الثلاثاء، 11 فبراير 2025

ما هي أصول الفكر الحركي ؟ والذي يسميه البعض بالفكر السروري

 

ما هي أصول الفكر الحركي ؟

عند الكلام عن هذا الفكر لابد أن يلحظ القارئ أنه فكر تلفيقي, بمعنى أنه أخذ من السلفية شيئا وأخذ من الإخوان شيئا آخر, فليست السلفية فيه متمحضة ولا الإخوانية القطبية فيه متمحضة, وإنما مزج بين ابن تيمية وابن عبد الوهاب وبين سيد قطب.., فأخذوا من هذا جانبا ومن هذا جانبا آخر, وقد وصفهم القرضاوي في كتابه أمتنا بين قرنين ص 74 بقوله: ( ومنهم السلفيون الجدد الذين يسميهم بعض الناس السروريين, وهم الذين اهتموا بالجانب السياسي مع الجانب العقدي ونقد الأوضاع العامة المحلية والدولية... وفيهم علماء ودعاة لهم وزنهم مثل سلمان العودة وسفر الحوالي وعيض القرني)

وقد نشأ في بداياته في السعودية كتنظيم ثم توسع كتيار وكون لنفسه رموزا... وأصبح له انتشار كبير في وقتنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي... وكثير ممن تحسن الظن بهم تجد مبتلين بشيء من هذا الفكر قل أو كثر, لاسيما مع تعقيد أحداث الواقع وهيمنة الغرب...

وتوسع هذا الفكر كتيار يضعف كونه تنظيما, بمعنى أن الرجل يكون على الفكر الصحوي –والذي يسميه البعض أيضا بالتيار السروري- وإن لم ينطوي الرجل تحت تنظيم...حتى أن كثيرا ممن يحملون هذا الفكر لم يشعروا بتميزهم عن غيرهم, ولا ضلوعهم في هذا الفكر, وقد أنشئوا في وقتنا عدة روابط وهيئات تجمعهم ولبعضها مقرات في تركيا...

ويجمعهم في الجملة أمران: موقفهم من الحكام والحاكمية(توحيد التشريع), وموقفهم من الجماعات الإسلامية (توحيد الصف)

ولا يخفى أن هذين البابين يشكل التحقيق فيهما على كثير من طلبة العلم؛ لتشعبهما وتداخل المسائل فيهما, ولوجود مساحة لا إشكال في مشروعيتها, وإنما يقع الخلل في الزيادة أو النقصان لا في الأصل.

وقد صور أصحاب هذا الفكر أن مدرسة ابن باز والألباني والعثيمين مدرسة جامدة في باب السياسة والولاية, وأنها تخضع للسلطة الحاكمة, وليس فيها حركة ولا إعداد للجهاد ولا نقد للسياسة, حتى قال سلمان في الشريط الإسلامي ما له وما عليه: (ما هي قيمة العالم إذا لم يبين للناس قضاياهم السياسية التي هي من اهم القضايا...), واتهموهم بالمداهنة والتلبيس.

وتجد من يحمل هذا الفكر قد يوافقك في أغلب أبواب العقيدة, كما أن الخوارج الأُوَل والمعتزلة الأُوَل يوافقون السلف في أغلب أبواب العقيدة وإنما إشكاليتهم في مسألة أو مسألتين,,,

وهذا تنبيه لبعض الإخوة لما حذرت من المشاركة في البناء المنهجي ظن بعضهم أنه يلزم أن تكون جميع المقررات مخالفة لعقيدة السلف, وهذا ليس بلازم...

 

ما موقفهم من الحكام والحاكمية وما موقفهم من الجماعات؟

تميز الفكر الحركي بهذين الأمرين, ففي باب السياسة والحكم ينطلق هذا الفكر من أن واجب العصر وأولى الأوليات هي مسألة الحكام والحاكمية (توحيد التشريع), فأخذوا من سيد قطب مقولته في الحاكمية وثوريته, ولا يُثبت هذا الفكر لحكام البلدان الإسلامية أي ولاية شرعية ولو في أدنى صورها؛ بحجة استبدال الشريعة وعدم حراستهم لأصول الدين, ولذا تجد من أدبياته: الثورية وتحريض الشعوب على حكامهم, والتصادم مع الحكام والإنكار العلني والتشهير, ويسوغ كثير منهم الخروج إذا وجدت القدرة, ولا يراعون في إصلاحهم عدم المضرة الراجحة, وقد استخدم أصحاب هذا الفكر مصطلحات التكفير والولاء والبراء وإنكار المنكر والجهاد في غير محالها الشرعية, وجرؤا على العلماء واتهموهم بعدم فقه الواقع وعدم الاهتمام بالتحليلات السياسية, وكانت منطلقات هذا الفكر النظر إلى جور الحكام وبعدهم عن الدين وتسليط الضوء على أخطائهم وتحريك عواطف الناس وتهييجهم؛ حتى قال عنهم الألباني لما سئل عن كتاب الإرجاء لسفر الحوالي: ( بدا لي أن أسميهم: خارجية عصرية,,,, وقال: إنهم خوارج إلا من بعض الجوانب)ويعني بذلك موافقتهم لهم في بعض الجوانب.

 

وهنا قد يسأل سائل: لماذا هذه الغلظة -كما يراها البعض- من الشيخ الألباني على أصحاب هذا الفكر؟ لماذا لم يحتمل الخلاف معهم؟

كانت نظرة مشايخ أهل السنة تنطلق من منع الفوضى في بلاد المسلين ودرء الفتنة الكبرى, وتنطلق من تحقيق مقصد الشارع في استقرار الدول المسلمة ولو كان حكامها المسلمون بعيدين عن تطبيق جملة من أحكام الشريعة, مرددين عبارة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل لما اجتمع عنده فقهاء بغداد يشتكون إليه فشو الجور وظهور الكفر وفرضه على الناس( ...عليكم بالنكرة بقلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا #دماءكم ودماء المسلمين معكم انظروا في عاقبة أمركم واصبروا؛ حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر...)أ.ه, ـ وليس هو مجرد اجتهاد منه بل قال: ( هو خلاف الآثار)

فلم يكونوا يسمحون بالقدر الزائد على المطلوب شرعا من إنكار منكرات الحكام, فكان نظرهم لفقه الواقع بعيني الشرع والقدر*

وقد جمعوا بين إنكار المنكرات من غير تأجيج وتهييج، وبهذا حافظوا على الشريعة ونقائها, وبين الحفاظ على مصالح الأمة ولو في أدنى صورها وبهذا درؤا الفتنة الكبرى عنها, فعدم التحريض يحفظ للأمة ضرورياتها, وهو خير من إدخال الأمة في صراعات تذهب بالأخضر واليابس... قال ابن تيمة في منهاج السنة النبوية (3/ 391): (فإن الحاكم إذا ولاه ذو الشوكة لا يمكن عزله إلا بفتنة، ومتى كان السعي في عزله مفسدة أعظم من مفسدة بقائه، لم يجز الإتيان بأعظم الفسادين لدفع أدناهما، وكذلك الإمام الأعظم).

هكذا كانت نظرة مشايخ أهل السنة ومع ذلك لم يتركوا الحبل على الغارب للحكام, فضيقوا أبوابا أخرى كباب الطاعة فلم يطيعوهم إلا فيما علموا أن الشريعة لا تنهى عنه, ومنعوا من نفاذ تصرفات الحكام إلا إذا كانت مصلحة تصرفاتهم راجحة،

والذي خشي منه مشايخ أهل السنة  انطلاقهم من منطلقات الخوارج؛ إذ كان مما قاله صالِحُ بنُ مُسَرَّحٍ الخارجي مخاطِبًا جماعتَه: (ما أدري ما تنتَظِرون؟! حتَّى متى أنتم مُقيمون؟ هذا الجَورُ قد فشا، وهذا العَدلُ قد عفا، ما تزدادُ هذه الوُلاةُ على النَّاسِ إلَّا غُلُوًّا وعُتُوًّا وتباعُدًا عن الحَقِّ وجُرأةً على الرَّبِّ، فاستَعِدُّوا وابعَثوا إلى إخوانِكم الذين يُريدون من إنكارِ الباطلِ والدُّعاءِ إلى الحَقِّ مِثلَ الذي تُريدون، فيأتوكم فنلتَقيَ وننظُرَ فيما نحن صانِعون، وفي أيِّ وقتٍ إن خرَجْنا نحن خارِجون) [682] ((تاريخ الرسل والملوك)) للطبري (5/ 219)

فهذه المنطلقات هي التي يرددها من دخل عليه الفكر الصحوي, وهذا مما حذر منه مشايخ اهل السنة, وكانوا يخشون أن يترتب عليه: تعطيل معايش الناس ومصالحهم، وأن تثور ثائرة الفتن الثائرة، وتتفرق الآراء المتنافرة، ويفتح الباب للمتربصين بإلغاء الاتفاقيات والعهود التي تلجأ إليها الدولة؛ لضعفها؛ فيلحق بالمسلمين من المفاسد ما يفوق المصالح المرجوة ، فتنتفي عنهم أصل المصلحة وتضييع الضرورات، ويكثر الهرج وتعم الفوضى، فلا يتمكن المسلم من إقامة دينه، ولا يأمن على نفسه وعرضه وماله، والشريعة وُضعت لمصالح العباد بحسب مقتضى خطاب الشرع.

وقد شاهدنا البلدان التي لا يكون فيها حاكم يطاع فإنه لا يقام فيها حق، ولا يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ويتسلط عليها الكفار، وتتدخل الدول الكافرة في شؤونها وتحقق مخططاتها وتسيطر على ثرواتها، وتذكي بينهم أسباب الفتن والقتل،

هكذا بنى مشايخ أهل السنة نظرتهم ومحاربتهم للفكر الصحوي, ولم يستهدفوا دعاة الصحوة ورموزها ويضللوهم لأجل مصلحة الحكام ودعمهم لذواتهم, وإنما ضللوهم لحفظ الأمة ورأس مالها وبقائها, ولم ينطلقوا من الولاء المطلق للحكام و لا من طاعتهم طاعة مطلقة ولا من الدفاع عن مواقف الحكام وسياستهم, كما يصوره خصومهم, فالهجوم على المخالفين منطلقه شرعي ديني, كما أمر الله سبحانه.

 

ومن مواطن الخلل في #الفكر_الحركي الصحوي والمسمى ب #السروري 


وصف الشيخ #الألباني أصحاب الفكر الصحوي بأن مناهجهم مخالفة لما كان عليه السلف الصالح 


ووصفهم الشيخ عبد المحسن العباد بأصحاب الفقه الجديد: فقه الانهماك في السياسة والأحداث السياسية، فقه واقع القصاصات من الصحف والمجلات وتبع الإذاعات الكافرة 


لماذا؟ 


أولا هذا الفكر يدمج العقيدة بالسياسة، فلا تكتمل العقيدة إلا بإدخالها في الحياة في صورة الإلمام بالواقع السياسي المعاصر والاهتمام بقضايا الأمة 

فلا تكتمل العقيدة إلا بالانطلاق من تحليل الواقع السياسي وواقع الحكام، وتسليط الضوء على مخالفاتهم الشرعية، والحاكمية

والاعتماد على ما ينشر عن طريق وكالات الأنباء العالمية، وتتبع المواقع

ولما سئل الشيخ الألباني عن هذه المصادر قال:( مزالق كلنا يعلم أنهم لا ينشرون على العالم الإسلامي إلا ما يكيدون به لهم، فكيف يكون هذا سببا لمعرفة الواقع؟!!) 


ونتج عن هذا التحليل: مصادمتهم للحكام ونفي الولاية عنهم وتهييج الشعوب عليهم وتربية الشباب على الثورية 

معرضين عن قاعدة الشريعة في الاعتناء بدرء المفاسد الكبرى 

وعن فقه السلف في منع الفتنة العظمى

فقدم أصحاب هذا النظر: النظر للواقع السياسي وتحليله على ما يعلمون من طريق السلف ومنهجهم؛ بحجج واهية وإثبات فروق غير مؤثرة

وصدق فيهم قول حذيفة رضي الله عنه:( إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون وأن يضلوا وهم لا يشعرون)

ولهذا قال مشايخ أهل السنة خالفوا ما عليه السلف وانهمكوا في السياسة... 


ثانيا: جعلوا معرفة الواقع وتحليله هو المقيد لدلالة النص الشرعي وإطلاقه، 

فجاؤوا إلى النصوص الشرعية المتواترة الآمرة بالصبر على جور الحاكم المسلم وأخرجوها عن دلالتها بحجة أنها نزلت في حكام السلف ولا تتناسب مع حكام عصرنا المسلمين الذي نصبهم الغرب الكافر، فقيدوا إطلاق النص الشرعي بواقع حكام السلف

وهذا مسلك بدعي، وتكلُّمٌ في النص الشرعي بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام، وإهمال للنظر المقاصدي... 


وأما في باب التعامل مع الجماعات فتجد أنهم فتحوا باب الإعذار والتعاون على مصراعيه وهونوا من الخلافات وبحثوا في القواسم المشتركة؛ بحجة أن المرحلة تقتضي توحيد الصف ونبذ الفرقة وإن لم تتوحد الكلمة, تحت شعار مجاهدة الكفار والوقوف ضد غزوهم...

والإشكال أن أحمد السيد وغيره, يعدون أنفسهم حسنة من حسنات رموز هذا الفكر, فأصبح هو وأمثاله يربي الشباب على هذين الأصلين بطرق متنوعة وبعضها خفي, ولا يراعوا في إصلاح الأمة عدم المضرة الراجحة؛ فخرج من تحت يديه من يحرض ويثور, ولا يراعي فتنة عامة ولا مفسدة عظمى, فلم يراعوا في الإصلاح عدم المضرة الراجحة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

 

الاثنين، 10 فبراير 2025

#القياس_المنطقي

موضوع #القياس_المنطقي موضوع دقيق, لا يحسن أن يتكلم فيه من لا يحسن فهم كلام العلماء في سياقه, ويجهل محور الكلام مع المناطقة, ويظن أن من استعمل صورة القياس المنطقي في مادة متلقاة من الرسل قد أخذ بمصدر غير مصدر الرسل والآثار, وهذا من غريب ما يذكر, لكن ماذا نفعل بالجهل؟!

فابن تيمية لما ذكر أن القياس المنطقي لا يفيد علما ولا تحقيقا
لم يرد ما كانت مادته صحيحة معتمدة على الوحي، وهذا النوع من القياس يدخل في قوله تعالى:[الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان]

فالقياس المنطقي الذي هو قياس الشمول ينتقد من جهة نظر المناطقة له, فإذا جرد عن نظر المناطقة زال عنه الإشكال وصار مفيدا وصح استعماله في العلوم الشرعية..

فالمناطقة نظروا لقياس الشمول على أنه يفيد اليقين دون قياس التمثيل, واعتبروا في اليقين بصورة القياس لا بمادته, وهذا محل إشكال
وأما النظرة الصحيحة للقياس فهي أن العبرة بمادة القياس لا بصورته، فالقياس صحيح إذا تضمن التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين, ولا ينظر بعد ذلك للصيغة
فسواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل وإن التمثيل هو الأصل وأكمل
فليس الإشكال في القياس من جهة الصورة التي يتركب منها وإنما من جهة المادة التي يتكون منها وتحقق التلازم, فإذا كانت المادة يقينية متلقاة من الرسل
فلك أن تعبر عنها بصورة قياس التمثيل أو تعبر عنها بصورة قياس الشمول, ويكون استعمالك صحيحا نافعا, قال ابن تيمية: (وقياس الشمول وقياس التمثيل متلازمان فكل ما ذكر بهذا القياس يمكن ذكره بهذا القياس) الرد على المنطقيين (ص: 353)
وقال: (فيقال تفريقهم بين قياس المشمول وقياس التمثيل بأن الأول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد إلا الظن فرق باطل بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن فان إفادة الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه عل صورة أحدهما دون الآخر بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين فان كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا حصل به اليقين وان لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد إلا الظن). الرد على المنطقيين (ص: 211)

فمثلا كون هذا الإنسان مخلوقا, هذه مادة صحيحة
فسواء قلت في التعبير عنها: هذا إنسان وكل إنسان مخلوق, وإن شئت قلت هو إنسان فهو مخلوق كغيره من الناس لاشتراكهما في الإنسانية.
وسواء قلت النبيذ مسكر وكل مسكر حرام, وإن شئت قلت: النبيذ خمر لاشتراكهما في علة الإسكار..
وإن كان استعمال قياس التمثيل أسهل وأوضح.
فالعبرة بصحة المادة, قال ابن تيمية: (فالقضايا الكلية المتلقاة عن الرسل تفيد العلم في المطالب الإلهية.
وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه أما منتقضة وأما أنها بمنزلة قياس التمثيل وأما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة) الرد على المنطقيين (ص: 355)

فتلخص لنا أن الذي يمكن الاستغناء عنه هو القياس المنطقي بالنظرة المنطقية, فما يمكن علمه بالقياس المنطقي يمكن علمه بغير القياس المنطقي, وإدخاله في العلوم الشرعية بالنظرة المنطقية كان سببا لتعقيدها وتطويل الكلام فيها, كما أنه لا يفيد العلم بالجزئيات ولا يعينها, وعناية المناطقة فيه بالشكل والصورة أكثر من عنايتهم بالمادة والتلازم.
ولا يعني ذلك أن قياس الشمول إذا جرد عن النظرة المنطقية المنتقدة أنه لا ينفع ولا يفيد علما, بل إنه ينفع وقد استعمله شيخ الإسلام في باب الإلهيات, فقياس الأولى قد يجعل نوعا من أنواع قياس الشمول, وإن كان إثبات الصانع والعلم به لا يتوقف على شيء من الأقيسة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/02/blog-post_10.html


السبت، 8 فبراير 2025

يزعم حاتم العوني في كتابه الاستواء.. أن عبارات السلف بلا معنى وبلا تفسير

 

💠 ⚫️ يزعم حاتم العوني في كتابه الاستواء..
أن عبارات السلف بلا معنى وبلا تفسير: ظاهرة بنفي كل معنى وبرفض كل تفسير بلا قيد للمعنى المنفي كما في ص 24
وأن السلف يكتفون في آيات الصفات المشتبهة بقراءتها بلا زيادة عليها ولا نقص منها كما في ص 25

والرد عليه:
💠 ⚫️ لازم كلامه أن السلف لا يأخذون من آيات وأحاديث الصفات: صفات لله سبحانه, فلا يقولون: الوجه صفة والرحمة صفة, لأن إثبات كونها صفات قدر زائد على إمرارها كما جاءت حسب تصوره, فالسلف على هذا الزعم يقرؤون قوله تعالى [ ويبقى وجه ربك] ويكتفون بمجرد القراءة ولا يزيدون عليها تفسيرا ولا إثبات كونها صفات... ولا يقولون: الله فوق؛ لأن الآية جاءت بقوله [وهو القاهر فوق عباده], ولم تأت بإثبات الفوقية...
💠 ⚫️ وهذا بعيد عن هدي السلف, وهو مردود قطعا... فإذا أراد العوني أن يحمل كلام السلف في قوله أمروها كما جاءت على تفويض المعنى فيلزمه أن يحمله أيضا على تفويض كونها صفات لله سبحانه...
💠 ⚫️ ثم لو لم يثبت الصحابة لنصوص الصفات معنى ما أضافوا إلى الصفة أحكاما اختصت بها؛ فعن عبد الله بن عمر قال: (خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش والقلم وعدن وآدم, ثم قال لسائر الخلق كن فكان) فأثبت حكما مختصا باليد, < وعن ابن عباس قال: (إن الله لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثا: خلق آدم بيده,  وغرس الجنة بيده,  وكتب التوراه بيده) [

💠 ⚫️ وهنا أنبه إلى منشأ الغلط: عندما يريد أحد أن يستدل بالعبارات التي جاءت عن السلف فيجب عليه أن يدرك أن كلام السلف لم يأت مرسلا عن الواقع الذي كانوا يعيشونه, والإشكالية التي أرادوا معالجتها, فمن حاول أن يفهم كلامهم بعيدا عن واقع كلامهم والإشكالية التي كانوا يعالجونها في وقتهم: فقد ضل ولم يصب مرادهم, وهذا ما وقع فيه العوني ومن تأثر به, فحاولوا أن يخرجوا كلامهم عن سياق واقعهم.

💠 ⚫️ ما الواقع الذي كان يعالجه السلف؟

⚫️ كان السلف يعالجون إشكالية انتشار علم الكلام وظهور الفرق الكلامية, ولما كان أهل الكلام قد تأولوا النصوص على غير مرادها وفسروا الألفاظ على غير ما تعرفه العرب من لغتها جاء كلام السلف ببيان أن قراءتها تفسيرها, وأمروها كما جاءت بلا كيف...
💠 فلم يكن كلامهم خرج لتقرير تفويض المعنى ولا عدم إثبات كونها صفات لله سبحانه, وإنما كان كلامهم ردا على من خرج بالنص عن ظاهره فأحدث له معنى جديدا وتفسيرا محدثا
💠 ⚫️
وتأكيدا لهذا المعنى: انظروا إلى قول الإمام مالك: فعن عبد الرحمن بن مهدي يقول: دخلت على مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن, فقال: (لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد, لعن الله عمرا؛ فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام, ولوكان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل))( )
وقوله (إياكم والبدع قيل يا أبا عبد الله وما البدع قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان), فهو في سياق ردهم على أهل الكلام وما أحدثوه,
وكذلك قول الدارمي في معرض رده على ابن الثلجي المتكلم: (لا يحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب) ( )

⚫️ فالسلف لم يردوا كونها صفات وأن لها معنى معلوم في لغة العرب, وإنما ردوا تفسيرات الجهمية ونحوهم...

💠 والغريب أن يستمسك العوني بعبارات: كمثل: أمروها كما جاءت وبلا معنى ولا تفسر وقراءتها تفسيرها,...ويجعلها عمدته في نسبة تفويض المعنى إلى السلف, من غير أن يراعي السياق والواقع الذي لأجله تكلم بها السلف, ولا وضح لنا مقصوده بالتفويض وهل بدخل فيه التفسير بالمعنى اللازم والرسم الذي يقر به الأشاعرة في الصفات العقلية؟, وهذا من تلبيسه ومراوغته هداه الله

⚫️ وهنا أقول: لو كان السلف لا يثبتون للصفات معني لما فسروها, وعللوا الأحكام بها, ولما زادوا ألفاظا تدل على أصل المعنى المراد
فالإمام مالك لما أثبت رؤية الله في الآخرة زاد لفظا أكد به أصل المعنى المراد, فقال: (...الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم) ( ).
فقوله "بأعينهم" تأكيدا للمعنى الظاهر, فهي رؤية حقيقية بالأعين, ولم يقل: الله أعلم بالمعنى المقصود من الرؤية المتعلق بذات الله سبحانه,
ولما سئل عن معنى النظر في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. ينظرون إلى الله؟.قال: نعم, بأعينهم هاتين. ( )
و أخرج البيهقي عن ابن عباس أنه فسر استوى بـ صعد. ( ), وفي صحيح البخاري قال أبو الغالية استوى: ارتفع, وقال مجاهد: استوى: علا على العرش.( )

💠 فلو كان السلف يريدون بقولهم: بلا معنى وبلا تفسير: نفي كل معنى وكل تفسير كما زعم العوني: لما فسروا الاستواء بالارتفاع والصعود والعلو, سواء قلت إنه تفسير بمعناه الظاهر كما هو قول السلف أو قلت هو تفسير بلازم معناه الظاهر كما عليه جماعة من الأشاعرة.
بل لما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن قوم يقولون: لما كلم موسى لم يتكلم بصوت؟ قال: بلى تكلم بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت.
فقوله: "بصوت" أمر زائد على حروف قوله تعالى: [وكلم الله موسى تكليما], وقوله[وناديناه] فذكره للصوت دليل على إثبات الكلام والنداء على ظاهره الذي يقتضيه اللسان العربي, ولم يفوض معناه.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 29 يناير 2025

[إسلامي أو علماني مغالطة ثنائية يفرضها البعض ...]


النموذج الذي صُدر للعالم على أنه في مقابل العلمانية والمحافظ على ثوابت الإسلام وهو ما يعرف بالإسلام السياسي وهي تسمية ظالمة 

كان ضرره على الأمة الإسلامية عظيما من جهتين:

الأولى: جعله الناطق الرسمي أمام الغرب والممثل للنظرة الشرعية الإسلامية، وهو ليس كذلك

الثانية: تصوير أن من يحاربه ويرد عليه؛ لكونه لا يمثل الإسلام الصحيح 

أنه يريد العلمانية ويسعى لتوطيدها وتمكنيها...

بناء على المغالطة الثنائية التي ينادي بها أصحاب هذا التوجه وهي إما الإسلام السياسي الذي يمثله من يتبنى أفكار الإخوان 

وإما العلمانية أو الدكتاتورية... 


فأفضى هؤلاء على التجربة الإخوانية أو القطبية القداسة الدينية وجعلوها هي الناطقة باسم الإسلام ولذا شيطنوا كل من ينتقد كونها تمثل الإسلام الصحيح...

ولما بنيت هذه التجربة على شعار أن الحاكمية لله وحده، جعل غلاتهم أن معارضة ما بعرف بالإسلام السياسي كفر أكبر؛ لأنها معارضة للحاكمية، ومعارضة الحاكمية كفر..

لماذا أقول شعارا؟

لأنهم لما وصلوا للحكم لم يطبقوا ما كانوا يدعون إليه، واضطرهم وجودهم في المنصب تحكيم قوانين وضعية ودخلوا في تحالفات مع الكفار باسم السياسة الشرعية وفقه التدرج  زعموا

فسقط الشعار عند وصولهم للحكم... 


الخلاصة 

ليست فكرة المنشور في نقد وجوده بإطلاق في المعترك السياسي أمام العلماني

وإنما في اختزال الإسلام فيه وتصوير أنه هو الإسلام الصحيح أو أن من ينتقده يشكك في إسلامه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 20 يناير 2025

#نصر_أم_هزيمة ؟ #غزة

    


يقول البعض: (انتصرت حما س لكون اليهو د لم يحققوا الهدف الرئيسي وهو تدمير حما س , انتصرت حما س لأنهم فرضوا إرادتهم السياسية!!!!)


هذه هي معاييرهم، وهذا يعني كون حماس لم تدمر  يعد نصراً، حتى لو دُمرت غزة بأكملها وقُتل عشرات الآلاف من المدنيين. 


وهنا سؤال هل النصر في الإسلام يُقاس ببقاء طرف على حساب الآخر من غير اعتبار لكليات شرعية ونصوص جزئية؟


1- نعم, انتصرت لو حُصر القتال في المعركة بين المقاتلين من حما س واليهو د, فكان جيش مقابل جيش,  كما كانت معارك النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين الكفا ر....

(انتبهت للفرق المؤثر)

لو اقتصرت المعركة على قتال مباشر بين المقاتلين من الطرفين دون استهداف النساء والأطفال والمدنيين، لكان هناك مجال لتشبيهها بمعارك النبي ﷺ.


ولصح لنا أن نستشهد بمعركة بدر وحنين, وأن نستشهد بتوك .. 

فمعارك النبي ﷺ لم يكن الهدف تدمير المدنيين أو البنية التحتية.


ولصح لنا أن نستشهد بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أنه ليس في قتل الشهداء مصيبة, ويعني بالشهداء: من يعتادون القتال لا المدنيين....


مع أن الفقهاء نصوا أنه في حال الغزو لا يغزى مع من يضيع المسلمين, أو يقودهم إلى التهلكة, فالواجب على القائد عدم تضحيته بالمسلمين وعدم الاستخفاف بدمائهم, ففي المغني لابن قدامة (620) (13/ 14) قال أحمد : لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين ، وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين .

وكان البراء يُلقّب بـ " الْمَهلَكة " , وقد ذَكَر ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن سيرين أنه قال : كَتَبَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم .

وهذا يدخل فيه جهاد الدفع من وجه؛ لأن جهاد الدفع  لم يشرع لذاته ولا لتضييع المسلمين وإنما شرع لما فيه من دفع المفاسد, وهو قربة من هذه الجهة, فإزهاق النفس شُرع لدرأ مفسدة استيلاء الكفار وقتل المسلمين وأخذ أموالهم وانتهاك حرمة الدين.


2-الحفاظ على دماء المسلمين مقصود للشارع في جها د الدفع, كما قال تعالى:[وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا]

 لا سيما إذا كان للمسلمين فسحة في اختيار موعد مقاومة المحتل, وهو من هذه الجهة من جها د الطلب, ولا يتمحض فيه, كما بينته في رسالة "نازلة غ زة", وعليه فاشتراط القدرة الشرعية متوجه, بل واجب.


3-ما حصل لليهو د من عدم تحقيق أهدافهم كاملة وانهيار اقتصادهم وو... هزيمة بالنظر إلى معاييرهم 

لكن لا يلزم من ذلك انتصار حما س الانتصار بمعناه الشرعي العام, فالدمار الشامل والأنفس التي أزهقت بالآلاف في المعيار الشرعي يمنع من تقييم المعركة بأنهم خرجوا منتصرين بالهدنة وإيقاف نزيف الدماء إلا على معنى رفع الضرر والأذى...


4-لومنا حما س هو في باب الشروع وعدم تقدير المفسدة التي تلحق من هم فوق الأرض من المدنيين, وكما نلوم حما س نلوم القادرين من الأمة حكاما وشعوبا في عدم دفع الضرر عن المسلمين بعد الوقوع, كما نلوم أيضا كل من أعان اليهو د على إخوانهم المسلمين....


5-ليس المقصود من هذا الكلام التنغيص على أهل غ ز ة والمسلمين فرحتهم بوقف هذا الدمار الشامل, فنحن نفرح بفرحهم ونحزن لحزنهم, ونصرهم برفع الضرر عنهم ونسأل الله حسن العاقبة لهم

 وإنما المقصود الرد على من يستهين بدمائهم فيعتبر الهدنة نصرا بالمعنى الشرعي العام, كما أن المقصود أيضا عدم استنساخ هذه التجربة إذا غلب على الظن أنها تنتج النتيجة نفسها, فضلا عن تكرارها بنفس المعطيات.... ولا يعني ذلك الخنوع للعدو وعدم إعداد العدة لقتا له لكن بما لا تكون مضرته راجحة.


هذا موقفي وأحسب أنه موقف كل مسلم يدرك الحقائق الشرعية ويعتبر بالمآلات, ولا ينزل النصوص الشرعية في غير مواردها.


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 3 يناير 2025

تحرير وجه دخول الابتداع في الذكر الجماعي بصوت واحد

 #الذكر_الجماعي بصوت واحد اشتمل على أمرين:

الأول: الذكر

الثاني: هيئة مخصوصة وهي الاجتماع مع اتحاد الصوت والجهر به 

فما الذي دلت عليه النصوص التي ندبت على الذكر؟

 

الآيات التي تحض على الذكر كقوله تعالى:[ الذين يذكرون الله قياما وقعودا]

دلت على مشروعة أصل الذكر، وأطلقت الهيئات، 

فشرع الذكر بالإطلاق لا بالتقييد...


وأما الهيئة المخصوصة فهي أمر زائد على الإطلاق في النص، 

والذين يذكرون الله بصوت واحد مجتمعين يجعلون هذه الهيئة قد دل عليها النص المطلق، وأنها مقصودة لله

بمعنى أنهم قيدوا ما أطلقه الله، فدخلت عليهم شائبة البدعة من هذا الوجه؛ فهم نقلوا النص من الإطلاق إلى التقييد..

سؤال ما ابذي دل عليه النص الشرعي؟

الجواب: دل على الذكر من حيث هو ذكر وبأي هيئة كانت 

هذا الذي دل عليه النص المطلق، فمن عمل بهيئة ما؛ لأن النص المطلق يحتملها من غير تعظيم لها أو اعتقاد فضلها واستحبابها ومن غير قصد تخصيص النص بها؛ فهنا يكون قد عمل بالمطلق على إطلاقه

وأما إذا قصد تخصيص الذكر بهيئة معينة، أو اعتقد فضل هذه الهيئة بخصوصها فيكون قد خرج من إطلاق النص إلى تقييده، 

قد يسأل يائل: من أين جاءه الابتداع؟

وجوابه: جاءه الابتداع من جهة قصد التخصيص أو اعتقاد الفضل والاستحباب للهيئة المخصوصة.. 


وهذا التقرير كله إذا لم يأت عن الصحابة إخراج هيئة مخصوصة من أن تكون مرادة للشارع وحكموا بكونها بدعة 

كما صح عن ابن مسعود لما أنكر اجتماع الناس على التسبيح حلقا حلقا بصوت واحد

فهذه الهيئة بخصوصها منهي عنها ولا يصح ذكر الله بها مطلقا... 

أو أنهم تركوا العمل بهيئة معينة مع أن النص يتناولها 

فعدم العمل بها دليل على عدم مشروعيتها.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 2 يناير 2025

حكم الخروج عن المذاهب الأربعة

 حكم الخروج عن المذاهب الأربعة 


يحتج بعضهم على منع المسح على الجورب الرقيق بأنه خلاف المذاهب الأربعة

وبعضهم يضيف مصطلح الإجماع فيقول مخالف لإجماع المذاهب الأربعة

موهما أن إجماع المذاهب الأربعة في قوة إجماع الأمة في عصر ما

بحيث إنه لا تجوز مخالفته؛ لكونه حجة!!!

ومن المعلوم عند الأصوليين أن إجماع المذاهب الأربعة لا يعد إجماعا؛ لأنهم بعض الأمة وليسوا جميع الأمة...

ونعني بالأمة هنا مجتهديها..

ولا يكون أيضا حجة...

قال ابن تيمية: «قد اتفق العلماء على أنه ليس إجماع الفقهاء الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة أو الثمانية أو التسعة أو العشرة -كمالك والثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وداود بن علي ومحمد بن جرير- هو الإجماع المعصوم الذي يجب على جميع المسلمين اتباعه» 


تبقى مسألة هل يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة في حكم مسألة؟ 


ليس من محل البحث: الخروج عن المذاهب الأربعة إلى قول شاذ..

ولا الخروج عنها في عامة مسائل الشريعة؛ فالخروج عنها في عامة مسائل الشريعة لا يجوز؛ لأنه يمتنع عادة أن تخطئ المذاهب الأربعة بمجموعها الحق في عامة الشريعة مع كثرة من انتسب إليها من العلماء المحققين والأئمة المجتهدين ....

‏ولا يجوز الخروج عن المنهجية الاستدلالية التي سلكها الفقهاء في تأسيس مذاهبهم الأربعة واستقرارها

ولا الزيادة عليها

فإحداث منهجية استدلالية في الفقه لم يكن عليها الأوائل مردود على محدثها كائنا من كان؛ لإجماع الأمة عليها... 


وإنما محل البحث هو الخروج عن المذاهب الأربعة في بعض مسائل الشريعة

فمن العلماء من منع الخروج؛ سدا لذريعة الوقوع في قول شاذ أو لانضباط المذاهب وحفظ الله الفقه بالمذاهب كما حفظ الله القرآن بالقراءات، أو تعصبا... 


ومن المانعين من غلا حتى ضلل المخالف؛ بناء على أصل فاسد في التعامل مع ظواهر النصوص، قال الصاوي المالكي في حاشيته على تفسير الجلالين: «ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر»

وقد أحسن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الرد عليه بقوله: «أما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو كانت أقوالهم مخالفة للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم وإجماع الأئمة الأربعة أنفسهم، فالذي ينصره هو الضال المضل» 


ومنهم من جوز الخروج عن المذاهب الأربعة في حكم مسألة... 


والأقرب هو جواز الخروج عن المذاهب الأربعة لأمور:

الأول: أن الله لم يربط الحق والصواب بقول الكثير من أهل العلم ولا بقول الأكثرية، وإنما ربطه بقيام الدليل الراجح عليه

ولما ربط الله الصواب بقيام الدليل عليه لم يلزم المجتهد بإصابة الحق الذي يريده سبحانه، وإنما كلفه بالاجتهاد فإن أصاب الحق فله أجران وإن لم يصبه فله أجر الاجتهاد...

الثاني: أن أقوال الصحابة والتابعين والأئمة لا تموت بموت قائليها، وعدم أخذ المذاهب بها لا يسقط احتمالية أن تكون هي الحق الذي يريده الله سبحانه، فالحق واحد ، والأدلة تحتمل أوجها...

الثالث: أن الله أمر عند التنازع الرجوع إلى الكتاب والسنة ولم يأمرهم بالرجوع إلى المذاهب الأربعة ولا نهى عن الخروج عنها،  قال ابن تيمية: «إذا قال من ليس من أتباع الأئمة كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ومَن قبلهم ومَن بعدهم من المجتهدين قَولًا يُخالِف قول الأئمة الأربعة، رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكان القولُ الراجحُ هو القول الذي قام عليه الدليل»

الرابع: أن مجتهدي الأمة ليسوا منحصرين في أصحاب المذاهب الأربعة ولا في المنتسبين للمذاهب، كما أن أصل الاجتهاد لا ينقطع إلى قيام الساعة... 


فإن قيل: قد ادعى بعض العلماء أن الامة اتفقت في العصور المتأخرة على أن الحق لا يخرج عن المذاهب الأربعة كما ذكر ذلك الزركشي في البحر المحيط والجويني، وقال صاحب المراقي: والمُجْمَعُ اليومَ عليهِ الأَرْبَعَة ** وقَفْوُ غَيْرها الْجَمِيع مَنَعَهُ

وقال ابن حجر الهيتمي - رحمه الله تعالى في الفتاوي: " تقليد غير الأئمة الأربعة رضي الله عنهم لا يجوز في الإفتاء ولا في القضاء. وأما في عمل الإنسان لنفسه فيجوز تقليده لغير الأربعة " 


قيل: هذا فرع مسألة خلافية وهي أن الإجماع بعد خلاف يرفع الخلاف

والصواب فيها أن الأقوال لا تموت بموت قائليها وإنما يبقى القول تحتمله الأدلة ويمكن أن يكون هو الحق...

ثم إن الإجماع منعقد على أن المجتهد على اتباع ما أداه إليه ، وأن من قلده فقد سلم... 


وقد اتكأ ابن رجب في منع الخروج عن المذاهب الأربعة على أنَّ مذاهب غير الأئمة الاربعة لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نُسب إليهم ما لم يقولوه، أو فُهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذبّ عنها، ويُنبّهُ عَلَى ما يقع من الخلل فيها.

إلا أن هذا الاتكاء منقوض بإمكانية تحقيق القول وضبطه لا سيما وأن كتب الآثار والخلاف العالي وغيرها اعتنت بذكر أقول الصحابة والتابعين  بالأسانيد مما يسهل ضبطها وتحقيق نسبتها إلى القائل بها، كما أن الأدلة تحتمل هذا القول، قال ابن تيمية: «قد دُوِّنَتْ -ولله الحمد- ألفاظُ مذاهب السلف بأعيانها في غير مصنف كما دونت ألفاظ الأئمة، وَمَنْ نُقِلَ لَفْظُهُ على وجهه كان أبلغ من أن ينقل قوله بالتصرف الذي يقع فيه خطأ كثير، كما نقل الخراسانيون مذهب الشافعي بتصرفهم، فيخطئون كثيرًا فيما ينقلونه، بخلاف مَنْ يَنقل ألفاظه كالعراقيين، فنقل مذاهب السلف المنقولة ألفاظها على وجهها أَصَحُّ مِنْ نقل طائفة من مذاهب الأئمة المشهورين» 


قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «والذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن هذه الاحتمالات التي عللوا بها تقليد غير الأربعة لا تصلح دليلًا على المنع مطلقًا؛ لجواز أن يحقق بعض الفتاوى تحقيقًا ظاهرًا لا لبس فيه» 


وأختم بمسألة من طلق ثلاثا في مجلس واحد فقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية مخالفا المذاهب الأربعة أنها تعد طلقة واحدة 

وقد أخذ بقول ابن تيمية في العصور المتأخرة كثير من الفقهاء واعتمد قوله في كثير من المحاكم؛ لعموم البلوى وتصحيح الأنكحة وحفظ للانساب...

فلو كان الخروج عن المذاهب الأربعة خطأ او ضلالا لخطأنا أو ضللنا من أفتى بقول ابن تيمية قبل ابن تيمية وبعده..!!! 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار