الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

شبهات حول حديث الجساسة

 السلام عليكم أخانا الكريم، رفع الله قدرك ودرجتك في جناته

خرج قوم ينكرون صحة حديث تميم الداري والجساسة في صحيح الإمام مسلم، بحجة أن الحديث يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس في المسجد ليخبرهم بقصة تميم الداري، ثم لم يأت هذا الحديث إلا من طريق واحد، وهو طريق فاطمة بنت قيس.

والرد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: لابد أن نفرق بين التدوين وبين اشتهار الحديث واستفاضته عند جيل من الأجيال؛ إذ لا يلزم من اشتهاره واستفاضته وتواتر علم الناس به في جيل من الأجيال أن ينقل في الدواوين والكتب بتواتر أسانيده أو استفاضتها.

فقد كان الأئمة يحفظون آلاف الطرق، ولم ينقل لنا منها في المدوّنات إلا القليل، فكون الحديث يأتي من طريق واحد في التدوين لا يلزم منه ألا يكون مشتهرا في عصره.

وقد خلط المشككون في إيراد هذه الشبهة العليلة بين التحمل والتحديث، فسماع الحديث والاطلاع عليه هو ما شهده الجمع الكبير من الصحابة، لكن التصدي للتحديث به لم يكن من الصحابة جميعا، فلم يكونوا كلهم مشتغلين بالتحديث والرواية؛ فمنهم من اشتغل بالفتوحات، ومنهم من كان يتهيب باب الرواية والتحديث، ومنهم من اكتفى بتحديث غيره.

فباب التدوين أضيق من باب التحديث؛ إذ ليس كل ما حُدِّث به الجمع دُوِّن عن الجمع.
والله سبحانه تكفّل بحفظ دينه، ولم يقيد الحفظ بأن يصل إلى الأمة مدونا بطريق التواتر.

وهذا أشهر حديث "إنما الأعمال بالنيات" حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، ولم يدون إلا عن صحابي واحد هو عمر بن الخطاب، ولم يصح عن التابعين إلا من طريق علقمة، ولا عمن بعدهم إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عمن بعدهم إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري! ورغم هذا التفرد في طبقاته الأولى، تلقته الأمة بالقبول والتصديق وجعلته أصلا من أصول الدين.
وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة كانت أمام أكثر من مائة ألف، ومع ذلك لم يصلنا كثير من تفاصيلها إلا من طرق محدودة، ولم يقل أحد ببطلانها لذلك.

وإذا كان هذا موجودا في حياة الناس اليوم، إذ يشتهر خبر ما في بلد، ولا يصل إلى غيرهم إلا بطريق الآحاد، من غير أن يقدح ذلك في ثبوته ووقوعه، فالعادة لا تمنع نقل الواقعة المشتهرة إلى الأمة عن طريق الآحاد. فإذا كان هذا غير ممتنع عقلا ولا عادة، فكيف ينكر؟!

ولو كان ثبوت الخبر متوقفا على نقله متواترا إذا أُلقي في جمع كبير، للزم رد كل خبر كان كذلك، لكنه لم يرد.

والمعهود في طبائع البشر أن يلقي الحاكم خطابا أمام الآلاف، ثم لا ينقله للأجيال موثقا إلا صحفي واحد، ويقبل من غير ان يطعن فيه.

الوجه الثاني: الحديث لم تنفرد به فاطمة بنت قيس، بل جاء أيضا عن أبي هريرة وعائشة وجابر وتميم، قال الحافظ ابن حجر: (وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر)
وكون البخاري لم يخرجه قي صحيحه لا يدل على عدم ثبوته؛ لأن البخاري لم يتعهد بإخراج كل ما كان صحيحا، ويكفي أن مسلما أخرجه في الصحيح ...

​وأما عن وجود الدجال وكونه حيا إلى أن يأذن الله له بالخروج وهو في جزيرة، فهذا مما خرج عن العادة الجارية، وهو آية من آيات الله سبحانه؛ فلا تورد هنا أسئلة الاستبعاد العادي نحو: كيف يكون حيا؟ وكيف يأكل؟ وكيف لم تكتشف الجزيرة التي يعيش فيها؟ فهذه الأسئلة لا مدخل لها ههنا؛ لأن وجوده وحياته وخروجه في آخر الزمان حالة خاصة خارقة للمعتاد، متعلقة بقدرة الله تعالى وحكمته وإرادته.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق