قال ابن تيمية : "أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ، لَكِنْ لَا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ ظُهُورَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ" منهاج السنة 6/375.
تنزيل كلام شيخ الإسلام على إيراان اليوم يتوقف على تحرير سؤالين جوهرين:
الأول: هل نحن أمام صورة إزالة سلطان الإسلام وظهور الكفر في ديار المسلمين؟ أو نحن أمام صراع نفوذٍ، تتنازع فيه قوى إقليمية ودولية القرار والسيادة؟
والثاني: هل مآل هذه الحرب محصورٌ بين خيارين: تمكين الكفر من بلاد المسلمين، أو بقاء الإسلام مع بدعة؟
الصورة التي تكلم عنها شيخ الإسلام هي حالة تمكين الكفر الصريح وإزالة سلطان الإسلام.
في تلك الصورة لا يسع أهل السنة إلا أن يقرروا أنهم لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر على ظهور البدعة، ولو كانت بدعةً مغلظة؛ فيكون الولاء لأصل الإسلام في مقابل الكفر الصريح.
أما الصورة المعاصرة فمختلفة تماما، فنحن لسنا أمام تمكينٍ مباشرٍ للكفر من إزالة سلطان الإسلام في بلدٍ بعينه مقابل بقاء بدعة، بل أمام صراعات نفوذٍ إقليمية ودولية لا تنحصر في ثنائية “إسلام مقابل كفر”.، بل تتشابك فيها اعتبارات القوة والسيادة والهيمنة.
كما أن إيران اليوم ليست مجرد دولةٍ توصف ببدعة، بل دولة ذات مشروعٍ توسعيٍّ عابرٍ للحدود، له أثرٌ مباشر في إضعاف كياناتٍ سنيةٍ قائمة، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وهذا توصيفٌ سياسيٌّ للواقع، لا حكمٌ على الأفراد أو طائفة بدعية.
وعليه فإن المناط الذي علّق عليه شيخ الإسلام حكمه ـ وهو ظهور الكفر وإزالة سلطان الإسلام ـ غير متحقق بالصورة التي تُطرح اليوم. فاختلاف الصورة يقتضي اختلاف الحكم؛ لأن الأحكام دائرةٌ مع عللها وجودًا وعدمًا.
ولو أن إيران تخلّت عن مشروعها الدموي، وكفّت شرّها وأذاها عن أهل السنّة، وتبرّأت من عقيدتها العدائية التي تُجرّمهم وتدعو إلى استئصالهم؛ لأمكن حينئذٍ بحث إمكان الوقوف معها ضمن رؤيةٍ مصلحيةٍ منضبطة، تُقدَّر بقدرها، وتُراعى فيها المآلات ومصالح عموم الأمة. وعندئذٍ يمكن النظر في تنزيل كلام ابن تيمية على تلك الصورة.
لكن الواقع اليوم يدل على أن إيران لم تتخلَّ عن مشروعها، ولا تبدو في طريقها إلى ذلك إلا أن يشاء الله.
أما الانطلاق في تحديد الموقف الشرعي من تصوّراتٍ ذهنيةٍ غير منضبطة، كتصوير أن سقوط إيران سقوطٌ للأمة، وأن الدور سينتقل تباعًا إلى بقية الدول المسلمة، وأن اليهود سيتغوّلون بلا مقاومة؛ فذلك تحليلٌ يقوم على فرضياتٍ لا على قراءةٍ دقيقة للواقع.
هذا التصوير يغفل طبيعة الصراع في النظام الدولي، حيث التنافس قائمٌ على السيطرة على مصادر القوة والمعرفة والتقنية، وعلى امتلاك القرار السياسي وتوجيهه. وليس من مصلحة الأمة أن يخرج أحد الطرفين غالبًا وهو في ذروة قوته؛ بل مصلحتها في استنزاف مشاريع الهيمنة بعضها لبعض، بحيث يضعف سلطان القرار ولو تحقق نصرٌ عسكريٌّ في الظاهر. فالقوة المنهكة ليست كالقوة المتغوّلة.
ولهذا كان من دعاء علماء أهل السنة:
اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين.
وأما الاغترار بالشعارات العاطفية أو الولاءات الحزبية أو النظر الضيق
فليس أساسًا صحيحا لبناء موقفٍ شرعيٍّ في قضايا مصيرية...
كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق