السبت، 3 أكتوبر 2026

سجن الدعاة نقض دعوى مساواة العقوبة التعزيرية المشروعة باستباحة الدماء زعم بعضهم أن الدواعش يستبيحون دم المسلم وعرضه وماله بدعوى التكفير، وأن من يسميهم بالجامية والمداخلة يفعلون الشيء نفسه بدعوى التبديع. !!!

 سجن الدعاة

نقض دعوى مساواة العقوبة التعزيرية المشروعة باستباحة الدماء 


زعم بعضهم أن الدواعش يستبيحون دم المسلم وعرضه وماله بدعوى التكفير، وأن من يسميهم بالجامية والمداخلة يفعلون الشيء نفسه بدعوى التبديع. !!! 


ولنضع هذا الكلام على ميزان التحقيق الشرعي والعقلي؛ ليتبين تهافته ويظهر بطلانه: 


اعتمد في الشبهة الأولى للتدليل على كلامه على قياس اقتراني: ويمكن صياغتها:

- المقدمة الصغرى: الجامية يحكمون على المخالف بالبدعة فيستبيحون دمه وعرضه وماله.

- المقدمة الكبرى: كل من استباح دم المسلم المعصوم بالحكم على المخالف بالبدعة فهو كالدواعش والخوارج

- النتيجة: الجامية والدواعش وجهان لعملة واحدة. 


وتفنيدها: 


1.الخلل كما تلاحظ هو في أصل الدعوى وهو الانتقال من ثبوت التبديع إلى دعوى استباحة الدم والعرض والمال، من غير إثبات الملازمة بين الأمرين

ولذا نمنع ابمقدمة الصغرى وهي أن الحكم بالتبديع يساوي استباحة الدم، فالتبديع حكم علمي لا يستلزم استباحة الدم والعرض والمال؛ ذلك أن المبتدع مسلم معصوم الدم ما لم يرتكب جناية توجب العقوبة. 

والعقوبة التعزيرية اي تكلمت عنهم حول سجن الدعاة  مقيدة بتحقق الموجب كبدعة يظهر أثرها المتعدي في الإفساد أو التحريض أو الإخلال بالأمن عند ثبوت موجب العقوبة شرعا، وبعد قيام الحجة، وتصدر عن الجهة صاحبة الولاية المختصة وفق الضوابط الشرعية والقضائية المعتبرة

فالعقوبة التعزيرية ليست أثرا لازما لمجرد وصف الشخص بالبدعة، وإنما تكون عند ثبوت موجب معتبر شرعا، وهذا ضد الاستباحة، لأن الاستباحة إطلاق للعدوان بغير حق، أما التعزير فعقوبة شرعية منضبطة بموجبها وولايتها وإجراءاتها ومقاصدها. 


(يكذب من يسوي بين الحكم بالتبديع واستباحة الدماء بمجرد الحكم بالتبديع

فالحكم على الشخص بالبدعة لا يستلزم الحكم باستخقاقه لعقوبة معينة، والحكم باستحقاقه لعقوبة معينة لا يساوي استباحة دمه أو ماله أو عرضه بغير حق.) 


2. فساد الجامع بين الفرع والأصل، فالداعشي يقتل بلا ولاية شرعية معتبرة ولا قضاء معتبر ولا نظر في المفاسد، وأما التعزير المشروع فلا يكون بمجرد مبادرة الأفراد، وإنما مرده إلى ولاية معتبرة، ويثبت بموجب شرعي معتبر، وتراعى فيه الضوابط القضائية والمصالح الشرعية. 

فالتسوية بين القتل العدواني الواقع بغير حق وبين العقوبة الشرعية التي توقعها الجهة المختصة بموجب معتبر وضوابط شرعية: قياس ظاهر الفساد 


وأما مناط حديث«يقتلون أهل الإسلام» فهو القتل بغير حق بناء على التكفير والخروج بالسيف، ولا يدخل فيه من يقرر حرمة الدماء ويجيز العقوبة بحق، ومجرد اشتراك العقوبتين في وقوع الأذى على البدن لا يجعلهما من جنس واحد؛ وإلا لزم التسوية بين العقوبة القضائية المشروعة وبين القتل العدواني، وهو باطل 


واعتمد في الشبهة الثانية على صورة قياس شرطي متصل، ويمكن صياغته:

المقدمة الأولى: إذا صار كل من أنكر ظلم الحاكم خارجيا، وكل من خالفهم في مسألة مبتدعا، وكل مبتدع مستحقا للعقوبة، اكتملت حلقة تبرير الظلم والاستبداد.

المقدمة الثانية: وهذا هو مذهب الجامية

النتيجة: فمذهبهم غطاء شرعي لتبرير الظلم وتحويل للتبديع إلى سيف على المخالفين. 


وتفنيدها:

1-منع المقدمة الثانية، فلا يقولون: إن كل منكر على الحاكم: خارجي، ولا إن كل مخالف: مبتدع عينا، ولا إن كل مبتدع عينا: يعاقب، فهذا كذب على الخصوم وتقويل لهم ما لا يقولون!!!

وقد عرف عن هؤلاء المدعين: الكذب والتدليس، فلا يستغرب منهم هذا، بل هذا ما اعتدناه منهم!!! 


وإنما العقوبة مقيدة بالداعي إلى البدعة المفسدة للعقيدة والأمن العام، وبعد قيام الحجة، وبالفعل أو التحريض المحقق، وبالحكم القضائي 


ومن هنا لا يصح إلزامنا بتصحيح سجن الإمام أحمد أو ابن تيمية لمجرد قولنا بجواز التعزير في بعض صور البدع؛ لأن الكلام في أصل مشروعية التعزير بضوابطه، لا في صحة كل واقعة تاريخية نسبت إلى التعزير، ولا في مشروعية كل حبس وقع باسم حماية العقيدة. 


2-فساد الملازمة، فلو سلمنا جدلا بتحقق الشرط والمقدمة الثانية، فالتلازم بين العقوبة على البدعة وبين تبرير الظلم غير لازم؛ إذ العقوبة على المبتدع المفسد مشروعة إذا وقعت بضوابطها، والظلم ما خرج عنها. فمن أثبت جواز التعزير بضوابطه لم يبرر الظلم، بل ضيق بابه، وإنما يكون تبريرا إذا أطلق الحكم بلا قيد أو أنزله بلا بينة. 


أما شبهة تحويل السمع والطاعة والتبديع إلى أداة لتبرير الاستبداد

​ففيها مغالطتان: تشويه أصل السمع والطاعة وجعله حماية للفساد، وتقويل الخصم ما لم يقل. 

والجواب:

١-وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية ثابت بالنصوص القطعية من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وليس خطة سياسية لحماية حاكم بعينه، فالشرع لم يربط الطاعة بكمال في الحاكم المسلم، وإنما أمر بها لحفظ جماعة المسلمين ودرء الفوضى وسفك الدماء. 


٢-من يقرر حرمة الخروج ويضبط الإنكار بالضوابط الشرعية لا يحمي الاستبداد، فالنصيحة مشروعة، وإنكار المنكر ثابت في الشريعة، وله ضوابطه وطرقه الشرعية

والخطاب الشرعي المنضبط لا يجعل التبديع سببا لاستباحة الدماء، كما لا يجعل السمع والطاعة ذريعة إلى إقرار الظلم؛ وإنما يضع لكل باب أحكامه وضوابطه ومناطاته. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق