ريب، وهذه الصورة - فيما أفهم - هي التي يجوّزها الشيخ فركوس ومن وافقه، تقريرهم أصل السمع والطاعة، وتحريم الخروج بإطلاق، واعتبارهم بقاعدة سد الذرائع. 


ومن هنا يتبين أن محل الخلاف ليس في منع الإنكار العلني حال الغيبية المفضي إلى الطعن. 


إلا أن الأقرب عندي - من جهة تقرير الحكم العام - هو بقاء المنع في صورة الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم المجردة حال غيبته كحكم عام؛ لأن الإنكار العلني المتضمن تسمية الحاكم حال غيبته هو الوصف الظاهر الذي يجتمع تحته المفضي إلى الطعن وغيره، ويتعذر ضبط الفارق بينهما، فلذلك أُلحق الجنس كله بالأصل في مقام التقعيد العام 


ووجه هذا الإلحاق أن النصوص إنما راعت أصل حفظ الجماعة ومنع أسباب الفتنة، وهذا هو المعنى المناسب الذي دل استقراء الشريعة على اعتباره، وهو مناسب ملائم لتصرفات الشارع في هذا الباب، إلا أن تحقق هذا المعنى في الوقائع الجزئية أمر يتعذر ضبطه قبل وقوعه من جهتين: 


الجهة الأولى: تعذر معرفة تحقق المعنى المناسب في نفس المتكلم الواحد؛ فقد يظن المتكلم أن كلامه مجرد من الطعن وليس كذلك. 


الجهة الثانية: تعذر تمييز صورة التسمية المجردة عن الإفضاء إلى إثارة الفتنة عن صورة التسمية المقترنة بالطعن الضمني. 


ولما تعذّر ضبطه واقعًا وتمييزه عمليًا علق الحكم في مقام التقعيد العام على أقرب وصف ظاهر يمكن ضبطه، وهو التسمية في مقام الإنكار العلني حال الغيبة.


فالمقصد الشرعي: حفظ الجماعة ومنع الفتنة، 

والمعنى المناسب: ما يفضي إلى إضعاف السمع والطاعة وإثارة الفتنة، 

وسبب تعليق الحكم بالتسمية في مقام التقعيد: تعذر ضبط تحقق تلك العلة الحقيقية في الوقائع الجزئية، فعلق الحكم بالوصف الظاهر المنضبط. 


وهذا الوجه من الإلحاق عند تعذر الضبط ليس مجرد اعتبار مصلحي عام، وإنما هو تطبيق لقاعدة أصولية مقررة حكى الآمدي في الإحكام الإجماع على أصل تعليق الأحكام بالأوصاف الظاهرة عند خفاء المعاني المناسبة أو تعذر ضبطها. 


ونظير ذلك من وجه تحريم الخلوة بالأجنبية..


فلو سأل سائل: ما حكم الخلوة بأجنبية لو فُرض جدلًا أنها خلت من كل إفضاء إلى محرم؟

 

فالجواب: المنع أيضًا؛ لأمرين: أحدهما أن هذا الفرض لا يملك أحد أن يجزم بتحققه في نفسه فضلًا عن غيره، فيبقى مجرد افتراض ذهني لا واقعة يُبنى عليها حكم؛ والآخر أنه لو سُلِّم تحققه في نفس الأمر لتعذر إثباته وتمييزه عن غيره في مقام لا يُطَّلع فيه على البواطن. 


ومناط الإلحاق في مسألة تسمية الحاكم، على التحقيق، هو اجتماع الجهتين: تعذر معرفة انتفاء العلة في نفس المتكلم، وتعذر تمييز صورة كلامه عن الصورة الممنوعة في الخطاب الموجَّه للعموم. وهذا وجه من وجوه سد الذرائع ...


فالتسمية المجردة عن الطعن، وإن لم تدخل في مدلول النصوص الصريح، فإنها ملحقة بحكم الأصل الكلي عن طريق قاعدة سد الذرائع؛ لتعذر ضبط تحقق العلة الحقيقية فيها من الجهتين المتقدمتين معًا. 


وبناءً عليه، فإن الحكم العام لتسمية الحاكم في الإنكار هو المنع، ويبقى هو الأصل المقرَّر إجمالًا والمفتى به الموجَّه للعموم؛ لأن الحكم - كما تقدم - معلَّق بالسبب الظاهر . 


ومع ذلك فالصورة المجردة من الطعن أخف حكمًا من الصورة المقترنة بالطعن؛ لأن إفضاءها إلى المفسدة المنصوص عليها أقل من إفضاء الإنكار بالتسمية مع الطعن.


وغاية ما استدل به الشيخ فركوس ومن وافقه هو عدد محدود من الوقائع التي وقع فيها ذكر اسم الوالي دون قصد للطعن أو التحريض، 


وهذه الوقائع أكثرها ليس من باب الإنكار على الحاكم أصلاً، بل من باب الفتوى وبيان الاجتهاد الفقهي

وأما ما يُسلَّم فيه بانتفاء الطعن مع الاعتراض على تصرف الحاكم بعينه فيبقى الخلاف مع الشيخ فيه قائمًا في أثر هذا التحقق العيني على الحكم العام: هل يصح البناء على وقائع فردية - وإن سُلِّم بتحقق مناطها فيها - لتقرير حكم عام يُفتى به للناس كافة؟ 


والأقرب أنه لا يصح؛ لأن تحقق المناط في عين واحدة معلومة الملابسات لا يستلزم إمكان ضبط هذا التحقق في مقام التقعيد العام الذي لا يملك فيه المفتي معرفة ملابسات كل متكلم وقرائن حاله. 


وعليه؛ فإن هذه الوقائع - على فرض صحة الاستدلال بها - غايتها أن تكون مستثناة من الأصل في حدودها، ولا يجوز أن تتحول إلى أصل يقاس عليه، وإلا انقلب الاستثناء أصلًا، والأصل استثناء، وهو قلب لمقتضى الاستدلال. 


ولو كانت التسمية العلنية المجردة هي الهدي الغالب عند السلف، لما احتاج الباحث إلى تتبع أفرادها من بطون الكتب، ولظهرت ظهورًا يغني عن هذا الاستقراء؛ فلما لم يوجد إلا عدد محدود من الوقائع، مع إمكان المنازعة في دخول أكثرها في محل النزاع أصلًا، كان ذلك مؤيدًا للأصل العام، لا ناقضًا له. 


مناقشة الآثار المستدل بها 


بعد التأمل يظهر أن الآثار التي استدل بها الشيخ فركوس وأمثاله في خصوص التسمية تنقسم إلى قسمين: 


القسم الأول: آثار لا يتحقق فيها مناط النزاع أصلًا

أولًا: أثر أبي سعيد الخدري مع معاوية رضي الله عنهما في زكاة الفطر، إذ لما قال معاوية: "إني أرى أن مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر"، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: "فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، أبدًا ما عشت". 

فهذا ليس إنكارًا على السلطان في منكر، وإنما هو إظهار لاجتهاد فقهي في مسألة خلافية، فلا يصح جعله أصلًا في باب الإنكار العلني على الحاكم. 


ثانيًا: موقف ابن عمر رضي الله عنهما من أمر خالد بن الوليد بقتل الأسرى الذين قالوا "صبأنا" ولم يقولوا "أسلمنا"، إذ أقسم ابن عمر ألا يقتل أسيره ولا يقتله أحد من أصحابه. 

فهذا امتناع عن تنفيذ أمر رآه مخالفًا للشرع من أمير الجيش وليس من الحاكم، وليس فيه خطاب جماهيري تحريضي يُقصد به الإنكار العلني على الحاكم. 


ثالثًا: إنكار ابن مسعود على عثمان رضي الله عنهما في إتمام الصلاة بمنى، إذ صلى معه أربعًا وقال: "الخلاف شر"، فدل على أن مقصوده بيان السنة لا إثارة الناس على الإمام. كما أن صدور التسمية لم تكن من ابن مسعود، ولا كانت خطابًا عامًا في غيبة الإمام. 


رابعًا: إنكار علي رضي الله عنه على عثمان في مسألة التمتع بالحج والعمرة، بقوله: "ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد"، وهو تمسك بما يراه سنة ثابتة في مسألة اجتهادية، لا خطاب جماهيري هادف إلى إسقاط هيبة الإمام. 


خامسًا: تعليق ابن عباس رضي الله عنهما على تحريق علي للمرتدين، وقول علي بعدها: "صدق ابن عباس"، وهو بيان اجتهاد فقهي بعد وقوع الحادثة، لا دعوة عامة ولا تحريض على الإمام. 


القسم الثاني: أثر داخل في محل النزاع، لكنه قاصر عن التعميم 


وأعني قصة عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر مع مروان ومعاوية، فهي أقوى ما يُستدل به في الباب. 

فهذا الأثر - على فرض صحة الاستدلال به - غايته أن يدل على جواز أصل التسمية في عين واقعته، لا أن يُنشئ قاعدة عامة مطردة؛ إذ لم يقترن به ما يدل على إرادة التشريع العام، ولا وُجد ما يمنع حمله على خصوص حاله كما هو الشأن في نظائره من أفعال الصحابة العينية. 

 

وحتى مع التسليم جدلا بأن هذه الآثار تدل على جواز التسمية المجردة في أعيان وقائعها، فإن الموازنة المقاصدية - في مقام التقعيد العام- تقتضي تقديم درء المفسدة الراجحة على جلب تلك المصلحة الجزئية. 


 كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

نقول لمن يتهمنا بالإرجاء في تحرير الفعل التعبدي عند الاشتباه

 نقول لمن يتهمنا بالإرجاء:

محل البحث في المنشورات السابقة هو تمييز الفعل العبادي عن مجرد صورته الظاهرة عند الاشتباه، لا نفي كون أعمال الجوارح عبادة، ولا إرجاع العبادة إلى مجرد أعمال القلوب.

فعندما يقول الأشعري: إن صورة سجود الملائكة لآدم هي نفس صورة سجود الرجل لله، وهي نفس صورة السجود عند القبور؛ فكيف تكون الصورة واحدة، ثم يكون بعضها جائزًا في شريعة، وبعضها عبادةً، وصرفها لغير الله شركًا في شريعة أخرى؟

فهذه هي الشبهة التي تعلّق بها الأشاعرة والمتصوفة، ومن تأثر بهم، في نفي وصف الفعل الظاهر بالعبادة، إلا إذا انضم إليه اعتقاد مخصوص في القلب.

ومن هنا جاء التفريق الذي قررناه في المنشورات السابقة؛ لضبط هذا الباب، وقطع الطريق على هذه الشبهة. فالفارق بين الصورتين ليس نية باطنة نفتش عنها، ونشترط التصريح بها للمناط العبادي، وإنما قرينة ظاهرة مقترنة بالفعل، تصرفه إلى معنى دون آخر

فليس كل صورة دعاء، أو سجود، أو ذبح، تكون بمجرد صورتها عبادة شرعية؛ إذ النصوص نفسها دلت على وجود صور تتحد في الظاهر، وتختلف في الحكم باختلاف متعلقها وسياقها.

فالملائكة سجدوا لآدم، وإخوة يوسف سجدوا له، ولم يكن ذلك عبادة له، مع اتحاد الصورة الظاهرة. فدل ذلك على أن مجرد الصورة لا يكفي في جميع المواضع لإثبات حقيقة العبادة.

ومع ذلك، فلم نُرجع العبادة إلى أمور قلبية محضة، ولم نجعل القصد الباطن منشئًا للعبادة، ولا شرطًا في تحققها كما يقول المرجئة، وإنما جعلنا القرينة الظاهرة الملازمة للفعل هي التي تحدد نوعه عند احتمال الصورة لأكثر من معنى، وتكشف عن الجهة التي وقع عليها الفعل.

فنحن لا نعلّق الحكم على أمر خفي في القلب، وإنما على وصف ظاهر يلابس الفعل نفسه.

فسجود الملائكة وإخوة يوسف لم ننف عنه وصف العبادة لعلمنا بما في القلوب، وإنما نفيناه للقرينة الظاهرة التي بينت أنه سجد على جهة التحية والتكريم، لا على جهة التعبد.

وللأسف، ظن بعض من اتهمنا بالإرجاء أننا نشترط أمرًا باطنًا خفيًا حتى نحكم على الفعل بأنه عبادة، بينما الذي نجعله مناط التمييز هو القرينة الظاهرة الملازمة للفعل، وهي أمر يُدرك بالمشاهدة والاستقراء، لا بالتنقيب في القلوب.

وانتبه أن الكلام عند الاشتباه؛ وأما السجود عند القبور في واقع المسلمين، فالأصل حمله على جهة التعبد والتقرب؛ لأن هذا هو الظاهر المتبادر من وقوعه في هذا الموطن، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بقرينة صارفة معتبرة، لا بمجرد احتمال عقلي بعيد.

وعلى هذا الأصل نفسه يُحمل الكلام في الدعاء والسجود جميعًا: فلم نجعل الدعاء من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين الدعاء اللغوي ودعاء العبادة، وهذا تفريق دل عليه استعمال الشرع نفسه؛ إذ استُعمل لفظ الدعاء في أكثر من معنى، فلا يصح إبطال هذا التفصيل لمجرد الاشتراك اللفظي.
وكذلك لم نجعل السجود من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين صوره بحسب القرائن التي صاحبتها، كما دلت عليه النصوص الشرعية المذكورة آنفًا.
د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 6 يوليو 2026

الخلط بين صور الإنكار العلني على الحاكم

أطلعني أحد الإخوة على مقال بعنوان: "كلمات كبار علماء الدعوة السلفية حول الإنكار العلني على الحاكم". وقد ختم كاتبه – هداني الله وإياه إلى تحقيق السنة واتباعها – بقوله: "أما المنع المطلق من الإنكار العلني وفي كل الأحوال! فهو حصانة سلطانية غير شرعية." 


وهذه دعوى خطيرة، ولا أدري عمَّن يتحدث؛ إذ لا أعلم أحدًا من أهل العلم يمنع الإنكار العلني مطلقًا وفي جميع الأحوال، بل الذي قرره أهل العلم هو مشروعية صور متعددة من الإنكار، منها: الإنكار سرًّا، والإنكار أمام الحاكم، والإنكار على فعله في حضوره، والإنكار على المنكر في غيبته من غير تعيين فاعله. 


وإنما منعوا صورة واحدة بعينها، وهي: تسمية الحاكم بشخصه والطعن فيه علنًا في غيبته. 

وهذه الصورة جاءت الشريعة بمنعها، لا لأنها علة تامة مستقلة تستلزم المفسدة في كل فرد من أفرادها، بل لأنها سبب مهيئ إلى مفاسد راجحة، ومن أعظم تلك المفاسد إضعاف أصل السمع والطاعة، 

ولما كان الإفضاء في هذه الصورة غالبًا سدت الشريعة هذا الباب اعتبارًا بالغالب، ولم تلتفت إلى الصور النادرة؛ إذ لو رُوعي النادر من الأحوال لتعذر ضبط الباب وانفتح لكل مدّعٍ مصلحة يتوهمها. 


وهذا الباب في أصله يرجع إلى أصل قطعي عند أهل السنة، وهو لزوم السمع والطاعة، وترك الخروج على الأئمة؛ 

لكن ينبغي التنبه إلى أن منع هذه الصورة بعينها ليس هو ذلك الأصل القطعي بذاته، وإنما هو تنزيل له عبر قاعدة منع الشريعة لما يفضي غالبا: 

فهذه الصورة ذريعة ظاهرة وقوية إلى إثارة الفتنة، وإضعاف هيبة الولاية، ونشر الطعن والتباغض بين الناس، مما يفتح باب الإخلال بذلك الأصل غالبًا. 


وليس المقصود أن كل طعن علني حال غيبته يستلزم خروجًا مسلحًا، وإنما المقصود أنه سبب مهيئ لذلك عند اجتماع بقية أسبابه.. 


ومن ثم فإن تصوير هذا القول على أنه منع مطلق للإنكار في جميع الأحوال هو تشويه لمحل النزاع، فكيف إذا بُني عليه وصف المخالفين بأنهم يمنحون الحاكم "حصانة سلطانية"؟!

لا شك أنه بغي وتعد من غير تحرير ولا تحقيق علمي!! وأقرب لمغالطة استدرار العاطفة 


ومن الدعاوى التي تحتاج إلى تحقيق قوله في المقال: "تجويز كثير من السلف للإنكار العلني على الحاكم لا يعني جواز الخروج عليه بالسلاح." 


وهذا النفي لا يُستغرب ممن لم يميز بين العلة التامة المستقلة وبين السبب المهيئ . 

فلا أحد يدعي أن الإنكار العلني بمجرده علة تامة تستلزم وقوع الخروج المسلح وفي كل حال، إذ هذا باطل. 

وإنما الكلام في كونه سببًا يهيئ للخروج إذا انضمت إليه بقية أسبابه، ويعبر عنه العلماء بعبارات كنحو يفضي إلى... ويجر إلى... ويفتح الباب... ويكون ذريعة إلى... 


والأعجب أن الكاتب أورد كلام ثلاثة من أئمة العصر، ومع ذلك لم يأت بنص واحد صريح عن أحد منهم يجيز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته، أو نص على أن هذه الصورة يجوز استثناؤها إذا رجحت المصلحة، أو يقرر جوازها إذا لم يمكن إزالة المنكر إلا بها. 


أولًا: كلام الشيخ الألباني رحمه الله 


استدل بقوله: "إذا الحاكم خالف الشريعة علنًا؛ فالإنكار عليه علنًا لا مخالفة للشرع." 


وهذا نص مجمل، ولم يحرر فيه محل النزاع: هل المراد إنكار المنكر نفسه، او الإنكار على الحاكم علنا في حضوره أو المراد تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه؟ 

فأين النص الصريح الذي يقرر أن الشيخ يجيز تسمية الحاكم وذمه علنًا؟ لا يوجد. 


وأما استدلاله بكلام الشيخ في مسألة حرب الخليج، فالسياق إنما كان في مطالبة العلماء ببيان الحكم الشرعي وعدم الإفتاء بخلاف ما يعتقدونه مراعاةً لموقف الدولة على حسب ما يراه الشيخ في تلك النازلة

وهذا من باب بيان الحكم الشرعي في النوازل العامة، وليس فيه تسمية الحكام بأعيانهم ولا الطعن فيهم علنًا.


ثانيًا: كلام الشيخ ابن باز رحمه الله 


النص الذي نقله الكاتب عام، وهو قول الشيخ: "الأصل أن المنكر يتحرى ما هو الأصلح. إلخ" وهذا كلام في اختيار أسلوب الإنكار بحسب المصلحة، سواء كان سرًّا أو جهرًا، مع عموم الناس. 


أما كلامه الخاص بالحاكم فهو قوله: "فإذا كان جهره بالنصيحة في موضع يفوت الأمر فيه، مثل قصة أبي سعيد، والرجل الذي أنكر على مروان إخراج المنبر وتقديم الصلاة، فهذا لا بأس به." وهذا صريح في الإنكار على الحاكم أمام حضوره، وهو محل اتفاق، وليس فيه تصريح بجواز تسميته والطعن فيه علنًا في غيبته. 


بل قد سئل الشيخ ابن باز صراحة: هل من منهج السلف نقد الولاة من فوق المنابر؟ وما منهجهم في نصح الولاة؟ فأجاب: "ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير." 


ثم قال: "أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل، فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، فذلك واجب لعموم الأدلة... ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها، لا حاكمًا ولا غير حاكم." 


فكيف يُترك هذا النص الصريح في محل النزاع، ثم يُستدل بكلام عام لا دلالة فيه عليه؟ 


ثم يزيد الكاتب من عنده جملة اعتراضية فيقول: "والشيخ ابن باز له فتاوى منشورة أنكر فيها على الولاة علانية وسمى بعضهم باسمه." 


وهذا الإطلاق غير دقيق؛ لأن ما استدل به في الجملة إما مراسلات خاصة بينه وبين أولئك الولاة نُشرت بعد ذلك، وإما كلام فيمن ثبت عند الشيخ كفره وانتفاء ولايته الشرعية، ونحو ذلك مما نرجعه إلى محكم قوله، فلا يصح الاحتجاج به في محل النزاع. 


ثالثًا: كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله 


استدل بقوله: "فإذا رأينا أن الإنكار علنًا يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علنًا." 


وهذا من أوضح أمثلة الخلط؛ فإن كلام الشيخ كله يدور حول الموازنة بين المصلحة والمفسدة في الإنكار على المنكر، وليس فيه تصريح بجواز تسمية الحاكم المسلم بعينه وذمه أو الطعن فيه علنًا في غيبته. 


بل إن الشيخ نفسه يقول في لقغء الباب المفتوح: "وهناك فرق بين كون الأمير حاضرًا أو غائبًا؛ فالفرق أنه إذا كان حاضرًا أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيبًا ونحن مخطئون، لكن إذا كان غائبًا وبدأنا نفصل الثوب عليه على ما نريد، فهذا هو الذي فيه الخطورة، والذي ورد عن السلف كله مقابلة الأمير أو الحاكم. ومعلوم أن الإنسان لو وقف يتكلم في واحد من الناس - فضلًا عن ولاة الأمور - في غيبته لقيل: هذه غيبة، إذا كان فيك خير فاذهب إليه وانصحه." 


وهذا نص ظاهر في التفريق بين الإنكار على الحاكم في حضوره وبين ذكره والطعن فيه في غيبته. 


فتبين أن جميع النقول التي استدل بها الكاتب خارجة عن الصورة لتي منعها السلف؛ لأنها تدور بين الإنكار على المنكر، أو الإنكار في حضور الحاكم، أو بيان الحكم الشرعي، ولا واحد منها نص في جواز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته. 


نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف، وأن يوفقنا لاتباع السنة، وأن يجنبنا الزلل في الفهم والاستدلال. 


كتبه ناصحًا

د. أحمد محمد الصادق النجار



الأحد، 5 يوليو 2026

هل كانت شفاعة الشفعاء عند المشركين شفاعة إلزام أو شفاعة رجاء محض؟

 هل كانت شفاعة الشفعاء عند المشركين شفاعة إلزام أو شفاعة رجاء محض؟ 

للإجابة عن هذا السؤال نسلك مسلك الاستقراء القطعي الذي يدفع كل شبهة، مع التنبيه إلى أن محل البحث هو تصور المشركين للشفاعة، لا حقيقة الشفاعة عند الله تعالى. 

أولًا: ثبت بالاستقراء القطعي أن مشركي العرب كانوا يقرّون بانفراد الله بالملك والتدبير والتصرف في الكون. وهذا الإقرار يستلزم -عقلًا وشرعًا- انتفاء تصور الإلزام في حق الله؛ إذ لا يُتصور إلزام من ثبت له الانفراد بالسلطان المطلق. 

ولو كانوا يعتقدون أن أحدًا يُلزم الله بشيء، لكان ذلك ناقضًا لإقرارهم الأول، والقرآن لا يحكي عنهم اجتماع هذين الاعتقادين المتناقضين في محل واحد. 

ثانيًا: لو كانوا يعتقدون أن آلهتهم تُلزم الله بالشفاعة، للزم من ذلك أن يثبتوا لها أحد أمرين: إما قدرة مستقلة تنازع سلطان الله، وإما استحقاقًا ذاتيًا يجعل لها حقًّا واجبًا على الله. 

إلا أن الاستقراء التام السابق يثبت أنهم لم يعتقدوا في آلهتهم شيئًا من ذلك، فينتج قطعًا أنهم لم يتصوروا الشفاعة على جهة الإلزام. 

ويتضح هذا أيضًا من زاوية أخرى: فلو كانوا يعتقدون في آلهتهم استقلالًا حقيقيًا، لكانت شفاعتها من جنس آخر تمامًا، وهي شفاعة الند المستقل الذي يتصرف بذاته، وليست شفاعة الوسيط الذي يُرجى قبوله عند الله، وبما أن هذا الاستقلال منفي كما تقرر، فلا يبقى إلا تصور قائم على الرجاء لا الإلزام. 

فالنتيجة أن اعتقاد مشركي العرب في شفعائهم كان من قبيل الرجاء المحض، لا من قبيل الإلزام. 


هل اعتقدوا أن الله محتاج إلى الشفعاء؟ 

والجواب من جهة التصريح والاعتقاد المباشر لم يكونوا يعتقدون حاجة الله إلى شفعائهم؛ إذ هذا يستلزم نقصًا في كمال الله لم يُنقل عنهم اعتقاده، وإنما صرحوا بضده حين أقروا بكمال قدرته وتدبيره، وهذا ثابت بالاستقراء القطعي..

إلا أنه ينبغي التفريق بين الاعتقاد الصريح واللازم العقلي؛ فإنهم وإن لم يصرحوا بحاجة الله إلى الشفعاء، فإن تصورهم للشفاعة كان مبنيًا على قياس علاقة الشفيع بالله على علاقة الوجيه بالملك في الدنيا، وهذا القياس يتضمن في لوازمه معنى لا يليق بالله، إذ يجعل قبول الشفاعة جارياً على سنن العلاقات البشرية، لا على مقتضى كمال الرب سبحانه. فالحاجة هنا ليست معتقدًا مصرحًا به، وإنما هي لازم فاسد لتلك البنية القياسية 

وهنا يأتي سؤال هل هذا الاعتقاد بالحاجة (اللازم الكامن) هو نفسه المناط المطلوب إثباته لإجراء حكم الشرك المخرج من الملة على المعيّن؟

بمعنى هل من طلب الشفاعة من ميت أو صنم لا يكون طلبه شركا إلا إذا صرح أنه يعتقد حاجة الله إلى الشفعاء؟

وااجواب: لا يُشترط إثبات هذا الاعتقاد المخصوص  عند المعيّن لإجراء الحكم عليه بالوقوع في الشرك، وإنما يكفي الفعل الظاهر نفسه كصرف كالدعاء أوالسجود لغير الله، وذلك لأن هذا الاعتقاد لازم لتفسير الفعل ووقوعه، لكنه ليس شرطًا للحكم بالشرك، فهو متعلق بالشرط الوجودي وليس متعلقا بالمناط الحكمي كما فصلناه في مقال سابق

فالحكم مُعلَّق على نفس الفعل الظاهر بصرف النظر عن مدى وعي الفاعل بتفاصيل هذا اللازم أو تصريحه به. 

وإذا تقرر أن الحكم لا يتوقف على هذا التصريح، فإننا نلحظ مع ذلك أن هذا اللازم نفسه (الحاجة) يزداد وضوحًا في العصر الحاضر من عدة وجوه: 

الوجه الأول: إذا كان مشركو العرب وقعوا في هذا التناقض من غير شعور وبلا تصريح، فإن بعض غلاة القبوريين المعاصرين يصرّحون بمعنى الحاجة صراحة، كقول بعضهم: "الله لا يُعطي إلا من طريقهم"، أو "أنهم باب لا يُرد"، وهذا تصريح بمضمون اللازم الذي كان كامنًا عند الأولين. 

الوجه الثاني: كما أن مشركي العرب لم يعبدوا أصنامهم على أساس أنها تُلزم الله أو تقهر إرادته، وإنما عبدوها رجاء أن تكون وسائط تقرّبهم إليه، كما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فكذلك عامة القبوريين المعاصرين؛ فإنهم حين يقفون عند القبور داعين أصحابها من دون الله لا يعتقدون أن الولي يُلزم الله بشيء، وإنما يرجون أن تكون له عند الله منزلة أو وجاهة يكون معها دعاؤهم أقرب إلى القبول. 

فالبنية العقدية المحركة في الفعلين واحدة؛ إذ تقوم على توهم وجود نسبة خاصة تجعل التوسل بهذا الوسيط أرجى للقبول من التوجه إلى الله مباشرة، مع الإقرار -إذا سُئلوا- بأن الله وحده صاحب المشيئة والقرار المطلق. 

الوجه الثالث: كما أن هُبل واللات ومناة لم تُعبد لخصوصية ذاتية في الحجر، وإنما لما نُسب إليها من ارتباط بأشخاص معظمين أو أرواح يُعتقد صلاحها، فكذلك القبور المعبودة اليوم لا تُقصد لذات القبر أو الجسد، وإنما لما يُنسب إلى صاحب القبر من الولاية أو الصلاح. 

فالعلة المحركة في الحالين واحدة، وهي الاعتقاد بوجود ارتباط خاص يجعل هذا الوسيط أقرب إلى الله، لا الاعتقاد بامتلاكه خصائص ذاتية مستقلة. 

للوجه الرابع: كما أن مشركي العرب أنكروا عن أنفسهم وصف الشرك يوم القيامة، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، لأنهم كانوا يحصرون معنى الشرك في إثبات شريك مستقل في الربوبية، وهو ما لم يكونوا يعتقدونه؛ فكذلك ينكر كثير من القبوريين المعاصرين وصف الشرك عن أنفسهم بالمنطق نفسه. 

وهذا كله يدل على تماثل أصل التصور الذي بُني عليه اتخاذ الوسائط في التقرب إلى الله قديما وحديثا. 


تنبيه أخير

ولا يعني أننا نكفر أعيانهم بإطلاق...فليس (كل) من وقع الشرك أصبح كافرا عينا 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مشارك بكلية علوم الشريعة

تخصص عقيدة



لماذا عبد مشركو العرب هبل واللات ومناة بعينها؟

 

تقدم معنا بالدليل القطعي أن المشركين لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالخلق والرزق والملك والتدبير, ولم يثبتوا لها  قدرة كونية عامة مستقلة, ولا قدرة جزئية غيبية مستقلة
كما تقدم أن مناط الحكم بالشرك: هو الفعل التعبدي كالسجود الموجه لغير الله.

فإن قيل: إن هذا التقرير لا يفسر سبب اختيار حجر بعينه دون غيره، فلماذا خُصَّ هذا الحجر، كهُبل أو اللات أو مناة، بالعبادة ؟

قيل: إن رجاء الزلفى باتخاذ الوسائط في العبادة أو طلب الشفاعة مباشرة من الميت
إنما هو أثر لمقدمة اعتقادية سابقة؛ إذ لا يقع تخصيص شيء بالتعظيم إلا لمرجح يقتضي هذا التخصيص, وقد أحال القرآن نفسه على أصل هذا التخصيص, فقال تعالى حاكيا عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23], فالأصنام التي جعلت على صورة ود وسواع ويغوث ويعوق, عبدت على أنها تماثيل رجال صالحين تحل أرواحهم فيها, أو ترتبط بها ارتباطا خاصا, ومن هنا نشأ رجاء الشفاعة.

فإن قيل: لا يُتصور رجاء الزلفى من حجر أو صالح إلا مع اعتقاد سابق فيه بنوع من التأثير، ولو لم يبلغ حد الاستقلال.

قيل: هذا مسلم, فإن رجاء الزلفى والشفاعة لا يتصور إلا مع اعتقاد خاص في ذلك الوسيط يقتضي تخصيصه إلا أن هذا الاعتقاد بهذا القدر جزء لا ينفك عن وجود الفعل نفسه في الخارج؛ إذ لا يتصور دعاء موجه إلى جماد أو ميت, إلا مع ظن نوع تأثير فيه غير مستقل عن الله، لكن يجب التمييز بين كون الاعتقاد شرطًا في وجود الفعل في الخارج، وكونه شرطًا لإجراء الحكم على الفاعل، ولا تلازم بين الأمرين...

وإذا تبين هذا ظهر وجه تقرير أهل السنة في هذه المسألة؛ فإن الذي عليه تحقيقهم أن الاعتقاد جزء لا ينفك عن وجود الفعل، إلا أن الحكم الشرعي بالشرك يكتفى فيه بالفعل التعبدي الظاهر؛ لأن الشارع علق الحكم على وجود هذا الفعل، كالسجود، وهو في نفسه مستلزم لكفر الباطن. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (14/ 120): ( وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن )

فالفعل التعبدي الظاهر، كالسجود لغير الله، هو نفسه مناط الحكم بالشرك شرعًا؛ إذ علق الشارع حكم الشرك على هذا الجنس من الأفعال، وجعله مناطًا ظاهرًا للحكم، فلا يفتقر في إجرائه إلى إقامة الدليل على الاعتقاد الباطن، وإن كان الفعل في نفسه لا يوجد إلا مستلزمًا له.

وعليه فالزلفى والشفاعة هما الدافع والباعث على الفعل, لكنهما قائمان على اعتقاد باطل في الوسيط جعله في نظرهم محلا للتقرب, ومع ذلك فإن القرآن نفسه مع وصفه آلهتهم بأنها لا تملك شيئا لم يعلق الحكم بالشرك على مجرد ذلك الاعتقاد, وإنما علقه على العبادة المصروفة إليهم.
وهذا تحقيق هذه المسألة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

الجمعة، 3 يوليو 2026

مختصر تحرير مفهوم الشرك عند مشركي العرب زمن الوحي

مختصر
تحرير مفهوم الشرك عند #مشركي_العرب زمن الوحي

عندما نبحث في معنى العبادة، ومعنى الإله، ومتى يقع الشرك، فلا بد أن ننطلق من نقطة جوهرية وهي: ما هي العقيدة التي أثبتها القرآن لمشركي العرب زمن النبي صلىاللهعليهوسلم، والتي احتج بها عليهم؟

والقرآن الكريم هو المصدر القطعي الذي كشف حقيقة حالهم وواقع معتقدهم.

والمقصود هنا هو تحديد عقيدة عموم مشركي العرب التي جعلها القرآن أساسًا لمحاجتهم بها، وليس المقصود نفي وجود انحرافات متفرقة في باب الربوبية.

قد يعترض معترض فيقول: أليس من العرب من زعم أن الملائكة بنات الله، وهذا اعتقاد يتعلق بالربوبية؟
والجواب من وجوه:
أولًا: هذا اعتقاد فئة من العرب لا عموم جمهورهم.
وثانيًا: وهو الأهم: لم يجعل القرآن هذا الزعم (بنوة الملائكة) هو علة عبادتهم لأصنامهم؛ فالله لم يقل إنهم عبدوا الأصنام لأجل زعمهم أن الملائكة بناته
وثالثا: هو زعم في النسب وليس في الاستقلال بالفعل، فهم لم يعتقدوا في الملائكة استقلالها بالخلق أو الرزق أو التدبير

أعود فأقول: إليك أربعة أوجه في إثبات عقيدة عموم مشركي العرب في الربوبية والتي جعلها القرآن أساسًا لمحاجتهم:

الوجه الأول: لم يذكر القرآن في أي موضع من مواضع محاجته للمشركين، أنهم كانوا يعبدون آلهتهم لاعتقادهم أنها تخلق أو تدبر أو ترزق استقلالًا عن الله.

الوجه الثاني: تكرر في القرآن إقرار المشركين بأن الله وحده هو الخالق والمدبر، وجاء هذا في مناسبات متعددة ومختلفة
سُئلوا عن الخلق تارة، وعن الرزق تارة، وعن المُلك أو الربوبية أو التدبير تارة أخرى
وكان جوابهم واحدًا في كل مرة: أن ذلك كله لله وحده، دون أن يُنقل عنهم رد مخالف ولو مرة واحدة.

الوجه الثالث:جاءت أغلب هذه الآيات بصيغة ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، وهي من أشد صيغ التوكيد في اللغة العربية؛ فاللام فيها موطئة لقسم محذوف تقديره "والله لئن سألتهم"، وجاء جواب الشرط ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ مؤكدًا بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، مما يزيد المعنى قوة وتوكيدًا.

الوجه الرابع: يؤكد هذا المعنى ما حكاه الله تعالى عنهم في حال الشدة، فقال سبحانه:﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
فهذه الآية لا تنقل مجرد جواب لفظي يصدر عند السؤال، وإنما تكشف عن حقيقة الاعتقاد الكامن في نفوسهم؛ فإن الإنسان عند انقطاع الأسباب وتمحض الحاجة لا يلجأ إلا إلى من يعتقد أنه يملك القدرة المطلقة على كشف الضر.

أفاد هذا الاستقراء التواتر المعنوي؛ فالنصوص الواردة في سور لقمان والزخرف والعنكبوت ويونس والمؤمنون وغيرها، ليست تكرارًا للفظ واحد في سياق واحد، وإنما وردت في سور مختلفة، نزلت في أوقات متعددة، وبمناسبات متنوعة، وجاءت بألفاظ متغايرة؛ فتارة في الخلق، وأخرى في الرزق، وثالثة في التسخير، ورابعة في الإحياء، وخامسة في الملك أو التدبير، وكلها قد اتفقت على معنى واحد، وهو إقرار المشركين بانفراد الله تعالى بالخلق واستقلاليته بالتصرف والتدبير،
فصار من جملة المعاني المعلومة من القرآن بالضرورة، لا من المسائل الاجتهادية

وبذلك ثبت — بدرجة القطع لا الظن — أن مناط الكفر الذي حكم به القرآن عليهم لم يكن اعتقاد خالق مع الله مستقل، ولا رازق مستقل، ولا مالك أو مدبر مستقل

وعليه
فكل فهم لآية من القرآن معارض لهذا الأصل القطعي يكون مردودًا من جهة المنهج قبل النظر في تفاصيله؛ لأن من القواعد المحكمة عند أهل الأصول أن الدليل الظني لا يعارض الدليل القطعي.

ونزيد الأمر توضيحا بطريقة السؤال والجواب:

س/ ما الذي أثبته القطع المتقدم بالضبط؟

ج/القطع الثابت بالتواتر المعنوي انصبّ على أمر محدد: أن مشركي العرب كانوا يقرّون بأن الله وحده هو الخالق، والرازق، وأنه المستقل بالملك والتدبير.

س/هل كانوا مع ذلك يعتقدون أن لآلهتهم تأثيرًا جزئيًا محدودًا، كالشفاعة، أو التقريب من الله؟
ج: نعم، وهذا ثابت بنص القرآن نفسه، إذ وصف حالهم فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
فهم لم يزعموا لآلهتهم ملكا مستقلًا، بل توسّطًا وشفاعة عند الله، أي تأثيرًا متوقفًا على إذنه لا مستغنيًا عنه.

س/ هل اعتقاد التأثير الجزئي ينافي القطع المتقدم؟

ج/ لا ينافيه؛ لأن القطع المتقدم إنما نفى اعتقادهم استقلال آلهتهم بالخلق والرزق والتدبير، ولم يتعرض لمسألة الشفاعة والتوسط أصلًا، فليس بين الأمرين تعارض حتى يُحتاج إلى دفعه.

س/أين وقع شركهم إذن؟

ج/لم يقع فيمن يخلق أو يرزق أو يدبر استقلالًا، بل وقع في باب العبادة؛ إذ حوّلوا رجاء تلك الشفاعة إلى عبادة صُرفت لغير الله.

س/ هل جعلت النصوص الشرعية اعتقاد التأثير الجزئي هو مناط شرك العرب؟
ج/ التأثير الجزئي المزعوم كان هو الدافع الذي حملهم على الشرك، وأما الشرك نفسه فقد تحقق حين حوّلوا هذا الرجاء إلى عبادة صُرفت لغير الله.
فاعتقاد النفع الجزئي لم يكن استقلالًا عن الله حتى يكون هو المناط، بل هو الباعث النفسي، والمناط الشرعي هو الفعل التعبدي المترتب عليه.
[لو فهمت هذا زال عنك الإشكال من أصله]

س/ ما الدليل على أن النصوص الشرعية جعلت التأثير الجزئي دافعًا لا مناطًا؟

ج/ قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
فالآية بنَتْ الجملة على فعلين متعاطفين: "يعبدون" ثم "يقولون".
والفعل الأول (وَيَعْبُدُونَ) هو محل الذم والحكم، والثاني (وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) مجرد حكاية لتعليلهم وتبريرهم.
ولم تقل الآية "لاعتقادهم أنهم شفعاؤهم استحقوا الذم"، بل رتّبت الذم على نفس العبادة، وجاء ذكر الشفاعة تعليلًا لسبب توجههم لا شرطًا لتحقق الحكم عليهم.

وأيضا في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81-82].
قوله "لِيَكُونُوا" يدل على العلة الباعثة وهي طلب العزة
وقوله: ﴿بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الباء هنا سببية، فعلّق الكفر على العبادة ذاتها، لا على العلة الباعثة عليها. فلو كان الاعتقاد بالتأثير الجزئي هو مناط الكفر لعلق الكفر علبه ولم يعلقه بالعبادة.

ويُضاف إلى ما تقدم أن القرآن لم يفرّق في الحكم بين المشركين بحسب تفاوت درجة ما توهموه من تأثير لآلهتهم، بل ساواهم جميعًا في وصف الشرك الأكبر ما داموا قد عبدوا تلك الآلهة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/07/blog-post.html