أطلعني أحد الإخوة على مقال بعنوان: "كلمات كبار علماء الدعوة السلفية حول الإنكار العلني على الحاكم". وقد ختم كاتبه – هداني الله وإياه إلى تحقيق السنة واتباعها – بقوله: "أما المنع المطلق من الإنكار العلني وفي كل الأحوال! فهو حصانة سلطانية غير شرعية."
وهذه دعوى خطيرة، ولا أدري عمَّن يتحدث؛ إذ لا أعلم أحدًا من أهل العلم يمنع الإنكار العلني مطلقًا وفي جميع الأحوال، بل الذي قرره أهل العلم هو مشروعية صور متعددة من الإنكار، منها: الإنكار سرًّا، والإنكار أمام الحاكم، والإنكار على فعله في حضوره، والإنكار على المنكر في غيبته من غير تعيين فاعله.
وإنما منعوا صورة واحدة بعينها، وهي: تسمية الحاكم بشخصه والطعن فيه علنًا في غيبته.
وهذه الصورة جاءت الشريعة بمنعها، لا لأنها علة تامة مستقلة تستلزم المفسدة في كل فرد من أفرادها، بل لأنها سبب مهيئ إلى مفاسد راجحة، ومن أعظم تلك المفاسد إضعاف أصل السمع والطاعة،
ولما كان الإفضاء في هذه الصورة غالبًا سدت الشريعة هذا الباب اعتبارًا بالغالب، ولم تلتفت إلى الصور النادرة؛ إذ لو رُوعي النادر من الأحوال لتعذر ضبط الباب وانفتح لكل مدّعٍ مصلحة يتوهمها.
وهذا الباب في أصله يرجع إلى أصل قطعي عند أهل السنة، وهو لزوم السمع والطاعة، وترك الخروج على الأئمة؛
لكن ينبغي التنبه إلى أن منع هذه الصورة بعينها ليس هو ذلك الأصل القطعي بذاته، وإنما هو تنزيل له عبر قاعدة منع الشريعة لما يفضي غالبا:
فهذه الصورة ذريعة ظاهرة وقوية إلى إثارة الفتنة، وإضعاف هيبة الولاية، ونشر الطعن والتباغض بين الناس، مما يفتح باب الإخلال بذلك الأصل غالبًا.
وليس المقصود أن كل طعن علني حال غيبته يستلزم خروجًا مسلحًا، وإنما المقصود أنه سبب مهيئ لذلك عند اجتماع بقية أسبابه..
ومن ثم فإن تصوير هذا القول على أنه منع مطلق للإنكار في جميع الأحوال هو تشويه لمحل النزاع، فكيف إذا بُني عليه وصف المخالفين بأنهم يمنحون الحاكم "حصانة سلطانية"؟!
لا شك أنه بغي وتعد من غير تحرير ولا تحقيق علمي!! وأقرب لمغالطة استدرار العاطفة
ومن الدعاوى التي تحتاج إلى تحقيق قوله في المقال: "تجويز كثير من السلف للإنكار العلني على الحاكم لا يعني جواز الخروج عليه بالسلاح."
وهذا النفي لا يُستغرب ممن لم يميز بين العلة التامة المستقلة وبين السبب المهيئ .
فلا أحد يدعي أن الإنكار العلني بمجرده علة تامة تستلزم وقوع الخروج المسلح وفي كل حال، إذ هذا باطل.
وإنما الكلام في كونه سببًا يهيئ للخروج إذا انضمت إليه بقية أسبابه، ويعبر عنه العلماء بعبارات كنحو يفضي إلى... ويجر إلى... ويفتح الباب... ويكون ذريعة إلى...
والأعجب أن الكاتب أورد كلام ثلاثة من أئمة العصر، ومع ذلك لم يأت بنص واحد صريح عن أحد منهم يجيز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته، أو نص على أن هذه الصورة يجوز استثناؤها إذا رجحت المصلحة، أو يقرر جوازها إذا لم يمكن إزالة المنكر إلا بها.
أولًا: كلام الشيخ الألباني رحمه الله
استدل بقوله: "إذا الحاكم خالف الشريعة علنًا؛ فالإنكار عليه علنًا لا مخالفة للشرع."
وهذا نص مجمل، ولم يحرر فيه محل النزاع: هل المراد إنكار المنكر نفسه، او الإنكار على الحاكم علنا في حضوره أو المراد تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه؟
فأين النص الصريح الذي يقرر أن الشيخ يجيز تسمية الحاكم وذمه علنًا؟ لا يوجد.
وأما استدلاله بكلام الشيخ في مسألة حرب الخليج، فالسياق إنما كان في مطالبة العلماء ببيان الحكم الشرعي وعدم الإفتاء بخلاف ما يعتقدونه مراعاةً لموقف الدولة على حسب ما يراه الشيخ في تلك النازلة
وهذا من باب بيان الحكم الشرعي في النوازل العامة، وليس فيه تسمية الحكام بأعيانهم ولا الطعن فيهم علنًا.
ثانيًا: كلام الشيخ ابن باز رحمه الله
النص الذي نقله الكاتب عام، وهو قول الشيخ: "الأصل أن المنكر يتحرى ما هو الأصلح. إلخ" وهذا كلام في اختيار أسلوب الإنكار بحسب المصلحة، سواء كان سرًّا أو جهرًا، مع عموم الناس.
أما كلامه الخاص بالحاكم فهو قوله: "فإذا كان جهره بالنصيحة في موضع يفوت الأمر فيه، مثل قصة أبي سعيد، والرجل الذي أنكر على مروان إخراج المنبر وتقديم الصلاة، فهذا لا بأس به." وهذا صريح في الإنكار على الحاكم أمام حضوره، وهو محل اتفاق، وليس فيه تصريح بجواز تسميته والطعن فيه علنًا في غيبته.
بل قد سئل الشيخ ابن باز صراحة: هل من منهج السلف نقد الولاة من فوق المنابر؟ وما منهجهم في نصح الولاة؟ فأجاب: "ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير."
ثم قال: "أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل، فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، فذلك واجب لعموم الأدلة... ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها، لا حاكمًا ولا غير حاكم."
فكيف يُترك هذا النص الصريح في محل النزاع، ثم يُستدل بكلام عام لا دلالة فيه عليه؟
ثم يزيد الكاتب من عنده جملة اعتراضية فيقول: "والشيخ ابن باز له فتاوى منشورة أنكر فيها على الولاة علانية وسمى بعضهم باسمه."
وهذا الإطلاق غير دقيق؛ لأن ما استدل به في الجملة إما مراسلات خاصة بينه وبين أولئك الولاة نُشرت بعد ذلك، وإما كلام فيمن ثبت عند الشيخ كفره وانتفاء ولايته الشرعية، ونحو ذلك مما نرجعه إلى محكم قوله، فلا يصح الاحتجاج به في محل النزاع.
ثالثًا: كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله
استدل بقوله: "فإذا رأينا أن الإنكار علنًا يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علنًا."
وهذا من أوضح أمثلة الخلط؛ فإن كلام الشيخ كله يدور حول الموازنة بين المصلحة والمفسدة في الإنكار على المنكر، وليس فيه تصريح بجواز تسمية الحاكم المسلم بعينه وذمه أو الطعن فيه علنًا في غيبته.
بل إن الشيخ نفسه يقول في لقغء الباب المفتوح: "وهناك فرق بين كون الأمير حاضرًا أو غائبًا؛ فالفرق أنه إذا كان حاضرًا أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيبًا ونحن مخطئون، لكن إذا كان غائبًا وبدأنا نفصل الثوب عليه على ما نريد، فهذا هو الذي فيه الخطورة، والذي ورد عن السلف كله مقابلة الأمير أو الحاكم. ومعلوم أن الإنسان لو وقف يتكلم في واحد من الناس - فضلًا عن ولاة الأمور - في غيبته لقيل: هذه غيبة، إذا كان فيك خير فاذهب إليه وانصحه."
وهذا نص ظاهر في التفريق بين الإنكار على الحاكم في حضوره وبين ذكره والطعن فيه في غيبته.
فتبين أن جميع النقول التي استدل بها الكاتب خارجة عن الصورة لتي منعها السلف؛ لأنها تدور بين الإنكار على المنكر، أو الإنكار في حضور الحاكم، أو بيان الحكم الشرعي، ولا واحد منها نص في جواز تسمية الحاكم بعينه والطعن فيه علنًا في غيبته.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف، وأن يوفقنا لاتباع السنة، وأن يجنبنا الزلل في الفهم والاستدلال.
كتبه ناصحًا
د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق