الجمعة، 19 يوليو 2024

حديث الجارية أين الله؟

 

ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ, فقد ورد بلفظ "أين الله" فكان جوابها "في السماء", وورد بلفظ "أين ربك" فأشارت إلى السماء, وورد بلفظ" أفتشهدين أ ن لا إله إلا الله فأجابت :نعم"

وهذه الروايات أخرجها أحمد في مسنده وغيره, 

فرواية «أين الله؟» فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة في المسند (13/ 285) ح ,7906

ورواية «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم, في المسند (25/ 19) –ح 15743

ورواية «أين الله؟» فقالت: في السماء. في المسند (39/ 176) ح 23762

والمعنى متقارب, ويمكن فيها الجمع والترجيح, وبذلك تنتفي دعوى الاضطراب.

أما الرواية التي أثبتها مسلم في صحيحه, فبلفظ فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء. صحيح مسلم (1/ 381)

فهي من رواية هلال بن أبي ميمونة وقد احتج به البخاري ومسلم وقد وثقه غير واحد من الأئمة.

وهذه الرواية ثبوتها قطعي؛ إذ لم يتعقبها أحد من أئمة أهل الحديث, ومنهم الحفاظ النقاد, فهي رواية تلقتها الأمة بالقبول, ولم يضعفها إلا بعض المتأخرين ممن تلوث بلوثة علم الكلام.

وقد استدل بها الأئمة في المسائل الفقهية, كمالك والشافعي وكثير من أئمة أهل الإسلام؛  بناء على صحتها.

وممن احتج بهذه الرواية على إثبات استواء الله على عرشه وأن الله في السماء: الدارمي في الرد على الجهمية (ص: 45), وابن أبي عاصم في السنة (1/ 215), وابن خزيمة في كتاب التوحيد (1/ 278), وابن منده في كتاب الإيمان (1/ 230), واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 430), وغيرهم...

قال سليمان التيمي: (لو سئلت أين الله؟ لقلت في السماء) خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 37)

وقال عبد الغني المقدسي: (ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله " أين الله "؟!) الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي (ص: 53)

وقال الذهبي: (...ففي الخبر مسألتان:  إحداهما: شرعية قول المسلم أين الله.

 وثانيهما: قول المسؤول في السماء؟  فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى صلى الله عليه وسلم) العلو للعلي الغفار (ص: 28)


فقه الحديث:

قد سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية بقوله أين الله؟ أجابت في السماء...

فإجابتها كانت موافقة للفطرة, وهي عربية تعرف ما تقول، وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم جوابها, ومعنى قولها في السماء:  في العلو, فكل ما علاك في لغة العرب فهو سماء، وعلوه جل وعلا علو ذات وقدر وشرف. 

فالله لما خلق الخلق خلقهم خارج ذاته, فهو بائن من خلقه في العلو فوق مخلوقاته

ولم يخطر ببال سليمي الفطرة أن المراد بالسماء: السماء المخلوقة وأنها تحيط به وتحويه أو هو في جهة مخلوقة، وليس هذا هو الظاهر ... 

قال #ابن_عبد_البر #المالكي في الاستذكار (7/ 337): (وأما قوله في هذا الحديث للجارية أين الله؟ فعلى ذلك جماعة #أهل_السنة وهم #أهل_الحديث ورواته المتفقهون فيه وسائر نقلته 

كلهم يقول ما قال الله تعالى في كتابه: (الرحمن على العرش استوى) طه 5 , وأن الله عز وجل في السماء وعلمه في كل مكان, وهو ظاهر القرآن في قوله عز وجل (ءامنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور) الملك 16)) انتهى كلامه

ولا ينكر هذا السؤال "أين الله؟" إلا #الجهمية ومن وافق أصولهم, فالجهمية لا يثبتون علو الله على عرشه, قال ابن المبارك: «لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ههنا!!!!، بل على العرش استوى» ، وقيل له: كيف تعرف ربنا؟ قال: «#فوق سماواته على عرشه. 

وقال سعيد بن عامر: " الجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى، وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى #على_العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء "] 

ولا يجوز بحال النزاع في صحة السؤال؛ لأنه يلزم منه أن النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم ينطق بما لا يجوز أو بما يوهم معنى فاسدا، أو بما ينافي كمال الله !! 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 13 يوليو 2024

ضابط قضايا الأعيان

ضابط #قضايا_الأعيان

صورة #قضية_العين: أن يقع فعل أو قول على حادثة معينة أو يخص شخصا بعينه, ويحتمل الفعل أو القول وجوها متعددة.
ومحل إعمالها: إذا اقتضى ظاهره معارضة حكم عام مع إمكان أن يكون موافقًا لا مخالفًا من وجه آخر
وهذه التي قال عنه الشاطبي في الموافقات (4/ 8): (إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة. فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان، ولا حكايات الأحوال)
ومعنى ذلك أن يَرد معنا حكم عام، ثم تَرد معنا قضية عين يحتمل ظاهرها مخالفة ذلك العام ويحتمل الموافقة في بعض الوجوه.
فهنا تُنَزل قضية العين على وفق الحكم العام, فتحمل على بعض وجوهها.

وانتبهوا هنا أنه إذا لم تكن فيها وجه معارضة لحكم عام كأن تكون موافقة أو لعدم وجود حكم عام فلا تكون من باب قضايا الأعيان التي تنزل على وفق الحكم العام, وإنما تستقرى هذه الجزئيات ويؤخذ منها حكم عام.

وأمثل على هذا بتبديع المعين وتكفيره
عندنا صور:

الصورة الأولى: ما ورد عن السلف من #تبديع_المعين إذا خالف مصدر التلقي وفق المنظومة الاستدلالية البدعية من غير إقامة الحجة

الصورة الثانية ما ورد عن السلف من تبديع المعين إذا خالف في أصل مع سلامة مصدر التلقي من غير إقامة الحجة.

الصورة الثالثة: ما ورد عن السلف من تكفير المعين المسلم من غير إقامة الحجة

ففي الصورة الثانية والثالثة عندنا حكم عام وقاعدة كلية وهي أن المعين لا يبدع إذا لم يخالف في مصدر التلقي إلا بعد إقامة الحجة؛ لتحقق الوصف المقتضي لكونه سنيا, فلا يرفع عنه إلا بيقين، وكونه قد سلم له مصدر التلقي يجعل مخالفته لأصل مقتضيا للتبديع لا موجبا
ولا يكفر إذا وقع في أمر كفري إلا بعد إقامة الحجة؛ لتحقق الوصف المقتضي لإسلامه، فلا يرغع عنه إلا بيقين، وكونه قد نطق بالشهادين يجعل وقوعه في أمر كفري مقتضيا للتكفير لا موجبا
وكونه مقتضيا يعني يتوقف على شروط وموانع
فإذا ورد عن السلف تبديع أو تكفير لمعين كان ذلك محتملا لكون الإمام قد أقام عليه الحجة ومحتملا لعدم إقامتها, فيكون ما ورد عن السلف قضية عين تفهم على وفق القاعدة الكلية فتحمل على أنه قد أقام عليه الحجة.

وأما الصورة الأولى فلما لم تكن هناك قاعدة عامة تخالف ما ورد عن السلف من تبديع المعين المخالف في مصدر التلقي وفق ما بينته في منشورات سابقة وليس هناك أصل يمنع من رفعه إلا بيقين أخذنا حكما عاما من مجموع هذه الجزئيات التي فيها تبديع السلف لأعيانٍ بموجب مخالفتهم المنظومة الاستدلالية الشرعية, وهذا الحكم هو التبديع العيني على من خالف في مصدر التلقي وفق المنظومة الاستدلالية البدعية من غير إقامة الحجة.
قال أبو حامد الإسفراييني: ( يا بني بلغني أنك تدخل على هذا الرجل يعني الباقلاني فإياك وإياه فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلال..) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 598)

والخلاصة: أن ما ورد عن السلف من تبديع المخالف في مصدر التلقي ليس من باب #قضايا_الأعيان؛ لعدم ثبوت المقدمة وهي وجود حكم عام على أن المعين لا يبدع مطلقا إلا بعد إقامة الحجة.

فمن يقوللو افترضنا صحة هذا التعميم في تبديع كل أعيان المعتزلة فإنه يلزم منه أيضا صحة تكفير كل أعيانهم أخذا من تكفير الإمام أحمد لابن أبي دؤاد..)
فهذا لم يفقه الفرق ومحل قاعدة قضايا الاعيان, وخلط بين المسائل...!!!!

ولا يقال أيضا: إذا أقررت على أن #تكفير_المعين قاعدته العامة لابد فيه من إقامة الحجة فلتقر بذلك في التبديع

وجواب هذا: أن القاعدة العامة في تكفير المعين مقيدة بمن ثبت له أصل الإسلام الذي لا يرفع إلا بيقين, فلا يقال في المجوسي لا نكفره إلا بعد إقامة الحجة؛ لأنه لم يأت بأصل الإسلام, وكذلك التبديع تعتبر فيه إقامة الحجة لمن ثبت له أصل السنة؛ لأن هذا الاصل لا يرفع إلا بيقين، بخلاف من لم يثبت له الأصل فليس هناك ما يمنع من تبديعه عينا

فلا فرق بين باب التكفير وباب التبديع في شرط إقامة الحجة لمن ثبت له الأصل, وأما من خالف فمنع الاحتجاج بأصل السنة؛ لدلائل عقلية كلامية, فهذا لم يثبت له الأصل فلم يشترط في تبديعه إقامة الحجة.

فموجب تبديعه عدم ثبوت أصل السنة, لا أن موجب تبديعه أن الحجة مقامة عليه كما يصور ذلك من لا يفهم.

ومن هنا تعلم: أن السني يقابله المبتدع, فمن لم يكن سنيا يكون مبتدعا, ومن لم يكن مبتدعا يكون سنيا, فمن ارتفع عنه موجب تسميته سنيا كان مبتدعا , ولا تنافي بين كونه مبتدعا ومسلما؛ لأنه لا تقابل بينهما, وإذا ارتفع عن المعين موجب تسميته سنيا لم يرتفع عنه موجب تسميته مسلما؛ لاختلاف المناطين

والعلم فقه وتحقيق, لا تلبيس وتدليس وإعمال قواعد في غير محالها

د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2024/07/blog-post_13.html

السبت، 6 يوليو 2024

تحرير مسالة تبديع المعين مباشرة

 تبديع المعين مباشرة من غير إقامة الحجة

ضابطه أن يخالف في مصدر التلقي
بمعنى أن ينطلق في الاستدلال بغير الكتاب والسنة والإجماع
معتقدا قصور دلالتها عن إفادة القطع أو جعل دلالتها كفرية ...
وهذا لا يكون خطؤه إلا لتفريط منه وتقصير واتباع للهوى
ولهذا استحق التبديع مباشرة من غير اشتراط إقامة الحجة وإزالة الشبهة
قال السجزي: "...من قال في نفسه قولاً، وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له؛ لا ينبغي أن يلتفت إليه لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علماً، وعقله موجب للعلم؛ يستحق أن يسمى محدثاً مبتدعاً"اهـ (الرد على من أنكر الحرف والصوت ص100-101) ([37])
فجعل من خالف في مصدر التلقي مستحقا لأن يسمى مبتدعا.
وهذا المخالف لا يعذر بالجهل في استحقاق التبديع؛ لأن مخالفته (وفق تلك المنظومة الاستدلالية الكلامية) تلازم التفريط والتقصير ومتابعة الهوى
قال ابن تيمية: "الجاهل عليه أن يرجع، ولا يصر على جهله، ولا يخالف ما عليه علماء المسلمين؛ فإنه يكون بذلك مبتدعاً جاهلاً ضالاً"اهـ (مجموع الفتاوى 7/682) ([44])
وقال: "قد يكون كل من المتنازعين مبتدعاً، وكلاهما جاهل متأول"اهـ (مجموع الفتاوى 23/356)
ونعني بنوع التقصير والتفريط هنا هو النوع الذي يثبت به حكم التبديع، لا النوع الذي يكون موجبا لعدم المغفرة
وقد جعل ابن تيمية العدول عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم سببا لتبديع المعين مع كونه مجتهدا مغفورا له؛ لأن مناط تبديع المعين يختلف عن مناط المغفرة، ولأنه لا تلازم بين تبديعه وتأثيمه، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (13/ 361): "و فِي الْجُمْلَةِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَفْسِيرِهِمْ إلَى مَايُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ بَلْ مُبْتَدِعًا وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُه".

وعندما نعبر بمخالقة مصدر التلقي نعني به المنظومة الاستدلالية الكلامية
في سياق كلامنا عن الفرق العقدية
فلا يتصور واقعا عدم التلازم بين الأخذ بالمنظومة الاستدلالية كاملة والتفريط في الواجب والتقصير فيه واتباع الهوى
الذي هو العلة الحقيقية لتبديعه
إلا أنه لما كان خفيا غير منضبط علق بمظنته وهو المخالفة في مصدر التلقي...

ولا تدخل في ذلك صورة من أخذ ببعض المنظومة الاستدلالية الكلامية تقليدا
فتكون المخالفة في مصدر التلقي جزئية؛ ظنا منه أنه وافق مقتضى نص شرعي أو إجماع
كمن ينطلق في تأويل بعض الصفات وتقديم العقل من قوله تعالى:[ليس كمثله شيء] ظنا منه أن هذا هو مقتضى النص، ولم يتسلسل الأمر عنده وفق المنظومة الكلامية.
فهذه الصورة يتصور أن يتخلف  عنها اتباع الهوى؛ لانه انطلق مما ظنه مقتضى النص الشرعي، ويتخلف عنها أيضا التفريط والتقصير؛ لانتفاء التمكن من معرفة الحق والوصول إليه.
ومتى تخلف التفريط والتقصير واتباع الهوى تخلف معه حكم التبديع مباشرة.
وهذا حال كثير من شراح الحديث والفقهاء والمفسرين فتراهم يأخذون شيئا من المنظومة الاستدلالية الكلامية ظنا منهم أن هذا هو مقتضى النص الشرعي أو هو الموافق للإجماع...
فهم لم يعملوا المنظومة الاستدلالية الكلامية كاملة ومتسلسلة في القول البدعي الكفري الذي وافقوا فيه الأشعرية مثلا
ولو كان مجرد الموافقة يكفي  في الحكم بالتبديع لما سلمت طائفة ممن اتفق أهل السنة على إمامتهم في السنة.

والخلاصة
من خالف في مصدر التلفي بُدع من غير إقامة الحجة؛ لخروجه عن المنظومة الاستدلالية الشرعية، ولا يعذر بالجهل في استحقاق التبديع؛ لأن مخالفته (وفق تلك المنظومة الاستدلالية الكلامية) تلازم التفريط والتقصير ومتابعة الهوى
فلا يشترط في تبديعه إقامة الحجة على أن الوحي هدى ولا يدل على الكفر ولا يقتضيه ... إلى آخره
وإقامتها تقتضي تكفيره لا تبديعه
وأما من لم يخرج عن المنظومة الشرعية إلا أنه وافق قولا للجهمية فهذا لابد من إقامة الحجة عليه.
كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار


الأحد، 26 مايو 2024

حكم #الوضوء_من_أكل_لحم_الإبل

 مدارسة أصولية فقهية


حكم #الوضوء_من_أكل_لحم_الإبل


[الخلاصة: ينقض الوضوء على الراجح]


عن جابر بن سمرة، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ» قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من #لحوم_الإبل» قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم» قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» أخرجه مسلم


المعنى الذي راعاه السائل في السؤال هو نقض الوضوء, لا مطلق الوضوء, 

وقرنه الوضوء بالصلاة في سياق واحد يؤكد أن سؤاله كان عن الوضوء الشرعي لا الوضوء اللغوي. 


هاتان المقدمتان تقتضيان أو توجبان

وجوب الوضوء من أكل لحم الأبل

وتمنعان من حمل الأمر بالوضوء على الاستحباب أو على غسل اليدين والمضمضمة...

والخطاب الموجه للواحد موجه للأمة إلا بدليل...


بمعنى أن السائل لم يسأل عن مجرد الوضوء؛ حتى يحمل على الاستحباب, أو على غسل اليدين, وإنما محل سؤاله عن نقض الوضوء, وما كان ناقضاً للوضوء وجب الوضوء منه, ولذا جاء الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم بالتخيير في لحم الغنم والأمر بالوضوء في لحم الإبل؛ مما يدل على أن الأمر بالوضوء في لحم الإبل ليس لمجرد الإذن بل للطلب الجازم.


والفرق في الحديث بين لحم الإبل ولحم #الغنم لا يثبت إلا بإيجاب الوضوء في لحم الإبل ونفي الإيجاب في لحم الغنم...


فنفي الإيجاب في لحم الغنم يقتضي الإيجاب في لحم الإبل.


واختصاص لحم الإبل بالنقض من بين المأكولات هو من باب الخروج بالمسألة عن نظائرها لمقتضي الدليل الخاص.


وليست العلة أنه مسته النار؛ بدليل التفريق في الحديث بين لحم الغنم ولحم الإبل, وقد مستهما النار, وإنما لحم الإبل ينقض الوضوء لكونه لحم الإبل، لا لكونه مسته النار, وهذا يقتضي نقضه للوضوء سواء أُكل نيئا أو مطبوخا, 


وكونه يقتضي وجوب الوضوء سواء كان نيئا أو مطبوخا يمنع من كون وجوب الوضوء  منسوخا, والمعنى الذي أوجب الوضوء منه نيئا يدل على أن العلة ليست هي مس النار. 

وهل العلة تعبدية أو معقولة المعنى؟ قولان...


وعليه فلا يَرِد القول بالنسخ؛ استدلالا بقول جابر رضي الله عنه: " «كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار» " رواه أبو داود وغيره.

ولأنه ليس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما يحكي جابر ما رآه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في واقعة معينة, لا في عموم أحواله صلى الله عليه وسلم, ومحلها لحم الغنم, قال النووي: (رواه أبو داود وغيره عن جابر قال (ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى امرأة من الأنصار فقربت شاة مصلية, (أي مشوية) فأكل وأكلنا فحانت الظهر فتوضأ ثم صلى ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل ثم حانت صلاة العصر فصلى ولم يتوضأ) قالوا فقوله آخر الأمرين يريد هذه القضية وأن الصلاة الثانية هي آخر الأمرين يعني آخر الأمرين من الصلاتين لا مطلقا: وممن قال هذا التأويل أبو داود السجستاني) المجموع شرح المهذب (2/ 58)


 ومن نقل عن الصحابة أنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل فقد غلط عليهم وخلط بين مسألة نقض الوضوء من أكل لحم الإبل ومسألة عدم الوضوء مما مست النار.


إلا أن #الجمهور حملوا التفريق بين لحم الغنم ولحم الإبل على وجود دسومة في لحم الإبل دون لحم الغنم, فناسب ذلك أن يتوضأ من لحم الإبل إما على جهة الاستحباب أو على جهة حمل الوضوء على غسل اليدين والفم...


ويجاب عن ذلك بأن وجود الدسم ليس موجبا للوضوء في الشريعة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب لبنا فمضمض وقال: إن له دسما» ", 

وكون الإبل فيها زيادة دسومة لا يلزم ذلك اختصاصها بنقض الوضوء.


سؤال: من قال من الأئمة بنقض الوضوء من أكل لحم الإبل؟


القول بنقض الوضوء من لحم الإبل: حكاه الماوردي عن جماعة من الصحابة: زيد بن ثابت وابن عمر وأبي موسى وأبي طلحة وأبي هريرة وعائشة, وحكاه ابن المنذر عن جابر بن سمرة الصحابي ومحمد بن إسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة واختاره أبو بكر بن خزيمة وابن المنذر 

وهو: مذهب الشافعي في القديم رجحه البيهقي والنووي, وهو مذهب أحمد, خلافا للجمهور [انظر: المجموع شرح المهذب (2/ 57)]


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 19 مايو 2024

متى تتعين إغاثة الملهوف؟

 


1-من الخطأ أن ينطلق أحد من أن إغاثة الملهوف يعتبر (فرض عين) على كل مكلف ابتداء حتى (تحصل الإغاثة) يقينا أو على غلبة الظن , وأن (الخطاب) يتوجه إلى (كل معين حال وروده), ثم ينظر بعد ذلك في الكفاية فإذا لم تحصل فهو (واجب عيني) في حق كل مكلف, 

بمعنى أنه يتعين عندهم في حالين: حال ورود الخطاب وحال عدم حصول الكفاية, وهذا تخبط عجيب!!


2-وإنما الذي يقرره أكثر الأصوليين أن (التعين) منوط بغلبة الظن, ولا يؤخذ من ورود الخطاب.


3-معرفة تعين الواجب الكفائي من أدق مسائل العلم, ويحصل الخلط عندما لا يفرق من (يجب عليه) الفعل المأمور به ومن (يتعين عليه) ويقع منه الامتثال, ولذلك أنكر قولي: "لا يجب دفع المال إلا إذا تعين.."


4-جعل جمهور الأصوليين مدار (التعين) الذي هو تكليف المعين على غلبة الظن, ولم يجعلوا مداره على (توجه الخطاب), بمعنى أن تَعَيُّن الفعل ليس على كل أحد وإن كان الجميع مخاطبا بالوجوب من حيث هو جميع, فالله خاطب الجميع على السوية من غير أن يقصد صدور الفعل من كل واحد منهم, ولا من واحد بخصوصه, فلم يقصد بالذات عين من يتولاه. ولكن بالفرض إذ لا بد للفعل من فاعل, فهو إنما قصد إيقاع الفعل في الخارج من أي واحد منهم, فلا يتخصص ولا يتعين على واحد بعينه إلا بمرجح خارجي.

قال المرداوي في التحبير شرح التحرير (2/877): (فائدة: إذا قلنا تعلق بالجميع, فهل معناه: أنه يتعلق بكل واحد, أو بالجميع من حيث هو جميع؟ مقتضى كلام الباقلاني الأول, ومقتضى كلام الأكثرين الثاني)

وقال ابن باديس في مبادئ الأصول (ص24): (ثم الخطاب التكليفي...وإن كان بما تتوقف عليه مصلحة المجموع ومصلحة الفرد من حيث إنه جزء من المجموع توجه للمجموع, وسمي الخطاب خطابا كفائيا)


5-هذه المسألة يغيب تأصيلها على أهل #التحريض والتهييج ومن عُرف بالتكفير المنفلت, والذين يسارعون إلى تأثيم آحاد الأمة بمجرد ورود الخطاب وإطلاقه من غير تحقيق تعينه. 


6-وجوب إطعام الجائع الذي يقرب من الهلاك: حكمه أنه واجب وجوبا كفائيا, والواجب الكفائي لابد فيه من (مأمور يتوجه إليه الخطاب), فالخطاب يتوجه ابتداء إلى (جميع الأمة من حيث هو جميع), فيتعلق الحكم بذمة الجميع ويتساوون في الخطاب من غير أن يتعين على فرد فرد, كما هو مذهب جمهور الأصوليين...


7-احتجنا إلى تقييد الجميع بكونه من حيث هو جميع؛ لبيان عدم مطلوبية الإتيان به من كل فرد؛ لأنه متى وجد الفعل في الخارج تحقق المقصود وسقط الوجوب, ولو جعلنا العموم في الأفراد المخاطبين بالوجوب من العموم الاستغراقي لاقتضى ذلك أن يتعين على كل فرد, وأنه إذا أتى به من يكفي أمكن توجيه الخطاب إلى غيرهم, وهذا ينافي حقيقة الكفائي.


8-ليس المقصود بكونه جميعا من حيث هو جميع أن المخاطب به المجموع على سبيل الاشتراك والانضمام, بأن تشترك فيه الأمة


9-وجه استحقاق العقاب جميع الأمة إذا لم يقم به أحد فهو: عدم تحقق مقصود الشارع وهو إيجاد الفعل, لا أن استحقاق العقاب راجع لوجوب فعله من كل فرد فرد...


10-كون الخطاب متوجها إلى الجميع من حيث هو جميع لا يعني ذلك تعينه على كل فرد من الأمة, وإنما يتعين بأسباب أخرى, كما لو غلب على ظن الفرد المعين أنه لم يقم به غيره فهنا يتعين عليه بناء على هذا السبب, وكذلك إذا شك في قيام غيره به فيتعين عليه؛ ذلك أنه لما كانت ذمة جميع الأمة من حيث هو جميع مشغولة بالوجوب لم تبرأ الذمة بالشك...


11-ثم إنه لا يكفي في إلزام العبد بالفعل أن يغلب على ظنه أنه لم يقم به غيره, بل لابد مع ذلك من تحقق الأهلية وعدم المانع, فوجوب كل واجب مناط بشروط ومنها العلم والقدرة الشرعية. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 17 مايو 2024

تقييد قاعدة حمل الكلام على أحسن المحامل

 مسألة توجيه كلام المتكلم على محمل حسن حصل فيها خلط بين مقامين:

الأول: مقام الكلام من حيث هو كلام

الثاتي: مقام مراد المتكلم ومقصوده 


فالمقام الأول ينظر فيه إلى اللفظ من حيث استعماله وظاهره، فإن كان اللفظ ظاهرا في الفساد فإنه يُغَلَّط بغض النظر عن مقصود المتكلم

والإجمال بمعناه العام الذي يقع في الكلام قد يكون موهما بحيث إنه يحتمل احتمالين، وقد يكون ظاهر الغلط

وعلى كلا الأمرين يغلط الكلام نفسه، ويذم سلوكه، وإنما يغلط الكلام؛ سدا للباب، لاسيما ما تعلق منه بالتوحيد.

وعلى هذا قامت عقائد أهل الحديث-أهل السنة والجماعة-

قال الإمام أحمد كما في رواية أبي طالب: (من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع)

فغلط الإطلاق نفيا وإثباتا؛ لأنه موهم، وحفاظا لجناب التوحيد.


وأما المقام الثاني فهو المتعلق بالمراد والمقصود، فالكلام لا ينسب إلى القائل إلا على الوجه الذي قصده وكان مرادا له

لاسيما في باب التكفير والتفسيق

ويظهر مراد القائل بالنظر إلى أصوله ومفصل كلامه في المسألة نفسها

فقد جاء في «مسائل ابن هانئ»(2/193/2046)، قال: وسئل -أي أحمد- عن قول شعبة: «إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة»؟ فقال: لعل شعبة كان يصوم، فإذا طلب الحديث، وسعى فيه؛ يضعف فلا يصوم، أو يريد شيئًا من الأعمال، أعمال البر، فلا يقدر أن يفعله للطلب؛ فهذا معناه»

وقال ابن تيمية في (2/640) قال: «لكن اللفظ المجمل إذا صدر ممن عُلم إيمانه؛ لم يُحمل على الكفر بلا قرينة ولا دلالة، فكيف إذا كانت القرينة تصرفه إلى المعنى الصحيح؟!» 


ولما حكم بعضهم على ابن حبان بالزندقة لأنه قال: النبوة العلم والعمل 

قال الذهبي في السير(16/95-96): «قلت: هذه حكاية غريبة، وابن حبان فَمِنْ كبار الأئمة، ولسنا ندَّعي فيه العصمة من الخطأ،لكن هذه الكلمة التي أطلقها، قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق الفيلسوف، فإطلاق المسلم لها؛ لا ينبغي، لكن يُعتذر عنه، فنقول: لم يرد حصر المبتدأ في الخبر...)

ففرق الذهبي بين مقام تغليط الكلام ومقام الاعتذار للقائل بحمل كلامه على مقتضى أصوله.

ولا يلزم من هذا المقام تصحيح المقام الأول. 


وينبغي التنبيه هنا إلى أنه لا يصح الانطلاق من مسألة حمل الكلام على أحسن المحامل إلى تصحيح القول وحمله على المحمل الحسن الذي يخالف أصول القائل ومراده

وقد يكون للمتكلم كلام يحتمل ويكون له كلام مفصل حسن لكن يظهر من كلامه الغلط أو المحتمل أنه يريد المعنى السيء فهنا لا يحمل كلامه على أحسن المحامل؛ لظهور مراده، ويكون ذلك رجوعا منه عن الكلام المفصل الحسن.

وإذا كان للكلام ظاهر فاسد، لكن المتكلم يحتمل أن يقصده ويحتمل ألا يكون مقصودا له، ولا دلالة على واحد من الأمرين حمل الكلام على ظاهره الفاسد. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 10 مايو 2024

هل تجوز قراءة البردة في المساجد؟ وهل اشتملت على الشرك والغلو؟

هل تجوز قراءة #البردة في المساجد؟ وهل اشتملت على الشرك والغلو؟

لو انطلقنا ابتداء من أن البردة لا #شرك فيها ولا #غلو فإن قراءتها في المسجد على الصورة الواقعية التي نراها اليوم من الاجتماع على قراءة أبياتها بصوت واحد ملحنة
مما تنزه عنها المساجد، وهي من الإحداث...
ولا يصح قياس هذه الصورة على إنشاد #الشعر في المسجد
لأن الإنشاد زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يكن بالصورة المحدثة اليوم، ولم يكن الغرض منه ما أحدثه الصوفية من التعبد لله بهذه القصائد، أو مضاهاتها بالمشروع...

ويجب ألا نغفل عند الكلام عن #البردة أن بعض المعظمين للبردة اعتقدوا فيها اعتقادات خاصة وأحدثوا لها شروطا ووضعوا لها فضائل، فقد جاء في أحد شروح البردة والمُسمى بعصيدة الشهدة ص ٤٠: (ثم اعلم أنه يلزم في قراءتها على الوجه المرضيّ شروط لتكون مؤثرة فيما قُرئت له، أولها: التوضّؤ، وثانيها: استقبال القبلة)
وقد سميت بالبرأة؛ لأنهم يزعمون أن البوصيري شفي من سقمه بسببها
وتسمى أيضا بقصيدة الشدائد؛ لانها تنفع في المصائب والشدائد..

وقد اشتملت البردة على استغاثات بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطلب منه، وإعطائه شيئا من خصائص الربوبية
حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية وهو معاصر للبوصيري ذكر -في معرض بيانه لمن غلا في النبي صلى الله عليه وسلم- أبياتا للبوصيري يبين فيها غلوه على سبيل المثال أو ما وصل إليه واشتهر في وقته منها
قال ابن تيمية في كتاب الاستغاثة:(ومنهم من يقول: أسقِطِ الربوبية وقل في الرسول ما شئت:
دع ما ادعَتْهُ النصارى في نبيهم *** واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
فإن فضلَ رسول الله ليس له *** حدٌّ فيعربُ عنه ناطقٌ بفم
وانسبْ إلى ذاته ما شئت من شرف *** وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
لو ناسبت قدره آياته عِظَمًا *** أحيا اسمُه حين يُدعى دارسَ الرمم”)

وانتقد الشوكاني البيت الذي قال فيه البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم
قال الشوكاني في الدر النضيد:(فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا لله وإنا إليه راجعون)

فأبيات قصيدة البردة من حيث الجملة اشتملت على ما يناقض أصل الشريعة في ترك الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم وسد كل طريق يوصل إلى ذلك، ولو كان من حيث الدلالة اللغوية يحتمل...
ومن ذلك نهي النبي صلى الله الجارية عن قولها: وفينا نبيّ يعلم ما في غد، وقال لها: «لا تقولي هذا، وارجعي إلى ما كنتِ تقولين»
مع أن الله أطلعه على بعض علم ما في الغد..

فالاعتذار بأنه يمكن توجيه أبيات البردة توجيها حسنا وحملها على غير ظاهرها
لا يكفي لتصحيحها ولا لدفع الإيهام الموجود في ظاهرها
فالظاهر من بعض أبياتها يوهم الشرك وصرف خصائص الربوبية للنبي صلى الله عليه وسلم، بل منه ما هو صريح في الشرك عندما يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله أو لا يكون إلا بإذنه كالشفاعة...

وقد دلت أصول الشريعة وكلياتها على منع كل كلام يوهم ظاهره المعنى الشركي، فضلا عن أن يكون صريحا فيه
لا سيما إذا عرف القائل باعتقاد فاسد...
ولو صح دفع الظاهر بالتأويلات لما وجد كلام شركي في الأرض، ولأمكن تصحيح كلام أبي جهل وأبي لهب وكلام أئمة وحدة الوجود كالحلاج وابن سبعين وابن عربي بمقتضى ما تجوزه اللغة...
ويلزم منه نفي ما علم بالضرورة من الشرع من كفر مشركي العرب ووقوعهم في الشرك؛ بسبب الاستغاثة بالأصنام ودعائها من دون الله، ولم يحمل فعلهم على المجاز العقلي..

وأما محاولة الشيخ محمد الحسن ولد الددو والذي عرف بتمييعه الخلاف العقدي ...
الاعتذار للبوصيري بتأويل قوله (ومن علومك علم اللوح والقلم) بأن هذا الخطاب لا يُخاطب به رسول الله، ولكن يُخاطب به الله سبحانه، ولكن تداخُل الضمائر يقع في اللغة...
فهي محاولة هزيلة منافية لمقصود الشارع في هذا الباب، وهو خلاف ما فهمه شراح البردة أنفسهم الذين أرجعوا الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم...

ومن (تبعيضية) الأبيات المنتقدة في البردة:

١- يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به ***** سواك عند حدوثِ الحادثِ العَمم
نفى كل ملاذ عدا النبي صلى الله عليه وسلم، وغفل عن الله...

2. إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي ***** عفواً وإلا فقل يا زلة القدم
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو يطلب منه ما لا يملكه إلا الله ولا يقع إلا بإذنه سبحانه.

3. فإن مِن جودك الدنيا وضَرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
جعل الدنيا والآخرة من جود النبي صلى الله عليه وسلم والله يقول:[وإن لنا للآخرة والأولى]
وجعل من علومه علم الغيب والله يقول:[قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله]

4. دع ما ادعته النصارى في نبيهم ***** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
هذا ينافي نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إطرائه....

5. فإن لي ذمة منه بتسميتي   محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم
أثبت بمجرد الموافقة في التسمية أن له ذمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم...

هذه القصيدة لم تشتهر إلا في القرون التي انتشرت فيها الصوفية والأشعرية، ومع وجود من قبلها منهم وُجد أيضا من أنكرها وردها...

والخلاصة أن الأبيات التي ظاهرها الغلو أو الشرك أو هي صريحة فيهما لا يجوز إنشادها، ولا مديح النبي صلى الله عليه وسلم بها.
وليس كل أبياتها كذلك...
ويجب منع من يفعل هذا من الجهات المختصة.

ملحق

من الأبيات الشركية التي اشتملت عليها #البردة:

يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به ***** سواك عند حدوثِ الحادثِ العَمم

المعنى الذي دل عليه البيت أنه لا أحد يلتجئ إليه يوم القيامة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويشير بذلك إلى الشفاعة الكبرى

هذا المعنى الذي ذُكر في البيت لم يدل عليه حديث الشفاعة الكبرى, وإنما دل الحديث على نفيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع في الخلق عندما يطلبون منه الشفاعة وهم أحياء وهو حي إلا بعد أن يسجد لله ويتذلل له ثم يأذن له الرب بالشفاعة.

فحديث #الشفاعة يدل على أنه لا ملاذ للخلق يوم القيامة إلا الله, وأما البيت فيدل على أنه أنه لا ملاذ للخلق يوم القيامة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فالمعنيان متنافيان

ثم لما تقرر في نفس البوصيري أنه لا أحد يلتجئ إليه يوم القيامة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب الشفاعة منه فقال:
ولن يضيق رسول الله جاهك بي       إذ الكريم تجلى باسم منتقم
أي أن جاهك واسع فَجُد علي بالشفاعة..

وهذا خلل آخر؛ لأن البوصيري يطلب منه حال الممات, ومعلوم بضرورة الشرع أن الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم ميتا ليس كالطلب منه حيا, وسعة جاهه وعلو درجته لا يقتضيان الطلب منه ميتا, وإنما الواجب هو التوجه إلى الله فيطلب منه أن يُشفِّع فيه النبي صلى الله عليه وسلم, فالشفاعة لا يملكها النبي صلى الله عليه وسلم وإنما تقع بعد إذن الله
فطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا من الشرك.

فمحل الإشكال: الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد الموت، وأن يطلب منه ما لا يملكه ولا يقدر عليه.

ثم قال:
فإن من جودك الدنيا وضرتها     ومن علومك علم اللوح والقلم

وهذا تعليل كون جاه النبي صلى الله عليه وسلم يسعه ويسع غيره من العصاة؛ لأن من جوده الدنيا والآخرة ومن علومه علم اللوح والقلم

واضطر بعض الشراح أن يخرجوا الكلام عن ظاهره, فجعلوا المقصود بكون الدنيا والآخرة من جوده وإعطائه هو: خير الدنيا بالهداية وخير الآخرة بالشفاعة
وجعلوا المقصود من علمه باللوح والقلم -أي ما كتبه القلم في اللوح المحفوظ-: ما أطلعه الله عليه من علم الغيب.
فخرجوا بالبيت عن ظاهره وأولوه بما لا يستقيم مع حقيقة الحال, فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يملك هداية القلوب ولا يملك الشفاعة , ولم يطلعه الله على جميع ما في اللوح المحفوظ.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2024/05/blog-post.html