الجمعة، 29 أبريل 2016

من أوجه الشبه بين غلاة التكفير وغلاة التجريح


من أوجه الشبه بين غلاة التكفير
وغلاة التجريح

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فإن المقصد من إثبات المشابهة بينهما من وجه دون وجه هو: التنفير من الفعل المحدث, وبيان خروجه عن منهج السلف الصالح.
ولا يفهم من إثبات المشابهة من وجه: المطابقة والمماثلة.
وإن من ضلال غلاة التكفير:
1-المسارعة في التكفير, وهذه الخصلة اشترك فيها الخوارج قديما وحديثا.
ومن أمثلة مسارعتهم في التكفير: ما جاء في الكامل في اللغة و الأدب (3/ 206)
أن مولى لبني هاشم جاء إلى نافع، فقال له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: (( كفرت وأحللت بنفسك ))
وقد شابه غلاة التجريح غلاة التكفير في هذه الخصلة.
فتجد جماعة منهم يسارعون إلى التبديع والتحذير من غير بينةٍ شرعية, ولا تحقيقٍ للمناط الشرعي.
2-تنزيل النصوص التي نزلت في الكفار على المسلمين.
فقد جاء في شرح السنة للبغوي (10/ 233): (( وكان ابن عمر يرى الخوارج شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين )).
وقد شابه غلاة التجريح غلاة التكفير في هذه الخصلة.
فتجد جماعة منهم ينزلون نصوص السلف في المبتدعة على أهل السنة ممن يخالفونهم.
3-الطعن في أهل العلم من أهل السنة, ورميهم بالتهم والبدع.
ففي مسند أحمد (2/ 85): (( ...فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس، فخرجت معه، حتى إذا توسطنا عسكرهم، قام ابن الكواء يخطب الناس، فقال: يا حملة القرآن، إن هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله ما يعرفه به، هذا ممن نزل فيه وفي قومه:[ قوم خصمون ] فردوه إلى صاحبه، ولا تواضعوه كتاب الله ...))
وقد شابه غلاة التجريح غلاة التكفير في هذه الخصلة.
فتجد جماعة منهم يطعنون في مشايخ أهل السنة, ويرمونهم بالبدع, ويحذرون منهم ومن دروسهم.
وكل ما ذكرته عن غلاة التجريح يشهد به الواقع, فهو مقطوع به حسا.
وقد انتقل هذا التشابه من تشابه في الأقوال والأفعال من وجه إلى تشابه في الأصل الذي تفرعت منه الأقوال والأفعال, وهو تشابه من وجه دون وجه.
فغلاة التكفير انطلقوا من أصل فاسد, وهو: أنه لا يجتمع في الإنسان إيمان وكفر, وحب وبغض, وموالاة ومعاداة.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/ 353): (( وطوائف " أهل الأهواء " من الخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة كراميهم وغير كراميهم يقولون : إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق ...))
وهذا الأصل الفاسد ترده الأدلة, وليس هذا محل بسطها.
وغلاة التجريح انطلقوا من أصل فاسد, وهو: أنه لا يجتمع في الإنسان سنة وبدعة, وحب وبغض, وموالاة ومعاداة.
قال ابن تيمية في بيان مخالفة هذا الأصل لاتفاق أهل السنة في مجموع الفتاوى (28/ 209): (( وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر, وفجور وطاعة ومعصية, وسنة وبدعة : استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير, واستحق من المعادات والعقاب بحسب ما فيه من الشر, فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة, فيجتمع له من هذا وهذا, كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته .
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه ...))
وأما احتجاج من احتج بأن السلف هجروا أهل البدع, وذموهم.
فليس في هذا نفي أن تجتمع فيهم سنة وبدعة, وأنهم يستحقون الموالاة بقدر ما عندهم من خير, والمعاداة والعقاب بحسب ما عندهم من الشر, وإنما غاية ما يدل عليه صنيع السلف: تقديم مصلحة عقوبتهم وهجرهم وتغليبها على مصلحة عدم عقوبتهم؛ لرجحان المصلحة.
فغُلِّب جانب عقوبتهم على جانب عدم عقوبتهم؛ للمصلحة الراجحة, ولتحقيق مقصد الشارع من العقوبات.
كما أن هناك فرقا في العقوبة بين الداعية وغير الداعية.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/ 205): (( ... وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة : إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون .
فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا ؛ ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية ؛ لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم ))
ومن موالاة المبتدع: الترحم عليه, والصلاة عليه إلا لمصلحة راجحة.
ولا تلازم بين إثبات اجتماع سنة وبدعة في الشخص, واستحقاق المولاة والمعاداة وبين الهجر والقطيعة, وتلقيبه بالمبتدع.
فالبابان مختلفان.
كما أنه لا يلزم من إثبات وجود سنة وبدعة في الشخص أن يكون سنيا مبتدعا, أو أنه لا يخرج أحد من السنة, كما يروجه البعض ممن لا يفقه الكلام على وجهه؛ ذلك أن وجود شعبة من شعب السنة لا يلزم منها أن يكون صاحبها سنيا مع وجود البدعة التي ترفع الاسم.
ومن ذلك: الخوارج الأول, فقد كانوا يثبتون صفات الله سبحانه.
فكانوا على السنة في هذا الباب, لكن لما وجدت فيهم بدعة رفعت الاسم عنهم: كانوا مبتدعة.
وقُل مثل ذلك في المعتزلة الأول.

فهذه بعض الأوجه, ولا خروج منها إلا بالرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح, وفهم كلامهم فهما صحيحا.
ثبتنا الله على السنة.
كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار


الخميس، 28 أبريل 2016

من أوجه الشبه بين الإخوان المسلمين ومن غلا في التجريح




من أوجه الشبه بين الإخوان المسلمين
ومن غلا في التجريح

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فإن المقصد من إثبات المشابهة بين الإخوان ومن غلا من وجه دون وجه هو: التنفير من الفعل المحدث, وبيان خروجه عن منهج السلف الصالح.
ولا يفهم من إثبات المشابهة من وجه: المطابقة والمماثلة.
وإن من بِدَع الإخوان المسلمين: الطاعة للمرشد من غير تردد ولا مراجعة, كما قال حسن البنا في رسائله: ((و نظام الدعوة – في هذه المرحلة – صوفي بحت من الناحية الروحية , وعسكري بحت من الناحية العملية , وشعار هاتين الناحيتين (أمر وطاعة) من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج ))
وقد يخرجونه من الجماعة إذا عارض ولم يمتثل.
وقال عمر التلمساني في ذكريات لا مذكرات (( أنه كان بين يدي حسن البنا كما يكون الميت بين يدي مغسله ) 
وهذا كله ترده الأدلة, كما بينت ذلك في مقالي: ((منهج سمعنا وأطعنا لآحاد العلماء مطلقا))
كما أنهم قد نزلوا مرشدهم منزلة ولي الأمر الذي يطاع في المعروف, وهو منكر.
ولست في صدد الرد عليهم في هذه البدعة المنكرة.
وقد شابه غلاة التجريح الإخوان المسلمين في الطاعة لبعض المشايخ من وجه, وإن لم يكن منهم بيعة للمشايخ, ولا إنزالهم منزلة ولي الأمر.
فتجد جماعة منهم يتعصبون لبعض المشايخ, ولا يرون مخالفتهم, ويطيعونهم في اجتهاداتهم من غير تردد في التحذير والتجريح ونحوهما.
فالقول قولهم, والحجة حجتهم دون غيرهم من مشايخ أهل السنة.
وعلى الطالب أن يتابعهم في آرائهم واجتهاداتهم في المنهج, ولا يخالفهم وإن رأى أن الحجة مع غيرهم, وإلا فسيحذَّر منه, وقد يبدَّع.
وقد قال أحدهم لأخيه: ((إذا سمعت الشيخ فلان يذكر لك الحجج في تحذيره من فلان فإياك أن تخالف؛ لأنك تكون متبعا لهواك))
وقال آخر: ((فلان ليس من أهل العلم ...؛ لأن شيخنا الحافظ ... تكلم فيه ))
وقال آخر: (( وفعلك هذا يبين مدى اتباعك لتوجيهات ونصائح أهل العلم خاصة أكابرهم من غير تردد, تطبيقا لمنهج سمعنا وأطعنا ...))
إلى غير ذلك.
والواقع يشهد بذلك
 فكم تكلموا في مشايخ أهل السنة بدعوى أنهم لا يقرؤون, وأنهم لا يعرفون ما يقع في الساحة, ووو
وذنبهم أنهم خالفوا مشايخهم.
ومن يكابر ويريد أن ينفي واقع ما ذكرت: فليجوز الخلاف بين مشايخ أهل السنة في الحكم على الرجال, ويبطل الإلزام بالتبديع, ولي مقال في التفصيل في هذه المسألة.

وأخيرا : الواجب الحذر من هذه المشابهة, والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح.
وعلى المشايخ المعظَّمين أن يحذروا أتباعهم من هذا, وأن يبينوا لهم أن الحجة  ليست محصورة فيهم دون غيرهم من أهل السنة والجماعة.
وأن من خالفهم في اجتهادهم في الحكم على الرجال؛ لمقتضى الدليل, أو لعدم تحقيق المناط فإنه لا يُثرَّب عليه.

ثبتنا الله على السنة.
كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار


الثلاثاء، 19 أبريل 2016




منشأ غلط من غلا في

التبديع والتكفير -في نظري- من وجوه:




الأول: عدم تحقيق مسائلهذين البابين تحقيقا مبنيا على نصوص الوحيين، وأقوال وصنيع أئمة السلف.الثاني: عدم تحقيقالوصف المناسب المؤثر للتبديع أو التكفير, وهذا من أهم الأمور التي وقع فيها منخالف في هذين البابين.وهو منشأ الغلط الأوللمن ينتسب إلى العلم.الثالث: ربط الحق فيهذين البابين بأشخاص، نزلوهم منزلة العلة التي يدور معها الحكم، فجعلوا الحق والصوابيدور مع هؤلاء وجودا وعدما، فيوجد الحق بموافقه أقوالهم وآرائهم، وينتفيبانتقائها. كما نزلوهم منزلة المعصوم الذي لا يخطئ.الرابع: النظر الىالتبديع او التكفير مجردا عن بابه الذي يرجع إليه وعن قاعدته، فخرجت أقوالهم فيهذين البابين عن قاعدة الباب، ومعناه الكلي.الخامس: الولوج فيالتبديع او التكفير مع جهل بالشريعة، وتحقيق سماحتها ورحمتها، وعدلها, والغفلة عنمقاصدها؛ فحصل لهم بسبب ذلك التجني على الشريعة نفسها.السادس: الاعتناءوالانشغال بإخراج الناس من السنة او الاسلام مع جهل بحقيقة السنة والبدعةوأحكامهما، وجهل بحقيقة الاسلام والكفر وأحكامهما.
هذا ما جال به الخاطرعند التأمل وأدعو طلبة العلم أن يتحروا عند النظر في تحقيق أبواب الدين إلى ما يضاد هذه الوجوه, فيكون تحقيقه مبنيا على نصوص الوحيين, وأقوال السلف الصالح, ويحققالسلف الصالح, ويحققالسلف الصالح, ويحقق الوصف المناسب المؤثر لكل باب؛ حتى يكون تنزيله تنزيلا صحيحا موافقا لمراد الشارع, وأن لا يربط نظره وتحقيقه بالأشحاص, فلا يرى الحق إلا من جهة آحادهم, وليراع في تحقيق أبواب الدين
موافقا لمراد الشارع, وأن لا يربط نظره وتحقيقه بالأشحاص, فلا يرى الحق إلا من جهةآحادهم, وليراع في تحقيق أبواب الدين موافقا لمراد الشارع, وأن لا يربط نظره وتحقيقه بالأشحاص, فلا يرى الحق إلا من جهة

آحادهم, وليراع في تحقيق أبواب الدين مقاصد الشريعة. كتبه أحمد محمد الصادقالنجار

السبت، 16 أبريل 2016

وقفة مع مقطع نشر بتاريخ 2016/04/07 عنون له بـ: العلامة محمد بن هادي "شبهة الإحتجاج بقصة البخاري مع شيخه الذهلي و قياسها على المبتدع والرد عليها"


وقفة مع مقطع نشر بتاريخ 2016/04/07 عنون له بـ: العلامة محمد بن هادي "شبهة الإحتجاج بقصة البخاري مع شيخه الذهلي و قياسها على المبتدع والرد عليها"


الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فقد سألني بعض الإخوة عن رأيي في هذا المقطع الذي نُشِر في موقع سحاب, ففرغت شيئا من وقتي لسماعه, فرأيت فيه عجائب, وإطلاقات لا يسع السكوت عنها؛ لوجود من سيغتر بها من أهل الجهل.
وقبل التعليق على المقطع: أنبه إلى أن إطلاق العالم والعلامة مضبوط بضوابط عند العلماء, ولا يصح إطلاقهما على كل شيخ من مشايخ أهل السنة, وإنما العبرة بانطباق الوصف الذي علقت عليه هذه الألقاب.
والواجب إنزال الناس منازلهم, ولا يقودنا التعصب إلى المبالغة في الثناء والمدح.

والشيخ سليمان الرحيلي لما وصف الشيخ محمد المدخلي قال فيه: ((من طلاب العلم الجبال... ))  في مقطع في اليوتيوب معنون له بـ:" سؤال الشيخ سليمان الرحيلي عن الشيخ إبراهم الرحيلي"


وأما المقطع فقد تضمن سؤالا وُجِّه إلى الشيخ, وإجابة من الشيخ عليه.
السؤال : بعض الناس يحتج بقصة الذهبي مع البخاري ونفور الطلاب عن البخاري بما يحصل اليوم من تحذير بعض العلماء من بعض الدعاة ونفور الطلاب من هؤلاء الدعاة... فما نصيحتكم
هذا ملخص السؤال.
ثم أجاب الشيخ بما ينافي التحقيق في العلم, والتروي.
وسأبين شيئا من أخطاء الشيخ في الجواب؛ لعل الشيخ أن يتنبه, ويتراجع عما أخطأ فيه وأطلق.
أولا: قوله:( هذا السؤال تضمن ثلاث نقاط: الاولى قصة الذهلي مع البخاري ، والذي عليه العلماء ان الذهلي محق والبخاري محق ، هذه واحدة ).
والجواب عن هذا:
قوله "الذي عليه العلماء" هذه الاطلاقات والتهويلات تعددت في كلام الشيخ وأشرطته, وهي ليست من التحقيق في شيء, وتجر إلى الظلم, والتعدي, والافتراء.
وهذا الإطلاق يفيد أن جميع علماء أهل السنة ذكروا أنه الذهلي محق وأن البخاري محق.
وإذا جئنا إلى التحقيق وجدنا أن جماعة من العلماء غلطوا الذهلي في قوله, وفي إنكاره.
أولا: تخطئته في إنكاره على البخاري.
قد ذكر بعض العلماء أن الذي حمله على ذلك الحسد.
جاء في سير أعلام النبلاء (12/ 453): قال الحاكم أبو عبد الله: سمعت محمد بن حامد البزاز قال: سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول: سمعت محمد بن يحيى قال لنا لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه.
فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك، وتكلم فيه ))
وقال أبو أحمد بن عدي
ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور اجتمع الناس عليه، حسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه، واجتماعهم عليه، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق،
فامتحنوه في المجلس.
فلما حضر الناس مجلس البخاري، قام إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه.
فقال الرجل: يا أبا عبد الله، فأعاد عليه القول، فأعرض عنه.
ثم قال في الثالثة، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة.
فشغب الرجل، وشغب الناس، وتفرقوا عنه.
وقعد البخاري في منزله ))
ثانيا: تخطئته فيما نسبه الذهلي إلى البخاري, وتخطئة الذهلي في قوله المنسوب إليه.
الإمام البخاري برئ مما نسبه إليه الذهلي, وهو قول:"لفظي بالقرآن مخلوق".
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (12/ 364): (( وكذلك أيضا افترى بعض الناس على البخاري الإمام صاحب " الصحيح " أنه كان يقول : لفظي بالقرآن مخلوق وجعلوه من " اللفظية " حتى وقع بينه وبين أصحابه : مثل محمد بن يحيى الذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم بسبب ذلك وكان في القضية أهواء وظنون حتى صنف " كتاب خلق الأفعال " ))
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (12/ 457): (( قلت: المسألة هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري، فوقف فيها، فلما وقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة، واستدل لذلك، فهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه، وأخذه بلازم قوله هو وغيره )).

وهنا سؤال: أوجهه للشيخ محمد المدخلي: ما هو قول الذهلي في هذه المسألة؟
الذي نسب إلى الذهلي هو:"لفظي بالقرآن غير مخلوق"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (12/ 207): (( والقول بأن " اللفظ غير مخلوق " نسب إلى محمد بن يحيى الذهلي وأبي حاتم الرازي ..))
وهذا القول قال عنه الطبري في صريح السنة للطبري (26): (( سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه –أي: الإمام أحمد - أنه كان يقول: " من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: هو غير مخلوق، فهو مبتدع ")).
فكيف تطلق القول بأن العلماء قالوا: إنه محق؟!!
لابد من التحقيق والتريث.
ومسألة اللفظ فيها تفصيل, ليس هذا محل ذكره.
وهناك كلام نفيس لابن تيمية في بيان مقصود الإمام أحمد, ومقصود الإمام البخاري.
وقد نصر ابن القيم في مختصر الصواعق قول الإمام البخاري.

ثانيا: قول الشيخ محمد المدخلي: (( وآخر يأتيك ويقول النووي ما هو اشعري وهو من اهل السنة وينكر على من يقول عنه انه اشعري ، ويرميه (بالعظايم) والنووي اهل مذهبه شهدوا عليه بهذا ، السبكي يقول عنه اشعري ، والسخاوي في ترجمته للنووي يقول عنه اشعري ، والذهبي ايضا يقول عنه انه متعصب ؛ يبدّع اهل السنة الذي يخالفونه ، وعلماء السنة كلهم يذكرون هذا ويحذرون من اشعريته ، فأصبح اليوم عندنا إرضاء لبعض الناس ايش ؟ النووي من اهل السنة ، سبحان الله ، أقوال العلماء المعاصرين فيه تدل على اشعريته ))
والجواب: هذا أيضا من إطلاقات الشيخ وتهويلاته, ولست الآن في مقام تحقيق أشعرية النووي وعدم رجوعه إلى السنة, أو تحقيق عدم أشعريته ورجوعه إلى السنة, وإنما سأنقل بعض كلام العلماء الذين يرون أنه من أهل السنة؛ لنقض إطلاقات الشيخ المدخلي.
قال الشيخ العثيمين: (( فالنووي: لا نشك أن الرجل ناصح، وأن له قدم صدق في الإسلام، ويدل لذلك قبول مؤلفاته حتى إنك لا تجد مسجداً من مساجد المسلمين إلا ويقرأ فيه كتاب (رياض الصالحين)
وهذا يدل على القبول، ولا شك أنه ناصح، ولكنه - رحمه الله - أخطأ في تأويل آيات الصفات حيث سلك فيها مسلك المؤولة، فهل نقول: إن الرجل مبتدع؟
نقول: قوله بدعة لكن هو غير مبتدع، لأنه في الحقيقة متأول، والمتأول إذا أخطأ مع اجتهاده فله أجر، فكيف نصفه بأنه مبتدع وننفر الناس منه، والقول غير القائل، فقد يقول الإنسان كلمة الكفر ولا يكفر )). شرح الأربعين النووية (ص: 288)

     وسئل الشيخ عبد المحسن العباد : هل ابن حجر والنووي وأمثالهما من الأئمة يعدون من أئمة أهل السنة والجماعة؟ 

فأجاب: لاشك أنهم من أئمة أهل السنة والجماعة, وأخطاؤهم التي حصلت مغمورة في جنب صوابهم الكثير ...)) موجود المقطع على اليوتيوب بصوته. 
وسئل الشيخ صالح الفوزان ما نصيحتكم:  لمن يبدع الإمامين ابن حجر والنووي؟ فأجاب: (هذا هو المبتدع, أما الإمام ابن حجر والامام النووي إمامان جليلان ...))

ثالثا: قول الشيخ محمد المدخلي: ((واللي يوصيك ان تأخذ العلم عمن لم يبدع الجهم هذا يكون من قبيله ؟ الجهم بن صفوان أجمعت الامة على كفره اذا لم يبدعه انسان اي خير فيه ؟ نفسه لم تطب بالتبديع للجهم الذي كفره العلماء فاذا كانت نفسه لم تطب بالتبديع هذا يؤخذ عنه العلم ؟ (ما الذي ينطوي عليه هذا) السلف يقولون من لم يكفر الجهم فهو كافر ، وهذا نفسه ما طابت بتبديعه وانت تجي تحث الناس على اخذ العلم عنه ؟ ))
والجواب: أن الشيخ محمد يشير هنا إلى الشيخ إبراهيم الرحيلي حفظه الله في مسألة أخذ العلم عمن لم يبدع الجهم, وقد بين الشيخ إبراهيم مراده في كتابه: تأصيل المسائل المستشكلة من جواب السائل", فليرجع إليه.
وأترك الفصل بين الشيخين للقضاء الشرعي في المملكة العربية السعودية.

وأشير إلى أن مسألة الإلزام بالتبديع قد فصلت فيها القول في مقال مستقل, فمن أراد التفصيل فيها فليرجع إليه في مدونتي.

هذا بعض ما أردت بيانه.
وأخيرا: أعيد ما كنت ذكرته سابقا في ردي المعنون له:" موافقة الشيخ عبيد الجابري للأشاعرة في أن صفتي السمع والبصر ذاتيتان"
(وأقول نصحا للأمة: تفاصيل ودقائق باب الاعتقاد لا تؤخذ من هؤلاء المشايخ إلا إذا تابعوا أحدا من أهل العلم؛ للأخطاء التي عندهم في تفاصيل باب الاعتقاد.
وهذا ليس طعنا فيهم, فالعلم أرزاق, ولا يلزم أن يكون الشيخ محيطا بتفاصيل كل علم.)

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 2 أبريل 2016

تأصيل مسألة من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع


تأصيل مسألة
من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فقد ميز الله أهل السنة بالقواعد السلفية الصحيحة, المأخوذة من الكتاب والسنة والإجماع.
ومن شرط استعمال القاعدة الصحيحة أن تكون في محلها, وإلا كان تجنيا على الشريعة.
وقاعدة: "من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع" قاعدة صحيحة إذا استعملت في محلها, ولم تؤخذ بإطلاق.
ومحل هذه القاعدة: المبتدع المتفق على تبديعه, أو من علم أنه مبتدع بعينه ولم يوجد مانع من تبديعه.
فخرج: من لم يُتفق على تبديعه, أو من كان مبتدعا عينا ولم يعلم المتوقف بذلك, أو لم تتحقق عنده الشروط, أو وجدت فيه الموانع.
فرجع الإلزام إلى دليل من أدلة الشرع, وهو: الإجماع, أو إلى من علم بمخالفته الأدلة الشرعية الموجبة لتبديعه عينا مع توفر الشروط وانتفاء الموانع.
مع التنبيه إلى أنه لابد للمعين الذي لم يبدِّع المبتدع المتفق عليه أن يقف على الإجماع, وإلا فإنه يعذر بجهله به.
كما أنه ليس المراد بالعلم أن يعلم أنه وقع في بدعة؛ لأنه قد يقع في بدعة ولا يبدَّع؛ لتخلف الشروط أو وجود الموانع, وإنما لابد أن يعلم أنه مبتدعٌ عينا بالضوابط الشرعية, ولا يوجد مانع من تبديعه.
إذن لا بد في المبتدع من إجماع, أو علمٍ بأنه مبتدع عينا.
ولابد فيمن توقف في تبديع المبتدع من علمٍ بالإجماع, ومن وزال المانع المعتبر في التبديع مع علمه بأنه مبتدع عينا, كالإكراه مثلا.
واستعمال هذه القاعدة في غير محلها دعوة للتقليد المذموم, وإلزام للناس بما ليس بلازم.
وقد تكلمت في مقال مستقل عن "الإلزام بالتبديع", فليرجع إليه.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار
24-6-1437هـ



تأصيل "مسألة ذكر الحسنات والسيئات لمن كان من أهل البدع"

تأصيل  "مسألة
ذكر الحسنات والسيئات
لمن كان من أهل البدع"

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فمن الأحكام الشرعية ما تكون معلَّقة بالمصالح والمفاسد, فيدور حكمها معها وجودا وعدما.
ومسألة ذكر الحسنات والسيئات لمن كان من أهل البدع تابعة للمصالح والمفاسد, فإذا كانت المصالح راجحة في ذكر الحسنات مع السيئات فإنها تذكر, وإذا ترتب على ذكر الحسنات مفاسد راجحة فإنها لا تذكر, وإذا تساوت المصالح والمفاسد, فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فالأحوال ثلاثة:
1-أن يكون في ذكر الحسنات مصلحة راجحة ومفسدة مرجوحة.
2- أن يكون في ذكر الحسنات مفسدة راجحة ومصلحة مرجوحة.
3- أن تتساوى المصالح والمفاسد في ذكر الحسنات مع السيئات.
ولا يصح إيجاب ذكر الحسنات مطلقا, أو تحريم ذكرها مطلقا, وإنما الصواب: التفصيل,
فيختلف الحكم بحسب المقام والمخاطَبين.
فإذ كان المقام:
1-مقام تحذير فليس من المصلحة ذكر الحسنات؛ لأنه سيترتب على ذكرها مفاسد أرجح.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من أقوام من غير ذكر حسنات لهم, كما حذر من رأس الخوارج ذي الخويصرة, وغيره.
وعدم ذكر الحسنات للمبتدع هو من باب العقوبة.
قال رافع بن أشرس: " كان يقال: إن من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه , قال: وأنا أقول: ومن عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه " الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (117)
وهو من العدل؛ لأنه وضع للشيء في موضعه, والذي يناسب التحذير عدم ذكر الحسنات.
ويحقق مصلحة حفظ الدين.
وقد درج على هذا أئمة السلف في تحذيراتهم.
قال ابن المبارك في تهذيب الكمال (21/ 555): ((  لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت؛ فإنه كان يسب السلف )).
وفي ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى في الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (1/ 222): ((قال البخاري: جهمي تركه ابن المبارك والناس, وقال أحمد: قدري معتزلي جهمي كل بلاء فيه, وقال يحيى القطان: كذاب ))
2- مقام ترجمة أو تقييم؛ فهنا المناسب أن يذكر ما له وما عليه.
قال ابن تيمية في أصل التصوف "مجموع الفتاوى" (11/ 17): ((  فطائفة ذمت " الصوفية والتصوف " . وقالوا : إنهم  مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام . وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم . و " الصواب " أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب . ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه . وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ...))
وأيضا يختلف بحسب المخاطَب, فإذا كان المخاطَب معظما لمن يراد تحذيره منه فقد تكون من المصلحة ذكر شيء من حسناته؛ للوصول بذلك إلى قلب هذا المعظِّم؛ حتى يقبل التحذير.
ومن ذلك ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/ 377) لما خاطب الأتباع: ((  والشيخ عدي " - قدس الله روحه - كان من أفاضل عباد الله الصالحين, وأكابر المشايخ المتبعين, وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك, وله في الأمة صيت مشهور ، ولسان صدق مذكور, وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم, كالشيخ الإمام الصالح " أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم " الدمشقي " وكشيخ الإسلام الهكاري " ونحوهما .
وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول " أهل السنة والجماعة ", بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم وأعلى منارهم ، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد, مع أنه لا بد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة ؛ كأحاديث لا تثبت ومقاييس لا تطرد, مع ما يعرفه أهل البصيرة ، وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ...))
فتبين لنا: أن الحكم يختلف بحسب المقام والمخاطَب؛ وذلك راجع لتحقق المصلحة الراجحة وعدمها, فليست هناك قاعدة مستمرة.
قال الشيخ العثيمين في لقاء الباب المفتوح: (( عندما نريد أن نقوِّم الشخص يجب أن نذكر المحاسن والمساوئ؛ لأن هذا هو الميزان العدل، وعندما نحذر من خطأ شخص نذكر الخطأ فقط؛ لأن المقام مقام تحذير، ومقام التحذير ليس من الحكمة أن نذكر المحاسن؛ لأنك إذا ذكرت المحاسن فإن السامع سيبقى متذبذباً، فلكل مقام مقال )).

وأما إذا كان من أهل السنة والفضل فهنا تذكر حسناته.
قال سعيد بن المسيب: (( من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله )) البداية والنهاية (9/ 118)
وقال: (( إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه )). وقال البداية والنهاية (9/ 118)
وقال الشافعي رحمه الله: «لا أعلم أحدا أعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا عليه السلام , ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة , فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل , وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح» الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (79)
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (16/ 285): ((  وإنما يمدح العالم بكثرة ماله من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة، ولعله رجع عنها.
وقد يغفر له باستفراغه الوسع في طلب الحق ولا قوة إلا بالله )).
وأختم بكلام جميل لابن القيم يقول فيه كما في مفتاح دار السعادة (1/ 176): ((  من قواعد الشرع والحكمة أيضا: أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره, ويعفي عنه مالا يعفي عن غيره؛ فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث, بخلاف الماء القليل, فإنه لا يحمل أدنى خبث.
 ومن هذا: قول النبي صلى الله عليه و سلم لعمر: (( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) وهذا هو المانع له صلى الله عليه و سلم من قتل من حس عليه وعلى المسلمين, وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم, ...))
وقال في إعلام الموقعين (3/ 283): (( ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين )).

والحمد لله على التمام
كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار
24-6-1437هـ



الجمعة، 1 أبريل 2016

الرد على المخالف من (حفظ الدين)


الرد على المخالف
من
 (حفظ الدين)

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فإن الله جل وعلا أرسل رسوله لإظهاره دينه وإعلائه, وشرع أمورا وجودية لحفظه وإقامته, وأمورا عدمية لدرء ما يفسده, أو ينقصه.
وهذه الأمور منها ما هو مقاصد, ومنها ما هو وسائل.
ومن الأمور التي يحفظ بها الدين: الرد على المخالف.
والإنكار على المخالف والرد عليه من التعاون على البر والتقوى, وقد أمر الله بالتعاون, قال تعالى: [وتعاونوا على البر والتقوى].
ومن تغيير المنكر, وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير المنكر, قال صلى الله عليه وسلم[من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وهو: أضعف الإيمان ))
ويدخل: تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وقد الله أمر بذلك, قال تعالى: [ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ].
وهو من النصيحة, لا من الغيبة.
ويحقق مقصد الاجتماع على الحق.
وهو من الجهاد في سبيل الله.
عن محمد بن يحيى الذهلي: سمعت يحيى بن معين يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله.
فقلت ليحيى: الرجل ينفق ماله، ويتعب نفسه، ويجاهد، فهذا أفضل منه ! ؟ قال: نعم، بكثير. سير أعلام النبلاء (10/ 518)
وكان يحيى بن يحيى يقول : " الذب عن السنة أفضل من الجهاد " مجموع الفتاوى (4/ 13)
وفيه المحافظة على المسلمين, وتقوية لهم على أعدائهم الكفرة, وهو مقدَّم على قتال الكفرة إذا اقتضت المصلحة.
قال الحميدي – شيخ البخاري-: (( والله لان أغزو هؤلاء الذين يردون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أن أغزو عدتهم من الأتراك )). سير أعلام النبلاء (10/ 619)
وقال ابن هبيرة: (( وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين والحكمة فيه أن في قتالهم حفظ رأس مال الإسلام وفي قتال أهل الشرك طلب الربح وحفظ رأس المال أولى )) فتح الباري لابن حجر (12/ 301)

وحكمه: أنه فرض كفاية.
ونفعه: متعدٍّ, لا قاصر.
قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: (( إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل )).
علق ابن تيمية فقال: ((فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبل الله ودينه ومناهجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء )). مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (5/ 110).
وإذا كان فرض كفاية فمن قام به على وجهه وكان أهلا لذلك فالواجب أن يُمدح ويؤزر ويناصَر؛ لأنه أسقط فرض الكفاية عن غيره.

وهنا أسئلة مهمة, وهي:
1-من المخالف؟
2- متى يكون الرد مشروعا؟
3- من المخاطَب بالرد؟
4-ما هي لغة الرد على المخالف؟
5-ما هي آداب الرد على المخالف؟

س1/من المخالف؟
-المخالف, هو: المسلم الذي خالف أصلا من أصول أهل السنة والجماعة.
فليس المقصود مطلق المخالفة, وإنما هي مخالفة مخصوصة, وليس مدار الكلام عمن خالف فيما يسع فيه الخلاف.
ولا يلزم من المخالفة, أو الرد على المخالف أن يكون المخالف مبتدعا, فقد يكون مبتدعا, وقد يكون سنيا قد أخطأ.
وأما متى يكون الرجل مبتدعا؛ فقد بينتُ ذلك في رسالتي:"تبصير الخلف بضابط الأصول التي من خالفها خرج عن منهج السلف".
والسني إذا خالف أصلا لا يخلو:
1-أن ينتشر خطؤه, فإذا انتشر فلا يلزم النصح قبل الرد؛ لتقديم المصلحة العامة على الخاصة, وإنما يبيَّن الخطأ من غير نصحٍ- إذا ترجحت المصلحة -, ويكون ذلك بعلم وإنصاف وحفظٍ لكرامة السني.
فالسني بشر يخطئ, وقد تخفى عليه الأدلة, وقد لا يوفق إلى الحق.
ومراعاة هذه الأمور من حفظ الشريعة؛ لأن أهل العلم هم نقلة الشريعة، والذين حفظ الله بهم الدين.
ولا يلزم من الرد: التبديع أو الطعن.
2-ألا ينتشر الخطأ, فهنا يناصَح ويبيَّن له, فتراعى المصلحة الخاصة.

س2/متى يكون الرد مشروعا؟
-الرد يكون مشروعا إذا حقق مقصد الشارع, والمقصد الذي يرجع إليه الرد هو: حفظ الدين.
فالرد وسيلة, والوسائل لها أحكام المقاصد.
ولما كان مقصد: حفظ الدين واجبا كان ما توقف عليه حفظ الدين واجبا.
وإذا خرج الراد بالرد عن مقصده تغير حكمه.
والخلاصة: أن الرد يُنْهَى عنها إذا كان ممن لا يقوم بواجبه, أو كانت فيه مفسدة راجحة.
والرد على المخالف يدور على تحقيق المصلحة الراجحة.
والمصلحة هنا: إبقاء الشريعة صافية نقية, كما أنزلها الله سبحانه.
وعليه: فلا ينظر إلى مكانة المردود عليه ومنزلته؛ لأن حفظ الشريعة مقدَّمٌ على مصلحة الشخص.

س3/من المخاطَب بالرد؟
-المخاطَب بالرد, هم: أهل العلم الذين يعرفون أصول أهل السنة وأدلتها, والأقوياء في الحجة, والقادرون على إزالة الشبهة.
فهؤلاء هم الذين تتحقق بهم مصلحة الرد على المخالف.
ولابد من القوة في بيان الحق ورد الباطل مع الإخلاص.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (11/ 234): (( الصدع بالحق عظيم، يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يخذل، فمن قام بهما كاملا، فهو صديق.
ومن ضعف، فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب.
ليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا بالله )).
وأما من كان ضعيفَ العلمِ بالحُجَّةِ ولا يستطيع إزالة الشبهة, وليس عنده قوة فإنه يُنْهَى عن الرد؛ لأنه سيفسد, ويضر المردود عليه, ويضر المسلمين بلا منفعة.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (11/ 82): (( فوالله لولا الحفاظ الأكابر، لخطبت الزنادقة على المنابر )).


س4/ما هي لغة الرد على المخالف؟
-لغة الرد على المخالف يجب أن تكون علمية, بعيدة عن الطعن والسب, فلغة العلم هي لغة الرد؛ لتتحقق المصلحة بها.
وتكون بأصول أهل السنة والجماعة, لا بأصول أهل البدع, والهوى.
وتستعمل فيها الأدلة النقلية والعقلية, وتُرتَّب الحجج ترتيبا واضحا بعد تصوير الخطأ, و على وجهه, وتحرير محله.
وكلما كان القول المخالف أبعد عن أصول أهل السنة كان أيسر في الرد, وإبطال ما يستند عليه من شبه.
وينبغي أن يكون الرد ابتداء متوجها إلى أصول القول؛ لأن الأصول إذا فسدت فسد ما كان فرعا لها, وهو القول نفسه.
وبيان فساد الأصول يكون بـ:
-إفساد مقدمات الأصول, ويكون ذلك بطرق مبسوطة في محالها.

س5/ما هي آداب الرد على المخالف؟
-آداب الرد على المخالف كثيرة, منها:
1- الإخلاص.
2-أن يكون الباعث على الرد: نصرة دين الله, لا نصرة النفس أو من يعظِّم من الأشياخ.
3-العدل والإنصاف.
4-الحكمة.
5-إعمال المصالح والمفاسد.
6-عدم التعدي والبغي.
7-التثبت من القول المخالف ونسبته للمخالِف.
8-إعطاء المخالِف حقه الشرعي, وإنزاله منزلته, فليس من كان مجتهدا كمن كان مكابرا معاندا, وهكذا.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار

23-6-2437هـ