اقرأ بصبر وتأمل وتجرد
دعوى انتفاء التلازم بين الإنكار العلني وإثارة الفتنة
سمعت مقطعا للشي #عبد_العزيز_الطريفي يذكر فيه أن إثبات التلازم بين #الإنكار_العلني حال الغيبة وإثارة الفتنة العامة هو قصور في الفهم، وقرر أن هذا التلازم ينتفي إذا بيّن المنكِر أن الخروج والفتنة العامة محرمان.
وقد تأثر بهذا التقرير بعض طلبة العلم، وظنوا أن مجرد بيان حرمة الخروج كاف في إزالة المفسدة المترتبة على الإنكار العلني، حتى أصبح من الممكن بناء على هذا الفهم : أن يصعد خطيب على المنبر، فيوجه النقد إلى الحاكم في غيبته ويسميه ويشحن الناس عاطفيا، ويغذي مشاعر الغضب عليه، ثم يقول في خاتمة كلامه: «ولا يجوز الخروج عليه، ولا إثارة الفوضى».
والأخطر من ذلك أن هناك من يقرر أنه لا تلازم أصلا بين نقد الحاكم في غيبته وشحن الناس وبين الخروج أو الفتنة العامة، ولو لم يبيّن للناس حرمة الخروج، كما هو ظاهر في الخطابات المتأثرة بالفكر #القطبي و #السروري.
وهذا كله يتطلب منا أن نضع هذا التقرير تحت الميزان الشرعي، لننظر في مدى صحته ودقته.
ولا بد ابتداء من بيان أن لفظ «الإنكار العلني» يطلق على معان متباينة مختلفة الحكم، فهو إلى #الاشتراك_اللفظي أقرب.
فمن إطلاقاته:
1- إنكار الفعل المنكر نفسه من غير ذكر الحاكم ولا تعيينه, فهذا يسمى بـ«الإنكار العلني».
2- الإنكار على الحاكم في حضوره، بحيث يواجه بالإنكار مباشرة، وهذه لها أحكامها وقيودها, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».
3- الإنكار على الحاكم في غيبته مع تسميته والطعن فيه وذكر مثالبه أمام العامة, فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».
4- ذكر الحاكم وتسميته عند بيان منكر صدر منه، من غير أن يتضمن الخطاب طعنا فيه أو تأليبا عليه، فهذا أيضا يسمى بـ«الإنكار العلني».
وكما يلاحظ القارئ الكريم أن هذه الصور ليست شيئا واحدا، ومن الخطأ المنهجي أن ينقل أحد كلام عالم يجوز فيها الإنكار العلني إذا صدر المنكر علنا، ككلام الألباني أو ابن عثيمين، ثم يحمل كلامهما على الصورة التي يريد هو إثباتها.
فقد يكون العالم الذي قال بجواز بعض صور الإنكار العلني يتحدث عن إنكار المنكر في نفسه، أو عن إنكار المنكر على الوالي بحضرته، أو عن بيان حكم شرعي عام لا يتعلق بتشهير الوالي أمام العامة، بينما ينزل الناقل كلامه على خطاب جماهيري في غيبة الحاكم، يتضمن تسميته وشحن العامة ضده.
وهذا من التدليس العلمي الذي لا يصدر إلا من جاهل أو صاحب هوى
وبعد بيان الاشتراك الواقع في لفظ «الإنكار العلني»: نخلص إلى دفع إشكال متوهم في قولنا بالتلازم :
لا نقول إن الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة استلزاما حتميا، كاستلزام المحدَث للمحدِث, وإنما نقول بالتلازم الغالبي بالنظر إلى مجموع الوقائع عبر التاريخ
وهذه نقطة لا بد من تحريرها؛ لأن كثيرا من الاعتراضات على هذا القول إنما نشأت من تصور أن القائل بالتلازم يدعي أن كل واقعة من الإنكار العلني بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا لا بد أن تنتهي إلى فتنة عامة, وهذا ليس هو محل النزاع.
فنحن لا نقول: «كل إنكار علني على الحاكم بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا يستلزم الفتنة حتما»,
وإنما نقول: «إن الإنكار العلني على الحاكم في حال غيبته بالتشهير بالحاكم ومخاطبة الجمهور وشحنهم عاطفيا هو من الأسباب الرئيسة التي تفضي غالبا إلى تهييج النفوس وإثارة الفتنة، وهذا هو التلازم الغالبي الذي يراعى في أبواب المآلات.
ولهذا فإن وجود واقعة أو عدة وقائع لم تترتب فيها الفتنة العامة على الإنكار العلني لا يبطل أصل القول بالتلازم الغالبي؛ لأن القضايا الغالبية لا تنتقض بمجرد وجود بعض الصور التي تخلف فيها المآل.
كما أننا لسنا نقول/ إنه السبب الوحيد الذي ينتج المسبب, وإنما نقول: هو أحد أسباب.
ومن أقوى ما يدل على خطورة التشهير ما جاء عن عبد الله بن عكيم أنه قال «لا أعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان». فقيل له: أوأعنت عليه؟ فقال: «كنت أعد ذكر مساويه عونا على دمه».
وهذا الأثر وإن كان في سياق فتنة عثمان رضي الله عنه، إلا أنه شاهد مهم في الباب؛ لأنه يبين أن ذكر مساوي الحاكم لا ينظر إليه دائما باعتباره بيان منكر، وإنما يتحول إلى عامل إعانة على ما يترتب عليه من الفتنة.
ولا يعني ذلك أننا نخرج الإنكار العلني حال الغيبة الذي يكتفى فيه بذكر اسمه من غير تحريض ولا طعن من الحكم وهو المنع؛ إلا أن إفضاءه إلى الفتنة العامة أخف, وقد بينت ذلك فيما سبق.
أما دعوى #الطريفي أن بيان حرمة الخروج يلغي بالضرورة مفسدة التشهير, فهذا لا يكفي في نفي مفسدة الفتنة العامة؛ لأن النفوس قد شحنت، والمشاعر قد تكون أثيرت، وصورة الحاكم في نفوس السامعين قد تغيرت، والناس قد خرجوا من المجلس وهم أشد غضبا عليه.
ومن هنا فالعاقل لا ينتظر حتى يصل الخطاب إلى التصريح بالخروج حتى يحكم بأن هناك خطرا على استقرار الناس, فكما أن سد باب الفتنة يكون قبل وقوعها، فإن اعتبار أسبابها ومقدماتها يكون قبل أن تصل إلى نهايتها.
فإن قيل: هل يعني ذلك تحريم بيان منكرات الحاكم مطلقًا؟ وهل يلزم من منع التشهير وجوب السكوت عن بيان الظلم؟
قيل: لا, فلا يلزم من القول بمنع صورة معينة من الإنكار العلني أن يقال بتحريم بيان المنكرات في كل حال, ولا يلزم من سد باب التشهير أن يفتح باب السكوت المطلق عن الظلم, فالنصوص الشرعية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابتة، وإنما الكلام في كيفية الإنكار، ومحله، ومن يخاطَب به، وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق