نقول لمن يتهمنا بالإرجاء:
محل البحث في المنشورات السابقة هو تمييز الفعل العبادي عن مجرد صورته الظاهرة عند الاشتباه، لا نفي كون أعمال الجوارح عبادة، ولا إرجاع العبادة إلى مجرد أعمال القلوب.
فعندما يقول الأشعري: إن صورة سجود الملائكة لآدم هي نفس صورة سجود الرجل لله، وهي نفس صورة السجود عند القبور؛ فكيف تكون الصورة واحدة، ثم يكون بعضها جائزًا في شريعة، وبعضها عبادةً، وصرفها لغير الله شركًا في شريعة أخرى؟
فهذه هي الشبهة التي تعلّق بها الأشاعرة والمتصوفة، ومن تأثر بهم، في نفي وصف الفعل الظاهر بالعبادة، إلا إذا انضم إليه اعتقاد مخصوص في القلب.
ومن هنا جاء التفريق الذي قررناه في المنشورات السابقة؛ لضبط هذا الباب، وقطع الطريق على هذه الشبهة. فالفارق بين الصورتين ليس نية باطنة نفتش عنها، ونشترط التصريح بها للمناط العبادي، وإنما قرينة ظاهرة مقترنة بالفعل، تصرفه إلى معنى دون آخر
فليس كل صورة دعاء، أو سجود، أو ذبح، تكون بمجرد صورتها عبادة شرعية؛ إذ النصوص نفسها دلت على وجود صور تتحد في الظاهر، وتختلف في الحكم باختلاف متعلقها وسياقها.
فالملائكة سجدوا لآدم، وإخوة يوسف سجدوا له، ولم يكن ذلك عبادة له، مع اتحاد الصورة الظاهرة. فدل ذلك على أن مجرد الصورة لا يكفي في جميع المواضع لإثبات حقيقة العبادة.
ومع ذلك، فلم نُرجع العبادة إلى أمور قلبية محضة، ولم نجعل القصد الباطن منشئًا للعبادة، ولا شرطًا في تحققها كما يقول المرجئة، وإنما جعلنا القرينة الظاهرة الملازمة للفعل هي التي تحدد نوعه عند احتمال الصورة لأكثر من معنى، وتكشف عن الجهة التي وقع عليها الفعل.
فنحن لا نعلّق الحكم على أمر خفي في القلب، وإنما على وصف ظاهر يلابس الفعل نفسه.
فسجود الملائكة وإخوة يوسف لم ننف عنه وصف العبادة لعلمنا بما في القلوب، وإنما نفيناه للقرينة الظاهرة التي بينت أنه سجد على جهة التحية والتكريم، لا على جهة التعبد.
وللأسف، ظن بعض من اتهمنا بالإرجاء أننا نشترط أمرًا باطنًا خفيًا حتى نحكم على الفعل بأنه عبادة، بينما الذي نجعله مناط التمييز هو القرينة الظاهرة الملازمة للفعل، وهي أمر يُدرك بالمشاهدة والاستقراء، لا بالتنقيب في القلوب.
وانتبه أن الكلام عند الاشتباه؛ وأما السجود عند القبور في واقع المسلمين، فالأصل حمله على جهة التعبد والتقرب؛ لأن هذا هو الظاهر المتبادر من وقوعه في هذا الموطن، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بقرينة صارفة معتبرة، لا بمجرد احتمال عقلي بعيد.
وعلى هذا الأصل نفسه يُحمل الكلام في الدعاء والسجود جميعًا: فلم نجعل الدعاء من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين الدعاء اللغوي ودعاء العبادة، وهذا تفريق دل عليه استعمال الشرع نفسه؛ إذ استُعمل لفظ الدعاء في أكثر من معنى، فلا يصح إبطال هذا التفصيل لمجرد الاشتراك اللفظي.
وكذلك لم نجعل السجود من الأفعال المحتملة بإطلاق، وإنما فرقنا بين صوره بحسب القرائن التي صاحبتها، كما دلت عليه النصوص الشرعية المذكورة آنفًا.
د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق