الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

مراعاة أصول الرجل وسيرته في فهم إطلاقاته

مراعاة أصول الرجل وسيرته في فهم إطلاقاته 


جرت عادة الأئمة على اعتبار حال المتكلِّم وسيرته وأصوله عند تفسير كلامه المحتمل؛ إذ إن استصحاب الحال دليل اعتمدته الشريعة، ولأن العاقل يجري في كلامه على عادته وأصوله...

ولذا نجد العلماء يستدلون باستصحاب حال النبي صلى الله عليه وسلم في كونه جاء لتعليم الناس الشرع 

على حمل حكمه على الشرعي إذا احتمل أن يكون شرعيا أو عقليا...


وهذا أصل ...

ومن هنا تقرَّر أن الكلام المحتمل لا يُفهم إلا مع ملاحظة حال قائله، وقد الجويني في البرهان وغيره أن القرأئن تحول الظاهر المحتمل إلى نص لا يحتمل إلا معنى واحدا، وأن القرائن تدخل على الصيغ المطلقة لتدل على المعنى الذي يريده المتكلم. 


ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجرّ إلى مذاهب قبيحة”الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 201).

يقول ابن القيم: “والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما محضَ الحق، ويريد الآخر أكبر الباطل، والعبرة بسيرة الرجل ومنهجه وما يدعو إليه، وما يناظر عليه”مدارج السالكين (3/ 409) 


فالنتيجة: لا يُفسَّر كلام المتكلم اعتمادًا على ألفاظهم المجرَّدة، بل يُفهم في ضوء أصولهم وسيرتهم ومنهجهم؛ إذ بذلك يُدرك المراد الصحيح وتُسد أبواب الانحراف في الفهم والاستدلال. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/09/blog-post_30.html

الاثنين، 29 سبتمبر 2025

المطابقة والتضمن والالتزام في تقرير أصول أهل السنة

 


نعيش اليوم أزمةً كبرى، تتمثل في التشكيك في أصول أهل السنة والجماعة تحت شعار التحرر والمراجعة.

فترى بعضهم يُعيب على من يجعل مسائل الاجتهاد في مرتبة القطعيات، وهذا في أصله صحيح، غير أنهم تجاوزوا الحد فجعلوا القطعي ظنيًا، والأصل فرعًا! وبذلك انحرفوا عن منهج أهل السنة في الاستدلال وضبط الأصول والفروع. 


والأمر بالأصل عند أهل السنة أمر بثلاثة أمور: 

• الأمر بماهية ذلك الأصل.

• الأمر بما تضمنه.

• الأمر باللازم الذي لا ينفك عنه.


فالأمر بما تضمنه الأصل وباللازم عنه هو من ضرورة الأمر بالأصل، ولا نحتاج إلى تنصيص خاص في كل جزئية من لوازم الأصل، إذ إن دليل الأصل نفسه يتضمنها.


وهذا لا يفقهه من لم يستوعب المنظومة الاستدلالية لأهل الحديث.

فيا أسفي .... !!!!


ومن هنا يتبين أن النهي عن منازعة الولاة في ولايتهم: 

• يشمل ماهية المنازعة ذاتها.

• ويشمل ما تتضمنته ولوازمها التي لا تنفك 


• وبهذا نفهم لماذا ربط السلف الإنكار العلني حال غيبة الحاكم بالخروج والمنازعة في الولاية؟. 


فالإنكار العلني حال الغيبة -فضلا عن تسويغ الخروج- هو من لوازم النهي عن المنازعة؛ ولا يُشترط نص مستقل يُصرّح به، إذ هو من مقتضيات الأصل. 


• فأهل السنة يلتزمون بالأصول وما تقتضيه من لوازم لا تنفك. 


ولهذا نجد أن أهل السنة والجماعة حين تكلموا عن أصولهم في أبواب الصفات أو الإيمان أو القدر، لم يقتصروا على الأصول المنصوصة صراحةً فحسب، بل أدخلوا فيها أيضًا اللوازم التي لا تنفك عنها.


فليس كل ما أورده أهل السنة من الأصول الفارقة 

قد نص عليه السلف أو جعلوه أصلًا مستقلاً بذاته، وإنما طائفة منها إنما هو لوازم مأخوذة من أصول الصحابة والتابعين الثابتة.


ولديَّ في هذا الباب تجربة علمية خاصة مع شيخ الإسلام اب نتيمية؛ إذ إنني كتبتُ رسالتَي الماجستير والدكتوراه في بيان موافقة شيخ الإسلام ابن تيمية لأئمة السلف في أبواب الصفات ومسائل الإيمان والكفر.

وقد وقفتُ من خلال البحث على أن الأصول التي قررها شيخ الإسلام نوعان:

١-ما كان موافقًا للسلف بالمطابقة.

٢-ما كان موافقًا لهم بالتضمن والالتزام، أي لوازم لا تنفك عن أصولهم.


وهذا يبين دقة منهج شيخ الإسلام في استقراء كلام السلف، وجمعه بين الأصل ولوازمه، بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر..


وأخيرا

الحذر الحذر ممن لا يحسن التأصيل...


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 27 سبتمبر 2025

هل وفاة النبي ﷺ نكبة؟

 


لم يُعرف عن أحدٍ من العلماء، لا في القديم ولا في الحديث، أنه وصف وفاة النبي ﷺ بـ"النكبة"، حتى جاء محمد الحسن الددو فاستعمل هذا الوصف، وسعى هو ومن وافقه إلى جعله مرادفًا للمصيبة. 


ولتحرير هذه المسألة أقول: 


كلمة المصيبة مشتقة من جذر (ص و ب), وهذا الجذر: الصاد والواو والباء أصل صحيح يدل على نزول شيء واستقراره [مقاييس اللغة (3/ 317)]

ويُستعمل في الخير والشر من حيث أصل المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾. 

غير أن العرب غلبوا استعماله في جانب الشر. 


وأما النكبة فهي من جذر (ن ك ب) وأصلها الميل، فإذا أطلقت دلت على ميل أو انحراف، فهي أخص من المصيبة، وتوحي بشيء زائد على مجرد وقوع البلاء. 


وبعضهم توهم من تفسير بعض أهل المعاجم النكبة بالمصيبة أنهما مترادفان، وغفل أن من عادة أهل المعاجم أنهم قد يفسرون اللفظ بما يقاربه أو بما هو أعم وأوضح، دون قصد الترادف التام. 


وقد فسرها كثير منهم بحوادث الدهر وكوارثه وثدماته..

ولهذا فإن "النكبة" في الاستعمال تحمل معنى الانحراف والميل، وقد ارتبطت في أذهان الناس بالجراحات والمآسي والانتكاسات التي تنشأ من تقصير وتفريط.

(وانتبه لهذا)

وعليه، فإطلاق "النكبة" على وفاة النبي ﷺ غير مناسب، لأنها مشعرة بالميل والانحراف والتقصير والتفريط، وكأن الوفاة حدثت دون تمام التبليغ، وإنما الأليق وصفها بـ"المصيبة" بالنظر إلى كونها نازلة وقعت على الأمة. 


ومع ذلك، فوفاته ﷺ ليست مصيبة بإطلاق؛ إذ هي:

-مصيبة باعتبار انقطاع الوحي وظهور الفتن، ...

وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم- مصيبة فقال: إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي؛ فإنها أعظم المصائب.  رواه الدارمي 


-ورحمة وفضل باعتبار دفع الهلكة عن أمته وكونه فرطا لهم يوم القيامة, ، إذ قال النبي ﷺ: «إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها» (رواه مسلم). 


✍️ بقلم د. أحمد محمد الصادق النجار



الخميس، 25 سبتمبر 2025

الشيخ محمد ولد #الددو الشنقيطي للأسف داعية ضلالة وليس عالم أمة

 الشيخ محمد ولد #الددو الشنقيطي

للأسف

داعية ضلالة وليس عالم أمة كما يزعمون 


سمعت له مقطعا بُث من قناة الجزيرة أرسله لي أحد الإخوة

يزعم فيه أن إثبات الوجه صفة الله واليد صفة لله

هذه عقيدة الحنابلة وليس هو عقيدة السلف، وإنما هو اجتهاد منهم ولم تدل عليه اللغة هكذا زعم 


ثم زعم أنهم يثبتون الجنب صفة والشخص صفة ...!!

ثم كذب على السلف وجعل مذهبهم تفويض المعنى،..

!!! 


والغريب أنه يجعل الخلاف في الصفات خلافا سائغا، وأن المختلفين ينطلقون من أصل واحد وإنما اختلف اجتهادهم... 


هكذا بكل تسطيح وعدم فهم لنظرية التأويل والتفويض عند المتكلمين وهو ممن درس في جامعة الإمام ...!!! 


نظرية المتكلمين في التأويل والتفويض تتلخص في: 


أن الاصل الذي ثبت به حجية الكتاب والسنة هو العقل، ولما توقف الاحتجاج بالكتاب والسنة على معرفة الله وصفاته وإثبات النبوة 

لم يصح الاحتجاج على بابي الإلهيات والنبوات بالكتاب والسنة؛ لأنه يلزم منه الدور

وتفرع على ذلك تأويل أو تفويض الأدلة النقلية 


وهذا الذي حذا بالمعتزلة أن يقولوا باستحالة أن يكون النقل دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به

وإنما هو مجرد مؤكد للعقل تابع له، كما قال أبو علي الجبائي:(إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدا لما في العقول، وأما أن يكون دليلا بنفسه، يمكن الاستدلال به فمحال)

والزمخشري جعل وظيفة الرسل منحصرة في التنبيه عن الغفلة؛ لأن الرسل لم يتوصلوا إلى معرفة الله إلا بالادلة العقلية... 


وهذه الفكرة بدأت عند #الأشاعرة من الباقلاني، وقد صرح بها في كتاب التقريب والإرشاد الصغير (١/٢٢٨)

واستقرت على يد الجويني...

مما جعلهم يعظمون علم الكلام 


والغريب أن الجويني لما حاول أن يعتمد على النقل في نفي النقائص عن الله 

اعترض عليه أصحابه كالرازي وغيره

ومما قاله ابن العربي في قانون التأويل:( وتعجبوا من رأس المحققين يعول في نفي الآفات على السمع، ولا يجوز أن يكون السمع طريقا إلى معرفة البارئ ولا شيء من صفاته...) 


وعمنا الشيخ #الددو مش فاهم ويضل في الأمة ...

ويستدل ببعض تأويلات السلف على التأويل الكلامي الذي يقوم على نظرية معقدة مركبة وليست بسيطة.... 


مش قضية من أول من السلف أنه ينطلق من أن العقل أصل النقل، وإنما ينطلق من أن النقل يفهم من النقل، فيؤول ظاهر آية لآية أخرى أو حديث.... 


وأما نظرية الدور التي وقع فيها المتكلمون فنقضها من وجوه

من أهمها أن الادلة النقلية اشتملت على أدلة عقلية وبراهين، وليست هي مجرد أخبار.

والغريب ان كثيرا من أدلة المتكلمين قاموا هم بأنفسهم بنقدها وتضعيفها...

ثم إن معرفة الله فطرية... 


والكلام يطول

أخيرا ليست إشكالية الشيخ في هذا الباب فقط، بل إشكاليته في عدة أبواب...


فالعلم دين..


كتبه ناصحا للأمة

د. أحمد محمد الصادق النجار

#النكبة المزعومة من الددو… أهي مجرد كلمة أم انعكاس لمنهج فكري؟



لا يُستغرب ممن يسير على نهج #محمد_الحسن_الددو أن يسارع إلى إيجاد الأعذار له، أو يحاول تسويغ عباراته؛ فالمشترك المنهجي والفكري يفسّر هذا الدفاع. 


لكن المستغرَب حقًا هو موقف بعض #إخواننا الذين حملوا كلام الددو على أحسن المحامل من غير أن يراعوا أصوله الفكرية وبيئته التي صاغت منطقه وخطابه، فتعاملوا مع مجرد ألفاظ، وغفلوا عن السياق المنهجي الذي أفرزها. 


فالخطأ في عبارة عابرة قد يُعذر فيه صاحبه إذا لم يقصد باطلاً، أما إذا كان الخطأ متولّدًا من منهج مضطرب يجمع بين #الإخوانية الحركية، و #التصوف الذوقي، و #التلفيق الفقهي؛ فإن العثرة تتكرر وتتحول إلى انحراف في التصورات. 


ومن هنا فزلّة الددو ليست مجرد أنه قال "نكبة" بدل "مصيبة"، وإنما هي انعكاس لخلفيته الفكرية التي يشاركه فيها المدافعون عنه. 


ومن المعلوم أن #الددو منفتح على الأدبيات الإخوانية والقطبية التي تمزج بين الدين والسياسة تحت شعار "إقامة الدولة الإسلامية". 

وهذا جعله يتبنى خطابًا تلفيقيًا توسعيًا لا يضبطه ميزان السلف في تحرير الأصول والمقاصد. 


فوصفه #وفاة_النبي ﷺ بأنها نكبة على الأمة لم ينطلق فيه إلا من زاوية سياسية/دستورية، إذ اعتبر أن النكبة هي غياب "النص التفصيلي" في شأن الإمامة، وهذا عين ما ينظر إليه الإخوان والقطبيون الذين جعلوا الإسلام في المقام الأول مشروع حكم ودولة، واختزلوا كلمة التوحيد في "الحاكمية". 


من هنا نفهم #أطروحات هذا التيار: فمعيار التدين عندهم، والولاء والبراء، ليس هو تحقيق التوحيد بأبوابه الكبرى (الألوهية، الأسماء والصفات، القدر، الإيمان) ولا لزوم السنة على وجهها والتخذير من البدعة، فهذه عندهم قضايا ثانوية تجاوزها الزمن، وإنما معيارهم الأوحد هو إقامة "الدولة الإسلامية". 


ولا شك أن قيام الدولة المسلمة مطلب شرعي عظيم، لكن لا بد أن يفهم في سياقه الصحيح، فلا يُجعل معيار الكمال الديني ولا محور الدين كله. 


فالإخوان والقطبيون يرى كثير منهم أن غياب "وثيقة دستورية مكتوبة تفصيلية" يشكل نكبة على الأمة وإشكالًا كان ينبغي سدّه بتأصيل معاصر، انبهارًا منهم بالنموذج الغربي في آليته. بينما السلف رأوا أن النصوص القطعية العامة (البيعة، الشورى، طاعة ولي الأمر، إقامة الدين) مقرونةً بالإجماع العملي للصحابة = تشريع كامل كافٍ يغني عن كل دستور وضعي تفصيلي. 


وبهذا يتبين أن الإشكالية الحقيقية في كلام #الددو، والتي حاول المدافعون عنه إخفاءها، أنه جعل غياب "الدستور التفصيلي" إشكالا، ورتب عليه أن وفاة النبي ﷺ كانت نكبة للأمة. وهذا يوحي – بلسان الحال – أن الشريعة تركت شيئا لم تكنله مما سبب نكبة، وهو ما يناقض قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. 


نعم، لم يقل أحد من #النقاد المعتبرين إن الددو يصرّح بأن الشريعة ناقصة، إذ لو صرّح لكُفر، ولكن موضع البحث هو في لازم كلامه، واللازم ليس قولًا حتى يلتزمه صاحبه. غير أن المشكلة أن هذا اللازم ينبع من المنهج الفكري الذي يتبناه.... 


✍️ بقلم: د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

نقد محمد الددو في وصف وفاة النبي ﷺ بأنها "نكبة"

 


ما صدر عن #محمد_الددو الشنقيطي من وصف وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها #نكبة من نكبات الأمة، بحجة أنه لم يترك دستورًا مكتوبًا ولا بيّن طريقة تنصيب الحاكم ومحاسبته وعزله، وأن جمهور المسلمين ارتدّ بسبب ذلك، قول خطير يكشف قصورًا في فهم الشريعة..
ولو أن #الددو جعل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قد ترتب عليها كونا حصول اختلاف وافتراق واقتتال لاحتُمٍل ذلك منه
أما أن يجعلها نكبة على الأمة بزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة بلا بيان في باب اختيار الحاكم وطرق تنصيبه...، فهذا لا يُحتمل، بل فيه ما لا يليق بالنبي ولا بشريعته، ويلزم منه الطعن في كمال الشريعة ومقام النبي الكريم ﷺ.
ولازم القول ليس بقول...

أولاً:
الشريعة الإسلامية كاملة وشاملة، قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3].
فلا يوجد أمر ديني أو دنيوي إلا وفي نصوص الشرع وقواعده ما يكفي لفهم حكمه واستخراج الموقف الصحيح منه
وكون أحكام الشريعة وقواعدها تستوعب كل فعل للإنسان لا يمنع من ترك مساحة للاجتهاد وتحقيق المناط...

ثانياً:
من مقاصد السياسة الشرعية:
• إقامة العدل.
• دفع الفساد.
• تقديم درء المفاسد على جلب المصالح.

ولهذا، تركت للناس اختيار الوسائل ما دامت منسجمة مع هذه المقاصد وتحقق كليات الشريعة، فالوسائل لا تقصد لذاتها وإنما ينظر إلى غاياتها مادام أنها لا تخالف الشريعة

فمن الطبيعي أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض التفصيلات لاجتهاد الأمة، كما ترك ضبط بعض الألفاظ والوسائل للأعراف المتجددة
فكم من ألفاظ في الشريعة لم يحددها النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ترك تحديدها للناس بحسب أعرافهم!
وكم من وسائل لم تحدّد من الشارع ولم تعين، فتركت تقديرها للمكلف!!

ثالثا
اختيار الحاكم وتعيينه لم تتركه الشريعة من غير بيان وإنما وضعت للاختيار شروطا وراعت مقاصد، وأمرت بما في الوسع والمستطاع وبما لا يترتب عليه فتنة عامة....

ولما نصب النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء في الغزو وخلف من ينوب عنه في المدينة
بين للأمة طريقة التعامل معهم، وليس من شرط البيان أن يضع دستورا ...
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر  الأمة أن تعمل بسنة الخلقاء الراشدين بعده، والتي من سنتهم ما يتعلق بطرق تولية الحاكم وطريقة التعامل معه...

فأين النكبة التي يُزعم أنها بسبب "ترك البيان"؟! بل الوصف نفسه يلزم منه ما لا يليق بالشريعة ولا بمقام النبي صلى الله عليه وسلم...
وكأن الددو يميل إلى أن الأكمل هي الوصية والتنصيص التفصيلي على أحكام الولاية
أأنتم أعلم أم الله؟

رابعا:
خلافة أبي بكر
وقد اختلف العلماء في خلافة أبي بكر هل ثبتت باختيار المسلمين له ؟ أو بالنص الخفي عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟
فذهب جمهور العلماء والفقهاء وأهل الحديث إلى أنها بالاختيار .
وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنها بالنص الخفي...
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(والتحقيق في " خلافة أبي بكر " وهو الذي يدل عليه كلام أحمد : أنها انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها والرضى بها ; وأنه أمر بطاعته وتفويض الأمر إليه وأنه دل الأمة وأرشدهم إلى بيعته . فهذه الأوجه الثلاثة : الخبر والأمر والإرشاد)

خامسا:
ما وقع فيه الددو ليس زلة عابرة، بل انعكاس لفكر حزبي متأثر بالمدرسة الإخوانية، التي جعلت السياسة رأس الأولويات، وزعمت أن إسلام المسلم لا يتم إلا إذا كان سياسيًا. ولما لم يجدوا في النصوص الشرعية وفقه السلف ما يحقق تلونهم في التعامل مع النظام الدولي جاءت فكرة عدم البيان...
قال حسن البنَّا:”أستطيع أن أجهر في صراحة بأنَّ المسلم لن يتمَّ إسلامه إلاَّ إذا كان سياسيًّا، يعيد النظر في شؤون أمته، مهتمًّا بها غيورًا عليها … وأنَّ على كلِّ جمعيَّة إسلاميَّة أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمَّتها السياسية وإلاَّ كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام” (مجموعة الرسائل)ص159.

سادسا: لو صدر هذا الكلام من غير الددو لاسيما إذا كان حاكما لانبرت أقلامٌ في تكفيره وتسفيهه لكنه لما صدر ممن يوافق أهواءهم لم تر إلا الدفاع ومحاولة تخريج الكلام وحمله على محمل حسن..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 20 سبتمبر 2025

حال بعض حكام السلف ممن أُمر الناس بالصبر عليهم

 


كثيرًا ما يزعم بعض الناس أنّ النصوص والآثار الواردة في وجوب الصبر على جور الحكام إنما كانت خاصة بحكّام السلف، وأن حكام زماننا يختلفون عنهم، فلا تنطبق عليهم تلك الأحاديث. 

وهذا خطأ بيّن وضلال ظاهر؛ إذ إن مناط تلك النصوص ليس شخص الحاكم بعينه ولا درجة صلاحه أو فساده، ما دام مسلمًا قد استقر له الأمر، وإنما مناطها درء الفتنة العامة وحفظ جماعة المسلمين، والنظر إلى مآلات الأفعال وما يترتب على عدم الصبر من الفتن وسفك الدماء وضياع الجماعة، ولذلك استوى في ذلك كل حاكم مسلم،

وقد تقرر في نصوص الوحي أن المصلحة الكبرى هي حفظ الدين والجماعة وبقاء شعائر الإسلام ظاهرة في البلد، لا مجرد الخلاص من ظلم حاكم... 


ولنأخذ مثال الحجاج بن يوسف الثقفي: 


أولا: جاء عَنْ ‏‏الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ‏‏قَالَ : أَتَيْنَا ‏‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ ‏‏الْحَجَّاجِ ‏فَقَالَ ‏‏: اصْبِرُوا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .  رواهُ البخاري (7068) 


ثانيا: ما حال الحجاج؟

قال القاسم بن مخيمرة: "كان الحجاج ينقض عُرى الإسلام عروة عروة".

وعَنِ ابْنِ طَاوُوْسٍ ، عَنْ أَبِيْه ِ، قَالَ : عَجِبْتُ لإِخْوَتِنَا مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ ، يُسَمُّوْنَ الحَجَّاجَ مُؤْمِناً .

وقال عاصم بن أبي النجود: "ما بقيت لله تعالى حرمه إلا وقد انتهكها الحجاج".

وقَالَ الصَّلْتُ بنُ دِينَارٍ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: "ابْنُ مَسْعُودٍ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، لَوْ أَدْرَكْتُهُ لأَسْقَيْتُ الأَرْضَ مِنْ دَمِهِ".

وقال ابنُ كثيرٍ في " البداية والنهاية " : فإن الحجاجَ كان عثمانياً أموياً ، يميلُ إليهم ميلاً عظيماً ، ويرى أن خلافَهم كفرٌ ، يستحلُ بذلك الدماءَ ، ولا تأخذه في ذلك لومةُ لائمٍ .ا.هـ.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية: (وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر..)

وقال الذهبي في السير:( وَكَانَ ظَلُوْماً ، جَبَّاراً ، نَاصِبِيّاً ، خَبِيْثاً ، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ ، ...)

....وكفره بعض التابعين..وفي تكفيره نظر.. 


ومع هذا كله، لم ير من أدركه من الصحابة وكثير من السلف الخروج عليه، بل أمروا بالصبر اتقاءً للفتنة؛ لدرء الفتنة العامة، ولم ينظروا إلى حال الخاكم مادام مسلما قد استقر اه الأمر.. 


وحتى من خرج عليه من السلف ندم، وتمتى أنه لم يخرج... 


فإذا كان هذا الحكم جارياً في حق الحجاج مع ما كان عليه ومع وجود من كفره عينا، فغيره من الحكام في كل زمان أيضا يدخلون في النصوص، ما داموا مسلمين قد استقرت لهم الولاية، وأقيمت بهم شعائر الإسلام الظاهرة. 


واخيرا: الصواب في الحجاج أننا لا نلعنه بعينه ولا نكفره

روى الخلالُ في " السنة " (851) بإسنادهِ فقال : وأخبرني محمدُ بنُ علي قال : ثنا صالح أنه قال لأبيه : الرجلُ يُذكرُ عنده الحجاجُ أو غيرهُ فيلعنهُ ؟ قال : لا يعجبني لو عبر فقال : ألا لعنةُ اللهِ على الظالمين .ما حال حكام السبف الذين أُمر التاس بالصبر عليهم؟ 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار