الجمعة، 25 مارس 2016

جناية الغلو على المنهج السلفي

جناية الغلو على المنهج السلفي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فمقصود أهل السنة والجماعة( السلفيين بحق)هو هداية الناس، لا مجرد إقامة الحجة عليهم؛ تحقيقا وموافقة لمقصد الرب سبحانه، فالله سبحانه يحب من الخلق كلهم أن يطيعوه، ويريد ذلك إرادة شرعية.
وقد ضرب السلف اروع الأمثلة في هذا ونطقوا بأجمل العبارات؛ حتى قال بعضهم : (وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض)
ويضاد هذا المقصد: محبة ضلال بعض الخلق، وعدم تمني هدايتهم، وفرح بعضهم بانحراف إخوانهم، وسعيهم الحثيث في ذلك؛ حتى وقعوا في تبديع من لا يستحق التبديع من أهل السنة، والتحذير ممن لا يستحق التحذير، والهجر من غير نظر للمصالح والمفاسد، إلى غير ذلك مما يشيب لهولها الولدان
فخالفوا مقصد الشارع، وصدق عليهم قول بعض الأئمة: ( من لم يسعه ما وسع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلا وسع الله عليه)
وزاد الطين بلة أن هؤلاء نسبوا هذا الغلو إلى منهج السلف، وأخرجوا منه من لم يكن سائرا على نهج هولاء الغلاة
وهذا يعود إلى تشويه السلفية, والخروج بها عن مقاصدها.
وهذا الغلو جنى على المنهج السلفي بـ:
1-وصفه بأوصاف هو بريء منها من العنف, والتعدي على الناس, واتهامهم بالباطل.
2-تنفير الناس عنه.
3-إحجام الناس عن الدخول فيه.
والواجب البعد عن هذا الغلو, والسير على أصول المنهج السلفي الصحيحة المبنية على الحكمة, ووضع الأشياء في مواضعها.
ومن جهل القواعد السلفية الصحيحة, والمقاصد الشرعية كان خطؤه أكثر من صوابه
وكان تشويهه للسلفية أعظم .
والواقع أكبر شاهد على أن تشويه من انتسب إلى السلفية ممن كان جاهلا بأصولها وسماحتهاأعظم من تشويه من لم يكن منتسبا إليها.
والأدهى والأمر من كان منهم جهله جهلا مركبا ممن يصدرون للجهال فيحسب أنه يحسن صنعا, ولا يدري أنه لا يدري- أن صنيعه تشويه للسلفية.
والله المستعان.
والمنهج السلفي ولله الحمد مبني على الحكمة والعدل.
وهو وسط بين الفرق في صفات الله والقدر والإيمان والوعد والوعيد, وفي التعامل مع ولاة الأمور ومع اهل البدع, وفي جميع أبواب الدين كما قال تعالى:(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)
ومن نظر في منهج الصحابة ومن اتبعهم بإحسان قطع بذلك, فهؤلاء هم أعلامها, وهم أبر الأمة قلوبا,وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه, وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار.
والسلفي الحق من كان متبعا لهم بإحسان.
وأما من اتبعهم بغير إحسان فلا يصح له أن ينتسب إليهم، وهم براء منه.
أسأل الله أن ينصر دينه, ويظهره على الدين كله.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 21 مارس 2016

الرد على الشيخ عايد الشمري في مسألة:"مرجئة أهل السنة " وتشنيعه على الشيخ إبراهيم الرحيلي



الرد على الشيخ عايد الشمري في مسألة:"مرجئة أهل السنة " وتشنيعه على الشيخ إبراهيم الرحيلي


الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فقد سمعت كلمة للشيخ عايد الشمري يرد فيها على فضيلة الشيخ إبراهيم الرحيلي حفظه الله في مسألة أبي حنيفة, ومرجئة أهل السنة, ويشنع عليه: فأتى فيها بالعجائب, وكنت أتمنى أنه لم يتكلم بهذا الكلام البعيد عن التأصيل والتدقيق, والذي لم يُبن على أصول صحيحة, ولا على تصور صحيح, وليته أرجع ذلك إلى أهل العلم.
ولما رأيت انخداع من انخدع بكلامه كان لزاما الرد عليه بما يوضح المسألة ويجليها؛ نصرة للحق, وذبا عن منهج السلف الصالح.
وردي سيتناول أمرين:
الأول: مسألة أبي حنيفة, ومصطلح"مرجئة اهل السنة".
الثاني: تشنيعه على الشيخ إبراهيم الرحيلي.
وقبل مناقشته في شيءٍ مما ذكره, أقدم بمقدمة تجلي مسألة كون أبي حنيفة من أهل السنة مع قوله بقول مرجئة الفقهاء من خلال كلام أهل السنة والجماعة:
قول مرجئة الفقهاء لا يسوغ لأحد أن يقول به؛ لكون بعض أئمته من أهل السنة والجماعة كحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة.
 فما دام أن القول مخالف لإجماع السلف فلا يصح القول به.
وهنا أشير إلى قضية مهمة – ليت الشيخ يفهمها -, وهي: أن من خالف أصلا من أصول أهل السنة وكان إماما معتبرا على منهج أهل السنة في التلقي فإنه يطرح قوله, ويكون شاذا , لكنه يبقى أحد أئمة أهل السنة والجماعة, وتحفظ كرامته, مع عدم نسبة قوله المخالف إلى مذهب السلف, كما صنع الأئمة مع أبي خزيمة وأبي ثور في حديث الصورة.
قال ابن تيمية في تأويل الصورة: (( ولكن ظهر لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة, جعل طائفة الضمير فيه عائدا إلى غير الله تعالى حتى نقل ذلك طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم, كأبي ثور, وابن خزيمة, وأبي الشيخ الأصبهاني, وعيرهم, ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة )) بيان تلبيس الجهمية (6/376)
وقال أيضا في أبي ثور: (( وأول من بلغنا أنه تأوَّله ممن هو من العلماء المعروفين: أبو ثور، فلما تأوله أنكر ذلك عليه الإمام أحمد وغيره، وقصته في ذلك معروفة، ذكرها المرُّوذي في (كتاب القصص)، وذكرها الخلَّالُ وغيره، وذكرها أبو طالب المكيُّ في كتابه المسمى بـ(قُوْتِ القلوب) وقد ذكرها غير واحدٍ؛ كالقاضي أبي يعلى في كتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات).
وكذلك تأوله الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة، وجعل الضمير عائدًا على المضروب، وعلَّلَ رواية (الرحمن) وتأوَّلها - بتقدير صحَّتها - على أن الإضافة إلى الله إضافة خلق؛ لأنَّ الله خلقه تشريفًا وتكريمًا. وقد قيل: إن أبا الشيخ الأصفهاني أيضًا ممَّنْ تأوَّله.
فهؤلاء الثلاثة من المشهورين بالسُّنة، لكن جماهيرهم أنكروا ذلك )).جوابا الاعتراضات المصرية.
والإمام أبو حنيفة هو من أئمة أهل السنة والجماعة, لكن قوله في قضايا الإيمان قول محدث مخالف لإجماع السلف, ولا يسوغ لأحد أن يأخذ به.
 ومما يدل على أن القول إذا كان مخالفا للسلف لا يجوز لأحد أن يأخذ به حتى وإن كان القائل به إماما: ذم أئمة السلف للإرجاء, وعده من البدع, بل قال الإمام الزهري-رحمه الله-: " ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء" أي إرجاء الفقهاء.
ولا تلازم بين التحذير من فتنة الإرجاء وبين أن يكون كل من قال بإرجاء الفقهاء أنه من أهل البدع.
ولنتأمل قول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (3/: 375) لما قال:" وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة ,بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة؛ وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة".
فانظر -يا شيخ عايد- إلى قول شيخ الإسلام: ((وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة )),
 وأحسب أنك لم تطلع عليه وإلا ما نطقت بما نطقت.
وانظر أيضا إلى تكذيبه لأشياء نقلت عن أبي حنيفة, كما في منهاج السنة النبوية (2/ 371): ((...كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعا, مثل مسألة الخنزير البري ونحوها )).
وهنا أسألك سؤالا, وهو: ألم يقل أبو حنيفة بقول مرجئة الفقهاء, فكيف يدافع عنه ابن تيمية؟
وهذا أيضا الإمام أبو عبيد قاسم بن سلام رحمه الله يقول: "اعلم -رحمك الله- أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين:
فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب, وشهادة الألسنة وعمل الجوارح.
وقالت الفرقة الأخرى بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر، وليست من الإيمان".
فتأمل في قوله: "أهل العلم والعناية بالدين" فجعل الفرقتين من أهل العلم والعناية بالدين, ولم يخرجهم من السنة.
فتبين لك: أن أهل السنة يفرقون بين القائل والمقالة إذا كان القائل منهجه سليما في التلقي, ولم تقم عليه الحجة.
فإن قلت: ما معنى مرجئة أهل السنة؟
قيل لك: من قال بالإرجاء ممن ينسب إلى السنة, لا أن الإرجاء ينسب إلى السنة, كما قالوا: مرجئة الفقهاء, ولا يعني ذلك أن الإرجاء ينسب إلى الفقه.
فإن قلت: كيف يجتمع الإرجاء والسنة فيه؟
قيل لك: الجهة منفكة, فالإرجاء وصفٌ لمقالته, والسنة وصف له, فليس كل من قال بإرجاء الفقهاء يكون مبتدعا, وإنما قد يكون من أهل السنة, كحماد بن أبي سليمان, وأبي حنيفة.
وكما اجتمع الإرجاء والفقه.
فإن قلت: ماذا تفعل في ذم جماعة من أئمة السلف لأبي حنيفة؟
قيل لك: الجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن أبا حنفية ذمه جماعة من السلف, وأثنى عليه جماعة من السلف, فليس الذم محل اتفاق بين السلف.
وعليه فلابد من النظر إلى المقتضي.
قال أبو داود : "رحم الله مالكا كان إماما، رحم الله الشافعي كان إماما، رحم الله أبا حنيفة كان إماما"
وقال أبو نعيم : ((كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل )) تهذيب التهذيب.
وقال علي بن عاصم: (( لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه، لرجح عليهم )).
وقال ابن المبارك: (( أبو حنيفة أفقه الناس )).
الوجه الثاني: ذمُّ من ذمَّ من السلف كان المقتضي له ما بلغه عن أبي حنيفة من مسائل وأقوال, وهذه المسائل: إما أنه كان يقول بها ثم رجع عنها, كخلق القرآن, والخروج بالسيف, أو كانت كذبا عليه, أو كان لها مخارج معتبرة, أو كان يقول بها حقا, كالإرجاء.
ومِن الذم ما كان متعلقا بالرواية, ولا يلزم من ترك روايته والقدح فيها أن يكون مبتدعا خارجا عن السنة.
فما كان من ذمٍّ للسلف عن مسائل تراجع عنها أو كانت كذبا عليه؛ فإن الذم يرتفع لارتفاع سببه.
قال ابن تيمية: ((...وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعا, مثل مسألة الخنزير البري ونحوها )).
ويدل على تراجعه عن مسألة الخروج بالسيف:
 ما حكاه الطحاوي عنه في العقيدة الطحاوية.
     وقال ابن الهمام في المسايرة: "وإذا قلد عدلا، ثم جار وفسق لم ينعزل، ويستحق العزل إن لم يستلزم فتنة، ويجب أن يدعى له ولا يجب الخروج عليه كذا عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة".
وقال البزدوي في أصول الدين : "الإمام إذا جار أو فسق لم ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم وهو المذهب المرضي".
وانظر: أصول الدين عند أبي حنيفة للشيخ الخميس.
بقيت مسألة الإيمان التي ذمه من ذمه من السلف عليها, فهذه المسألة وإن كانت من البدع التي لا يسوغ لأحد أن يقول بها, وهي منكرة مخالفة للكتاب والسنة والإجماع, إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ((" وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة ,بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة؛ وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة )).
فالبدع في نفسها منها ما هو مغلظ, ومنها ما هو دون ذلك.
وليس هذا محل بيان وجه كونها مخففة بالنسبة لغيرها من جهة نفسها, لا من جهة آثارها.
الوجه الثالث: قد استقر أمر علماء أهل السنة على الثناء على أبي حنيفة, وعده من أهل السنة.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: ((  فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتنوعة ))
وقد سئل الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية على الطعن في أبي حنيفة, فبين منهج العلماء والأئمة.
س/ما رأيكم ما جاء في كتاب عبد الله بن الإمام أحمد من اتهام لأبي حنيفة وبالقول عليه بخلق القرآن إلى آخره؟
ج/ هذا سؤال جيد، هذا موجود في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وعبد الله بن الإمام أحمد في وقته كانت الفتنة في خلق القرآن كبيرة، وكانوا يستدلون فيها بأشياء تُنْسَبْ لأبي حنيفة وهو منها براء في خلق القرآن، وكانت تنسب إليه أشياء ينقلها المعتزلة من تأويل الصفات إلى آخره مما هو منها براء، وبعضها انتشر في الناس ونُقِلْ لبعض العلماء فَحَكَمُوا بظاهر القول، وهذا قبل أن يكون لأبي حنيفة مدرسة ومذهب؛ لأنَّهُ كان العهد قريباً -عهد أبي حنيفة- وكانت الأقوال تُنْقَلْ: قول سفيان قول وكيع قول سفيان الثوري قول سفيان بن عيينة قول فلان وفلان من أهل العلم في الإمام أبي حنيفة.
فكانت الحاجة في ذلك الوقت باجتهادِ عبد الله بن الإمام أحمد قائمة في أن ينقل أقوال العلماء فيما نَقَلْ.
ولكن بعد ذلك الزمان كما ذكر الطحاوي أَجْمَعَ أهل العلم على أن لا ينقلوا ذلك، وعلى أن لا يذكروا الإمام أبا حنيفة إلا بالخير والجميل، وهذا فيما بعد زمن الخطيب البغدادي، يعني في عهد بعض أصحاب الإمام أحمد ربما تكلموا وفي عهد الخطيب البغدادي نقل نقولات في تاريخه معروفة، وحصل ردود عليه بعد ذلك، حتى وصلنا إلى استقراء منهج السلف في القرن السادس والسابع هجري وكَتَبْ في ذلك ابن تيمية الرسالة المشهورة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ، وفي كتبه جميعاً يذكر الإمام أبا حنيفة بالخير وبالجميل ويترحم عليه وينسبه إلى شيءٍ واحد وهو القول بالإرجاء، إرجاء الفقهاء دون سلسلة الأقوال التي نُسِبَتْ إليه لأنَّهُ يوجد كتاب أبي حنيفة الفقه الأكبر وتوجد رسائل له تدل على أنَّهُ كان في الجملة يتابع السلف الصالح إلا في هذه المسألة، في مسألة دخول الأعمال في مُسَمَّى الإيمان.
وهكذا درج العلماء على ذلك كما قال الإمام الطحاوي إلا -كما ذكرت لك- بعض من زاد، غلا في الجانبين:
إما غلا من أهل النظر في الوقيعة في أهل الحديث وسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةْ وسَمَّاهُم جهلة.
ومن غلا أيضاً من المنتسبين للحديث والأثر فوقع في أبي حنيفة رحمه الله أو وقع في الحنفية كمدرسة فقهية أو في العلماء.
والمنهج الوسط هو الذي ذكره الطحاوي وهو الذي عليه أئمة السلف.
لمَّا جاء الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أصَّلَ هذا المنهج في الناس وأنْ لا يُذْكَرَ أحد من أهل العلم إلا بالجميل وأن يُنْظَرْ في أقوالهم وما رَجَّحَهُ الدليل فَيُؤْخَذُ بِهِ وأن لا يُتَابَعْ عالم فيما أخطأ فيه وفيما زل؛ بل نقول هذا كلام العالم وهذا اجتهاده والقول الثاني هو الراجح.
ولهذا ظهر بكثرة في مدرسة الدعوة القول الراجح والمرجوح ورُبِّيَ عليه أهل العلم في هذه المسائل تحقيقاً لهذا الأصل.
حتى أتينا إلى أول عهد الملك عبد العزيز رحمه الله لمَّا دَخَلْ مكة، وأراد العلماء طباعة كتابة السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وكان المشرف على ذلك والمراجع له الشيخ العلامة الجليل عبد الله بن حسن آل الشيخ رحمه الله رئيس القضاة إذ ذاك في مكة، فَنَزَعَ هذا الفصل بكامله من الطباعة، فلم يُطْبَعْ لِأَنَّهُ من جهة الحكمة الشرعية كانَ لَهُ وقته وانتهى، ثُمَّ هو اجتهاد والسياسة الشرعية ورعاية مصالح الناس أن يُنْزَعْ وأن لا يُبْقَى وليس هذا فيه خيانة للأمانة؛ بل الأمانة أن لا نجعل الناس يَصُدُّونَ عن ما ذكره عبد الله بن الإمام في كتابه من السنة والعقيدة الصحيحة لأجل نُقُولٍ نُقِلَتْ في ذلك.
وطُبِعَ الكتاب بدون هذا الفصل وانْتَشَرَ في الناس وفي العلماء على أَنَّ هذا كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد.
حتى طُبِعَت مُؤَخَّرَاً في رسالةٍ علمية أو في بحثٍ علمي وأُدْخِلَ هذا الفصل -وهو موجود في المخطوطات معروف- أُدْخِلْ هذا الفصل من جديد، يعني أُرْجِعْ إليه، وقالوا إنَّ الأمانة تقتضي إثباته إلى آخره.
وهذا لاشك أَنَّهُ ليس بصحيح، بل صنيع علماء الدعوة فيما سبق من السياسة الشرعية ومن معرفة مقاصد العلماء في تآليفهم واختلاف الزمان والمكان والحال وما استقرت عليه العقيدة وكلام أهل العلم في ذلك.
ولما طُبِعْ كُنَّا في دعوة عند فضيلة الشيخ الجليل الشيخ صالح الفوزان في بيته، وكان داعياً لسماحة الشيخ عبد العزيز رحمه الله، فطَرَحْتْ عليه أول ما طُبِعْ كتاب السُّنَّة الطبعة الأخيرة التي في مجلدين إدخال هذا الباب فيما ذُكر في أبي حنيفة في الكتاب وأًنَّ الطبعة الأولى كانت خالية من هذا لصنيع المشايخ.
فقال رحمه الله في مجلس الشيخ صالح قال لي: الذي صنعه المشايخ هو المُتَعَيِّنْ ومن السياسة الشرعية أن يُحْذَفْ وإيراده ليس مناسباً. وهذا هو الذي عليه منهج العلماء )).
الوجه الرابع: لو سلمنا جدلا بعدم استقرار كلام الأئمة على الثناء على أبي حنيفة فمن المصلحة الشرعية سدل الستار عما مضى, خصوصا بعد أن استقر مذهب أبي حنيفة في الفقه, وصار مذهبا معتمدا عند أهل السنة والجماعة, وله أتباع كثر.

وبعد هذه المقدمة نناقش شيئا مما ذكره الشيخ عايد الشمري في كلمته:
أولا: أخطاء الشيخ اللغوية والنحوية كثيرة, وليست هي محل التعليق, فسأتجاوزها.
ثانيا: تشنيعه على الشيخ إبراهيم الرحيلي, واستعماله أسلوب السخرية والتهكم في الرد.
والرد عليه:
1-الرد على شيخ من مشايخ أهل السنة لابد أن يكون بعدل وإنصاف, وأن يكون له مسوغه شرعي, وأن ينظر فيه للمصالح والمفاسد, فأعداء السنة يتربصون بأهل السنة, ولا يعني ذلك أن نسكت عن أخطاء من أخطأ من أهل السنة, لأن حفظ الشريعة مقدم.
وإذا نظرنا في سبب ردك الظاهر- والله أعلم بالسرائر- وجدنا أن ردك على الشيخ إبراهيم كان بسبب أبي حنيفة, وقول الشيخ إبراهيم مرجئة أهل السنة, وقد تقدم تأصيل وبيان هذه المسألة.
 وأضيف هنا: أن الشيخ لم ينفرد بإطلاق:"مرجئة أهل السنة", فقد قال به بعض مشايخ السنة, فيكون ردك وتشنيعك على الشيخ إبراهيم في هذه المسألة ردا وتشنيعا على هؤلاء المشايخ.
ومنهم الشيخ صالح الفوزان, والشيخ ربيع المدخلي, والشيخ عبد العزيز الراجحي.
قال الشيخ الفوزان, كما في المنتقى من فتاوى الفوزان: (( ... القول الأول : هو قول مرجئة أهل السنة وهو خطأ، والصواب أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ...))
وقال الشيخ ربيع :" قال الحداد: "وعامة المسلمين من زمن على الإرجاء ، وعامة أهل الرأي عليه لأنه مذهب أئمتهم، وما أدري كيف وقع بعض أهل السنة في هذين الخطأين:
1-     قال ابن تيمية في كتابه(الإيمان):إن الإرجاء بدعة لفظية،يعني أنها ليست بدعة في المعنى ، وهذا تهوين من شأنها ، وليس بصواب،بل هي بدعة حقيقية لفظاً ومعنى ......
ومن ذلك من يقول : مرجئة أهل السنة فاحذر الافتراء ".
قال الشيخ ربيع في رده :"أتدري ماذا ارتكب الحداد في هذا الكلام القليل من الطعنات في شيخ الإسلام ابن تيمية ، وكل ذي ريبة يسلك هذه الطرق الملتوية ؟
لقد طعنه ثلاث طعنات نجلاء ".
ثم قال بعد أن رد عليه في الطعنتين الأولى والثانية :"والطعنة الثالثة الفاجرة الخبيثة ، وهي قوله :ومن ذلك من يقول : مرجئة أهل السنة  فاحذروا الافتراء".
 فمن يقصد الحداد بهذا الكلام الظالم الجريء؟ إنه يقصد شيخ الإسلام ابن تيمية بالقصد الأول ، ثم علماء أهل السنة الذين يقولون بهذا القول من السابقين والمعاصرين .
قد يساورك شك في أنه يقصد الإمام ابن تيمية ، لكن إذا تذكرت أن الحداد نقل كلام ابن تيمية هذا من كتاب الإيمان ، وإذا علمت أن ابن تيمية عد مرجئة الفقهاء من أهل السنة في الموضوع نفسه الذي قال : إن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة لفظي ، زال عنك الشك"([1]).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي ضمن أجوبته لسؤال ألقي عليه في درسه لشرح كتاب الإيمان لأبي عبيد :"ومرجئة الفقهاء خالفوا النصوص في اللفظ وإن وافقوها في المعنى، ومنها فتح الباب للفسقة، وفتح الباب للمرجئة. أما حكم أهل الكبائر فمرجئة الفقهاء من أهل السنة يرون أن صاحب الكبيرة يستحق الوعيد، ويقام عليه الحد في الدنيا، إذا كانت الكبيرة عليها حد"
وارجع في هذه النقول وغيرها إلى كتاب الشيخ إبراهيم :"الرد المتلطف على النقد المتعسف" في رده على الشيخ عبيد الجابري في نفس المسألة.
2-أن استعمال أسلوب السخرية والتهكم في الرد بضاعة من كان ضعيف الحجة, قليل البضاعة في العلم, وإذا كان هذا الأسلوب قد يُستقبح إذا استُعمل مع أهل البدع فكيف إذا استُعمل مع أهل السنة؟!
وهو من خصال الكفار, قال تعالى: [ويسخرون من الذين ءامنوا ]
وقال تعالى عن المنافقين: [وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون]
ثم إن الشيخ إبراهيم من اهل السنة, وهو أستاذ في العقيدة, ومدرس في المسجد النبوي وقد درس كثيرا من كتب السنة, وتخرج على يديه أناس من خيرة طلاب العلم فيما أحسب, وكم أشرف وناقش رسائل ماجستير ودكتوراه.
وبعد هذا كله تأتي وتنسف كل هذا الجهود بلا مبرر شرعي.
وتسخر
 ألا تتق الله
ألا تخش أن تكون من قطاع الطرق التي توصل إلى مرضاة الله
ألا تخش أن يصيبك نصيب من قول الله[ومن أظلم ممن منع مساجد أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ]
ألم تسمع بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم )).
3-هذا التشنيع لو سألت نفسك: هل المصلحة الشرعية فيه راجحة أو أن المفسدة هي الراجحة؟
فأهل السنة قليل, ومحاربون, ويتربص أعداؤهم بهم الدوائر.
ثم أين التباكي منك على تفرق أهل السنة, وطعن بعضهم في بعض ووو؟!!
ولا يعني ذلك عدم رد الخطأ على من أخطأ حقيقة, فرد الخطأ شيء, والتشنيع على السني وإهدار جهوده بالكلية شيء آخر.
فالعدل العدل
وهذا على التسليم جدلا أن الشيخ إبراهيم أخطأ في مسألة أبي حنيفة, ومرجئة أهل السنة
ثالثا: قول الشيخ عايد: ((عندما ترجع إلى كتاب السنة تجد اكثر تقريبا 212 اثر في ابي حنيفة لان اهل السنة عندهم الاصل مقدم على الشخص
كوني لا ارى ابا حنيفة كغيره من الناس هذا وارد وهو كذلك
لكن كوني لان ابا حنيفة قال بهذا القول احرف منهج اهل السنة
وأن هناك مرجئة يقال هم مرجئة اهل السنة كما يقول ابراهيم الرحيلي
هذا امر خطير, تأصيل خطير ... ))
والرد عليه:
1-لا يلزم من قول:"مرجئة أهل السنة" تحريف منهج السلف, أو نسبة الإرجاء إلى السلف, فلا أدري يا فضيلة الشيخ على أي دلالة استندت في إثبات هذا التلازم, وقد بينت فيما سبق معنى عبارة"مرجئة أهل السنة".
2-تهويلك مبني على عدم التصور الصحيح للمسألة, وما انبنى على تصور خاطئ فإنه يكون خطئا.
3- أهل السنة يغلبون حفظ الشريعة على حفظ عرض الرجل؛ لأن الدين مقدم على غيره من الضرورات, لكن لا يلزم من تقديمهم مصلحة الدين التجاوز والتعدي على حق الناس, ولهذا نجد الأئمة حفظوا الشريعة بالتحذير من بدعة الإرجاء, وصانوا لأبي حنيفة حقه بعدم إخراجه من السنة, فجمعوا بين الحسنيين.
4- كلام من ذم أبا حنيفة قد تقدم بيان أنه مبني على أسباب,والسبب إذا انتفى انتفى  معه ما ترتب عليه, ثم قد تقدم أيضا بيان ما استقر عليه كلام العلماء.
5-الشيخ إبراهيم الرحيلي لم يحرف منهج السلف, وإنما فرق بين المقالة والقائل السائر على نهج أهل السنة.

رابعا: قوله: ((كون الحداديين يريدون أن يحدثوا فتنة على شأن موضوع ابي حنيفة, وينادون بتكفير أبي حنيفة والعياذ بالله
ويمتحنون الناس بأبي حنيفة ورد عليهم علماؤنا في ذلك الوقت لا يعني ان ياتي طرف آخر كإبراهيم الرحيلي ويصادر كلام السلف كله, وكأن السلف ليس مرجعا لنا في هذا الباب
ويجعل ان اباحنيفة لأنه وقع في هذا الارجاء يجعله مرجئة اهل السنة
كيف سنة وكيف مرجئة اجمعها لي, الذين يتبعون الاهواء يجمعون
مرجئة اهل السنة اهل السنة لهم مرجئة, الارجاء بدعة يقولون, والمرجئة مبتدعة, لكن هنا صارت مرجئة اهل السنة
كيف مرجئة اهل السنة ..))
والرد عليه:
1-الشيخ إبراهيم لم يصادر كلام السلف, وإنما بين ما استقر عليه كلام الأئمة والعلماء, فإن كان مصادرا لكلام السلف فليكن الأئمة كشيخ الإسلام ومن بعده ممن أثنى على أبي حنيفة, ودافع عنه مصادرين لكلام السلف!!.
2-كونك لم تفقه (كيف سنة وكيف مرجئة ) يجعلك تسأل أهل العلم؛ حتى يبينوا لك, لا أن تذهب وتحذر وتتكلم من غير أن تفقه القول الذي تحذر منه, وقد بينت سابقا معنى "مرجئة أهل السنة".
خامسا: قوله: ((لكن الطريقة الصحيحة طريقة علمائنا أن أباحنيفة وقع في الارجاء وبين ذلك السلف ولكن المصلحة تقتضي مادام انه لم يعرف في هذا العصر بهذا الامر وانما عرف في الفقه فيترك له الفقه مع ان الفقه الذي يعتمد فقد القياس والرأي الذي ذمه ايضا اهل السنة))
والرد عليه:
1-من هم علماؤك الذين ساروا على هذه الطريقة, فلو تسند لنا, ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
2-قولك:"لم يعرف في هذا العصر بهذا الأمر" قول مستغرب, فالطلاب من أهل السنة يُدَرَّسون في الكليات وفي المساجد أن أبا حنيفة خالف في الإيمان, فكيف تقول في هذا العصر لم يعرف إلا بالفقه؟!!
3- لو تبين لنا رأيك بصراحة في أبي حنيفة هل هو مبتدع أو من أهل السنة؟
سادسا: قوله: ((والسلف هؤلاء الذين تكلموا عن مسألة الايمان كلهم أوردوا مسألة أئمة الجور والخروج عليه قالوا: يرى السيف
وكان يرى الخروج على المنصور العباسي, كلهم ذكروه بالأسانيد الصحيحة
ما رأيك الآن, نقول: الذي يرى الخروج على أئمة الجور من أهل السنة لأن ابو حنيفة قال بهذا ...
على أصلك هذا: مادام الارجاء  لأن أبا حنيقة قال به لا نعتد بقول السلف في الكلام فيه
اذن ايضا لا نعتد بقول السلف في الكلام عليه في قضية الخروج على أئمة الجور بالسيف, ويصير الخروج على أئمة الجور من مذهب السلف...
أقول: ابو حنيفة أخطأ خطأ آخر يرى الخروج على أئمة الجور, وهذا بالاتفاق على أنه ثابت له لم ينكره احد
أصبحت القضية ليست قضية مخالفة الكتاب والسنة ..أصبحت القضية ينظر في شخص, هذا الشخص ماذا يقول... ))
والرد عليه:
1-قد تقدم بيان تراجع أبي حنيفة عن هذه المسألة, فلا نسلم بنسبة هذا القول لأبي حنيفة.
2-على التسليم جدلا, فلا يلزم من عدم تبديع المعين؛ لمانع: أن ينسب قوله المخالف لإجماع السلف إلى مذهب السلف.
وإلا فلننسب مخالفة ابن خزيمة في حديث الصورة لمذهب السلف.
وهذا من أعجب الكلام البعيد عن التأصيل.
3-لم نعتد بقول جماعة من السلف في أبي حنيفة؛ لوجود موانع, ولعدم تحقق بعض الأسباب, لا لشخصه.

والمخالفات في كلامه كثيرة, والإلزامات بما لا يلزم كذلك, ولو تتبعته في كل ما ذكر سيطول الرد كثيرا, لكن يكفي اللبيب ما ذكرته, ويستدل بما ذكرته على ما لم أذكره.
والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار





([1]) مجموع كتب ورسائل وفتاوى فضيلة الشيخ ربيع (9/448-453).

الأربعاء، 16 مارس 2016

العلوم الشرعية بينها علاقة تلازم لا تباين


العلوم الشرعية بينها علاقة تلازم لا تباين

فالعقيدة والفقه لا ينفكان عن أصول الفقه ومصطلح الحديث واللغة؛ لاحتياج المجتهد فيهما الى معرفة عين الدليل وسلامة سنده وصحة دلالته ودفع ما يعارضه عنده.

والفقه لا ينفك عن العقيدة ؛ لتضمن الفقه الاخبار عن الله انه شرع كذا وكذا، وأنه شرع ذلك لحكمة، ونحو ذلك

والعالم حقيقة من جمع بين هذه الأمور، فكان عقديا وفقيها واصوليا ومحدثا ولغويا

وظهر هذا في تقريراته وترجيحاته

وليس المراد الاحاطة بالاصول والمصطلح واللغة، وإنما الواجب ان يكون معه القدر الذي يحتاج إليه في العقيدة والفقه.

والتلازم بين هذه العلوم في الحقيقة هو تلازم بين فهم الكتاب والسنة وهذه العلوم.

فعلى طالب العلم ان يدرك هذا التلازم، ويسعى في تحصيله؛ ليصل إلى الفهم الصحيح للكتاب والسنة.

وإن من الخطأ ان يُظن ان العلاقة بينها علاقة تباين بحيث إن كل علم لا يخدم العلم الآخر، وينفك عنه انفكاكا تاما.

فهذا في الحقيقة تصور من لم يفقه الارتباط بين هذه العلوم، ولم يحقق مقصود كل علم منها.

وهو راجع -والله أعلم- للتلقي الخاطئ لها.

ولا تعجب بعد ذلك من ضعف العقدي في الاصول، والاصولي في العقيدة، واللغوي في الفقه الى غير ذلك.

ويشتد ذلك في الجهل بالقدر المجزئ في كل علم

فلكل علم أصل وكمال، وقدر مجزئ وقدر كامل

وطالب العلم ان عذر في تحقيق القدر الكامل لكل علم فإنه لا يعذر في تحقيق القدر المجزئ منها.

فمن عجز عن التفنن فله ان يتخصص في علم بحيث يصل الى كماله مع وجود القدر المجزئ في غير ما تخصص فيه.

وأخيرا: هذه لفتة أحببت أن أوصي بها نفسي وإخواني: ليكون تفقهنا تفقها صحيحا شموليا.

فالناظر في المتكلمين في العلم يرى تخبطا عظيما من أنصاف أهل العلم، فتجده جاهلا جهل مركبا ويصدر للناس على انه طالب علم قوي، وعالم، وعلامة.

فقهنا الله في دينه


كتبه

أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 14 مارس 2016

رد على مقال بين الشيعي واليهودي

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فقد أطلعني أحد الإخوة الأفاضل على مقالٍ بعنوان:" بين الشيعي واليهودي", خبَّط فيه صاحبه خبطا عظيما؛ سيرا وراء العاطفة التي لم تُضبط بالشرع, وقد انخدع بهذا المقال من انخدع, وظنوا أن ما فيه حقا يتوافق مع الشريعة وقواعدها ومقاصدها, والأمر خلاف ذلك.
وسأبين بعض مواطن الزلل في هذا المقال؛ عسى أن يرجع صاحبه إلى الحق, وينضبط بضوابط الشرع, وهذا المؤمَّل فيه إن كان طالبا للحق, ويريد نصرة دين الله سبحانه.
قوله: (المُفترض أن ما يجمعنا مع (اخوتنا) الشيعة أكثر مما يجمعنا مع اليهود، على الأقل نحن نجتمع على "لا إله إلا الله محمد رسول الله" صلى الله عليه (وآله) وسلم، لكن واقع بعض الحكومات والجماعات يُنبئ بعكس ذلك، بل قد يتطرف بعض من يُنسبون إلى العلماء ويصف الشيعة بالمجوس وأنهم أسوأ من اليهود، وإذا أراد أن يتلطف ويُحسن الخطاب وصفهم بالرافضة وجمعهم مع اليهود في سلّة واحدة).
والرد عليه:
1-أن الشيعة عند علماء الفرق أعم من الرافضة الذين يتحدث عنهم صاحب هذا المقال, فيدخل في الشيعة من كان يقدم عليا على عثمان مع ترضيه على أبي بكر وعمر واعتقاد أنهما أفضل من علي, ويدخل فيه الزيدية, إلى غير ذلك.
وقد سأل سائل شريك بن عبد الله فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر فقال له السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟! فقال: نعم, إنما الشيعي من قال مثل هذا, والله لقد رقى علي هذه الأعواد فقال ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر, أفكنا نرد قوله؟ أكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا )).
والشيعة وإن كان في مصطلح العوام أصبح يطلق على الرافضة الإمامية إلا أن الواجب على من ينتسب للعلم أن يحرر هذا المصطلح, وأن يكون دقيقا في إطلاقه.
2-أن فرقة الرافضة من الفرق التي خرجت عن فرق أهل الإسلام, فهي فرقة كافرة, هذا من باب العموم, وليس حديثي الآن عن الأعيان.
عن يحيى بن زكريا , قال: كنت عند سفيان بن عيينة فقال له رجل: إنا وجدنا خمسة أصناف من الناس قد كفروا ولم يؤمنوا قال: «من هم؟» قال الجهمية , والقدرية , والمرجئة , والرافضة , والنصارى قال: «كيف؟ ... وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. قالت الرافضة: لا ليس كما قلت , بل أنت خير منهما , قال: فكفروا وردوا عليه )) [القضاء والقدر للبيهقي]
3-أن قتال الدولة للرافضة الذين اعتدوا على أهل السنة من أهم الأمور؛ فالرافضة مع ما يعتقدونه من اعتقادات باطلة: يستبيحون دماء أهل السنة وأموالهم.
فقد جاء في الأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري أنه قال: (( جواز قتلهم, واستباحة دمائهم ))
وقال يوسف البحراني في الحدائق الناضرة: (( إن إطلاق المسلم على الناصب, وأنه لا يجوز أخذ ماله من حيث الإسلام خلاف ما عليه الطائفة المحقة سلفا وخلفا من الحكم بكفر الناصب, ونجاسته, وجواز أخذ ماله, بل قتله ))
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:

عمن يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على إمامته, وأن الصحابة ظلموه ومنعوه حقه, وأنهم كفروا بذلك . فهل يجب قتالهم ؟ ويكفرون بهذا الاعتقاد أم لا ؟
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين ، أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله . فلو قالوا : نصلي ولا نزكي أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة أو نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة, أو قالوا : إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وما عليه جماعة المسلمين . فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة وجاهدوا الخوارج وأصنافهم وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام . وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } . فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله . وقال تعالى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } فلم يأمر بتخلية سبيلهم إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر وبعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة . وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الربا فقد حاربت الله ورسوله والربا آخر ما حرم الله في القرآن فما حرمه قبله أوكد . وقال تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض
...  وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته وأموالهم : هو أولى بالمحاربة من الفاسق وإن اتخذ ذلك دينا يتقرب به إلى الله . كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينا تتقرب به إلى الله . ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التي يعتقد أصحابها أنها ذنوب . وبذلك مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أمر بقتال الخوارج ...إلى آخره كلامه في مجموع الفتاوى (28/ 468)
4- قوله: (الأقل نحن نجتمع على "لا إله إلا الله محمد رسول الله" صلى الله عليه (وآله) وسلم )
والرد عليه: أن مجرد الاجتماع على هذا الكلمة بالنطق مع وجود ما يناقضها لا يكفي في حصول الإخوة الإسلامية, فالرافضة مع نطقهم بكلمة التوحيد إلا أنهم أتوا بنواقض, لا بناقض واحد.
وقد ذكر صاحب المقال أنه مطلع عليها فأغناني عن ذكرها.
ولا بأس أن أذكر شيئا يسيرا من عقائدهم الكفرية تذكيرا لكاتب المقال بها.
من العقائد الكفرية التي يعتقدها الرافضة:
-القرآن ناقص.
جاء في الكافي للكليني بسنده عن أبي عبد الله: ((وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد ))
-الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم
قال الخميني في كتاب مختارات من أحاديث وخطابات الإمام الخميني س42: (( فكل نبي من الأنبياء إنما جاء لإقامة العدل, وكان هدفه هو تطبيقه في العالم لكنه لم ينجح, وحتى خاتم الأنبياء الذي قد جاء لإصلاح البشر وتهذيبهم وتطبيق العدالة فإنه أيضا لم يوفق, وإن من سينجح بكل معنى الكلمة ويطيق العدالة في جميع أرجاء العالم هو المهدي المنتظر ))
-الطعن في عائشة رضي الله عنها
جاء في بحار الأنوار ص 314 قال لي أبو جعفر: (( لو قام قائمنا قلد ردت إليه الحميراء حتى يجلدها الحد, وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة منها  ))
-الطعن في أبي بكر وعمر
جاء في مرآة العقول في شرح أخبار الرسول ص 488: (( عن أبي عبد الله في قوله تعالى: أرنا اللذين أضلانا من الجن والإني قال: هما
أي: أبوبكر وعمر.
إلى غير ذلك.
5- قوله: (وإذا أراد أن يتلطف ويُحسن الخطاب وصفهم بالرافضة وجمعهم مع اليهود في سلّة واحدة)
والرد عليه: أن جمعهم مع اليهود في سلة واحدة له مسوغه الشرعي؛ للمشابهة بينهما, ولأن أباهم الأول الذي حرف مذهبهم, هو: عبد الله بن سبأ اليهودي.
فهو أول من ابتدع الرفض, وأراد أن يحرف الإسلام كما حرم بولص النصرانية, لكن الفارق بين الإسلام والنصرانية أن الله تكفل بحفظ الإسلام, وأما النصرانية فقد تكفل بحفظها الأحبار والرهبان, فسَلِم الإسلام من التحريف ولم تسلم النصرانية.
ولمعرفة مشابهة الرافضة لليهود أحيلك إلى كتاب:"بذل المجهود في إثباتا مشابهة الرافضة لليهود" وهو موجود على الشبكة.
قوله: (( من وجهة نظري
وأحدثكم حديث من قرأ عن الشيعة وعقيدتهم، وعرفت آراءهم في الاستغاثة والتبرك والشفاعة والتوسل، وقولهم في أسيادنا أبوبكر وعمر وغيرهم من الصحابة الأجلّاء وفي الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأخبار المهدي المُنتظر وعلائم ظهوره من اليماني إلى السفياني إلى قولهم في الرجعة قبل القيامة وغير ذلك الكثير.
بالرغم من كل ذلك...
فلا أستسيغ بحال من الأحوال الحُكم بإخراجهم من الملّة ومساواتهم باليهود واعتبارهم العدو رقم واحد ))
والرد عليه:
والله إني لأعجب من هذا الذي لا يغار على دين الله, ولا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وزاد الطين بلة أنه ذكر أنه يعرف آراءهم الكفرية, واعتقاداتهم الباطلة.
وأقول له:
 أبعد هذا الاطلاع على الطعن في الله وفي رسول الله وفي صحابته الكريم, تأتي وتقول وجهة نظري كذا؟!.
قل لي بربك على أي ضوابط شرعية تسير, وأي منهج تسلك, وبمن تقتدي؟!
وكيف ترجع ذلك إلى أمور سياسية؟!!
أخبرني:
-من زعم منهم أن القرآن محرف ألا تستسيغ إخراجه من الدين؟!
-من استغاث منهم بالحسين ألا تستسيغ إخراجه من الدين؟!
-من افترى على عائشة رضي الله عنها وزعم أنها زانية ألا تستسيغ إخراجه من الدين؟
قال مالك بن أنس: (( من سب أبا بكر وعمر جلد ومن سب عائشة قتل ، قيل له : لم يقتل في عائشة؟
  قال:  لأن الله تعالى يقول في عائشة رضي الله عنها : ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين 
قال مالك:( فمن رماها فقد خالف القرآن, ومن خالف القرآن قتل ). 
قال ابن حزم : ( قول مالك ههنا صحيح وهي ردة تامة وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها ). 
وقال أبو بكر ابن العربي : ( لأن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله ومن كذب الله فهو كافر فهذا طريق مالك وهي سبيل لائحة لأهل البصائر ) 
قال القاضي أبو يعلى : ( من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف, وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد, وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم )
 يا هذا أما تغار على أمك عائشة ؟! وماذا تفعل في أحكام أئمة الإسلام؟!
ما أقبح ما قلت.
وإليك بعض أقوال السلف التي لا توافق هواك:
قال يزيد بن هارون: (لا يصلى خلف الرافضي) [الشريعة للآجري]
وقال سفيان الثوري: (( اتقوا هذه الأهواء المضلة , قيل له: بين لنا رحمك الله؛ قال سفيان: ... ومنهم الرافضة الذين يتبرءون من جميع الصحابة ويكفرون الناس كلهم إلا أربعة: عليا وعمارا والمقداد وسلمان... ) [الشريعة للآجري]
وقال الإمام أحمد السنة: «الرافضة لا تكلمهم )) [السنة للخلال]
وقال الإمام أحمد: " من شتم أخاف عليه الكفر مثل الروافض، ثم قال: من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدين " [السنة للخلال]
وعبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن رجل شتم رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما أراه على الإسلام )) [السنة للخلال]

وأخيرا: يكفيني هذا لبيان قبح هذا المقال, ولا يجوز لكل من هب ودب أن يتكلم في دين الله بما يشاء, وبوجهة نظره؛ لقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم).
والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار