حين يقاس الاحتفال بالمولد النبوي بالهاتف والسيارة والمسبحة
آخر ما وصل إليه بعض الأشاعرة في آخركتاباتهم هذه الأيام هو تكييف الاحتفال بالمولد بأنه أداة تنظيمية كالمسبحة ومكبر الصوت!!!
في كل موسم يعود فيه الجدل حول الاحتفال بالمولد النبوي، تتكرر حجة واحدة بصياغات مختلفة وهي: الاحتفال وسيلة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتذكير بسيرته، والوسائل لها أحكام المقاصد.
وهي حجة تبدو للوهلة الأولى متماسكة وقوية، لكنها عند الفحص تكشف عن خلط أصولي دقيق بين نوعين مختلفين من الوسائل، كما سيأتي بيانه.
فحين يُستعمل مكبر الصوت لنقل الأذان أو الدعوة إلى الله، فإن هذه الآلات لا تحمل في ذاتها أي صورة تعبدية أو تشريعا مستقلا، وإنما هي مجرد ناقل لمحتوى عبادة قائمة أصلا دون أن تُغيّر في هيئتها الشرعية شيئا، فالأذان في الأصل هو مشروع وقائم، ومكبر الصوت آلة جامدة تنقل فقط
ولذلك وسع الشارع في استعمال الآلات في العبادات، كما وسع في عدِّ التسبيح بالحصى والنوى والمسبحة؛ لأن المقصود وهو الذكر: ثابت، والمتغير إنما هو الأداة، فهل الاحتفال بالمولد من هذا الجنس؟!!!
الجواب: لا،
أما الاحتفال بالمولد فهو أمر مختلف جوهريا عن المسبحة ومكبر الصوت؛ لأن الاحتفال بالمولد ليس أداة تنقل عبادة قائمة، وإنما هو في ذاته صورة تشريعية جديدة، مهما حاول المجوِّزون إبعاده عن هذا التكييف. وكيف لا يكون صورة تشريعية جديدة، وهو اجتماع سنوي مؤقت، مرتبط بتعظيم يوم له مراسمه وهيئاته المتكررة من قراءة وإنشاد ووعظ، ويقام بقصد طلب الأجر من الله؟
وقد يحاول بعض المجوِّزين تلافي هذا الخلط بإعادة تعريف الاحتفال بالمولد نفسه، فيصفونه بأنه أداة اجتماعية تنظيمية لا عبادة في ذاته، ثم يقيسونه على المسبحة وخطوط تنظيم الصفوف، بل وعلى البث المباشر والمراكز الدعوية.
لكن هذا لا يعدو أن يكون تغييرا في الاسم دون تغيير في الحقيقة؛ والعبرة في الأصول بالحقائق والمعاني لا بمجرد الألفاظ والمباني.
ومحك التمييز بين النوعين بسيط: هل يُقصَد الزمن ذاته بأن يُخص هذا اليوم بعينه بالتعظيم والتمييز عن سائر الأيام، أو أن التوقيت مجرد ظرف عملي عارض لا نظر فيه إلى ذات اليوم؟
وهل تقبل الوسيلة الاستبدال والنقل عن زمنها المقصود لذاته وهيئتها دون أن يفوت المعنى المقصود منها؟
يعني المسبحة يستعاض عنها بالأصابع دون ان يفوت شيء من مقصود الذكر؛ لأن القصد متعلق بالعدّ لا بالأداة، ولا يوجد فيها أصلا قصدٌ لزمن يُخص بالتعظيم. وخط الصف يُستعاض عنه بتوجيه شفهي؛ لأن القصد متعلق باستقامة الصف لا بوجود الخط بذاته.
أما الاحتفال بالمولد فلا يقبل أهله نقله عن تاريخه السنوي المحدد المقصود لذاته دون شعور بفوات المعنى؛ لأن تعلقه بذلك التاريخ في نفسه هو الذي يمنحه خصوصيته عندهم.
وهذا هو عين معنى العيد، فهو أمر يتكرر دوريا مقترنا بزمان معين يُعظَّم ويقصد لذاته بالتكرار، لا مجرد نشاط اجتماعي عارض يمكن إقامته في أي وقت.
وبناء عليه: فقياس الاحتفال بالمولد على المسبحة ومكبر الصوت قياس مع الفارق المؤثر؛ لأن الآلة في البابين الأولين لا تحمل قصدا بذاتها لزمن يُخص بالتعظيم، بخلاف التوقيت السنوي في المولد الذي هو نفسه محل القصد والتعظيم عند من يحتفل به.
فالإحداث ليس في أصل الذكر أو المدح أو قراءة السيرة، فهذه كلها عبادات مشروعة في نفسها، وإنما في اتخاذ توقيت سنوي معين محلا للتخصيص والتعظيم لذاته، وهذا ما يحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيته.
وبهذا يبطل تكييفهم ويظهر عوره..
وثمة حجة أخرى للمجوِّزين، وهي أن الذكر عبادة مطلقة، ويجوز للمرء أن يخصص لها وقتا يتناسب مع حاله من غير أن يعتقد فبه فضلا خاصا، مستدلين بحديث: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، ثم يُقاس على ذلك تخصيص يوم المولد بالاحتفال.
لكن هذا القياس يغفل أيضا فارقا جوهريا وهو: أن يخصص الفرد لنفسه وقتا لورده الشخصي بما يناسب حاله من غير أن يقصد بذلك الزمن نفسه تعظيما أو تمييزا عن سائر الأزمنة، أمر يختلف تماما عن إنشاء تشريع جماعي عام للأمة بيوم معظم لذاته سنوي له اسمه ومراسمه وهيئاته المتكررة، يتوارثه الناس جيلا بعد جيل حتى يصير في الوعي العام شعيرة مستقرة.
فالأول تخصيص فردي لا ينشئ معلما دينيا عاما وليس،فيه شيذدء من معنى التشريع، والثاني إنشاء لصورة تعبدية جماعية تتكرر على وجه مخصوص وهذا تشريع.
ويستدل المجوِّزون أيضا بأن الأمة تفرح بيوم الجمعة، مع أنه يوم وفاة آدم عليه السلام، وتصوم عاشوراء احتفاء بنجاة موسى عليه السلام، مع أن في ذلك اليوم أحداثا أخرى، فكذلك يصح الفرح بالمولد.
إلا أن هذه المقارنة بعيدة من جهة الدليل؛ فتخصيص الجمعة بالفضل وتخصيص عاشوراء بالصوم كلاهما ثبت بدليل شرعي يحدد اليوم نفسه والعبادة نفسها، بما يعني أن الشارع نفسه هو الذي قصد تعظيم ذلك الزمن بعينه وشرع له عبادة موقوتة.
أما المولد فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصص هذا اليوم بهيئة احتفالية معينة، ولا ثبت ذلك عن أهل القرون المفضلة.
وإنما الذي ثبت في النصوص هو صيام يوم الاثنين، وهو دليل على مشروعية الصيام في ذلك اليوم تحديدا، لا على مشروعية تعظيم اليوم بذاته بكل صورة يُراد إلحاقها به.
فارتباط الاحتفال بالمولد بتوقيت سنوي معظم لذاته يُقصد بالتكرار والتعظيم: يخرجه عن حكم الأداة القابلة للاستبدال، ويدخله في حكم الصورة التعبدية التي تحتاج إلى دليل مستقل على مشروعيتها، ولا يكتفى في مشروعيتها بالنصوص المطلقة؛ إذ ليس النزاع في أصل المحبة، ولا في أصل الذكر، ولا في أصل قراءة السيرة، وإنما النزاع في إنشاء هيئة دينية مخصوصة مرتبطة بزمان معين مقصود لذاته.
وقد يقال: إن اختيار هذا اليوم ليس تعظيما شرعيا له،ولا قصدا للزمن لذاته، وإنما هو مجرد استحضار لحدث تاريخي.
وجوابه: أن مجرد كون المناسبة تاريخية لا يفسر وحده تخصيص يوم بعينه بتكرار ممارسة دينية مخصوصة فيه؛ إذ الكلام ليس في استحضار الحادثة أو التذكير بها، وإنما في تحويل تاريخها إلى موعد سنوي يتكرر فيه اجتماع ديني على هيئة مخصوصة، ويُقصد إقامته طلبًا للأجر.
أما إذا قيل: بل لا بد من إقامة هذا الاجتماع في هذا اليوم تحديدا دون غيره؛ لأن فواته يفوّت المولد نفسه، فقد ثبت أن للتاريخ أثرا مقصودا في إنشاء المناسبة، وأن اليوم ليس مجرد وعاء زمني عارض للفعل، وإنما هو عنصر أساسي.
وهنا يظهر الفرق بين استحضار حادثة تاريخية وبين تخصيص زمن بها على وجه ديني متكرر.
وليس معنى هذا أن كل تذكير بحدث تاريخي في يوم وقوعه يصبح بدعة؛ فمحل الكلام هو أن يتحول هذا التذكير إلى مناسبة دينية سنوية ذات هيئة، وتصبح لها مظاهر ثابتة وتكرار معلوم.
فإذا قيل: إننا لا نتعبد باليوم، وإنما نتعبد بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته، قلنا: هذا يعيدنا إلى أصل الإشكال؛ فلماذا جُمعت هذه العبادات في هذا اليوم على وجه التكرار السنوي دون غيره؟
إن قيل: لأن هذا اليوم يذكّر بالمولد، قلنا: فقد صار ارتباط الزمان بالحدث سببا في تخصيصه.
وإن قيل: إن هذا الارتباط لا أثر له في الحكم، وأن المقصود هو الذكر والسيرة، قلنا: إذن لا معنى لإلزام الناس بهذا التاريخ، ويصبح نقل الاجتماع إلى يوم آخر لا يغيّر شيئا من المقصود.
فإن كان النقل لا يضر، عاد المولد إلى مجرد مجلس سيرة أو ذكر يمكن إقامته في أي وقت.
وإن كان النقل يغيّر حقيقة المناسبة ويُفوّت المقصود من إقامتها، فقد ثبت أن التوقيت عنصر مقصود في هذه الممارسة، ولم يعد مجرد ظرف عارض.
ومن هنا فالنزاع ليس في حق الناس في تذكر مولد النبي صلى اللهعليهوسلم، ولا في مشروعية قراءة سيرته، وإنما في إضفاء خصوصية دينية على زمن معين وتكرار اجتماع على هيئة مخصوصة، من غير دليل يثبت هذه الخصوصية وهذه الهيئة.
فإن قلت: كثير من الناس يفعلها على وجه العادة؟
قيل: العادة الجماعية المتوارثة إذا استقرت على هيئة مخصوصة وتكرار سنوي معلوم، فإنها تنشئ في الوعي العام شعيرة دينية مستقلة، ولو نُفي عنها التعظيم اللفظي صراحة؛ لأن العبرة بالفعل المتكرر والهيئة الثابتة لا بمجرد الدعوى.
فحين يمارس المجتمع فعلا بمواصفات الشعيرة، لكنه يُسميه عادة هروبا من الإلزام بدليل، فهذا لا يغيّر طبيعة الفعل، وإنما يضفي عليه اسما مغايرا للحقيقته، كما لو سمّى أحدهم الصلاة الجماعية المتكررة في مواقيت ثابتة لقاء اجتماعيا لينفي عنها صفة العبادة؛ فالاسم لا يُغيّر الوصف.
فهل نحن أمام عادة اجتماعية عارضة يمكن تغيير زمانها وهيئتها دون أن يتغير معناها، أو أمام ممارسة دينية متكررة ارتبطت بزمان مخصوص وهيئة مخصوصة وقصد مخصوص؟
فإن كانت الأولى فهي من العادات، وإن كانت الثانية فلا يكفي تسميتها عادة؛ لأن محل البحث حينئذ هو مشروعية هذا التخصيص الديني المتكرر.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_10.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق