الثلاثاء، 30 يونيو 2026

تحرير محل النزاع بين الأشاعرة وأهل السنة في مسألة الاستغاثة بالميت هل كون الله هو الفاعل الحقيقي يبيح الاستغاثة بالأموات؟

 للمتخصصين


تحرير محل النزاع بين الأشاعرة وأهل السنة في مسألة الاستغاثة بالميت

هل كون الله هو الفاعل الحقيقي يبيح الاستغاثة بالأموات؟ 


كثيراً ما ينتقل الأشاعرة عند مناقشة أهل السنة في حكم دعاء الميت والاستغاثة به من الكلام عن حكم سؤال الميت وتوجيه الطلب إليه، إلى الكلام عن أصل آخر، وهو أن الله هو الفاعل الحقيقي لكل شيء، وهذا انتقال من مسألة إلى أخرى مغايرة لها، فلا يصح أن يُجعل أحدهما دليلاً على الآخر. 


فلو سلم جدلا بما يقرره الأشاعرة من أن العبد له قدرة غير مؤثرة وأنه مجرد محل يجري الفعل عنده، فإن إثبات أن الله هو الفاعل الحقيقي لا يستلزم أن كل محل يُجري الله الفعل عنده يصلح أن يكون محلاً لتوجيه الطلب إليه. 


فالمقدمة (الله هو الفاعل الحقيقي) لا تُنتج النتيجة (فيجوز سؤال كل من جرى الفعل عنده) إلا بإضافة مقدمة مضمرة فاسدة، وهي: "كل ما جرى الفعل عنده يجوز توجيه الطلب إليه". 

وهذه المقدمة باطلة لا يلتزم بها الأشاعرة أنفسهم؛ إذ لو صح أن مجرد كون الشيء محلاً لفعل الله يبيح سؤاله لجاز سؤال الجماد والحيوان وسائر المخلوقات؛ لأنها على أصلهم محالَّ يجري الله الفعل عندها. وهذا لا يقول به الأشعري نفسه، لأنه لا يجيز سؤال كل شيء. 


وعليه، فالاستدلال بالفاعلية الحقيقية لله تعالى ليس جوابًا عن محل النزاع، وإنما هو تبديل لموضوعه. 


وأهل السنة لا يجعلون مناط الشرك في الاستغاثة بالميت مجرد اعتقاد استقلال المخلوق بالفعل حتى يلزموا بأن الله هو الفاعل الحقبقي على التصور الأشعري، وإنما يجعلون مناطه توجيه الطلب الذي،لا يقدر عليه إلا الله إلى الميت، سواء اعتقد الداعي استقلاله بالفعل أو جعله مجرد سبب؛ لأن هذا النوع من الطلب لا يتوجه به الطالب إلا إلى من يثبت له سماعا عاما مطلقا، وعلما بحال الداعي، وقدرة على الاستجابة. 

فهذه اللوازم من مقتضيات الفعل نفسه، لا من الاعتقادات التي يلزم التصريح بها، ولذلك كان صرف هذا الطلب إلى غير الله إخلالًا بالتوحيد .. 


ولا يندفع هذا الإلزام بقول الأشاعرة: "إن الميت مجرد سبب ولا قدرة له مؤثرة"، لأنه سيقال لهم الجماد -الذي يعتقد الأشاعرة أن الله هو خالق كل الأحداث فيه وإن لم يكن للجماد كسب أصلًا- والحيوان وسائر الكائنات: قدرتهم غير مؤثرة عندكم ولم تجوزوا الطلب منهم .. 


ولو كانت العلة مجرد كون الله هو الفاعل الحقيقي، لما كان لعدم السماع أثر؛ لأن محل الاستدلال عندكم هو الفاعلية الإلهية لا السماع. فإذا جعلتم السماع شرطًا، فقد تركتم الاستدلال الأول وانتقلتم إلى استدلال آخر.. 


على أن أهل السنة أنفسهم يقررون أن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن العبد له قدرة مؤثرة داخلة تحت مشيئة الله، ومع ذلك يفرقون بين سؤال الحي الحاضر القادر وسؤال الميت أو الغائب غيبة الموت. وسبب هذا التفريق ليس اعتقاد استقلال الحي بالفعل دون مشيئة الله، بل لأن الله جعل أفعال الأحياء أسبابًا معتادة، وأذن في مخاطبتهم وطلب ما يقدرون عليه عادة، من غير أن يلزم على الطلب نفسه لوازم فاسدة عقديا. 

فالفارق إذن ليس في إثبات القدرة المؤثرة أو نفيها. 


أما الاستدلال بالمعجزات والكرامات وخوارق العادات على جواز الاستغاثة بالميت فليس في موضعه؛ لأن المعجزة والكرامة ليستا ناشئتين عن سؤال الناس لأصحابها بعد موتهم، وإنما هي أفعال يجريها الله في حياتهم عند من شاء وفي الوقت الذي شاء 


فوقوع الكرامة للنبي أو للولي لا يستلزم جواز سؤاله بعد موته، كما أن وقوع المعجزة لموسى عليه السلام لا يبيح لبني إسرائيل بعد موته أن يقولوا: يا موسى اشقق لنا البحر. 


ووقوع خرق العادة بإذن الله لفلان لا يستلزم شرعية اتخاذه محلاً للدعاء بعد موته... 


ومن أدلتهم أيضًا أنهم يرتبون على القول بأن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن الميت مجرد سبب، أن ثبوت سماع الميت يكفي لجواز توجيه الطلب إليه، مستدلين بأحاديث سؤال الميت في قبره، وسماعه قرع نعال المشيعين، وسماعه سلام من يسلم عليه، ويقولون: إذا ثبت السماع جاز توجيه الخطاب والطلب. 


والجواب عن ذلك من وجوه: 


أولًا: الذي ثبت في النصوص هو سماعٌ خاص ومحدود، وليس سماعًا عامًا لكل الدعوات والطلبات في كل زمان ومكان، وهو السماع الذي تتوقف عليه دعوى جواز الاستغاثة بالأموات. 


ثانبا: مجرد ثبوت السماع وحده ليس كافيا لتجويز السؤال

والذي فعله الأشاعرة أنهم جعلوا من ثبوت سماع الميت في مواطن لازما لمشروعية سؤاله، وهذا انتقال غير صحيح، فالملائكة تسمع وتحضر وتكتب الأعمال، ومع ذلك لم يُشرع دعاؤها وسؤالها مباشرة. 


ثالثا: أن مجرد السماع لا يستلزم الاستجابة ولا القدرة على التصرف، قال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:14].

فهذه الآية تبطل دعوى صلاحية المدعو للاستجابة، وهي الأساس الذي تقوم عليه دعوى اتخاذه سببًا.. 


وبهذا يتبين أن محل النزاع ليس في أن الله هو الفاعل الحقيقي، ولا في إمكان وقوع الكرامات، ولا في أصل ثبوت نوع من السماع للميت، وإنما في مشروعية توجيه هذا النوع من الطلب إلى الميت، واتخاذه سببًا في تحصيل المطلوب. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق