الأربعاء، 29 يناير 2025

[إسلامي أو علماني مغالطة ثنائية يفرضها البعض ...]


النموذج الذي صُدر للعالم على أنه في مقابل العلمانية والمحافظ على ثوابت الإسلام وهو ما يعرف بالإسلام السياسي وهي تسمية ظالمة 

كان ضرره على الأمة الإسلامية عظيما من جهتين:

الأولى: جعله الناطق الرسمي أمام الغرب والممثل للنظرة الشرعية الإسلامية، وهو ليس كذلك

الثانية: تصوير أن من يحاربه ويرد عليه؛ لكونه لا يمثل الإسلام الصحيح 

أنه يريد العلمانية ويسعى لتوطيدها وتمكنيها...

بناء على المغالطة الثنائية التي ينادي بها أصحاب هذا التوجه وهي إما الإسلام السياسي الذي يمثله من يتبنى أفكار الإخوان 

وإما العلمانية أو الدكتاتورية... 


فأفضى هؤلاء على التجربة الإخوانية أو القطبية القداسة الدينية وجعلوها هي الناطقة باسم الإسلام ولذا شيطنوا كل من ينتقد كونها تمثل الإسلام الصحيح...

ولما بنيت هذه التجربة على شعار أن الحاكمية لله وحده، جعل غلاتهم أن معارضة ما بعرف بالإسلام السياسي كفر أكبر؛ لأنها معارضة للحاكمية، ومعارضة الحاكمية كفر..

لماذا أقول شعارا؟

لأنهم لما وصلوا للحكم لم يطبقوا ما كانوا يدعون إليه، واضطرهم وجودهم في المنصب تحكيم قوانين وضعية ودخلوا في تحالفات مع الكفار باسم السياسة الشرعية وفقه التدرج  زعموا

فسقط الشعار عند وصولهم للحكم... 


الخلاصة 

ليست فكرة المنشور في نقد وجوده بإطلاق في المعترك السياسي أمام العلماني

وإنما في اختزال الإسلام فيه وتصوير أنه هو الإسلام الصحيح أو أن من ينتقده يشكك في إسلامه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 20 يناير 2025

#نصر_أم_هزيمة ؟ #غزة

    


يقول البعض: (انتصرت حما س لكون اليهو د لم يحققوا الهدف الرئيسي وهو تدمير حما س , انتصرت حما س لأنهم فرضوا إرادتهم السياسية!!!!)


هذه هي معاييرهم، وهذا يعني كون حماس لم تدمر  يعد نصراً، حتى لو دُمرت غزة بأكملها وقُتل عشرات الآلاف من المدنيين. 


وهنا سؤال هل النصر في الإسلام يُقاس ببقاء طرف على حساب الآخر من غير اعتبار لكليات شرعية ونصوص جزئية؟


1- نعم, انتصرت لو حُصر القتال في المعركة بين المقاتلين من حما س واليهو د, فكان جيش مقابل جيش,  كما كانت معارك النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين الكفا ر....

(انتبهت للفرق المؤثر)

لو اقتصرت المعركة على قتال مباشر بين المقاتلين من الطرفين دون استهداف النساء والأطفال والمدنيين، لكان هناك مجال لتشبيهها بمعارك النبي ﷺ.


ولصح لنا أن نستشهد بمعركة بدر وحنين, وأن نستشهد بتوك .. 

فمعارك النبي ﷺ لم يكن الهدف تدمير المدنيين أو البنية التحتية.


ولصح لنا أن نستشهد بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أنه ليس في قتل الشهداء مصيبة, ويعني بالشهداء: من يعتادون القتال لا المدنيين....


مع أن الفقهاء نصوا أنه في حال الغزو لا يغزى مع من يضيع المسلمين, أو يقودهم إلى التهلكة, فالواجب على القائد عدم تضحيته بالمسلمين وعدم الاستخفاف بدمائهم, ففي المغني لابن قدامة (620) (13/ 14) قال أحمد : لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين ، وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين .

وكان البراء يُلقّب بـ " الْمَهلَكة " , وقد ذَكَر ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن سيرين أنه قال : كَتَبَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم .

وهذا يدخل فيه جهاد الدفع من وجه؛ لأن جهاد الدفع  لم يشرع لذاته ولا لتضييع المسلمين وإنما شرع لما فيه من دفع المفاسد, وهو قربة من هذه الجهة, فإزهاق النفس شُرع لدرأ مفسدة استيلاء الكفار وقتل المسلمين وأخذ أموالهم وانتهاك حرمة الدين.


2-الحفاظ على دماء المسلمين مقصود للشارع في جها د الدفع, كما قال تعالى:[وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا]

 لا سيما إذا كان للمسلمين فسحة في اختيار موعد مقاومة المحتل, وهو من هذه الجهة من جها د الطلب, ولا يتمحض فيه, كما بينته في رسالة "نازلة غ زة", وعليه فاشتراط القدرة الشرعية متوجه, بل واجب.


3-ما حصل لليهو د من عدم تحقيق أهدافهم كاملة وانهيار اقتصادهم وو... هزيمة بالنظر إلى معاييرهم 

لكن لا يلزم من ذلك انتصار حما س الانتصار بمعناه الشرعي العام, فالدمار الشامل والأنفس التي أزهقت بالآلاف في المعيار الشرعي يمنع من تقييم المعركة بأنهم خرجوا منتصرين بالهدنة وإيقاف نزيف الدماء إلا على معنى رفع الضرر والأذى...


4-لومنا حما س هو في باب الشروع وعدم تقدير المفسدة التي تلحق من هم فوق الأرض من المدنيين, وكما نلوم حما س نلوم القادرين من الأمة حكاما وشعوبا في عدم دفع الضرر عن المسلمين بعد الوقوع, كما نلوم أيضا كل من أعان اليهو د على إخوانهم المسلمين....


5-ليس المقصود من هذا الكلام التنغيص على أهل غ ز ة والمسلمين فرحتهم بوقف هذا الدمار الشامل, فنحن نفرح بفرحهم ونحزن لحزنهم, ونصرهم برفع الضرر عنهم ونسأل الله حسن العاقبة لهم

 وإنما المقصود الرد على من يستهين بدمائهم فيعتبر الهدنة نصرا بالمعنى الشرعي العام, كما أن المقصود أيضا عدم استنساخ هذه التجربة إذا غلب على الظن أنها تنتج النتيجة نفسها, فضلا عن تكرارها بنفس المعطيات.... ولا يعني ذلك الخنوع للعدو وعدم إعداد العدة لقتا له لكن بما لا تكون مضرته راجحة.


هذا موقفي وأحسب أنه موقف كل مسلم يدرك الحقائق الشرعية ويعتبر بالمآلات, ولا ينزل النصوص الشرعية في غير مواردها.


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 3 يناير 2025

تحرير وجه دخول الابتداع في الذكر الجماعي بصوت واحد

 #الذكر_الجماعي بصوت واحد اشتمل على أمرين:

الأول: الذكر

الثاني: هيئة مخصوصة وهي الاجتماع مع اتحاد الصوت والجهر به 

فما الذي دلت عليه النصوص التي ندبت على الذكر؟

 

الآيات التي تحض على الذكر كقوله تعالى:[ الذين يذكرون الله قياما وقعودا]

دلت على مشروعة أصل الذكر، وأطلقت الهيئات، 

فشرع الذكر بالإطلاق لا بالتقييد...


وأما الهيئة المخصوصة فهي أمر زائد على الإطلاق في النص، 

والذين يذكرون الله بصوت واحد مجتمعين يجعلون هذه الهيئة قد دل عليها النص المطلق، وأنها مقصودة لله

بمعنى أنهم قيدوا ما أطلقه الله، فدخلت عليهم شائبة البدعة من هذا الوجه؛ فهم نقلوا النص من الإطلاق إلى التقييد..

سؤال ما ابذي دل عليه النص الشرعي؟

الجواب: دل على الذكر من حيث هو ذكر وبأي هيئة كانت 

هذا الذي دل عليه النص المطلق، فمن عمل بهيئة ما؛ لأن النص المطلق يحتملها من غير تعظيم لها أو اعتقاد فضلها واستحبابها ومن غير قصد تخصيص النص بها؛ فهنا يكون قد عمل بالمطلق على إطلاقه

وأما إذا قصد تخصيص الذكر بهيئة معينة، أو اعتقد فضل هذه الهيئة بخصوصها فيكون قد خرج من إطلاق النص إلى تقييده، 

قد يسأل يائل: من أين جاءه الابتداع؟

وجوابه: جاءه الابتداع من جهة قصد التخصيص أو اعتقاد الفضل والاستحباب للهيئة المخصوصة.. 


وهذا التقرير كله إذا لم يأت عن الصحابة إخراج هيئة مخصوصة من أن تكون مرادة للشارع وحكموا بكونها بدعة 

كما صح عن ابن مسعود لما أنكر اجتماع الناس على التسبيح حلقا حلقا بصوت واحد

فهذه الهيئة بخصوصها منهي عنها ولا يصح ذكر الله بها مطلقا... 

أو أنهم تركوا العمل بهيئة معينة مع أن النص يتناولها 

فعدم العمل بها دليل على عدم مشروعيتها.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 2 يناير 2025

حكم الخروج عن المذاهب الأربعة

 حكم الخروج عن المذاهب الأربعة 


يحتج بعضهم على منع المسح على الجورب الرقيق بأنه خلاف المذاهب الأربعة

وبعضهم يضيف مصطلح الإجماع فيقول مخالف لإجماع المذاهب الأربعة

موهما أن إجماع المذاهب الأربعة في قوة إجماع الأمة في عصر ما

بحيث إنه لا تجوز مخالفته؛ لكونه حجة!!!

ومن المعلوم عند الأصوليين أن إجماع المذاهب الأربعة لا يعد إجماعا؛ لأنهم بعض الأمة وليسوا جميع الأمة...

ونعني بالأمة هنا مجتهديها..

ولا يكون أيضا حجة...

قال ابن تيمية: «قد اتفق العلماء على أنه ليس إجماع الفقهاء الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة أو الثمانية أو التسعة أو العشرة -كمالك والثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وداود بن علي ومحمد بن جرير- هو الإجماع المعصوم الذي يجب على جميع المسلمين اتباعه» 


تبقى مسألة هل يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة في حكم مسألة؟ 


ليس من محل البحث: الخروج عن المذاهب الأربعة إلى قول شاذ..

ولا الخروج عنها في عامة مسائل الشريعة؛ فالخروج عنها في عامة مسائل الشريعة لا يجوز؛ لأنه يمتنع عادة أن تخطئ المذاهب الأربعة بمجموعها الحق في عامة الشريعة مع كثرة من انتسب إليها من العلماء المحققين والأئمة المجتهدين ....

‏ولا يجوز الخروج عن المنهجية الاستدلالية التي سلكها الفقهاء في تأسيس مذاهبهم الأربعة واستقرارها

ولا الزيادة عليها

فإحداث منهجية استدلالية في الفقه لم يكن عليها الأوائل مردود على محدثها كائنا من كان؛ لإجماع الأمة عليها... 


وإنما محل البحث هو الخروج عن المذاهب الأربعة في بعض مسائل الشريعة

فمن العلماء من منع الخروج؛ سدا لذريعة الوقوع في قول شاذ أو لانضباط المذاهب وحفظ الله الفقه بالمذاهب كما حفظ الله القرآن بالقراءات، أو تعصبا... 


ومن المانعين من غلا حتى ضلل المخالف؛ بناء على أصل فاسد في التعامل مع ظواهر النصوص، قال الصاوي المالكي في حاشيته على تفسير الجلالين: «ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر»

وقد أحسن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الرد عليه بقوله: «أما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو كانت أقوالهم مخالفة للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم وإجماع الأئمة الأربعة أنفسهم، فالذي ينصره هو الضال المضل» 


ومنهم من جوز الخروج عن المذاهب الأربعة في حكم مسألة... 


والأقرب هو جواز الخروج عن المذاهب الأربعة لأمور:

الأول: أن الله لم يربط الحق والصواب بقول الكثير من أهل العلم ولا بقول الأكثرية، وإنما ربطه بقيام الدليل الراجح عليه

ولما ربط الله الصواب بقيام الدليل عليه لم يلزم المجتهد بإصابة الحق الذي يريده سبحانه، وإنما كلفه بالاجتهاد فإن أصاب الحق فله أجران وإن لم يصبه فله أجر الاجتهاد...

الثاني: أن أقوال الصحابة والتابعين والأئمة لا تموت بموت قائليها، وعدم أخذ المذاهب بها لا يسقط احتمالية أن تكون هي الحق الذي يريده الله سبحانه، فالحق واحد ، والأدلة تحتمل أوجها...

الثالث: أن الله أمر عند التنازع الرجوع إلى الكتاب والسنة ولم يأمرهم بالرجوع إلى المذاهب الأربعة ولا نهى عن الخروج عنها،  قال ابن تيمية: «إذا قال من ليس من أتباع الأئمة كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ومَن قبلهم ومَن بعدهم من المجتهدين قَولًا يُخالِف قول الأئمة الأربعة، رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكان القولُ الراجحُ هو القول الذي قام عليه الدليل»

الرابع: أن مجتهدي الأمة ليسوا منحصرين في أصحاب المذاهب الأربعة ولا في المنتسبين للمذاهب، كما أن أصل الاجتهاد لا ينقطع إلى قيام الساعة... 


فإن قيل: قد ادعى بعض العلماء أن الامة اتفقت في العصور المتأخرة على أن الحق لا يخرج عن المذاهب الأربعة كما ذكر ذلك الزركشي في البحر المحيط والجويني، وقال صاحب المراقي: والمُجْمَعُ اليومَ عليهِ الأَرْبَعَة ** وقَفْوُ غَيْرها الْجَمِيع مَنَعَهُ

وقال ابن حجر الهيتمي - رحمه الله تعالى في الفتاوي: " تقليد غير الأئمة الأربعة رضي الله عنهم لا يجوز في الإفتاء ولا في القضاء. وأما في عمل الإنسان لنفسه فيجوز تقليده لغير الأربعة " 


قيل: هذا فرع مسألة خلافية وهي أن الإجماع بعد خلاف يرفع الخلاف

والصواب فيها أن الأقوال لا تموت بموت قائليها وإنما يبقى القول تحتمله الأدلة ويمكن أن يكون هو الحق...

ثم إن الإجماع منعقد على أن المجتهد على اتباع ما أداه إليه ، وأن من قلده فقد سلم... 


وقد اتكأ ابن رجب في منع الخروج عن المذاهب الأربعة على أنَّ مذاهب غير الأئمة الاربعة لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نُسب إليهم ما لم يقولوه، أو فُهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذبّ عنها، ويُنبّهُ عَلَى ما يقع من الخلل فيها.

إلا أن هذا الاتكاء منقوض بإمكانية تحقيق القول وضبطه لا سيما وأن كتب الآثار والخلاف العالي وغيرها اعتنت بذكر أقول الصحابة والتابعين  بالأسانيد مما يسهل ضبطها وتحقيق نسبتها إلى القائل بها، كما أن الأدلة تحتمل هذا القول، قال ابن تيمية: «قد دُوِّنَتْ -ولله الحمد- ألفاظُ مذاهب السلف بأعيانها في غير مصنف كما دونت ألفاظ الأئمة، وَمَنْ نُقِلَ لَفْظُهُ على وجهه كان أبلغ من أن ينقل قوله بالتصرف الذي يقع فيه خطأ كثير، كما نقل الخراسانيون مذهب الشافعي بتصرفهم، فيخطئون كثيرًا فيما ينقلونه، بخلاف مَنْ يَنقل ألفاظه كالعراقيين، فنقل مذاهب السلف المنقولة ألفاظها على وجهها أَصَحُّ مِنْ نقل طائفة من مذاهب الأئمة المشهورين» 


قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «والذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن هذه الاحتمالات التي عللوا بها تقليد غير الأربعة لا تصلح دليلًا على المنع مطلقًا؛ لجواز أن يحقق بعض الفتاوى تحقيقًا ظاهرًا لا لبس فيه» 


وأختم بمسألة من طلق ثلاثا في مجلس واحد فقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية مخالفا المذاهب الأربعة أنها تعد طلقة واحدة 

وقد أخذ بقول ابن تيمية في العصور المتأخرة كثير من الفقهاء واعتمد قوله في كثير من المحاكم؛ لعموم البلوى وتصحيح الأنكحة وحفظ للانساب...

فلو كان الخروج عن المذاهب الأربعة خطأ او ضلالا لخطأنا أو ضللنا من أفتى بقول ابن تيمية قبل ابن تيمية وبعده..!!! 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 25 ديسمبر 2024

الحلقة الأولى في الرد على كتاب #حاتم_العوني المعنون له بـ "#الاستواء_معلوم والكيف مجهول تقرير لتفويض المعنى لا لإثباته"

 


✍️عنوان الكتاب صريح فيما يريد أن يقرره حاتم العوني, فهو يريد أن يثبت أن صفات الله لا معاني لها نعلمه, وأن الله خاطبنا بما لا يعرف معناه أحد من الخلق..!!! وحاول أن يثبت بمكر أن ابن تيمية حرف كلام الإمام مالك...!!!

✍️ولو أن العوني أعمل عقله قليلا وخرج من ربقة ما يراه تحررا من التقليد !!!,
ونظر إلى ربط الشريعة الأحكام بصفات الله سبحانه
لعلم أن لها معنى معلوما؛ إذ كيف تربط الشريعة حكما بصفة ولا يكون للصفة معنى مناسبا للحكم؟!!

✍️ولو أن العوني نظر في صنيع الصحابة والأئمة في إثبات المغايرة بين صفة وصفة بالنظر إلى المعنى لعلم أنه يهيم في الباطل بحجة التحرر من التقليد!!

✍️وإليك بعض أقوالهم:
قيل لعبدِ الله بنِ مسعود   ))  أبَلَغَكَ أنَّ اللهَ يَعجَبُ ممن ذكَرَهُ؟ فقال:  لا,   بلْ يَضحَكُ((. فمغايرته بن العجب والضحك يدل على أنه يثبت لهما معنى على حسب مقتضى لغة العرب.
وعن ابن عباس:  } وسع كرسيه السماوات والأرض{  ]البقرة  [  255 قال:  موضع القدمين، ولا يقدر قدر عرشه» أخرجه  الطبراني في المعجم الكبير « (12/ 39).  فجعل الكرسي موضع قدمي الله سبحانه؛ مما يدل على أنه يثبت للقدمين معنى بحسب وضع اللغة.
وعن أبي رزين قال   : ((  قال رسول الله صلى الله عليه و سلم  ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه)) قال: قلت:   يا رسول الله أوَ يضحك ربنا ؟ قال:  )) نعم )) قلت:  لن نعدم من رب يضحك خيرا" ]  أخرجه ابن ماجه في سننه. [ فهذا الصحابي الجليل لما أثبت للضحك معنى رتب عليه أثرا, فقال:  ))  لن نعدم من رب يضحك خيرا)).

✍️وأما الفكرة الخطيرة التي ينطلق منها العوني في تفويض معاني صفات الله سبحانه وأن البحث في المعنى بحث في الكيفية, فهي أن معاني الصفات الظاهرة هي الكيفيات الخارجية الواقعة, قال العوني: (كل ما تجاوز اللفظ إلى محاولة تفسيره بحسب ظاهره المتبادر من معنى اللفظ في صفات الخلق فهو تكييف وتشبيه ممونع), وقال: ( أثبت الكتاب أن الكيف الممنوع عند الإمام مالك هو نفسه المعنى الذي يريده ابن تيمية):

✍️فهو تبعا للأشاعرة
لا يتصور من معنى الصفة إلا الهيئة المحسوسة,  فإثبات المعاني يرجع إلى إثبات ما وضع له اللفظ في اللغة, 
وهو عنده إنما وضع للهيئات المحسوسة, فاليد وضعت ليد المخلوق, وهكذا...
ولهذا يرى أن الكيف الممنوع هو المعنى الذي يثبته ابن تيمية!!!!

✍️ولو كان الأمر كما يدعيه حاتم العوني تبعا للأشاعرة
لكان الله قد خاطبنا بما معناه في لغة العرب كفرًا, 
ولكان الصحابة الذين رتبوا الأحكام على صفات الله قد وقعوا في الكفر, كما فعل ابن عمر, 
فابن عمر لما خص خلق أربعة أشياء بيد الله سبحانه لم يتصور من اليد إلا ما دل عليه الوضع اللغوي, فيكون قد نسب إلى ربه ما لا يليق به,  وهذا اللازم لا يقوله مسلم عاقل.

✍️والذي لم يستطع استيعابه؛ لانحرافه في عقيدته وقصور فهمه: أن ألفاظ الصفات وضعت على القدر المشترك, فالسمع مثلا: وضع لمعنى إدراك المسموعات, والاستواء وضع لمعنى العلو والاعتدال, والوجه وضع لما يواجه به, واليد وضعت للمقبض, والقدم وضعت على السبق والتقدم, ومنه سميت قدم الإنسان قدما؛ لأنها  للتقدم والسبق. وهكذا<
ثم يأتي الاستعمال المقيد فيناسب الحقائق الخارجية, وما كان في الخارج فإنه ليس فيه اشتراك بعد التقييد.
فهذه الألفاظ جعلت دالة على القدر المشترك, وهي إنما تفهم على هذا الوجه, فالذهن يلاحظ اللفظ ويتصور معناه كليًا بحسب ما وضع له في لغة العرب, على ضوء ما شرحته سابقًا.

✍️ولمزيد بسط راجع رسالتي:" نقض أحمد النجار على مولود السريري دعواه أن إثبات معنى الصفات الخبرية ونفي كيفيتها تناقض ويؤدي إلى الجسمية"
ورابطها:
https://t.me/dr_alnjar/2395

✍️ورسالتي:" نقض الشيهات التي أثيرت على إثبات القدر المشترك بين الخالق والمخلوق في الصفات الخبرية"
ورابطها:
https://t.me/dr_alnjar/3598

✍️والغريب أن العوني استدل بخصوم شيخ الإسلام ابن تيمية على ابن تيمية
وجعلهم هم الحكم على أقواله, فنصب المحاكمة بين ابن تيمية ومن تأثر بالمتكلمين أو كان منهم, فجعل الخصوم أنفسهم هم الحكم  والقضاة..!!!
وهذا صنيع من لا يفقه...

✍️ولما جاء لفهم كلام أئمة السلف في أن قراءتها تفسيرها وأمروها كما جاءت
انطلق من الفكرة نفسها التي انطلق منها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة, وهي أن المعنى الظاهر من نصوص صفات الله هو نفسه الكيف الممنوع الذي هو الحقائق الخارجية.

✍️ومما ذكرته في رسالتي المطبوعة: "الاستدلال العقدي عند الإمام مالك" في فهم كلام الإمام مالك
https://t.me/dr_alnjar/3473

✍️فنصوص أقران الإمام مالك ومن قبله قرينة قوية على مراد الإمام مالك رحمه الله من قوله: (والاستواء منه غير مجهول), وهو لم يخالف رحمه الله أئمة السلف في أن للاستواء معنى معلوما, يعني في اللغة, وهو المعنى الظاهر من لفظ الاستواء, ويقويه ما ورد عن الإمام مالك من إثبات الصفات على مقتضى معناها الظاهر في لغة العرب, فهذه قرينة واضحة على أن مقصوده من أن الإستواء غير مجهول, أي: في لغة العرب بحسب الظاهر, ومن ذلك قوله: (...الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم)

✍️فالسلف لما فرقوا بين المعنى وبين الحقيقة والكيفية تسلط تفويضهم على ما زاد على المعنى الكلي وزاد على ما دل عليه الظاهر؛ إذ المقصود بالمعنى في لغة العرب: بيان ما دل عليه اللفظ, وأما بيان الذاتي فهو أخص من المعنى اللغوي, ولم يجر عمل السلف على التفسير بالمعنى الأخص الذي عليه المناطقة, فقد فسر السلف بالمعنى الظاهر: أخرج البيهقي عن ابن عباس أنه فسر استوى بـ صعد., وفي صحيح البخاري قال أبو الغالية استوى: ارتفع, وقال مجاهد: استوى: علا على العرش., والآثار في ذلك أكثر من أن تحصى
قال ابن عبد البر في التمهيد (٧/١٤٥): ( أهل السنة مجمعون على الصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لم يكيفوا سيئا من ذلك)

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 2 نوفمبر 2024

ما المقصود مسألة #أول_واجب_على_العبيد، ومن المخاطب بها؟

 


اعترض بعض المتكلفين على مسألة أول واجب على العباد, بعدة اعتراضات منها:


أولا: أنه سؤال محدث؛ لأنه لم يرد في النصوص الشرعية بلفظ السؤال, وإنما أحدثه المتكلمون.

ثانيا: أن السؤال في نفسه بهذا الإطلاق غير صحيح, وإنما يخاطب به من أراد الدخول في الإسلام, فيكون الجواب الصحيح هو أن أول واجب في حق من لم يدخل الإسلام هو الشهادتان, وليس جوابه التوحيد بإطلاق..


ومنشأ الغلط عند هؤلاء: فهمهم أن المخاطب بالسؤال كل مكلف بعينه على كل حال.


وجوابه: 


أولا كون السؤال محدثا من جهة ألفاظه لا يعني حدوثه من جهة معناه, فقد جاء بمضمون السؤال وجوابه الحديثِ الصَّحِيحِ عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ  لما بعَثَهُ إلى اليمن: (( إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ, فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ...)), والسؤال وجوابه من الأسئلة المميزة والفارقة بين أهل الحديث وغيرهم؛ فصح تلقينه الأطفال وغيرهم, ولا يلزم من حدوث السؤال أن نترك مخاطبة الناس به, وإذا منعنا السؤال لكونه محدثا فلنمنع السؤال عن القرآن أمخلوق أو لا؟ ووو


ثانيا: إن المقصود بهذا السؤال في باب العقائد: بيان العلم الواجب ابتداء على العبد من حيث الإطلاق, 

بمعنى أن المقصود من ذكره في باب العقائد بيان أن التوحيد أول الواجبات على الإطلاق, فصارت مسألة أول واجب على العبد عنوانا على أن التوحيد أولا, هذا هو المقصد الأصلي.


والمخاطب بهذه الأولية: العبد من حيث هو مكلف لا باعتبار آخر؛ لوجوب وجود التوحيد عند التكليف, فإذا وجد منه قبل البلوغ كفاه ولا يطالب بتجديده؛ لأنه موجود عنده بعد البلوغ.


فأول ما يؤديه العبد من الواجبات: التوحيد, وهي أولية مطلقة في الواجبات, والمخاطب بذلك العبد من حيث هو مكلف, وليس المخاطب به كل مكلف على كل حال.


وإنما لا يصح الإطلاق إذا كان المقصود المخاطب به المكلف على كل حال, وهذا غير مقصود, وهو منشأ الغلط.


وقد اختلفت أنظار الناس في الأولية المطلقة بحسب عقائدهم, فأوجب المتكلمون النظر على كل أحد باعتبار كونه مكلفا.

والذي عليه أهل الحديث أن أول ما يجب على العبد من حيث هو مكلف: التوحيد أو الشهادتان, فالأولية المطلقة للواجبات: التوحيد, وليس النظر والمعرفة: لأن معرفة الله فطرية, والمخاطب بذلك العبد من حيث هو مكلف, وليس المخاطب به كل معين

فعند التعيين تختلف الأولية في الواجبات بحسب أحوال الناس, فتكون أولية نسبية, فيجب على بعض الناس ابتداء ما لا يجب على غيرهم, فالأولية بالنسبة للمسلم المعين أن يأتي بالطهارة والصلاة؛ لكونه أتى بالتوحيد, وهكذا ...

قال ابن تيمية عند كلامه في التعيين: (فإنما يأمر العبد ابتداء بما لم يؤده من الواجبات دون ما أداه, فلم يخاطب المشركين ابتداء بالمعرفة إذا كانوا مقرين بالصانع وإنما أمرهم بالشهادتين, ولو لم يكونوا مقرين بالصانع فإنه لم يأمرهم بإقرار مجرد عن الشهادتين بل أمرهم بالشهادتين ابتداء والشهادتان تتضمن المعرفة...)


وتلقين الأطفال هذا السؤال ليس من باب أن إسلامهم متوقف على أن يعلموا السؤال وجوابه, أو أنهم لم يدخلوا في الإسلام بعد, وإنما يلقنون ما يجب عليهم اعتقاده من كون التوحيد أولا أولية مطلقة ويخاطب به العبد من حيث إنه مكلف, فإذا أتى به انتفت انتفت مخاطبته به لا لكون التوحيد ليس أولا وإنما لكونه قد أتى به...


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 31 أكتوبر 2024

هل الشيخ الصادق الغرياني في شرح عقيدة ابن أبي زيد على طريق السلف ومنهجهم؟

 

هل الشيخ الصادق الغرياني في شرح عقيدة ابن أبي زيد على طريق السلف ومنهجهم؟ 

كثيرا ما يردد بعض الإخوة أنه في شرحه على طريقة السلف وهنا نسأل ما هي طريقة السلف في إثبات الصفات؟

وجوابه: هي إجراء ألفاظ الصفات على ما دلت عليه من معنى ظاهر في لغة العرب، كما قال الإمام أحمد:(ولا تفسر هذه الأحاديث إلا بمثل ما جاءت) أي وفق المعنى الظاهر الذي جاءت به، وهذا هو معنى قول السلف "أمروها كما جاءت" و "قراءتها تفسيرها" ولا يمكن بحال أن يتوهم من المعنى الظاهر معنى لا يليق بالله، ولو أمكن ذلك ما تعبدنا الله بظاهر نصوص الصفات ولا خاطبنا بها.

ولما سئل الإمام أحمد عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت.

قال: بلى إن ربك تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما حاءت) أي على المعنى الظاهر. وقال يزيد بن هارون: ( من توهم [الرحمن على العرش استوى] خلاف ما في قلوب العباد فهو جهمي] اي توهمه على خلاف المعنى الظاهر.

 

لكن نجد أن الشيخ الغرياني في شرحه يشيد بالقاضي عبد الوهاب ويذكر أن شرحه على عقيدة ابن أبي زيد كان على طريقة ومنهج السلف.

والذي غاب عنه أن القاضي عبد الوهاب كان تلميذا للباقلاني الأشعري, وعلى طريقته, قال القاضي عياض:( ودرس الفقه والاصول والكلام على القاضي ابي بكر الباقلاني وصحبه) ترتيب المدارك(٧/٢٢١),  وقد اعتمد القاضي عبد الوهاب على الباقلاني في شرحه العقيدة ونقل عنه وكان يقول: قال شيخنا, وكان من طريقة الباقلاني أنه يرفض تأويل الصفات الخبرية كالاستواء والوجه...ويسلم للنصوص الشرعية إلا أنه يثبتها مع نفي ما توهمه من كون ظاهر النص يفيد ما لا يليق بالله، ولهذا قال في الاستواء:(أنه على عرشه لا على معنى كون الجسم بالملاصقة والمجاورة) التمهيد(٢٦٤) فتوهم أن ظاهر معنى الاستواء الملاصقة والمجاورة فاحتاج إلى نفيه مع إثبات أن الله على العرش وهذه قاعدة له, والقاضي الباقلاني أقرب إلى السنة ممن جاء بعده كالجويني.

 وقد تأثر القاضي عبد الوهاب بطريقة شيخه الباقلاني ... فالقاضي عبد الوهاب نصر عقيدة متقدمي الأشاعرة في الصفات الخبرية

وقد كانت قاعدة القاضي عبد الوهاب التي ينطلق منها في إثبات الصفات الخبرية هو التسليم بما ورد به النص مع نفي ما توهمه من كون ظاهر النص يفيد ما لا يليق بالله. ولهذا يرى الإمساك عما أمسك عنه السلف من ألفاظ زائدة على ما ورد به النص ولو كانت الألفاظ في حقيقتها تبين معاني النصوص ومرادات السلف؛ خوفا من الوقوع فيما توهمه أنه يؤول به إلى التجسيم, فالاستواء مثلا يثبته تسليما للنص الشرعي لكنه لا يفهم من حقيقة لفظ الاستواء إلا التحيز وشغل مكان والتحول والافتقار ... فاحتاج عند إثباته الاستواء، أن ينفي عنه ما تبادر إلى ذهنه من استقرار وانتقال وشغل مكان، وإثبات الاستواء صفة تسليما للنص استوجب منه ألا يفسره؛ فرارا من الوقوع في التجسيم.

وقد اغتر الشيخ الغرياني بالقاضي عبد الوهاب؛ لكونه غير متخصص وليست له معرفة تفصيلية بعقيدة السلف فدخل عليه شيء من كلامه ففي إثباته للصفات يكتفي بالتسليم لألفاظ النصوص على ظاهرها من غير خوض في المعاني المتعلقة بالمعنى الظاهر للفظ، ويرى ذلك من التعمق الذي يخرج عن منهج السلف من غير أن يفرق بين المعاني المستقرة عند السلف كاستقرار كلمة غير مخلوق في مسألة كلام الله, فالصحابة وإن لم ينطقوا بكون كلام الله غير مخلوق إلا أن هذا المعنى مستقر عندهم فذكره عند الحاجة إليه ليس تعمقا ولا خروجا عن منهجهم, وبين الزيادة على المعاني المستقرة عند السلف والمبالغة في الإثبات, فلما لم يميز الشيخ بين الأمرين أنكر كل لفظة لم ينطق به السلف ولو كان اللفظ محققا للمعنى الذي قصده السلف وموضحا له؛ ظنا منه أنه ينطلق من قاعدة الإمساك عما أمسك عنه السلف من ألفاظ, ولذا في شرحه على ابن أبي زيد أنكر لفظة "بذاته" في قول ابن أبي زيد (وأنه فوق عرشه المجيد بذاته) واستأنس في ذلك بكلام الذهبي, وجعل "بذاته" صفة للعرش,...

ومعلوم أن لفظة بذاته ذكرها الأئمة وحكوها في سياق ذكر إجماعات السلف في إثبات الاستواء على ظاهره, ولم ينكروها؛ لأنها من الألفاظ التي تبين المعنى الظاهر للاستواء الذي هو مستقر عند السلف, واحتيج إلى اللفظ في الرد على النفاة, قال شيخ الإسلام: ((وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الطلمنكي الْإِمَامُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ " الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ ": أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ اسْتَوَى بِذَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَافِظُ الْكُوفَةِ فِي طَبَقَةِ الْبُخَارِيِّ وَنَحْوِهِ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ عَمَّارٍ السجستاني الْإِمَامُ فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي السُّنَّةِ الَّتِي كَتَبَهَا إلَى مَلِكِ بِلَادِهِ.وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو نَصْرٍ السجزي الْحَافِظُ فِي كِتَابِ " الْإِبَانَةِ " لَهُ. قَالَ: وَأَئِمَّتُنَا كَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَة وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وفضيل بْنِ عِيَاضٍ وَأَحْمَد وَإِسْحَاقَ: مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ؛ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ مَكَانٍ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الطَّرْقِيُّ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الجيلي وَمَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَشُيُوخِهِ.)). [5/ 189]

وقال ابن القيّم - كما في مختصر الصواعق (2/ 134) -: (الوجه الرابع عشر: أن الجهمية لما قالوا عن الاستواء مجازٌ = صرَّحَ أهل السنَّةِ بأنه مستوٍ بذاته على عرشهِ ....).

فليس في إثبات هذه اللفظة إثبات شيء زائد على ما دلت عليه النصوص, قال شيخ الاسلام رحمه الله:(فأهل السنة لم يثبتوا بهذه الألفاظ صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينوا بها ما عطله المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته من خلقه وثبوت حقيقته )

قال ابن تيمية: (والقول الذي قاله الشيخ " محمد بن أبي زيد " وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه قد تأوله بعض المبطلين بأن رفع المجيد. ومراده أن الله هو المجيد بذاته وهذا مع أنه جهل واضح فإنه بمنزلة أن يقال: الرحمن بذاته والرحيم بذاته والعزيز بذاته. وقد قال ابن أبي زيد في خطبة " الرسالة " أيضا على العرش استوى وعلى الملك احتوى ففرق بين الاستواء والاستيلاء على قاعدة الأئمة المتبوعين ومع هذا فقد صرح ابن أبي زيد في " المختصر " بأن الله في سمائه دون أرضه هذا لفظه

والذي قاله ابن أبي زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة من جميع الطوائف. وقد ذكر أبو عمرو الطلمنكي الإمام في كتابه الذي سماه " الوصول إلى معرفة الأصول ": أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله استوى بذاته على عرشه. وكذلك ذكره محمد بن عثمان بن أبي شيبة حافظ الكوفة في طبقة البخاري ونحوه ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة. وكذلك ذكره يحيى بن عمار السجستاني الإمام في رسالته المشهورة في السنة التي كتبها إلى ملك بلاده.

وكذلك ذكر أبو نصر السجزي الحافظ في كتاب " الإبانة " له. قال: وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد وإسحاق: متفقون على أن الله فوق العرش بذاته؛ وأن علمه بكل مكان وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصاري وأبو العباس الطرقي والشيخ عبد القادر الجيلي ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام وشيوخه). مجموع الفتاوى (5/ 189)

فهذه اللفظة لم ينكرها أئمة أهل الحديث, بل تتابعوا على ذكرها؛ لأنها من الألفاظ التي تبين معاني النصوص, قال ابن تيمية: (والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة؛ لما فيه من لبس الحق بالباطل, مع ما توقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة والألفاظ التي بينت معانيها)

وإنما أنكرها الذهبي لعدم تحقق الحاجة التي لأجلها استحدث هذا اللفظ, فقد كان مؤولة الاستواء بالاستيلاء يستعملون لفظة بذاته في تأويلهم, قال الذهبي: (قولك بذاته هذا من كيسك ولها محمل حسن, ولا حاجة إليها؛ فإن الذي يأول استوى يقول أي: قهر بذاته واستولى بذاته بلا معين ولا مؤازر) العلو للعلي الغفار (ص: 245)

وطريقته خلاف أكابر أهل العلم

ومع نفرة الشيخ الغرياني من التأويل إلا أن إشكالية توهم معنى لا يليق بالله يؤخذ من حقيقة اللفظ يؤول به إلى التجسيم جعل إثباته في بعض المواطن مقيدا، وهذا ما صرح به في موقعه لما قال:(صفة العين ثابتة لله تعالى؛ لكن ليس بمعنى الجارحة والحدقة التي يبصر بها الناس)

فما الذي جعله ينفي الحدقة إلا ما توهمه من كونها هي حقيقة لفظ العين!!!

فهو مع تسليمه لألفاظ النصوص إلا أن أشكالية توهم ما لا يليق تراوده في بعض الصفات, ولا أظنه يراها ظاهرا لجميع الصفات الخبرية وإلا خرج بذلك عن اعتقاد السلف بالكلية.

فالذي يظهر لي أن الشيخ الغرياني ينفر من تأويل الصفات إلا ما أوله السلف على زعمه، فقد عد تفسير السلف لقوله تعالى:( وهو معكم) بالنظر إلى السياق تأويلا ظنا منه أنهم ينفون التفسير الإفرادي ل "مع"؛ لأن حقيقة "مع" عند الشيخ تفضي إلى التشبيه ومع نفرته من التأويل إلا أن إشكالية توهم معنى لا يليق بالله يؤخذ من حقيقة اللفظ ومعناه الظاهر يؤول به إلى التجسيم جعل إثباته مقيدا، وجعله يفر للتسليم للنص من غير تفسير.

وهذا ما صرح به في موقعه لما قال:(صفة العين ثابتة لله تعالى؛ لكن ليس بمعنى الجارحة والحدقة التي يبصر بها الناس) ففي إثباته للصفات يكتفي بالتسليم لألفاظ النصوص من غير الخوض في المعنى الظاهر للفظ، ويرى ذلك من التعمق الذي يخرج عن منهج السلف فهو مع تسليمه لألفاظ النصوص إلا أن أشكالية التوهم لا تنفك عنه, وهذا جعله ينفي عن العين الحدقة؛ لأنه يرى أن هذا هو حقيقة لفظ العين ومعناه الظاهر...

ولما سئل في موقعه عن إثبات الصفات قال:(صفات الباري عز وجل يجب إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة على (المعنى الذي أراده الله عز وجل ورسوله بها من غير تكييف)، وقد كان السلف الصالح يقولون: أمرّوها كما جاءت...)

تنبيه لا أعرف معتقده في الصفات الفعلية....

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار