السبت، 9 مايو 2020

حكم صلاة العيد في البيت في ظل وباء ( #فايروس_كورونا )


حكم صلاة العيد في البيت
في ظل
وباء ( #فايروس_كورونا )
د. أحمد بن محمّد النّجار
محاضر في كليّـة علوم الشّريعة / جامعة المرقب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد؛ فإن صلاة العيد شرعت في المصلى وما يحقق مقصود شرعيتها وإظهار كونها شعيرة, واعتبار المكان الذي يتحقق فيه الاجتماع ومقصود الشارع من شرعيتها في صلاة العيد أولى من اعتباره في صلاة الجمعة, ولذا أمر النساء بالخروج, والسنة أن تقام الصلاة في موضع واحد من المصر؛ لتظهر قوة الإسلام وشعائره, ويتحقق مقصود اجتماع الكلمة والائتلاف.
وحيث إنه ثبت طبيا أن الاجتماعات سبب لانتشار وباء فايروس كورونا استجدت نازلة وهي صلاة العيد في البيت مع عدم قيامها في البلد, فكان لزاما على أهل العلم أن يبينوا الحكم.
وصلاتها في البيت له حالان:
الحال الأولى: أن تفوت صلاة العيد شخصا أو أشخاصا ممن هم أهلها بعد إقامتها في البلد في مكانها.
وهذه المسألة ليست هي محل النازلة, وقد تكلم الفقهاء قديما في كتبهم عن حكم صلاتها في البيت, فمنع من ذلك الحنفية, وجوزها الشافعية, وقال مالك: من وجد الناس قد انصرفوا يوم العيد فلا أرى عليه صلاة، وإن صلى في المصلى، أو في بيته فلا بأس.
وفي رواية عن أحمد يصلي وحده أربعا بلا تكبي, وهو ما روي عن ابن مسعود أن من فاتته صلاة العيد مع الإمام صلى أربع ركعات وحده بدون جماعة, قال ابن رجب في فتح الباري: (ولا عبرة بتضعيف ابن المنذر له؛ فإنه روي بأسانيد صحيحة).
. تنبيه في مذهب مالك: أن صلاة العيد كصلاة الجمعة في اشتراط الجماعة حتى تقع سنة، وأما من فاتته فيندب له فقط. [الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/ 270)]
وحجة المانعين: أن صلاة العيد لم تشرع إلا في جماعة في مكان مخصوص وراء إمام البلد ونحوه, فهيي لم تعرف قربة وعبادة إلا بهذه الصفة, وصلاتها في البيت خروج بها عن صفتها المشروعة, فتكون مردودة.
ولأن العيد يجري مجرى الجمعة؛ بدليل اشتراط ما يشترط في الجمعة.
ولأنها صلاة شرعت لها الخطبة فلا يفعلها المسافر والمنفرد كالجمعة.
وحجة المجوزين: فعل أنس, الذي سيأتي ذكره, وقياسا على سائر النوافل.
الحال الثانية: ألا تقام في البلد صلاة العيد في مكانها؛ للجائحة أو الحروب, فهنا يصليها أهل البيت على صفتها جماعة أو أفرادا إن لم يكن هناك عدد؛ حفاظا على مصلحة صلاة العيد, فقد جاء عن أبي هريرة عند أبي داود أنه قال: (أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد في المسجد)
فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن المصلى إلى المسجد عند قيام عذر المطر؛ لوجود المشقة؛ حفاظا على مصلحة صلاة العيد؛ لأنها تفوت إن لم تفعل, فدل ذلك على تقديم مصلحة صلاة العيد مع وجود المشقة, وأولى أن تقدم مع وجود الضرورة.
ولأن لصلاتها في البيت أصلا من فعل السلف, فقد أخرج عبد الرزاق في المصنف عن هشيم، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس بن مالك: «أنه كان يكون في منزله بالزاوية، فإذا لم يشهد العيد بالبصرة جمع أهله وولده ومواليه، ثم يأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة فصلى بهم ركعتين»
وعلقه البخاري بلفظ( كان يجمع أهله وبنيه فصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم)
وأنس لم يفته في المصر بل كان ساكناً خارجاً من المصر بعيداً منه، فهوفي حكم أهل القرى.
وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد -في رواية عنه. [انظر: فتح الباري لابن رجب (9/ 76)]
والاستيطان شرط لوجوبها لا لصحتها.
وأخرج أبوبكر بن أبي شيبة في المصنف فيمن فاتته الصلاة: عن عطاء ، قال : يصلي ركعتين ويكبر.
وعن إبراهيم ، قال : إذا فاتتك الصلاة مع الإمام فصل مثل صلاته .
وقال إبراهيم : وإذا استقبل الناس راجعين فليدخل أدنى مسجد ، ثم ليصل صلاة الإمام ، ومن لا يخرج إلى العيد ، فليصل مثل صلاة الإمام.
وعن حماد ؛ فيمن لم يدرك الصلاة يوم العيد ، قال : يصلي مثل صلاته ، ويكبر مثل تكبيره
وسئل أبا إسحاق عن الرجل يجيء يوم العيد وقد فرغ الإمام ؟ قال : يصلي ركعتين.
وتصلى على صفة صلاة العيد فيكبر في الركعة الأولى: سبع تكبيرات, وفي الثانية: خمس, ويمتد وقتها إلى زوال الشمس.

وأما ما روي عن علي في مصنف ابن أبي شيبة عن حنش، قال: قيل لعلي بن أبي طالب: إن ضعفة من ضعفة الناس لا يستطيعون الخروج إلى الجبانة «فأمر رجلا يصلي بالناس أربع ركعات، ركعتين للعيد، وركعتين لمكان خروجهم إلى الجبانة»
فهو من رواية حنش بن المعتمر عن علي, قال ابن المديني: حنش بن ربيعة الذي روى عن علي وعنه الحكم بن عتيبة لا أعرفه, وقال أبو حاتم: حنش بن المعتمر هو عندي صالح ليس أراهم يحتجون بحديثه, وقال ابن حبان لا يحتج به.
ورواه أيضا من طريق أبي قيس قال أظنه عن هذيل أن علي...
وروي من طريق آخر في المصنف ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق «أن عليا أمر رجلا يصلي بضعفة الناس في المسجد ركعتين»
وهذا أقوى سندا, ويشهد له ما جاء من طريق ابن أبي ليلي«أن عليا أمر رجلا يصلي بالناس في مسجد الكوفة ركعتين» قال: وقال ابن أبي ليلى: «يصلي ركعتين» فقال رجل لابن أبي ليلى: يصلي بغير خطبة؟ قال: «نعم»
فالأقوى سندا عن علي أنه أمر بصلاة ركعتين, لا أربع.
 وهو ورد في الضعفة العاجزين عن الصلاة في المصلى فيصلى بهم في المسجد ركعتين.
ولا يشهد للأربع ما جاء عن ابن مسعود في أن من فاتته صلاة العيد مع الإمام صلى أربع ركعات؛ لأن هذا فيمن فاتته الصلاة فصلاها في البيت وحده, وظاهره سواء كان لعذر أو لغير عذر, بينما أثر علي- إن صح- في العاجز.
وأثر ابن مسعود خلاف الأصل مع معارضته للآثار الأخرى؛ لأن الأصل في القضاء أنه يكون على صفة الصلاة المقضية.
وحكي عن أحمد الجمع بين فعل أنس وقول ابن مسعود على وجه آخر، وهو: إن صلى من فاته العيد جماعة صلى كصلاة الإمام ركعتين، كما فعل أنس، وإن صلى وحده صلى أربعاً، كما قال ابن مسعود.[انظر: فتح الباري لابن رجب (9/ 79)]
لكن أثر أنس أقوى وتعضده رواية الاثنين عن علي؛ لأنه لا بدل لصلاة العيد,
بقي أن نبين أن قول أبي العباس ابن تيمية في مجموع الفتاوى (24/ 181): (وأما من كان يوم العيد مريضا أو محبوسا وعادته يصلي العيد فهذا لا يمكنه الخروج فهؤلاء بمنزلة الذين استخلف علي من يصلي بهم فيصلون جماعة وفرادى ويصلون أربعا كما يصلون يوم الجمعة بلا تكبير ولا جهر بالقراءة ولا أذان وإقامة) فقد بناه على أثر علي برواية الأربع, وقد تقدم الكلام على ضعفها.
وروى محمد بن الحكم، عن أحمد -فيمن تفوته صلاة العيد -: يجمع أهله وولده، كما فعل أنس. [انظر: فتح الباري لابن رجب (9/ 83)]
فتبين لنا أن من عجز عن صلاة العيد في المصلى فإنه يصلي ركعتين على صفة صلاة العيد.
ولا يلزم من صلاها في البيت أن يخطب؛ لأن الخطبة من فعل الإمام في المصلى وقد تعذرت, ولأنها ليست بدلا من ركعتين وإنما المقصود منها الوعظ, ولم يأت عن أنس رضي الله عنه أنه كان يخطب.
ولا يصح استحداث الجماعات التي هي مظنة انتشار الفايروس.
وأما فتح التكبير في المسجد وقت صلاة العيد, فلا بأس به؛ إظهارا للعيد, وإحياء للتكبير, وتذكيرا للناس.


خاتمة:
وحيث إن صلاة العيد لا بدل لها جاز فعلها في البيت عند الجائحة, بخلاف صلاة الجمعة, فإن لها بدلا وهو صلاة الظهر, فلا تذهب مصلحتها بالكلية, وليس لفعلها في البيت الخاص أصلا من فعل السلف.


الثلاثاء، 5 مايو 2020

[سرقة بحثي وضع الجوائح في الإجارة]


[سرقة بحثي وضع الجوائح في الإجارة]
الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
أما بعد, فإن من الأمانة العلمية المتعارف عليها أن الباحث إذا أفاد فائدة من شخص أن ينسبها إليه؛ ذلك أن الحقوق الفكرية معصومة, ولا يجوز لأحد أن يتعدى عليها.
قال الثوري: (إنّ نسبة الفائدة إلى مفيدها من الصدق في العلم وشكره، وأن السكوت عن ذلك من الكذب في العلم وكفره )
وقال النووي: (ومن النصيحة: أن تُضاف الفائدة التي تُستغرب إلى قائلها، فمَنْ فعل ذلك بُورك له في علمه وحاله، ومَنْ أوهم ذلك فيما يأخذه من كلام غيره أنّه له فهو جديرٌ أنْ لا ينتفع بعلمه، ولا يُبارك له في حاله، ولم يزل أهلُ العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائلها، نسأل الله تعالى التوفيق لذلك دائماً ).

نعم, قد تساهل بعض الكتاب في أخذ المعنى من بحث ونقله بعبارة مختلفة, كما تساهلوا في جعل البحوث المكتوبة كشافا للمصادر والمراجع.
أما أن ينقل كلام بنصه, أو مقال كامل, أو بحث كامل فهذا مما لا يغتفر للفاعل, ويعد سرقة علمية, وتشبعا بما لم يعط.
وإني لما قرأت بحثا عنون بـ: حكم وضع الجوائح في الإجارة" للدكتور محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى
رأيت عجبا من التطابق الحرفي لجل بحثه مع بحثي, فالعبارة هي العبارة إلا إضافات يسيرة جدا, والمنقول هو المنقول, فلم يتغير إلا اسم الباحث في نهاية البحث.
وسأضرب أمثلة يسيرة, وأترك للقراء رابط البحثين:
قلت: (وأما أصول وضع الجوائح وقاعدتها, فهي: الأصل في العقود: العدل, والضرر يزال, وقاعدة: "تلف المقصود المعقود عليه قبل التمكن من قبضه يبطل العقد" )
قال هو: (والقاعدة : الأصل في العقود: العدل.والقاعدة : والضرر يزال, وقاعدة : لا ضرر ولا ضرار.والقاعدة : تلف المقصود المعقود عليه قبل التمكن من قبضه يبطل العقد.)
قلت: (ولأن عدم الوضع من أكل أموال الناس بالباطل؛ حيث إنه أخذ أحد العوضين بدون تسليم العوض الآخر.
وأما المعنى الذي من أجله وضعت الجوائح فهو: ما بقي على صاحب الأصل من حق التوفية فلم تنقطع يده بالكلية, ولذا لم يكن قبض المشتري لها قبضا تاما ناجزا, فمثلا في الثمار التي بدا صلاحها ولم تقطع بعدُ: المشتري لم يقبضها قبضا تاما ناجزا؛ لبقاء يد البائع عليها بالسقي فيما يحتاج منها إلى السقي.
والمستأجر لم يقبض منفعة العين قبضا تاما ناجزا؛ لبقاء مصروفات بقاء العين على المؤجر).
قال هو: (ولأن عدم الوضع من أكل أموال الناس بالباطل؛ حيث إنه أخذ أحد العوضين بدون تسليم العوض الآخر.
وأما المعنى الذي من أجله وضعت الجوائح فهو: ما بقي على صاحب الأصل من حق التوفية فلم تنقطع علاقته  بالكلية عن السلعة  , ولذا لم يكن قبض المشتري لها قبضاً تاماً ناجزاً .
فمثلا في الثمار التي بدا صلاحها ولم تقطع بعدُ: المشتري لم يقبضها قبضا تاما ناجزا؛ لبقاء يد البائع عليها بالسقي فيما يحتاج منها إلى السقي. ، والمستأجر لم يقبض منفعة العين قبضا تاما ناجزا؛ لبقاء مصروفات بقاء العين على المؤجر.)
قلت: (ووضع الجائحة في الثمار هو ما ذهب إليه المالكية بقيد الثلث, والحنابلة مطلقا, خلافا للحنفية والشافعية.
وأما في الإجارة فحكي على وضع الجوائح: الإجماع, قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى...)
قال هو: (ووضع الجائحة في الثمار هو ما ذهب إليه المالكية بقيد الثلث, والحنابلة مطلقا, خلافا للحنفية والشافعية. - وقد بينت ذلك في بحث : حكم الجائحة في الثمار -.
وأما  وضع الجوائح في الثمار فحكى ابن تيمية الإجماع, على وضعها : حيث قال في مجموع الفتاوى...)
وهكذا البحث كله بالنص حتى في تقسيماتي التي بنيتها على السبر والتقسيم
قلت: (وتعطل المنفعة بسبب الجائحة على أحوال:
الأولى: أن تتعطل من كل وجه فلا يبقى فيها منفعة, فهنا كالتالفة, وينفسخ العقد بنفسه.
الثانية: أن يتعطل منها بعض مقصود العقد ويبقى بعضٌ بأن يزول بعض نفعها ويبقى بعض, فهنا تنقص الأجرة بقدر زوال بعض المنفعة, وللمستأجر أن يفسخ الإجارة؛ لذهاب كمال مقصوده, ولأنه كالعيب.
الثالثة: أن يتعطل نفعها بعض المدة....)
قال هو: (وتعطل منفعة العين في الجائحة على أحوال:
الأولى: أن تتعطل من كل وجه فلا يبقى فيها منفعة, فهنا كالتالفة, وينفسخ العقد بنفسه.
الثانية: أن يتعطل منها بعض مقصود العقد ويبقى بعضٌ بأن يزول بعض نفعها ويبقى بعض, فهنا تنقص الأجرة بقدر زوال بعض المنفعة, وللمستأجر أن يفسخ الإجارة؛ لذهاب كمال مقصوده, ولأنه كالعيب.
الثالثة: أن يتعطل نفعها بعض المدة...)
وهكذا إلى نهاية البحث, والله المستعان, فجرى التنبيه وضعا للنقاط على الحروف, ولله در أبو علي الصدفي القائل: يقبح بكم أن تستفيدوا منا، ثم تذكرونا، فلا تترحموا علينا)
هذا فيمن لم يترحم عليه مع ذكره, فكيف بمن لم يذكره أصلا؟!
هذا رابط بحثه:

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار




السبت، 2 مايو 2020

الفروق بين مذهب أهل الحديث ومذهب الحنابلة


الفروق بين مذهب أهل الحديث ومذهب الحنابلة
هناك فروق كثيرة بين المذهبين من جهات عدة, ومنها:
أولا: من جهة أهله.
أهل الحديث يدخل فيهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين, وفيهم من هو من مذهب أبي حنيفية ومن مذهب مالك ومن مذهب الشافعي, ومن مذهب أحمد, بخلاف مذهب الحنابلة فلا يدخل فيه إلا من جاء بعد أحمد ممن أخذ بمذهبه الفقهي.
وليس كل الحنابلة أخذوا بمذهب أهل الحديث؛ إذ إن منهم من أخذ بمذهب الاعتزال كابن عقيل وغيره.
وقد سمى اللالكائي جماعة من أهل الحديث في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة, وذكر بسنده عن قتيبة أنه: «إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد , وعبد الرحمن بن مهدي , وأحمد بن محمد بن حنبل , وإسحاق بن راهويه - وذكر قوما آخرين - فإنه على السنة , ومن خالف هؤلاء فاعلم أنه مبتدع»
وسمى الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث جماعة: محمد بن إدريس الشافعي، وسعيد بن جبير والزهري، والشعبي والتيمي ومن بعدهم، كالليث بن سعد والأوزاعي والثوري وسفيان بن عيينة الهلالي، وحماد بن سلمة وحماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وأيوب وابن عوف ونظرائهم.
ومن بعدهم مثل يزيد بن هارون، وعبد الرزاق وجرير بن عبد الحميد، ومن بعدهم محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري، وأبي داود السجستاني وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم وابنه ومحمد بن مسلم بن واره، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة الذي كان يدعى إمام الأئمة، والمقري كان إمام الأئمة في عصره ووقته، وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل البستي، وجدي من قبل أبي أبو سعيد يحيى بن منصور الزاهد الهروي...
وقال اللالكائي: (ثم إنه لم يزل في كل عصر من الأعصار إمام من سلف، أو عالم من خلف، قائم لله بحقه، وناصح لدينه فيها، يصرف همته إلى جمع اعتقاد أهل الحديث على سنن كتاب الله ورسوله وآثار صحابته )
ثانيا: من جهة موضوع البحث.
مذهب أهل الحديث يبحث في الدلائل والمسائل القطعية- أعني: التواتر المعنوي والإجماع القطعي وما نتج عنها, فما نتج عنها لا يكون إلا قطعيا-, بينما مذهب الحنابلة يبحث في الفروع والظنيات كما هو الشأن في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي.
ثالثا: من جهة الحكم الشرعي.
مذهب أهل الحديث واجب الاتباع, بينما مذهب الحنابلة سائغ الاتباع, ولذا نجد أن أئمة أهل الحديث يصدرون كتبهم بالإجماع القطعي.
فعن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماءَ في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فكان من مذهبهم: ...
وكذا البخاري رحمه الله القائل: « لقيتُ أكثرَ من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر: لقيتُهم كَرَّات، قرنا بعد قرن، ثم قرنا بعد قرن...فما رأيتُ أحدا منهم يختلف في هذه الأشياء: ... »


رابعا: من جهة الانتساب.
أهل الحديث ينتسبون إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأما الحنابلة فينتسبون إلى أحمد بن حنبل, قال اللاكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 24): (...ثم كل من اعتقد مذهبا فإلى صاحب مقالته التي أحدثها ينسب، وإلى رأيه يستند، إلا أصحاب الحديث، فإن صاحب مقالتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم إليه ينتسبون، وإلى علمه يستندون، وبه يستدلون، وإليه يفزعون، وبرأيه يقتدون، وبذلك يفتخرون، وعلى أعداء سنته بقربهم منه يصولون، فمن يوازيهم في شرف الذكر، ويباهيهم في ساحة الفخر وعلو الاسم؟ .
إذ اسمهم مأخود من معاني الكتاب والسنة يشتمل عليهما؛ لتحققهم بهما أو لاختصاصهم بأخذهما ...)
وأبو الحسن الأشعري بعد رجوعه لم ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث لا إلى الحنابلة, وإمامه أحمد بن حنبل, قال في الإبانة عن أصول الديانة (ص: 20): (قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله ربنا عز و جل وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون ولما خالف قوله مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي ( 1 / 21 ) أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيع الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفهم )
ويجب أن يعلم: أن أحمد لم يختص بعقيدة عن مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وغيرهم, لكنه امتحن فصبر وتكلم بالتفصيل عما أحدثه المتكلمون, فعرف بإمام أهل السنة,
قال بعض شيوخ المغرب : المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد. منهاج السنة
نعم, الحنابلة كانوا أكثر المذاهب حظا باعتقاد أهل الحديث؛ لأن كلام الإمام أحمد كان مفصلا في باب الاعتقاد, وقد رد بالتفصيل على الجهمية والمعتزلة, قال ابن تيمية: (فما زال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ينفيه طائفة أخرى منهم ومنهم من يمسك عن النفي والإثبات جميعا. ففيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف لكن نزاعهم في مسائل الدق؛ وأما الأصول الكبار فهم متفقون عليها ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعا وافتراقا لكثرة اعتصامهم بالسنة والآثار لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبينة لما تنازع فيه الناس ما ليس لغيره. وأقواله مؤيدة بالكتاب والسنة واتباع سبيل السلف الطيب. ولهذا كان جميع من ينتحل السنة من طوائف الأمة - فقهائها ومتكلمتها وصوفيتها – ينتحلونه).
وليس المراد بأهل الحديث: أهل الصنعة الحديثية والمشتغلون بالرواية, والكلام في السند, قال ابن تيمية:(ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم : كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهراً وباطناً واتباعه باطناً وظاهراً وكذلك أهل القرآن)مجموع الفتاوى
وأخيرا: قال الخطيب البغدادي في . شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (ص: 8): (وقد جعل الله تعالى أهله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة. فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته. أنوارهم زاهرة ، وفضائلهم سائره، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته. إذا اختلف في حديث، كان إليهم الرجوع، فما حكموا به، فهو المقبول المسموع. ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن. وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم. وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا» يتجاسر «. من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذلهم الله. لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير وإن الله على نصرهم لقدير»

 كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 1 مايو 2020

[إذا أمكن للدولة أن تفتح الأسواق والبنوك للناس مع وجود #فايروس_كورونا وتنظم ذلك, فلماذا لا تفتح المساجد مع التنظيم والأخذ بالإجراءات الطبية؟]


#فايروس_كورونا
[إذا أمكن للدولة أن تفتح الأسواق والبنوك للناس مع وجود #فايروس_كورونا وتنظم ذلك, فلماذا لا تفتح المساجد مع التنظيم والأخذ بالإجراءات الطبية؟]
بادئ ذي بدء نتمنى ذلك إذا أمكن من غير أن تترتب عليه مفاسد راجحة, على أن تقوم به الجهات المختصة لا أن يصدر من أفراد, وإلا كان افتياتا عليهم.
وهذا لا ينافي الفتوى بإغلاق المساجد, وهي فتوى ذهب إليها كثير, ولم يرها جمع من أهل العلم, وهي محل اجتهاد, ولا يلزم من الإغلاق تعطيل المسجد؛ لحصول الإعمار من المؤذن ونحوه...
ووجه عدم التنافي: أن الفتوى مقيدة بالمفسدة العامة, وحفظ النفس, ودفع الضرر العام, فمتى ما انتفت العلة انتفى معها الحكم, والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
لكن يبقى السؤال: هل يصح قياس فتح المساجد على فتح الأسواق مقاصديا؟
وجوابه:
أن المصالح تُقسَّم إلى ضروروي وحاجي وتحسيني, وقد علم هذا باستقراء الشرع, والضروري هو أصل الحاجي والتحسيني, وهما خادمتان ومكملتان للضروري, ومتأخرتان عنه, وفي المحافظة عليهما محافظة على الضروري.
ومن طبيعة المصالح الحاجية أنها تدفع الحرج والمشقة, فمقتضاها التيسير والتخفيف.
ومن طبيعة المصالح التحسينية أنها تحسن وتكمل المصالح الضرورية والحاجية, فمقتضاها التوسعة والتسهيل.
فباب المصالح الضرورية: الضرورة, فلا تتناسب معها إلا أحكام الضرورات, ولذا أوجب الشارع على المضطر أكل الميتة؛ حفاظا على النفس.
والمكمل للضروروي لا يراعي فيه الضرورات, وإنما يراعى فيه ما يراعى في المصالح الحاجية.
وباب المصالح الحاجية: المشقة ورفع الحرج, فلا تتناسب معها إلا أحكام المشقة ورفع الحرج, ولذا رخص الشارع للمسافر قصر الصلاة؛ دفعا للمشقة الخارجة عن المعتاد.
والمكمل للحاجي لا يراعي فيه المشقة, وإنما يراعى فيه ما يراعى في المصالح التحسينية.
وباب المصالح التحسينية: السعة والسهولة, فلا تتناسب معها إلا أحكام السعة, ولذا رخص لفاقد الماء التيمم.
وإذا نظرنا إلى الأسواق والبنوك وما في معناهما وجدنا أنهما داخلان تحت باب الضروري المتعلق بحفظ النفس؛ لأن قوام حياة الإنسان بالسلع الأساسية والنقود التي يؤمن بها تلك السلع.
وإذا نظرنا إلى المساجد وجدنا أنها غير داخلة في الضروري؛ لبقاء الدين مع عدمها, وإنما هي داخلة في الحاجي المكمل لضرورة حفظ الدين من وجه, وهو: وجوب الإعمار في الجملة, ولذا تعلقت به رخص المطر والخوف وغير ذلك, وفي التحسيني من وجه آخر, وهو المحافظة على شعيرة الصلاة بتحسين المسجد وتوسعته ونحو ذلك.
فإذا كان هذا هو التوصيف المقاصدي فإنه يترتب عليه أنه في الأسواق والبنوك ونحوهما تتعلق بها أحكام الضرورات, فتكون الموازنة بين ضرر ذهاب النفس بفايروس كورونا وضرر ذهاب النفس بعدم وجود ما يقتات, فيتطلب إيجاد مخارج لا يراعى فيها المشقة والسعة, وإنما حفظ النفس.
وأما المساجد فتتعلق بها أحكام المشقة والسعة, ولا يراعى فيها باب الضرورات, فلا يتطلب إيجاد مخارح متعلقة بحفظ الضرورة.
ومن هنا أمكن أن نجعل قيودا لفتح الأسواق ولا نجعل قيودا لفتح المساجد إذا تعلق الأمر بذهاب النفس.
بقي إذا أمكن وضع قيود شديدة ينتفي معها الخوف من ذهاب النفس, ولا يترتب عليها مفاسد أخرى من اقتتال وظلم ونحو ذلك فإنه يتعين على الحكومة وضع هذه القيود؛ لتحقيق مصلحة إعمار المساجد بما لا يكون فيه مشقة خارجة عن المعتاد.
فإن قيل: ما تقول في الدوام الرسمي في بعض المؤسسات الذي لم تلغه الحكومة وإنما نظمته وقيدته, أفلا نقيس عليه المساجد؟
قيل: القياس هنا مع الفارق المؤثر, فالمؤسسات التي بقي فيها الدوام تتعلق بالصالح العام الذي يقوم مقام الضرورة, والعدد فيها محدود وقابل للتقليص, ويمكن إعمال إجراءات الاحتراز والوقاية من غير أن يترتب عليها مفاسد كاقتتال وشجار ونحو ذلك, بخلاف المساجد.
هذا: وإن المقصود بيان الفارق المؤثر بين أخذ الاحترازات في الأسواق وأخذها في المساجد مع حبنا وتعظيمنا لإعمار المساجد وفتحها, ونرجو من الله الفرج.
كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار


الخميس، 30 أبريل 2020

لا يصح القطع بالتأثيم في مسائل الاجتهاد


لا يصح القطع بالتأثيم في مسائل الاجتهاد
إن مسائل الاجتهاد مسائل ظنية تحتملها الأدلة, وتختلف فيها الأفهام, ويتفاوت فيها المجتهدون, لا سيما النوازل.
وهذه المسائل وإن كان المجتهدون يتفاوتون في القطعية والظنية إلا أنه لا يسوغ لمن وصل في مسألة تحتملها الأدلة إلى القطع أن يؤثم المخالف.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح تأثيم المجتهد فيها, قال الجويني في التلخيص: (وقد أجمع أهل العصر قاطبة على أن مسائل الاجتهاد لا يجري فيها التأثيم)
فكيف بالقطع بتأثيم من خالف -على سبيل العموم-؟!!
ولا يلزم من عدم تأثيمه انتفاء الخطأ؛ إذ الخطأ هنا غير متعمد وهو معفو عنه؛ لاحتمال الأدلة وظنيتها.
ثم إن القطع بالتأثيم في المسألة يشترط فيه القطع برفع احتمال الأدلة, وهذا لا يتأتى مع المسائل الاجتهادية, وإذا انتفى الشرط انتفى ما ترتب عليه, فالقطع بالتأثيم منتف لفوات شرطه.
وإذا تأتى فهو أمر نسبي لا يخرج المسألة عن ظنيتها.
وهذا ما درج عليه الأئمة ومنهم من نص على ذلك, قال إسحاق في مكاتبة العبد الذي علم فيه خيرا: أخشى أن يأثم إن لم يفعل.
وقال أحمد في إخراج زكاة الفطر نقدا: ( أخاف ألا يجزئه، خلاف سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_).
وكما لا يصح القطع بالتأثيم لا يصح للمفتي إلزام الناس باتباعه في هذه المسائل, قال ابن تيمية في مجوع الفتاوى: (وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل؛ ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على " موطئه " في مثل هذه المسائل منعه من ذلك. وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتابا في الاختلاف فقال أحمد: لا تسمه " كتاب الاختلاف " ولكن سمه " كتاب السنة ").
وقال: (ولهذا كان أئمة أهل السنة والجماعة، لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد، ولا يكرهون أحدا عليه )
 فلا نعامل مسائل الاجتهاد مسائل الإجماع, ولا نقطع فيها بالتأثيم على سبيل العموم, وإنما هو ظن يتفاوت بحسب قوة الاستدلال وضعفه.
وإن القطع بالتأثيم في مثل هذه المسائل يوقع في الحرج, ويكون سببا للعداوة والبغضاء, وهذا ينافي تسويغ الاجتهاد فيها, ويؤدي إلى هدم مقصد الشارع من الاجتماع على الحق والتآلف.
ومحل الكلام المتقدم في القطع بالتأثيم في المسألة, وأما في المعين فلا نقطع بالتأثيم سواء خالف في مسألة قطعية أو ظنية إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع؛ لعموم قوله تعالى: [ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ].

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 25 أبريل 2020

[حكم الدعاء بقول: "صحه فطورك" ونحوه بعد الإفطار من الصيام]


[حكم الدعاء بقول: "صحه فطورك" ونحوه بعد الإفطار من الصيام]
 سؤال: شيخ, حكم قول صحة فطورك مع التفصيل رحم الله والديك ونفع بك
والجواب:
هذه تهنئة خاصة لسبب خاص, وقد اشتملت هذه التهنئة على الدعاء له بالصحة والهناء عقب الإفطار من صيام.
ولاشك أن المسلم يفرح بإفطاره, لكن هل هذا الفرح يقتضي دعاء خاصا ملتزما؟
فهنا أمران:
الأول: الفرح بما أذن الله الفرح به, والفرح هنا يشمل الفرح الطبيعي بسد الجوع بالأكل, والفرح الإيماني وهو إتمام العبادة وسلامتها مما يفسدها.
فالفرح هو المأذون به شرعا, وأما ما زاد عليه من التهنئة فهو جائز في الجملة بقيد ألا يجري مجرى الشرعيات من الالتزام إذا كانت مقرونة بعبادة أو لوحظ فيها قصد زمان أو مكان لذاتهما؛ لأن الالتزام يخرجه عن كونه عادة, إلا ما ورد عن الصحابة, كالتهنئة بعيد الفطر والأضحى.
ولم يرد عنهم التهنئة بالإفطار.
لكن تجوز لا على وجه الالتزام.
وأما ما ورد في قصة توبة كعب, وفيه: (وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنؤني بالتوبة, ويقولون: لتهنك توبة الله عليك...)
فليست من الباب الذي نتكلم فيه؛ لعدم وقوع الالتزام فيه, وإنما يدل على أن من وقع له أمر عظيم فيه خير دنيوي أو ديني فإنه يهنأ عليه, ومثل هذا لا يتصور فيه أن يجري مجرى الشرعيات.
الثاني: تخصيص دعاء له, ومعلوم أن الدعاء في نفسه عبادة أمر الله به في الجملة, وهنا قد أتى العبد به عقب عبادة مخصوصة وهي الصيام, وله حالان:
الحالة الأولى: ألا يلتزمه وإنما يفعله أحيانا, فهنا جائز؛ لأنه لم يضاهي الشرعيات, ولا أخذ صفة التشريع, ولا هو مظنة اعتقاد السنية والفضل.
الحال الثانية: أن يلتزمه, فهنا قد ضاهى المشروع في التخصيص والالتزام, وأعطاها صفة التشريع؛ إذ إن من أسباب كون الفعل سنة: الالتزام والمداومة, والتخصيص والتقيد, وهذا التخصيص والالتزام لم يدل عليه الدليل العام الوارد في حض الناس على الدعاء, كما أنه ذريعة لأن يعتقد الناس سنية الفعل وفضله.
ولو كان هذا التخصيص والالتزام مشروعا لفعله السلف؛ لوجود مقتضيه ولا مانع.
قال الشاطبي في الاعتصام (1/ 318): (وبيان ذلك أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرا في الجملة مما يتعلق بالعبادات مثلا، فأتى به المكلف في الجملة أيضا، كذكر الله والدعاء والنوافل المستحبات وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة؛ كان الدليل عاضدا لعلمه من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به.
فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو مقارنا لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلا أن الكيفية، أو الزمان أو المكان مقصود شرعا من غير أن يدل الدليل عليه؛ كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه.
فإذا ندب الشرع مثلا إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد وبصوت، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات؛ لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدل على خلافه؛ لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعا شأنها أن تفهم التشريع...)
وقال في الاعتصام (1/ 319): (فكل من خالف هذا الأصل؛ فقد خالف إطلاق الدليل أولا؛ لأنه قيد فيه بالرأي، وخالف من كان أعرف منه بالشريعة ـ وهم السلف الصالح رضي الله عنهم ـ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك العمل وهو يحب أن يعمل به خوفا أن يعمل به الناس فيفرض عليهم).
ومثله في الحكم التهنئة بيوم الجمعة.
كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 24 أبريل 2020

أهل الحديث هم الطائفة الناجية


أهل الحديث: الطائفة الناجية

                                                                د. أحمد بن محمّد النّجار
كليّـة علوم الشّريعة / جامعة المرقب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
أما بعد؛ فإن من إقامة الله الحجة على خلقه أن أحالهم إلى طائفة عرفت الحق واختصت به, فجعل إصابة الحق من هداية الله لها وتوفيقه إياها, ومن حكمته سبحانه أنه لم يجعله لآحادها وإنما جعله للطائفة, وأصل ذلك قوله تعالى: [والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان]
وأهل الحديث, هم: المتبعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره, فهم أعلم الناس بأقواله وأحواله, وأعظم معرفة بمعاني حديثه واتباعا لها.
ولذا فإنهم فلا ينصبون مسألة ويجعلونها من أصول دينهم إلا إذا ثبتت ثبوتا قطعيا أنها فيما جاء به الرسول, فهم أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول صلى الله عليه وسلم, وأعلم الناس بالسابقين وأتبعهم لهم.
وهم الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء عن معاوية - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس" رواه البخاري ومسلم
قال علي بن المديني (234 هـ): ( إن المقصود بالطائفة: أهل الحديث الذين يتعاهدون مذاهب الرسول صلى الله عليه وسلم ويذبون عن العلم، لولاهم لم تجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي شيئًا من السنن)
وقال الإمام أحمد (241هـ) لما سئل عن الجماعة: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟)-
فصل, أهل الحديث مذهبهم حق لا باطل فيه؛ وذلك أنه لما كانت نصوص الكتاب والسنة منها ما هو نص في الدلالة ومنها ما هو ظاهر في الدلالة ومنها ما هو مجمل لم تقم الحجة على الخلق فيما كان ظاهرا ومجملا إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ما دلت عليه النصوص بيانا شافيا, وقد قال تعالى: [لتبين للناس ما أنزل إليهم] ، ففصل لهم النصوص تفصيلا يزول معه الاشتباه والاشتراك والإجمال المنافي لفهم المراد بالخطاب الذي انقطع به العذر، وإذا كان المخاطبون لم يفهموا معنى كلامه لم يكن قد بلغهم بلاغا مبينا.
وإذا علم أن الصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه, بل أخذوا عنه المعاني وعبروا عنها بألفاظ مختلفة؛ مما يدل على فهمهم الدلالة على وجهها؛ حتى عبروا عنها بألفاظ أخرى, فلا يحتاج مع بيانهم إلى لغة أحد.
نعم, قد يختلفون في المعاني كاختلافهم في نقل الألفاظ, وإنما الكلام هنا فيما لم يختلفوا فيه أو لم ينقل فيه خلاف, وما اختلفوا فيه على معنيين فلا يجوز إحداث معنى ثالث.
فحصل للصحابة ما لم يحصل لغيرهم من رؤية الحال التي نزل عليها الخطاب, والعلم بالمراد, ومشاهدة التنزيل, فليس من سمع ورأى وعلم حال المتكلم كمن كان غائبا عنه، وإذا كان هذا هو حال الصحابة كان من اعتنى بنقل مذهبهم هم أولى الناس بالحق بل الحق لا يتجاوز مذهبهم.
وهذه الدلالة تلقاها الصحابة عن التابعين, وتلقاها تابعو التابعين عن التابعين, واعتنى بنقلها أهل الحديث نقلا بالسند, وحكاية الأقوال.
فلهذه الخصائص التي تميز بها أهل الحديث عن غيرهم كان مذهبهم حقا لا مرية فيه, وما وجد من حق في الطوائف الأخرى فلموافقتهم الحق الذي عند أهل الحديث, ولا تمتدح طائفة إلا بالحق الذي عندهم الموافق لما عليه أهل الحديث.
فمذهب أهل الحديث قائم على نقل معاني نصوص الكتاب والسنة ومراد الشارع ممن أخذها مباشرة أو بواسطة عن المبلغ عن الله.
ومذهب غيرهم قائم على العدول عن المعاني المنقولة عن الصحابة, وهو من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذم الله به اليهود في قوله: [أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه]
ولازم مذهبهم أن الصحابة كانوا أميين معرضين عن المعاني, فلا يعلمون إلا الألفاظ, وهذا أمر لا يليق بالصحابة وقد ذم الله المعرض عن الكلام في معنى النصوص فقال: [ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني] فكيف يليق بمسلم يصحح مذهبا من لازمه الذي لا ينفك عنه جَعْلُ الصحابة كالأميين المعرضين عن تفهم معنى النصوص وتعقلها وتدبرها؟!
ومذهب أهل الحديث قائم على العلم الضروري القائم على تواتر النصوص تواترا معنويا, فإن تواتر النصوص على معنى واحد يوجب علما ضروريا بهذا المعنى أعظم من العلم بجود حاتم وشجاعة عنترة, وهذا يعلمه أهل الحديث؛ لعلمهم بالأحاديث وطرقها ونقلتها, وهذا ما لا يوجد عند غيرهم, فتجد عند غيرهم قلة معرفة بطرق الأحاديث, وعدم خبرة بالنقلة, وعدم اعتناء بالرواية, ولهذا لم ينسبوا إلى الحديث.
ومن هنا تجد أن أهل الحديث يقطعون بما تضمنته النصوص, ويقطعون بأن من كذب بمعنى النصوص فهو ضال.
ومذهب أهل الحديث ينشأ عنه الثبات والاستقرار, فتجد أهل الحديث ثابتين مستقرين لا ينتقلون من قول إلى قول مناقض للأول, ولا يرجعون عن اعتقادهم, بخلاف ما عليه غيرهم.
لذا كان مذهبهم حقا لا يتطرق إليه الخطأ بوجه من الوجوه.
خاتمة, لا يصح ربط مذهب أهل الحديث بمذهب فقهي معين, كأن يقال هو مذهب الحنابلة أو مذهب المالكية؛ إذ إن ربطه بمذهب يضعف مذهب أهل الحديث المبني على التواتر والإجماع القطعي, ويجعله مذهبا سائغ الاتباع لا واجب الاتباع, وهذا ما يدندن حوله البعض, وغفلوا أنه مذهب واجب الاتباع, قد أخذ قوته من قوة مصدره, فهو يعتمد على النقل المتواتر عن الصحابة والتابعين, ويتعلق بمنهج الاستدلال وأصول الدين.