الخميس، 11 يونيو 2026

هل الحق يعرف بالرجال؟


كنتُ قديمًا أردد عبارة " الحق لا يعرف بالرجال" بإطلاق، من غير تحرير لمعناها، ومن غير تفريق بين كون الرجال مصدرًا للحق، وكونهم وسيلةً للوصول إليه.

ولذا لم يكن السلف يذمون الرجوع إلى العلماء ومعرفة الحق عن طريقهم فيما لا يحتمل الخلاف، وإنما يذمون التقليد الأعمى الذي يجعل أقوال الرجال حاكمة على النص.

والذي يظهر أن علماءنا حين أطلقوا هذه العبارة إنما أرادوا التحذير من جعل الرجال مصدرًا للحق، لا نفي الحاجة إليهم في معرفة الحق وفهمه

ولا شك أن مصدر الحق هو الوحي قطعًا، أو ما دل عليه الوحي دلالة صحيحة.
لكن الوصول إلى هذا الحق وفهمه وتحريره لا يكون في الواقع إلا عبر الرجال الناقلين والمفسرين والمحررين، وهذا أمر لا مفر منه.

ولهذا نجد جميع الفرق والطوائف قد اعتمدت في تقرير مذاهبها على أعيان من علمائها.

فالمعتزلة اعتمدت على ما حرره عبد الجبار المعتزلي
والأشاعرة اعتمدت على ما حرره الجويني والرازي وما استقر عليه السنوسي...وهكذا بقية الفرق

وكذلك أهل الحديث اعتمدوا على ما قرره أئمة السنة من أمثال الإمام أحمد ومن سار على طريقته في تحريرهم ما دل عليه النص الشرعي، وما كان حقا وهدى فيما يتعلق بأصول الدين 
واعتمدوا ايضا على ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبا للسلف.

غير أن التسوية بين الفرق في الاعتماد على الرجال إنما هي من جهة الواقع لا من جهة صحة المنهج؛ إذ لا بد لكل أحد من رجال يتلقى عنهم. وإنما يقع الفرق في المنهج الذي سلكه هؤلاء الرجال في فهم الوحي والاستدلال به.
فأهل الحديث اعتمدوا على رجال يفسرون النص بالنص ويجعلون فهم الصحابة والتابعين أصلًا في الاستدلال، بينما اعتمدت فرق أخرى على رجال قدّموا العقل الكلامي على ظاهر النص، أو جعلوا الذوق والكشف ونحوهما حاكمين عليه.

فمجرد الاعتماد على الرجال في الوصول إلى الحق ليس منكرًا في نفسه؛ لأنه أمر لا بد منه، وإنما المنكر هو الاعتماد على رجال فسد أصل منهجهم في التعامل مع الوحي. ولذلك ضلت بعض الفرق حين بنت أصولها على رجال خالفوا النصوص الصريحة..

فإن قيل: إذا كانت أهلية الرجال الذين يُعتمد عليهم في الوصول إلى الحق تتوقف على موافقتهم للنص وسلامة منهجهم، وكانت سلامة المنهج لا تُعرف إلا من خلال الرجال أيضًا، لزم الدور.

قيل: لا يلزم الدور؛ لأن أصل المعرفة لا يتوقف ابتداءً على أفراد معينين من الرجال.
فثبوت القرآن والسنة، وحجية الوحي، ووجوب الرد إلى الله ورسوله، أمور ثابتة بأدلتها القطعية قبل النظر في أقوال المتنازعين من العلماء والفرق.
كما أن النصوص نفسها أرشدت إلى منهج التلقي والاستدلال، قال تعالى:﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقال﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

فالمعرفة تبدأ بالوحي الثابت ودلالاته الظاهرة، ثم يأتي دور الرجال في التفريع والتحرير والتفصيل.
فالدور إنما يلزم لو كانت المعرفة كلها موقوفة على الرجال من أولها، لكن لما كان لها أصل مستقل انكسر الدور.

وخلاصة القول:
أن الحق يُعرف بالوحي، ويُتوصل إليه بواسطة الرجال الذين سلمت منهجيتهم، ويُحكم على الرجال بالوحي لا العكس. فمن وافق الوحي نصًا ومنهجًا قُبل قوله، ومن خالفه رُدَّ عليه كائنًا من كان

هذا هو التوازن الذي حافظ عليه أهل السنة والجماعة تاريخياً، خلافاً لمن جعل العقل أو الذوق أو الكلام حاكماً، أو من جعل الرجال أنفسهم مصدراً للحق.

فإن قيل؛ من يكون الحكم عند التنازع في تحديد من وافق النص ومن خالفه؟ لأن كل فرقة تدّعي أنها هي الموافقة للنص.
قيل: المرجع عند النزاع هو الكتاب والسنة بفهم الصحابة والتابعين وأئمة القرون المفضلة؛ لأنهم أول من تلقى الوحي، وأعلم الناس بلغة القرآن، وأقرب الأمة إلى عهد النبوة.
ولهذا كانت أقوالهم وإجماعاتهم المنقولة من أعظم ما يُستعان به في فهم النصوص وترجيح معانيها.

فإن قيل: عرفنا أقوال الصحابة والتابعين وإجماعات السلف بواسطة الرجال أيضًا، فيلزم الدور.

قيل: لا يلزم ذلك؛ لأن هذه الأقوال لم تُعرف من طريق فرد واحد حتى يتوقف قبولها عليه، وإنما نقلتها جماعات من أهل العلم جيلاً بعد جيل، واشتهرت واستفاضت في الأمة، وتتابع الأئمة على حكايتها، مع عدم ظهور مخالف معتبر في كثير من المواضع، فتتكون من مجموع ذلك قرائن قوية على صحة النقل وثبوته

فإن قيل: أنا أوافقك أن الرجال وسيلة لا مصدر، لكن لماذا اخترت رجال أهل الحديث دون رجال الأشاعرة؟

قيل: المزية في رجال أهل الحديث هو في قرب منهجهم من طريقة الصحابة والتابعين واعتمادهم النصوص والآثار أصلًا في باب الاعتقاد.

فإن قيل: هل هذا التقرير يصحح عمل من اعتمد على شيخ بعينه معاصر، فصار لا يخرج عن قوله، ويرى أن قوله هو الحق دون غيره؟

قيل: من جعل شيخه حكماً فقد عكس المنهج لا طبّقه؛ لأن العبرة بالإجماع المتقدم المحكي عن أمثال الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية، فمن لا يخرج عن قول شيخه سواء وافق الإجماع المتقدم أم خالفه، فقد جعله مصدراً لا وسيلة، وهذا عين المنهي عنه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق