الخميس، 23 يوليو 2015

المنهجية في طلب العلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الشيخ الفاضل أحمد النجار وفقه الله
هذا سؤال طُلب مني عرضه عليك
السؤال / كثرت المنهجيات العلمية علينا وكل يوصي بما يوصي به غيره...وقرأنا في ذلك الكثير وأكثرهم يُنظر تنظير غير واقعي بل وجدنا بعضهم يوصي بمالم يقرأه هو !
شيخنا ماهي الطريقة التي وجدتها نافعة في طريق الطلب ومجدية ، من جهة التدرج في الطلب ومايغني عن غيره بعداً عن التكرار ، وكم يكفي طالب العلم من وقت ، وماهي المتون التي وجدتم نفع حفظها؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
نفع الله بكم
هذا السؤال لا يجيب عليه أمثالي، وإنما يجيب عليه من رسخ في العلم، وحقق فيه نجاحا كبيرا.
لكن مادام أنه وُجِّه إليه فسأجيب عليه، وستكون إجابتي قاصرة؛ لقصوري وتقصيري.

لابد لطالب العلم حتى يتمكن من وضع هدف له واضح ومتزن وموضوعي مناسب لقدرته ووقته
ويجعل هذا الهدف هما له يبذل فيه الغالي والنفيس؛ لتحقيقه.
والمنهجيات متعددة كما جاء في السؤال؛ لتعدد الأهداف، واختلاف قدرة الطلبة على تحقيق أهدافهم.
ولهذا ليس كل منهجية يذكرها العلماء تصلح لكل طالب، وإنما على طالب العلم ان يسلك المنهجية التي تناسب هدفه وقدرته.
وأهم مراحل الطلب مرحلة التأسيس وهي المرحلة الأولى، وبها تتكون شخصية طالب العلم.
وعلى ضوئها تكون النهاية، فمن كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة.
وعلى طالب العلم في بداياته ان يأخذ من كل العلوم الشرعية بطرف، ولا يقتصر على فن دون غيره.
ويحرص على المعتمد في كل فن عند أهل التخصص؛ لأنه في الغالب يكون جامعا، وعليه شروحات وتعليقات كثيرة.
ثم بعد ذلك هو بين أمرين على حسب قدرته وهدفه:
١-أن يتفنن فيصبح عالما شموليا.
٢- أن يتخصص في العلم الذي يميل إليه.
والعلم النافع وطرق تحصيله منة، والله ييسر الأسباب.

وأما عن تجربتي فلا يصح ان يعتمد عليها؛ لقصورها، لكن لا بأس بسرد شيء منها:
من توفيق الله لي أن كانت بداياتي الاكاديمية في كلية الحديث، فاشتغلت بعلم الحديث جرحا وتعديلا وتخريجا ونقدا.
وهذا يكسب طالب العلم التثبت والنقد، وألا يأخذ كل ما يلقى إليه مسلما، كما يكسبه تعظيم السنة والذب عنها، وتعظيم أهل الحديث الذين بذلوا أنفسهم للذب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكسب أيضا تقديم الأثر على الرأي المجرد.
وهذا كله مؤثر في شخصية طالب العلم.
واستمرت دراستي في الكلية أربع سنوات تخللها الحضور للمشايخ في المساجد، وكان من أعظم ما درسته عليهم متون باب الاعتقاد.
ثم انتقلت في الماجستير والدكتوراه لقسم العقيدة
فأكسبتني هذه النقلة التخصص في باب الاعتقاد.
وباب الاعتقاد يستفيد منه طالب العلم اصلاح القلب والجوارح من جهة، ومعرفة ما عليه السلف الصالح من اعتقاد من جهة أخرى
ثم معرفة ما عليه المخالفون لأهل السنة من ضلالات وانحرافات.
وأفدت من هذا التخصص الاعتناء بأصل أقوال أهل البدع وشبههم، وما تؤول إليه أقوالهم.
واتضح لي جليا رسوخ السلف في باب الاعتقاد؛ لاعتمادهم على الوحي.
كما اتضح لي بطلان مذهب أهل البدع؛ لبعدهم عن الوحي، وكثرة تناقضاتهم.
وهذه النظرة جعلت عندي هما وهو إرجاع بقية العلوم لما كان عليه السلف، وتصفيته من الدخيل.
ذلك لما رأيت أن علوم الآلة قد هيمن عليها المتكلمون.
فاتجهتُ إلى أصول الفقه؛ لأن غالب الكتب التي وصلت إلينا فيه هي لأرباب أهل الكلام
فبدأت بمشروع التصفية، فألفت فيه كتبا نقية على هدي السلف،  ونقدت كتبا لأهل الكلام كالمنهاج للبيضاوي.
وعنايتي بعلم الأصول أكسبتني حسن التصور والحكم؛ لأنه آلة الاجتهاد حقيقة، ولا أدعي لنفسي الاجتهاد فما زال الوقت عليه طويلا.
كما أكسبتني العناية باللفظ والمعنى، وبالظاهر والتعليل.
وأدركت طرق الجمع والترجيح عند تعارض الأدلة.
وهذا العلم يكسب الدقة، وله تأثير قوي على شخصية طالب العلم.
ولا يزال هم التصفية الذي استفدته من تخصصي في باب الاعتقاد يراودني فانتقلت إلى مقاصد الشريعة؛ لأنها قائمة على التعليل، وهي مسألة كبيرة خالف فيها المتكلمون، وهكذا
وبعد ضبط هذه العلوم سيكون الهدف التالي باذن الله تعالى هو الفقه...
فهذا التدرج أثر في حياتي العلمية وشخصيتي
بدءا بالحديث وانتهاء بالفقه
ولا أزال في مرحلة الطلب
فأسأل الله أن يتمه بخير، ويطرح فيه البركة، ويجعله خالصا لوجهه

والحذر الحذر من المثبطين فما أكثرهم، وعلى طالب العلم ألا يلتفت إليهم.
وأشير هنا إلى أنه في بداية الطلب على طالب العلم أن يعتني بتلخيص الكتب في دفاتر ومراجعتها وحفظها ثم بعد التمكن ينتقل إلى البحث في المسائل، ثم يختم ذلك بتأليف الكتب التي هي ولده المخلد

وأما الكتب التي تقرأ فمعروف أنه يبدأ بالمختصرات ثم المطولات، وقد تكلم عليها أهل العلم كثيرا، وذكروا متونا معينة، لكن الذي أضيفه هنا أن على طالب العلم أن يعتني بالقواعد والأصول في كل فن؛ لأنها تختصر له العلم، وبها يضبط المسائل.
وضبط القواعد يكون بتصورها تصورا صحيحا, ثم بمعرفة أدلتها ومستثنياتها, ومحلها؛ حتى توظف توظيفا صحيحا.
والكتب منها كتب تأصيلية, ومنها كتب للجرد, ومنها كتب تكون مراجع, ومنها كتب للنقد.

وأما المدة الزمنية, فطالب العلم في الطلب ليس له وقت محدد, وإنما يطلب العلم من المهد إلى اللحد.
لكن المراحل الأولية لابد أن يكون لها وقت محدد, فلا يعيش طالب العلم جل عمره في المختصرات أو ما فوقها بقليل, وتحديد هذه الفترة يرجع إلى همة طالب العلم, وسلوكه الطريق الصحيح في الطلب.
وكلما نحى منحى القواعد والأصول قصرت عنده المدة.

ووصيتي لنفسي وطلبة العلم: أن يعتنوا بجليل العلم ودقيقه، وواضحه وخفيه
فيتعلم طالب العلم المسألة وحكمها ودليلها وعلتها والاصل الذي تندرج هذه المسألة تحته
كما يعتني بمعرفة النظائر والاشباه
فرب مسألتين يتفقان في الصورة ويختلفان في الحكم
ويعتني أيضا بإرجاع الجزئيات إلى الكليات، والفروع إلى الأصول
وقديما قال الشافعي:( من طلب العلم فليدقق حتى لا يذهب دقيق العلم)
فمن اعتنى بهذه الأمور فهو حقيقة طالب علم
وبقدر نقص معرفته بهذه الامور ينقص تحقق وصف طالب العلم فيه

ومن أراد أن يستفيد حقيقة فيجب عليه الرجوع إلى كبار العلماء، فيضيئون له الطريق، ويبصرونه السبيل السديد
أسأل الله أن يجعلنا من العلماء الربانيين

كتبه
احمد محمد الصادق النجار
٦-١٠-١٤٣٦هـ

الأحد، 19 يوليو 2015

الرجوع إلى العلماء



هذه الجملة كثير ما نسمعها، وهي حق في نفسها، لكن استعملها بعضهم في تقرير الباطل، فصار لزاما على طلبة العلم تحليلها ووضع نقاط الحق على حروفها.
وكم من عبارة صحيحة أريد بها معنى باطل، أو تمرير باطل.

هذه الجملة مكونة من كلمتين:
الرجوع - العلماء
فلابد من فهم هاتين الكلمتين كلٌّ على حده
ثم من فهمهما معا.
اولا فهم كل عبارة وحدها:
١-الرجوع مصدر رجع وهو بمعنى عاد.
٢-العلماء جمع عالم
والعالم هو المتبع للكتاب والسنة, والذي غلب صوابه على خطئه.
- ومن الغلط إنزال لقب العالم على ما لم يتحقق فيه وصف العلم.
والعلماء درجات منهم الراسخ، ومنهم من هو دونه.
ومنهم المتفنن، ومنهم المتخصص.
وليس كل من ادعى أنه عالم او ادُّعِي فيه أنه عالم يكون عالما.
وهذا يجب التنبه له؛ لأن إنزال الوصف على المعين يحتاج إلى فقه وورع.
ثانيا فهم العبارتين معا:
الرجوع للعلماء بمعنى العودة إلى أقوالهم واجتهاداتهم وفهمهم.
فإذا أجمعوا على أمر فلا يجوز لأحد أن يخالفهم.
وإذا اختلفوا فيؤخذ بأحد أقوالهم؛ بناء على الأدلة وقوتها، لا مجرد الهوى.
ولا يجوز إحداث قول جديد.
وليس محل البحث الان عن التلفيق.

والمتبع للعلماء لا يخلو من رجلين:
إما أن يكون مقلدا؛ فهذا واجبه سؤال العلماء، كما قال تعالى: فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
وإما أن يكون مجتهدا؛ فهذا الواجب عليه ألا يحدث قولا جديدا لم يسبق إليه.
ويكون ترجيحه بناء على الأدلة كما هو مبثوت في كتب أصول الفقه والمصطلح

هذا هو الفهم الصحيح لهذه الجملة، فلا يجوز لإنسان أن يقول بقول ليس له فيه إمام، او يخالف اجماع العلماء.
والرجوع للعلماء الربانيين مما تميز به أهل السنة، ودعا إليه الصحابة كابن مسعود وابن عباس، ومن بعدهم من الأئمة.
وقد تقدم في مقالي السابق المعنون ب" التذبذب بين الحق والباطل" أن العلماء الراسخين لا يبتدعون في دين الله.

وأما الباطل الذي يمرر من خلال هذه الجملة فمتعدد، منه:
١-الدعوة إلى التحزب والتعصب لبعض العلماء دون بعض؛ بحجة اتباع العلماء.
٢-حصر العلماء في طائفة منهم.
٣-إلزام طلبة العلم ألا يخرجوا عن أقوال بعض العلماء مع أن هناك قولا معتبرا لغيرهم.
٤- الرجوع إلى علماء أهل البدع فيما ضلوا فيه؛ بحجة اتباع العلماء.
٥- عدم الالتفات الى أقوال السلف المخالفة لما عليه بعض المعاصرين، وانما العبرة بأقوال بعض المعاصرين وفهمهم.
٦- إحداث قواعد ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها: أن كلام السلف لا يفهم إلا وفق فهم بعض العلماء وان خالفهم غيرهم.
٧-  الغلو في بعض العلماء على حساب غيرهم من العلماء.
إلى غير ذلك.
وبعضهم يحتج برجوع العلماء في عصر الامام أحمد للامام أحمد
وهذا ليس فيه حجة على إلزام الناس بقول عالم دون غيره؛ لأن من رجع للامام احمد من العلماء رجع إليه في مسألة عجز عن معرفة حكمها؛ لاشتباهها عليه.
وقد اختلف الاصوليون هل للمجتهد أن يقلد مجتهدا آخر؟
فمنهم أجاز، ومنهم من منع على تفصيل ليس هذا محله.
أما أن يكون للعلماء أقوال مختلفة فيُلزم الإنسان بقول عالم دون غيره فهذا هو المحذور، وليس من منهج السلف في شيء.
نعم قد يتكلم العالم في رجل أو مسألة ويسكت غيره؛ لأنه يجهل حال المتكلَّم فيه، او المسألة ، أو ضاق عليه الوقت، ويثق في ورع العالم وعدله وإنصافه،  وسكوتُه لا يلزم منه أن يتكلم
لكن متى ما تبين له خلاف ما قرره ذلك العالم فإنه لا يوافقه، كما لم يوافق الامام مسلم وغيره الحافظ الذهلي في كلامه على الامام البخاري.
وكما لم يوافق ابن القيم الامام احمد في مسألة اللفظ ومال إلى قول البخاري
وكما ذكرت سابقا متى ما اختلف العلماء فالعبرة بالأدلة، ويسوغ الأخذ بأحد القولين.

والسلفية من أصولها: نبذ التقليد والتعصب لشخص دون غيره إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم الحذر كل الحذر ممن يسفه علماء أهل السنة أو يطعن فيهم، أو يحذر منهم.
أو يقول: نحن رجال وهم رجال.
او يقول: لا تكن إمعة للعلماء.
او يقول: لا تنظر بعيون الآخرين.

ومما ينبغي التنبيه عليه: أن  العالم من أهل السنة إذا أخطأ في مسألة فيجب أن تحفظ كرامته، ولا يتابع على قوله؛ لأننا مأمورون باتباع الحق لا باتباع الرجال، والعلماء يستدل لهم ولا يستدل بهم.

ونحن في هذه المسائل بين غلو وتفريط
والحق بينهما.

فلنحافظ على أصولنا ونفهمها فهما صحيحا، ونحارب كل من يريد تشويه السلفية، وإدخال أصولٍ فيها هي منها براء.
والله المستعان.

هذا ما جادت به القريحة نصحا للمسلمين، وذبا عن منهج السلف ان يدخل فيه ما ليس منه، وإبراء للذمة.
فأسأل الله أن ينفع به

كتبه
احمد محمد الصادق النجار
٤-١٠-١٤٣٦هـ
من الذي يفرح بمجيء ‫#‏العيد‬؟
الصائم يفرح بالعيد كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
لكن
الذي يفرح بمجيء العيد حقيقة من تقبل الله منه الصيام والقيام
الذي يفرح بالعيد حقيقة من عُتق في شهر رمضان من النار
الذي يفرح بالعيد حقيقة من غفرت ذنوبه في شهر رمضان
الذي يفرح بالعيد حقيقة من استصحب مقصود الشارع من الصيام بعد رمضان
الذي يفرح بالعيد حقيقة من أمسك بعد رمضان عن كل ما يغضب الله
الذي يفرح بالعيد حقيقة من يحافظ على عمله بعد عمله
الذي يفرح بالعيد حقيقة من جعل عيده خاليا من معصية الله
فليت كل واحد منا يتفكر في هذه الأمور المهمة
وقد خرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد الفطر، فقال في خطبته: "أيها الناس، إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم".
أسأل الله ان يتقبل منا الصيام والقيام والأعمال الصالحة
وأن يغفر لنا تقصيرنا وتفريطنا
كتبه
احمد محمد الصادق النجار
٢٩-رمضان-١٤٣٦هـ
السلام عليكم:عندي سؤالان

1/ما حكم الطواف بالقبور؟
2/قوله (صلى الله عليه وسلم)من كان في قلبه مثقال ذرة من ايمان:
ماالمقصود بالايمان هنا هل هو عمل القلب او عمل الجوارح؟
وعليكم السلام
اما جواب السؤال الاول؛ فالطواف تقربا لغير الله شرك أكبر؛ لأن الطواف عبادة، وقد جعله الله خاصا بالبيت الحرام، وصرف العبادة لغير الله شرك أكبر
وهو من فعل أهل الجاهلية
أما إذا كان تقربا لله لكن في غير المسجد الحرام فإنه يكون محرما باتفاق المسلمين وهو من البدع، ووسيلة للشرك.
-محرم؛ لمخالفته للأمر في قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق
-بدعة؛ لأنه تقرب لله بعبادة في غير محلها
وقد بينتُ ذلك في رسالتي" تحرير القواعد المتعلقة بأحكام زيارة القبور"
وأخطأ من نسب هذا التفصيل للمرجئة؛ لأنه ينافي مذهب المرجئة
فالمرجئة يرون ان الانسان قد يفعل الكفر او يقوله ظاهرا ويكون مؤمنا في الباطن
ويحصرون الكفر الباطن في التكذيب
وهذا أمر ينبغي التنبه له
اما جواب السؤال الثاني فالمراد مثقال ذرة من الايمان الواجب، والايمان الواجب يدخل فيه قول القلب وعمله ويدخل فيه أيضا عمل الجوارح،
كتبه
احمد محمد الصادق النجار

التذبذب بين الحق والباطل


التذبذب بين الحق والباطل، دليل على عدم التأصيل العلمي
فتجد صاحبه يميل مع الحق تارة، ويميل مع الباطل تارة أخرى
والأعظم منه أن ينقلب الحق عنده باطلا، والباطل حقا.
وهذا ناتج عن عدم تصور الحق والباطل من جهة
وعلى عدم الثبات على الحق لمن تصوره من جهة أخرى
وليس كلامي هنا على عدم الثبات على الحق، أو اتباع الهوى، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء
والله سبحانه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء
لكن محل كلامي هنا عن عدم التصور؛ لضعف التأصيل العلمي.
وضعف التأصيل قد يكون كليا، وقد يكون جزئيا.
وينبغي أن يقرر أن الحق لابد أن يكون متصورا في نفسه تصورا ظاهرا، واضحا في أدلته
نعم، قد يلتبس الحق في آحاد المسائل، لكن لا يمكن ان يكون الإنسان مؤصلا تأصيلا صحيحا ويلتبس عليه المنهج العام.
ولهذا العلماء الربانيون الراسخون لا يبتدعون في دين الله.
قال الشاطبي في "الاعتصام": (( أن كل راسخ لا يبتدع أبدا وإنما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من العلم الذي ابتدع فيه حسبما دل عليه الحديث ويأتي تقريره بحول الله فإنما يؤتى الناس من قبل جهالهم الذين يحسبون أنهم علماء وإذا كان كذلك فاجتهاد من اجتهد منهي عنه إذ لم يستكمل شروط الاجتهاد فهو على أصل العمومية ولما كان العامي حراما عليه النظر في الأدلة والاستنباط كان المخضرم الذي بقي عليه كثير من الجهلات مثله في تحريم الاستنباط والنظر المعمول به فإذا أقدم على محرم عليه كان آثما بإطلاق ))
فمناط الابتداع عدم الرسوخ في العلم.
والانسان قد ترد عليه الشبه فتخفي وضوح الحق عليه، أو تعمي عنه أدلته
لكن ذلك سرعان ما ينجلي على المؤصل اذا أرجع المتشابه الى المحكم، واستعمل القواعد الصحيحة.
ولا أريد أن أبحر كثيرا في هذا، لكنها دعوة مني للتأصيل العلمي، وعدم الالتفات إلى أقوال من لم يكن مؤصلا.
وعلى من لم يكن مؤصلا أن يمسك عن الكلام؛ حتى يتأصل، فهو خير له.
ويتمثل التأصيل العلمي:
في معرفة الدليل وحجيته ومرتبته، وكيفة دلالة الدليل على الحكم.
والذي دعاني إلى هذه الكتابة ما أراه من تخبطٍ في مسائل الكفر والبدعة.
فكم من إنسان اختلط عليه منهج أهل السنة في التكفير والتبديع بمنهج أهل البدع.
وكم من إنسان ظن أن منهج أهل البدع هو المنهج الحق.
وقد يتحير البعض فيقول: كيف يخفى هذا الحق على بعض المشايخ، أو على طلاب الدراسات العليا، ونحو ذلك؟.
فرأيت أن أبين أن مناط الحكم راجع لضعف التأصيل
ولا أنكر أن هناك أسبابا أخرى، ينبغي تسليط الضوء عليها
لكني ركزت على هذا السبب دون غيره؛ لأبين أن من ضعف تأصيله يجب تركه، والاعراض عنه في هذا الباب اذا كان الضعف عنده جزئيا.
أما اذا كان عدم تأصيله كليا فهذا لا يلتفت إلى أقواله مطلقا، ويجب الاعراض عنه.
كتبه
أحمد محمد الصادق النجار
قال حمد بن ناصر آلِ معمر : وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر بخلافه، تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد. وقيل: يأخذ بقول الأفضل منهما علما ودينا.
س:ما الفرق بين ما سبق وبين تتبع الرخص وما ضابط تتبع الرخص ؟
نفع الله بكم
العامي اذا أفتاه مجتهدان فمن العلماء من ذهب إلى أنه يختار الأيسر
ولاشك ان هذا من تتبع الرخص
لكن هل هذا التتبع منهي عنه ؟
من العلماء من عده من المنهي عنه، وأن الواجب على العامي أن يرجح بالأعلمية
والأقرب: أن تتبع الرخص منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم
وما جاء في كلام الشيخ حمد من المحمود؛ لأن المقلد لا يعرف أي قولي المجتهدين أصح فيتخير بينها -على قول-؛ بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خير بين شيئين اختار أيسرهما
مع القطع أن المصيب منهما واحد، وأن الحق لا يتعدد.
وأما المذموم فهي ما بني على التشهي، والاعراض عن الادلة، وكان ملازما للانسان في جل المسائل أو كلها.
وضابطه: مصادمة النص او الاجماع، او تتبع الرخص مطلقا.
فلا يجوز للانسان عاميا كان او عالما ان يأخذ بقول يخالف النص والإجماع ولو قال به من قال؛ لأن فيه اتباع الهوى، والشريعة جاءت لإخراج الناس من اتباع داعي الهوى.
كما لا يجوز له أن يتتبع الرخص مطلقا فيكون منهجا له.
والله أعلم
كتبه
احمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 14 يوليو 2015

شبهة في التفريق بين باب التكفير والتبديع والجواب عنها



من الشبه التي ذكرها بعضهم أن شيخ الإسلام يفرق بين باب التكفير والتبديع في تنزيل الحكم, وأنه في التبديع لا يراعي توفر الشروط؛ استنادا على قوله رحمه الله: (فأما مسائل الدين التي يتنازع فيها كثير من الناس في هذه البلاد، مثل مسألة الحَرْف والصوت ونحوها، فقد يكون كُلٌّ من المتنازِعَيْن مبتدِعًا، وكلاهما جاهلٌ مُتأوِّل). "مجموع الفتاوى" 23/ 356.

وقوله أيضاً: (ولا ريب أن مَن قال: إن أصوات العباد قديمة فهو مُفتَرٍ مبتدع، له حُكم أمثاله، كما أن مَن قال إن هذا القرآن ليس هو كلامَ الله فهو مُفتَرٍ مبتدع له حُكم أمثاله.

ومَن قال: إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، بل بعضُه كلام الله وبعضه ليس كلام الله مُفتَرٍ مبتدع له حُكم أمثاله. 
ومَن قال: إن معنى آية الكرسي وآية الدَّين و﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿تبت يدا أبى لهب﴾ معنى واحد فهو مفتر مبتدع، له حكم أمثاله.
وأما (التكفير) فالصواب أنه مَن اجتهد مِن أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقَصَد الحق فأخطأ لم يُكفَّر؛ بل يُغفر له خطؤه، ومَن تبيَّن له ما جاء به الرسول، فشاقَّ الرسولَ من بعد ما تبيَّن له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقاً وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته. 
فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كلُّ مخطئ ولا مبتدع ولا جاهلٍ ولا ضال يكون كافرًا، بل ولا فاسقًا بل ولا عاصيًا، لا سيما في مثل مسألة القرآن، وقد غلط فيها خَلْق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم والدين، وغالبُهم يقصد وجهًا من الحق، فيتبعه، ويَعزب عنه وجه آخر لا يُحققه، فيبقى عارفًا ببعض الحق، جاهلًا بعضه، بل مُنكرًا له). "مجموع الفتاوى" 12/179-180.


والجواب:
لفهم كلام شيخ الإسلام يجب أن يُعلَم محله, فإطلاق الكلام من غير معرفة محلِّه خطأ في التصور, ويترتب عليه خطأ في الحكم.
والواجب على طالب العلم أن يكون ذا تصور تصحيح؛ ليكون حكمه حقا وعدلا.
ومحل كلام شيخ الإسلام في المبتدع الأصلي المخالف في مصدر التلقي, لا في السني الذي أخطأ.
ويتضح هذا بإيراد أسئلة وهي:
1-هل مذهب السلف أن الأصوات قديمة؟
2-هل مذهب السلف أن القرآن ليس هو كلامَ الله؟
3-هل مذهب السلف أن معنى آية الكرسي وآية الدَّين و﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿تبت يدا أبى لهب﴾ معنى واحد؟
...
فإطلاقه اسم المبتدع ابتداء وقع في محله؛ لأنه يتكلم عن المبتدع الأصلي الذي خالف في مصدر التلقي.
وأما قول شيخ الإسلام: ((... مسألة الحَرْف والصوت ونحوها، فقد يكون كُلٌّ من المتنازِعَيْن مبتدِعًا، وكلاهما جاهلٌ مُتأوِّل ))
فحق؛ "فقد", و"قد" هنا للتقليل, فلا يكون الجهل مانعا لمن كان مبتدعا أصليا, كما بينته في رسالتي:"تبصير الخلف بضابط الأصول التي من خالفها خرج عن منهج السلف"
وقد يكون مراده أن كليها قال بقول مبتدع وهو جاهل؛ لأن شيخ الإسلام يرى – كما في مجموع الفتاوى (3/ 171) - أن إطلاق القول أن القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرف ولا صوت : كلاهما بدعة حدثت بعد المائة الثالثة,  وإنما القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه, ليس القرآن اسما لمجرد الحروف ولا لمجرد المعاني.
لكن لما أنكر الجهمية أن يكون كلام الله بحرف وصوت؛ قال الأئمة: كلام الله بحرف وصوت.
وقد دلت عليه الأدلة كما ذكرته في كتابي:"القواعد والضوابط السلفية في أسماء وصفات رب البرية"
ثم إن كلام شيخ الإسلام على قضية عين؛ بدليل قوله:(( فأما مسائل الدين التي يتنازع فيها كثير من الناس في هذه البلاد ))
وقضايا الأعيان لا يؤخذ منها حكم كلي.
كما أن كلامه في معرض حكم  الصلاة خلف المبتدع.
وبيت القصيد: أن التكفير فيمن ثبت له الإسلام بيقين لا يكون إلا بعد توفر الشروط, وكذلك التبديع فيمن ثبتت له السنة بيقين لا يكون إلا بعد توفر الشروط.
فالباب واحد.
أما من لم يثبت له الإسلام, أو لم تثبت له السنة فهذا ينزل عليه الحكم مباشرة.
وقد بينت ذلك في رسالة:"تبصير الخلف"

كتبه
أحمد محمد الصادق النجار
 27-9-1436هـ