الجمعة، 2 أكتوبر 2026

(سجن الدعاة واضطهادهم!!)

 

سمعت مقطعا لأحمد السيد يتكلم فيه عن مشابهة عصرنا للعصر الذي بعث فيه موسى عليه السلام، من جهة طغيان الحاكم واستبداده، ومن جهة اضطهاد من سماهم أهل الحق من الدعاة.

ولنا وقفة مع من وصفهم بأهل الحق ممن هم في السجون.

أولا: قرر ابن تيمية وغيره أن الداعي إلى البدعة ومن ثبتت مخالفته الشرعية الموجبة للتعزير فإنه يستحق العقوبة بعد قيام الحجة، وتحقق موجبها
وقرر العلماء في السياسة الشرعية أن الجنايات التي تضر بالمجتمع والنظام العام يعاقب فاعلها تعزيرا وتأديبا بالحبس وغيره، بقدر ما يتحقق به الزجر ودرء الفساد وبما يتناسب مع الجرم، على أن يكون التعزير مبنيا على فعل ثابت أو تحريض محقق، لا على مجرد التهمة.

ثانيا: لقد كان لبعض منظري التيارين القطبي والسروري دور بارز في زعزعة استقرار المجتمعات الإسلامية، بسبب ما بثوه من فكر تكفيري، وتأليب للشباب ضد الحكومات، وإذكاء للنزاعات السياسية والاجتماعية.

فمن ثبت في حقه تبني هذه الأفكار أو الدعوة إليها، أو التحريض على العنف والاعتداء، أو المشاركة في أعمال تضر بالامن وحقوق الناس، فللجهات المختصة اتخاذ الإجراءات الشرعية والقانونية بحقه، بما في ذلك المحاكمة والعقوبة المناسبة اذا ثبت موجبها، وبما يحقق حفظ الامن والاستقرار.

ثالثا: لا تعارض بين هذا الطرح وموقف ابن تيمية حين عفا عن خصومه، كالقاضي ابن مخلوف وغيره ممن سعوا في حبسه وأفتوا بقتله، رافضا طلب السلطان الناصر محمد بن قلاوون الانتقام منهم؛ لأن ابن تيمية عفا عن حقه الشخصي.

وأما ما يمس أمن المجتمع وعقائد الناس واستقرارهم، فهو حق عام متعلق بحفظ بيضة المسلمين وأمنهم، لا يسقطه عفو الأفراد.

رابعا: تنزيل حالة موسى مع فرعون على واقعنا المعاصر هو من تأثير الفكر القطبي السروري على أحمد السيد، ويعد قياسا مع الفارق؛ إذ لا يصح بناء القياس على مجرد وجود الظلم في الحالتين، دون النظر إلى اختلاف الظروف والأحكام والملابسات،

ولا يصح أيضا نقل الأحكام المتعلقة بمواجهة فرعون مباشرة إلى التعامل مع حاكم مسلم بمجرد وجود ظلم أو استبداد،

فالشريعة جاءت بأحكام مخصوصة في التعامل مع ولاة أمور المسلمين، من النصيحة والإنكار بالضوابط الشرعية، والصبر على الجور، وتحريم الخروج الذي يفضي إلى الفتنة والفساد.

ومن أوجه الفرق بين الواقعين:

1. حكام المسلمين الذين ثبت إسلامهم واستقر حكمهم يقرون بالإسلام، وتقام في دولهم الصلاة وشعائر الإسلام ويتحقق فيها الأمان، أما فرعون فكافر أصلي ادعى الربوبية، ولا تقام في دولته شعائر الدين الذي جاء به موسى.

2. حكام المسلمين لهم أصل عقد الولاية الشرعية، أما فرعون فلا ولاية له أصلا على بني إسرائيل.

3. الرعية والمجتمع تحت ولاية حكام المسلمين مسلمون يقيمون شعائر دينهم، أما بنو إسرائيل تحت حكم فرعون فقد كانوا مستضعفين.

4. الواجب نحو حكام المسلمين الصبر والنصيحة وتحريم الخروج، أما الواجب نحو فرعون فالمفاصلة التامة.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 1 أكتوبر 2026

تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار

 تعقيب على دعاوى #التناقض_في_السلفية_المعاصرة التي ادعاها د. #حاتم_العوني 

بقلم: د. #أحمد_محمد_الصادق_النجار 


1. دعوى: يناقض السلفيون أنفسهم حين يعتذرون للنووي وابن حجر وامثالهما بغلبة البيئة #الأشعرية في عصريهما، وهو اعتراف منهم بانتشارها، ثم ينكرون أن الاشاعرة هم أغلب الأمة. 


التعقيب: لا تعارض بين الأمرين؛ فغلبة المنهج التأويلي في بيئة زمانية أو مكانية متأخرة لا تعني غلبته على مجموع تاريخ الأمة ولا على القرون الفاضلة الأولى، والاستدلال بغلبة المذهب في عصر أو مصر مخصوص على مشروعيته أو غلبته المطلقة استدلال بالخاص على العام، وهو استدلال باطل عقلا ومنطقا. 


2. دعوى: يحتج السلفيون بأقوال أئمة الأشاعرة، وفي الوقت ذاته ينفون إحاطتهم بحقيقة التوحيد. 


التعقيب:الاحتجاج بنصوص فقهائهم في إنكار التوسل البدعي والشركيات هو من باب إقامة الحجة عليهم بلوازم مذهبهم ومقررات فقهائهم، أما نفي إدراكهم لحقيقة التوحيد، فإنما يتوجه إلى ما قررته متون علم الكلام التي قصرت حقيقة التوحيد على نفي التعدد والتركيب والشرك في الربوبية دون توحيد الإلهية والعبادة. 

كما أن الاحتجاج بالعالم في مجاله كالحديث أو الفقه أو التفسير لا يقتضي تصويبه في كل مسألة عقدية، فلا يلزم من ذلك تناقض؛ لاختلاف جهة الاحتجاج. 


3. دعوى: يذم السلفيون علم الكلام ويحرمونه، بينما يستعملون الأدلة العقلية. 


التعقيب:ذم السلف لعلم الكلام متجه إلى المناهج المبتدعة القائمة على القواعد الفلسفية الفاسدة وتقديمها على النصوص الشرعية وتأويلها، أما الاستدلال العقلي الصحيح، واستعمال القياس المنطقي المستقيم، والاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية الفطرية، فليس من الكلام المذموم في شيء، وإنما هو من صميم المنهج الشرعي. 


4. دعوى: ينقل السلفيون نصوص السلف في النهي عن الجدال والخصومات، ويمارسون المناظرة والردود. 


التعقيب: النهي عن الجدال منصرف إلى المماراة العبثية والجدال بالباطل، ومقصوده حماية العامة من الشبهات ، أما المجادلة بالتي هي أحسن ومناظرة أهل الأهواء لدحض شبهاتهم عند ظهورها وانتشارها، فذلك واجب شرعي على الكفاية لحفظ بيضة الدين، اقتداء بمناظرة عبد الله بن عباس للخوارج ومناظرات أئمة السنة لمنكري الصفات. 


5. دعوى: ينسب السلفيون موافقة بعض كبار المحدثين للأشاعرة إلى الجهل بالسنة. 


التعقيب: الإمامة في رواية الحديث ونقده لا تستلزم العصمة من التأثر بالمسالك التأويلية السائدة في العصر، فالقصور هنا ليس في معرفة الرواية والحديث النبوي مجردا، وإنما في إدراك لوازم المنهج السلفي التفصيلي في نصوص الصفات ومفارقة التأويلات الكلامية التي راجت عند المتأخرين. 


6. دعوى: يذم السلفيون الفلسفة ويحرمون الاشتغال بها، بينما يمتدحون استبحار ابن تيمية فيها وتفوقه على أربابها. 


التعقيب: الثناء على علم ابن تيمية بالفلسفة هو ثناء على قدرته الفائقة على نقضها وتفكيك أصولها من داخل منظومتها، وبالاستفادة من مصطلحات أصحابها، لا إقرار بمنهجها ولا حث على اتخاذها مصدرا للمعرفة؛ فتعلم الباطل لغرض نقضه وإبطاله يباين ممارسته والاعتقاد به. 


7. دعوى: يذم السلفيون التصوف بإطلاق، وينقلون في الوقت نفسه ثناء ابن تيمية عليه. 


التعقيب: الموقف السلفي مبني على التفصيل لا الإطلاق الموهم؛ فيذم من التصوف ما اقترن بالبدع العقدية والشطحات الفلسفية كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ويُقبل منه ما وافق الكتاب والسنة من حقائق الزهد الشرعي، ومقامات الإحسان، وأعمال القلوب؛ فباختلاف المحل يرتفع الإشكال.

كماأن بعض من أطلق ذم التصوف إنما نظر إلى ما غلب على بعض مراحله المتأخرة من ممارسات ومقولات لا تنسجم مع الزهد الموافق للسنة. 


8. دعوى: يستشهد السلفيون بردود الفلاسفة على المتكلمين، مع أن الأصل والإنصاف يقتضيان تقديم الأقرب إلى السنة كالأشعري على الأبعد كالفيلسوف. 


التعقيب:الاستشهاد برد الفيلسوف على المتكلم يقع في باب الإلزام وتبيين الاضطراب والتناقض الداخلي في المنظومة الكلامية، وإلزام الخصم بما هو معتبر عند أهل فنه، وليس فيه تفضيل للفيلسوف على الأشعري في الدين والاعتقاد؛ إذ الأشاعرة أقرب طوائف المتكلمين إلى السنة في بعض الأبواب، وقبول مقدمة صحيحة أو إلزام عقلي من الفيلسوف لا يستلزم تقديمه في الرتبة على من هو أقرب منه للإسلام. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مشارك بقسم أصول الدين

كلية علوم الشريعة