الأحد، 5 يوليو 2026

لماذا عبد مشركو العرب هبل واللات ومناة بعينها؟

 

تقدم معنا بالدليل القطعي أن المشركين لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالخلق والرزق والملك والتدبير, ولم يثبتوا لها  قدرة كونية عامة مستقلة, ولا قدرة جزئية غيبية مستقلة
كما تقدم أن مناط الحكم بالشرك: هو الفعل التعبدي كالسجود الموجه لغير الله.

فإن قيل: إن هذا التقرير لا يفسر سبب اختيار حجر بعينه دون غيره، فلماذا خُصَّ هذا الحجر، كهُبل أو اللات أو مناة، بالعبادة ؟

قيل: إن رجاء الزلفى باتخاذ الوسائط في العبادة أو طلب الشفاعة مباشرة من الميت
إنما هو أثر لمقدمة اعتقادية سابقة؛ إذ لا يقع تخصيص شيء بالتعظيم إلا لمرجح يقتضي هذا التخصيص, وقد أحال القرآن نفسه على أصل هذا التخصيص, فقال تعالى حاكيا عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23], فالأصنام التي جعلت على صورة ود وسواع ويغوث ويعوق, عبدت على أنها تماثيل رجال صالحين تحل أرواحهم فيها, أو ترتبط بها ارتباطا خاصا, ومن هنا نشأ رجاء الشفاعة.

فإن قيل: لا يُتصور رجاء الزلفى من حجر أو صالح إلا مع اعتقاد سابق فيه بنوع من التأثير، ولو لم يبلغ حد الاستقلال.

قيل: هذا مسلم, فإن رجاء الزلفى والشفاعة لا يتصور إلا مع اعتقاد خاص في ذلك الوسيط يقتضي تخصيصه إلا أن هذا الاعتقاد بهذا القدر جزء لا ينفك عن وجود الفعل نفسه في الخارج؛ إذ لا يتصور دعاء موجه إلى جماد أو ميت, إلا مع ظن نوع تأثير فيه غير مستقل عن الله، لكن يجب التمييز بين كون الاعتقاد شرطًا في وجود الفعل في الخارج، وكونه شرطًا لإجراء الحكم على الفاعل، ولا تلازم بين الأمرين...

وإذا تبين هذا ظهر وجه تقرير أهل السنة في هذه المسألة؛ فإن الذي عليه تحقيقهم أن الاعتقاد جزء لا ينفك عن وجود الفعل، إلا أن الحكم الشرعي بالشرك يكتفى فيه بالفعل التعبدي الظاهر؛ لأن الشارع علق الحكم على وجود هذا الفعل، كالسجود، وهو في نفسه مستلزم لكفر الباطن. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (14/ 120): ( وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن )

فالفعل التعبدي الظاهر، كالسجود لغير الله، هو نفسه مناط الحكم بالشرك شرعًا؛ إذ علق الشارع حكم الشرك على هذا الجنس من الأفعال، وجعله مناطًا ظاهرًا للحكم، فلا يفتقر في إجرائه إلى إقامة الدليل على الاعتقاد الباطن، وإن كان الفعل في نفسه لا يوجد إلا مستلزمًا له.

وعليه فالزلفى والشفاعة هما الدافع والباعث على الفعل, لكنهما قائمان على اعتقاد باطل في الوسيط جعله في نظرهم محلا للتقرب, ومع ذلك فإن القرآن نفسه مع وصفه آلهتهم بأنها لا تملك شيئا لم يعلق الحكم بالشرك على مجرد ذلك الاعتقاد, وإنما علقه على العبادة المصروفة إليهم.
وهذا تحقيق هذه المسألة..

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق