السبت، 5 سبتمبر 2020

حكم الاختلاط بين الذكور والإناث في التعليم ونحوه

 

حكم الاختلاط بين الذكور والإناث في التعليم ونحوه

لما كان الاختلاط مفضيا إلى الوقوع في الحرام غالبا أو كثيرا كان حكمه التحريم؛ لرجحان ضرره أو تساويه مع المنفعة, فلا تجوز الدراسة المختلطة ولا العمل المختلط.

وإذا كان الله قد حرم الزنا فهذا يقتضي تحريم كل وسيلة مفضية إليه إفضاء كثيرا أو غالبا.

قال ابن القيم في الطرق الحكمية (ص: 239): (ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة).

ويجب على الحاكم والمسؤول أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء.

هذا هو الحكم العام, وأما الحكم الخاص فبحسب حال الفرد؛ وذلك لما كان التعليم ونحوه مصلحته أرجح وأقوى من مصلحة منعه في حال الاختلاط ولا يمكن للوصول –واقعا- إلى هذه المنفعة الراجحة إلا بالاختلاط؛ لتعذر وجود تعليم أو عمل من غير اختلاط, وأمكن للمسلم درء الفتنة عن نفسه بما يستطيع جاز له أن يدرس ويدرس ويعمل بالقيود السابقة, وإلا فلا.

فالاختلاط كما أنه يفضي إلى الحرام هو وسيلة أيضا من جهة أخرى لما هو أرجح من تلك المفسدة, فعند التعارض وعدم إمكانية الجمع يقدم أرجحهما, وهذا قد يختلف من شخص إلى شخص.

أما ابتداء فلا يجوز.

ولما كان الجواز معلقا بالحاجة ورجحان المنفعة كان من انتفت عنه الحاجة ورجحان المنفعة محرما في حقه ويأثم, فلو أن رجلا أو امرأة درسا في معهد الرسم المختلط فهنا يحرم؛ لعدم الحاجة ورجحان المنفعة.

فإن قيل: قد لا يسلم مكان الاختلاط من الفتنة.

قيل: الحكم بالجواز مقيد بأن يفعل الإنسان ما في وسعه لأمن الفتنة, فإن فعل ما بوسعه سلم من الإثم, وكان على من يثير الفتنة الإثم.

وعلى المرأة ألا تخرج لأماكن الاختلاط إلا لحاجة؛ إذ الأصل بقاؤها في البيت, فإن خرجت فعليها أن تبتعد عن كل ما يثير الفتنة ويوقع في الفاحشة ولو بلين الكلام.

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 4 سبتمبر 2020

مفهوم حديث: [أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر]

مفهوم حديث:

[أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر]

(الخلاصة: هذا الحديث يحتج به على من أنكر على الحاكم الجائر أمامه وهو يسمعه وإن كان في حضور الناس مع غلبة ظنه أنه سيقتله أو يعذبه فيكون فعله هذا أفضل الجهاد؛ لأنه لا يستطيع أن يمنع الحاكم من قتله ومع ذلك يقول كلمة الحق ويبذل نفسه لها, ولا يحتج به على صحة فعل من ينكر على الحاكم وهو لا يدري به ولا يسمع كلامه وإنما يهيج الشعب فقط)

والتفصيل:

هذا الحديث أخرجه أحمد بلفظ: [أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر]

وأخرجه أبو داود بلفظ: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، أو أمير جائر»

وأخرجه الترمذي بلفظ: [إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر]

واختلف في تصحيحه وتضعيفه, ولن أخوض في سنده, وإنما سيكون الحديث عن دلالته؛ لأن المعنى له ما يشهد له ويعضده.

1-قوله: "أفضل" من صيغ التفضيل التي تُحمل في الأصل على ظاهرها فتقتضي الأفضلية المطلقة, فلا جهاد أفضل من كلمة عدل عند سلطان جائر, فهو أعظم الجهاد على الإطلاق إلا أن لفظ الترمذي الذي فيه إدخال لفظ "من" التبعيضية على صيغة التفضيل تمنع من حصر الأفضلية في ذلك, أو يقال بالأفضلية المطلقة في الجهاد مع مراعاة المعنى الذي لأجله هذا الفضل, كما سيأتي.

وكونه "أفضل" أو "من أعظم" له علة سيأتي الحديث عنها.

ولا يفهم من قوله أفضل: وجوبها, وإنما الذي يفهم بيان منزلة كلمة الحق عند سلطان جائر, وأما الوجوب فمداره على الاستطاعة وأمن العقاب بما لا قبل للإنسان به, قال ابن مسعود: (يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره).[ جامع العلوم والحكم (2/ 245)]

فالخوف على النفس مسقط لوجوب الإنكار, قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك، فلا، ثم عدت، فقال لي مثل ذلك، ثم عدت، فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بد فاعلا، ففيما بينك وبينه.

وقال طاوس: أتى رجل ابن عباس، فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة. [جامع العلوم والحكم (2/ 248)]

بل ذهب بعض العلماء إلى ما هو أبعد من ذلك –وهو الذي تقتضيه الأصول- أنه لو خشي من الإنكار الضرر العام على المسلمين فإنه يجب عدم الإنكار, قال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (7/ 224): ( لكن إن خشي ضررا عاما للمسلمين فلا ينكر، وإن خشي على نفسه فله الإنكار، ولكن يسقط الوجوب)

2-الجهاد كلمة شرعية تحمل على الحقيقة الشرعية, وهو الجهاد الذي يكون لإعلاء كلمة الله.

3-قوله: "كلمة عدل" وفي لفظ" كلمة حق" قيدت الكلمة بكونها عدلا وحقا, فليس كل كلمة تكون من أفضل الجهاد وإنما يجب أن تكون عدلا وحقا, وكون الكلمة حقا وعدلا يعرفها العالم الراسخ في العلم خصوصا فيما بتعلق بالأمر العام؛ لأن ما يتعلق بمصلحة الرعية من دقيق العلم؛ لتعلقه بالمصالح والمفاسد, وربما يكون الأمر كله مفاسد فيحتاج إلى نظر مقاصدي كلي في احتمال أدنى المفسدتين.

فيتبين لنا أن الإنكار على الحاكم الجائر عنده لا يكون أفضل الجهاد إلا إذا كانت الكلمة الموجهة إليه حقا وعدلا.

4-قوله: "عند" ظرف مكتن تفيد اتحاد المكان وسماع الكلمة, فهي عندية مكانية, وتقييد كلمة العدل والحق عند السلطان الجائر؛ منعا من إفضاء الإنكار إلى منكر أعظم وفساد أكبر, فالشرع ينظر إلى مآلات الفعل ويعتبره.

وهذه العندية مؤثرة في الفضل الوارد في أول الحديث وهو: "أفضل الجهاد"؛ لأن كونه عنده مظنة قتله وتعرضه للتلف, فهو إنما كان أفضل الجهاد لغلبة الخوف, وهذا لا يتحقق فيما إذا لم يكن عنده, فقد أخرج الطبراني والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فنهاه وأمره، فقتله»؛ مما يدلل أيضا على العندية المكانية والسماع.

وهذا ما وقع من نصح بعض الصحابة على أمرائهم, عن طارق بن شهاب - وهذا حديث أبى بكر - قال أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة. فقال قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ». أخرجه مسلم

فهذا الرجل أسقط على نفسه الواجب فأنكر, لكن أمام الحاكم, فهذا قيد مهم.

وعن سعيد بن جمهان قال لقيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه قال لي من أنت فقلت أنا سعيد بن جمهان قال فما فعل والدك قال قلت قتلته الأزارقة قال لعن الله الأزارقة لعن الله الأزارقة حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كلاب النار قال قلت الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها قال بلى الخوارج كلها قال قلت فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم قال فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة ثم قال ويحك يا ابن جمهان عليك بالسواد الأعظم عليك بالسواد الأعظم إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه   أخرجه أحمد

فلا يصح الاستدلال بالحديث على من أنكر على الحاكم وهو ليس عنده, لاختلاف المعنى.

قال الخطابي في معالم السنن (4/ 350): ( إنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو وكان متردداً بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب؟, وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف والله أعلم).

وقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 111): (جعلها أفضل الجهاد لأن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود، بخلاف من يلاقي قرنه من القتال، فإنه يجوز أن يقهره ويقتله فلا يكون بذله نفسه مع تجويز سلامتها، كبذل المنكر نفسه مع يأسه من السلامة).

5-قوله: "سلطان جائر" وفي لفظ "أمير جائر": وصف السلطان والأمير بالجائر؛ لأن الجائر مظنة الفتك بالناصح وقتله, والناصح لا يستطيع أن يدافع عن نفسه كما يدافع من كان يجاهد في المعركة, ولذا جعله من أفضل الجهاد, كما تقدم

وفيه إقرار السلطان على سلطانه وتسميته أميرا وسلطانا مع جوره وظلمه؛ نظرا لمنع المفاسد الكبرى, سواء كان الظلم خاصا أو عاما.

وأخيرا: هذا الحديث يدل على أن منزلة الناصح للحاكم الجائر عنده مع تحقق الخوف أو غلبة الظن على أنه سيقتله منزلة الشهداء, قال الحسن: (هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء)

 

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار


الخميس، 3 سبتمبر 2020

مناقشة ما استدل به مجوزوا المظاهرات من قواعد ومقاصد

مناقشة ما استدل به مجوزوا المظاهرات من قواعد ومقاصد

يحتج بعض إخواننا بـ:

1-الأصل في الأشياء الإباحة

فهنا استعملوا القاعدة في غير محلها؛ لأن المقصود بالأشياء في القاعدة التي لم يدل دليل على النهي عنها إما بدليل كلي أو جزئي, والمانعون يقولون: فيها ضرر غالب أو كثير , وهذا يستدعي تحريمها, ولا يصح أن يقال الأصل فيها الإباحة.

2-المظاهرات وسائل, والوسائل لها أحكام المقاصد.

فهنا اشتملت هذه الحجة على مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة, ونتيجتها: المظاهرات لها أحكام المقاصد, فيختلف حكمها بحسب المقصد.

لكن الذي خفي على هؤلاء: ما ضابط الوسائل التي لها أحكام المقاصد؟ وبعبارة أخرى: هل كل وسيلة لها أحكام المقاصد؟

فمثلا: الإصلاح بين الزوجين مقصد حسن, فلو أن رجلا أخذ بإطلاق القاعدة فجعل السحر وسيلة لهذا المقصد, فلا يشك مسلمان أن هذا لا يصح, والغاية لا تبرر الوسيلة.

فكما أن الوسيلة لها أحكام المقاصد فأيضا الغاية لا تبرر الوسيلة, ولا تعارض بينهما.

إذن يجب أن تكون الوسيلة غير منهي عنها شرعا إما بنص جزئي كنصوص تحريم السحر, أو بالنظر إلى قواعد الشريعة, فليس النهي عن الشيء محصورا في المنصوص, بل يكون في المنصوص عليه وفيما يؤخذ حكمه من قواعد الشريعة وكلياتها ومعانيها.

والمظاهرات من منعها منعها من جهة كونها تفضي غالبا أو كثيرا إلى مفاسد, وهي صورة من صور الإنكار العلني المحرم, ومن جوزها لم ير أنها وسيلة منهي عنها, فرجعنا إلى النقطة الأولى وهي كونها منهيا عنها أو لا, وبالتالي فلا يصح الاستدلال بقاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد؛ لأن استعمال هذه القاعدة فرع إثبات كون الوسيلة غير منهي عنها, وهذا هو أصل البحث.

والمظاهرات عند المانعين منهي عنها؛ لأنها تفضي غالبا أو كثيرا إلى المحرم, وهي صورة من صور الإنكار العلني المحرم.

3-المظاهرات تعتريها الأحكام الخمسة, فقد تكون واجبة وقد تكون محرمة وهكذا...

فهنا أجرو المظاهرات مجرى الفعل غير المنهي عنه من حيث هو , ولهذا تلحقه الأحكام الخمسة بحسب ما يعرض له, وهذا لا يسلم به المانعون فرجعنا إلى أصل البحث.

وعليه فلا يقال: تعتريها الأحكام الخمسة؛ لأن كون الفعل تعتريه الأحكام الخمسة فرع إثبات كونه غير منهي عنه في نفسه.

فمثلا: لا يقال: الخلوة بالأجنبية تعتريها الأحكام الخمسة؛ لأن الفعل منهي عنه, بينما يقال ذلك في النكاح والأكل والشرب ونحو ذلك.

والمظاهرات عند المانعين منهي عنها؛ لأنها تفضي غالبا أو كثيرا إلى المحرم, وهي صورة من صور الإنكار العلني المحرم, فنظروا إلى كليات الشريعة.

4-المظاهرات لم يأت نص بتحريمها, فتكون جائزة أو تعتريها الأحكام الخمسة.

فحصروا التحريم في المنصوص, وهذا مسلك خطير يلزم منه حصر المحرمات فيما ورد به النص دون غيره, ولا يقول به فقيه أصولي, فالمحرمات تثبت بالملفوظ وتثبت بالقياس الجزئي والكلي.

5-المظاهرات تحقق مقصد الشارع في حفظ الضرورات الخمس.

فهنا أيضا انطلقوا من كون المظاهرات فعلا غير منهي عنه, وحكموا عليه بأنه يحقق مقصد الشارع, ولا يسلم المانعون بذلك, وإنما يرون أنه منهي عنه ولا يحقق مقصد الشارع, فرجعنا إلى أصل البحث؛ إذ إن المانعين انطلقوا من كونه وسيلة إلى تعطيل أو وقوع حرج في الضرورات الخمس؛ لأنها سبب لقتل الأنفس والتعدي على حقوق المجتمع والتضييق عليهم في معاشهم, كما يشهد به الواقع, فصار كون المظاهرات تحقق مقصد الشارع في حفظ الضرورات الخمس مجرد دعوى لا يشهد لها الواقع.

6-مصلحة الناس ضيعها الحكام فاستدعى ذلك تجويز المظاهرات.

فهنا انطلقوا من كون المظاهرات غير منهي عنها من جهة, ومن جهة أخرى أن الحاكم ضيع الضرورات الخمس جملة وتفصيلا, فتراهم منعوا من إقامة الصلوات ومن رفع الأذان وحرموا الناس من صلاة الجمعة والعيد, وألزموهم بالربا والزنا, وقتلوا الأنفس المسلمة بغير حق إلى غير ذلك.

وغفلوا أن المصالح متفاوتة في نفسها, وكذا المفاسد, وأن الشريعة تأمر باحتمال أدنى المفسدتين, وترى تقديم المصالح الضرورية الأصلية على المكمل لها.

ولذا ترى المانعين يقولون: إن أصل الضرورات الخمس موجود واقعا, وما يفعله الحكام من استئثار وظلم يجب أن يكون إنكاره بما لا يرفع أصل الضرورات الخمس, ومتى ما كان الفعل ناقضا لأصل الضرورات الخمس فإنه ينهى عنه.

ولما كانت المظاهرات وسيلة إلى رفع أصل الضرورات الخمس أو كانت نتيجتها أكثر ضررا فإنها تمنع, وانطلقوا من أن المصالح المكملة إذا رجعت إلى المصالح الأصلية بالنقض ألغيت, ورجعوا أيضا إلى احتمال أدنى المفسدتين, وهذا ما أمرت به الشريعة مع الحاكم المسلم الفاسق, ولم تناد بطلب الحقوق منهم طلبا يؤدي إلى منكر أعظم.

هذا هو النظر المقاصدي, لا التمسك بكون الشريعة تحفظ الضرورة الخمس من غير مراعاة لتفاصيل هذا الحفظ ودقائقه.

وعندما تمنع المظاهرات ليس من باب تثبيت الاستبداد والسيادة للبشر, وإنما هو من باب تعطيل المفاسد وتقليلها, والنظر إلى مصلحة الأمة, والمحافضة على المصالح الضرورية الأصلية.

والعبث كل العبث أن نبطل المصالح الضرورية الأصلية بمصالح دونها ومكملة لها.

قال القاضي عياض (( جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق, ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك, بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك )).

فجُلُّ من تكلم عن المظاهرات خرج عن أصل البحث, وتمسك بقواعد ومقاصد لا تفيده في الحكم.

 

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار


الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

أعاتب الشيخ الفاضل أبا عبيدة الزاوي على دعوى الخلط بين الاستدلال بالمقاصد وقواعد الفقه (رد على تعقب مقالي حكم المظاهرات بنظرة مقاصدية)

 

أعاتب الشيخ الفاضل أبا عبيدة الزاوي على دعوى الخلط بين الاستدلال بالمقاصد وقواعد الفقه

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده,

أما بعد, فقد قرأت رد الشيخ أبي عبيدة الزاوي حفظه الله على مقالي: "حكم المظاهرات بنظرة مقاصدية" وكنت أتمنى أن يكون النقاش أكثر دقة مع مراجعة الكتب المتخصصة؛ لتعم الفائدة.

حقيقةً فضيلة الشيخ!! صُدمت لما قرأت كلامك هذا: "ما ذكره الشيخ أحمد من أن الشريعة حرمت كل فعل يفضي إلى مفسدة غالبة أو كثيرة وإن كان في الفعل مصلحة) اهـ أولًا هذا التدليل ليس تدليلا مقاصديا، ولكنه من باب الاستدلال بقواعد الفقه، ويظهر أن هناك خلط بين عنوان المقال وكيفية التعامل مع أدلته فهناك خلط واضح في باب القواعد والمقاصد، وما ذكره هنا يندرج تحت قاعدة "درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح"، أو قاعدة "إذا تعارضت مفسدتان ترتكب أدناهما ضررا"، وقد يلجأ إلى قاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد"،..."

ولمكانتك عندي ومعرفتي بعلمك لو عرض علي هذا الكلام منسوبا إليك لقلت: لا تصح نسبة الكلام إلى الشيخ أبي عبيدة, فهو كلام لا يقوله من يعرف علم القواعد الفقهية وعلم المقاصد وما فيهما من تداخل من جهة كليتهما وغايتهما, واختصاص من جهة التوظيف والتناول, ولا يقوله أيضا من يحسن الاستدلال, لكن لعلها هفوة, ولكل جواد كبوة.

لما تكلمتُ -حفظك الله- عن حكم المظاهرات انطلقت من قاعدة مقاصدية وهي النظر إلى مآلات الفعل, فبينت أن حكم الفعل الذي يفضي إلى مفاسد غالبة أو كثيرة: المنع تحقيقا لمقصد الشارع في تعطيل المفاسد, وهي قاعدة مقاصدية باتفاق.

ولم أنطلق من القاعدة الفقهية: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" ومما خفي عليك -أو أنسيته- أن هذه القاعدة لا تستعمل فيما يفضي إلى المحرم غالبا أو كثيرا, وإنما تستعمل فيما يتساوى فيه المصالح والمفاسد, غمن أحق بدعوى الخلط؟!!

وإذا كنتَ بنيتَ حكمك على المظاهرات على فهم خاطئ لهذه القاعدة فقد سقط تأصيلك لجوازها أو دورانها.

وهكذا يخطئ من يقول بدوران حكم المظاهرات على المصالح والمفاسد؛ لأن ما كانت مآلاته مفاسد غالبة أو كثيرة يمنع من غير دوران, كالخلوة بأجنبية ومصافحة المرأة ووو.

ولم أنطلق أيضا من تعارض المفاسد فلها تأصيلها واستعمالها...

وأما تمثيلك بالجهاد فضيلة الشيخ في قولك" الكلام غير منضبط من جهة التأصيل الفقهي، وسوف أورد مثالا على قاعدته، فالجهاد في سبيل الله مما لا شك فيه يصاحبه مفاسد من زهق الارواح وذهاب الأموال بل وفيه احتمالية الهزيمة والخسارة يقول تعالى:( كتب عليكم القتال وهو كره لكم) ومع ذلك رغب فيه الشارع، لما فيه من مصلحة عظمى"

فعجب!؛ لأن الكلام عن المفاسد الشرعية لا الطبعية, فإزهاق نفس المجاهد مصلحة شرعية لا مفسدة, وإن كان الإنسان يكره الموت طبعا.

فالخلط بين المفاسد الشرعية وبين ما يلائم الطبع وينافره يرده أهل المقاصد!

ثم انتهيت إلى تجويز المظاهرات قياسا على الجهاد في سبيل الله, وإعمالا لقاعدة يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا, فقلت: "وهكذا المظاهرات إذا خرج الناس فيها لطلب حقوقهم وجعلوها وسيلة إلى بلوغ مقصدهم المشروع ما الفرق؟ مع أن وقوع الضرر فيها ليس شرطا في كل الاحوال مثل القتال المباشر، فلو وقع الضرر من المظاهرات وكان خروج الناس لأجل ضرر حل بهم، سيكون ضرر المظاهرات تبعا وليس مقصودا في ذاته، ولكن الضرر الثاني الذي خرجوا لأجله حقيقي متعمد فكان الفرق بين الأمرين، والقاعدة الفقهية تقول: "يجوز تبعا ملا يجوز استقلالا"

أقول: أما قياسك على الجهاد فقياس مع الفارق؛ فالجهاد بضوابطه يشرع مع الكفار؛ حفظا لضروري وهو الدين, ومصالحه غالبة, وحكمه منصوص عليه, وأما المظاهرات فمع المسلمين, ومفاسدها تعود إلى عدم حفظ الضرورات الخمس, وضررها غالب أو كثير وتسبب الفوضى.

ثم العبرة بالأعظم, فالأعظم في الجهاد: المصالح, والأعظم في المظاهرات: المفاسد, ولذا اختلف الحكم ولم يصح القياس.

وأما إدخال المظاهرات تحت قاعدة يجوز تبعا ما لا يجوز استقلال فلا أدري كيف دخلت؟؛ لأن هذه القاعدة تستعملفي التبعية الحقيقية, وهو: المتصل بالشيء حسا, كاتصال الجنين بأمه, أو التبعية الحكمية, وهو: الذي لم يتصل به حسا, وإنما حكما, كتبعية الطفل المسلم بأبيه,

فإذا كان الضرر متصلا بالمظاهرات لا ينفك عنها فيكون الحكم التحريم لا الجواز إذا كان الضرر غالبا أو كثيرا.

والضرر هنا من إفضاء الفعل, ويعود على المسلمين عموما, فليس هو ضررا خاصا حتى يتحمل.

وهكذا فضيلة الشيخ تخوض في القواعد الفقهية وتستعملها في غير محالها, ولن يرضى صنيعك هذا الفقهاء.

وأما الكلام في السياسة الشرعية فيجب أن يكون مبنيا على مقاصد الشارع مع النظر إلى النصوص الجزئية الوادة في الباب, وهذا يستدعي دراسة دقيقة لعلم المقاصد مع الإحاطة بالنصوص الشرعية.

ولا أطيل...

وفقكم ربي وسددكم وعفا الله عني وعنكم.

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 29 أغسطس 2020

حم المظاهرات بنظرة مقاصدية

 

حم المظاهرات

بنظرة مقاصدية

 

الحمد لله وحدة, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أما بعد, فالشريعة الإسلامية حرمت كل فعل يفضي إلى مفسدة غالبة أو كثيرة وإن كان في الفعل مصلحة, فقد جاء في الصحيحين أن عبد الله بن أبى بن سلول في غزوة بنى المصطلق قال:" أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقام عمر فقال: يا رسول الله: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"

فمع أن في قتل المنافقين مصلحة؛ إذ إنهم وراء الفتن وإضعاف الدولة ونشر الشائعات إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رءا أن في قتلهم مفسدة: ترك قتلهم, فلا يأت أحد ويقول: يقتلون إذا كان في قتلهم مصلحة, فهذا النوع لا يصح تعليقه بالمصالح والمفاسد, فيقال: يجوز إن كانت مصلحته راجحة ويحرم إن كانت مفسدته راجحة.

وكل ما أدى إلى المفسدة كثيرا لا غالبا ولا نادرا تأتي الشريعة بالنهي عنه وإن كانت فيه مصالح, ولذا حرم عليه الصلاة والسلام الخلوة بالمرأة الأجنبية، وأن تسافر مع غير ذي محرم, ونهى عن بناء المساجد على القبور, وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها.

قال الشاطبي في الموافقات (3/ 85): (والشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقا إلى مفسدة، فإذا كان هذا معلوما على الجملة والتفصيل؛ فليس العمل عليه ببدع في الشريعة، بل هو أصل من أصولها، راجع إلى ما هو مكمل؛ إما لضروري، أو حاجي، أو تحسيني)

وإن الناظر في واقع أمر المظاهرات يجد أن مفاسدها غالبة أو على أقل تقدير: كثيرة, وهذه المفاسد منها هو ظاهر لكل أحد, ومنها ما هو خفي لا يظهر إلا لأهل العلم الراسخين.

فالظاهر منها: ما يصاحبها من تخريب واعتداء وتضييع للحقوق والواجبات وإيذاء الناس وإغلاق الطرقات...

والخفي منها:

-ترفع هيبة الحاكم في نفوس الرعية وتسلط عليه السفهاء؛ مما يذهب بالمصالح العامة, قال القرافي في الذخيرة للقرافي (13/ 234): (ضبط المصالح العامة واجب ولا تنضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية ومتى اختلف عليهم أو أهينوا تعذرت المصلحة)

فنخشى أن يخرج علينا من يقول: القرافي من علماء السلاطين! خصوصا إذا قرأ قوله في الذخيرة (13/ 234): (ويجب طاعة الأئمة وإجلالهم وكذلك نوابهم فإن عصوا بظلم أو تعطيل حد وجب الوعظ وحرمت طاعته في المعصية وإعانته عليها)

-أنها سبيل لتمكين الأعداء من المسلمين وإشعال الحرب بينهم,.

-تزرع الشقاق والعداوة.

-تحجب المسلمين عن السبب الحقيقي وهو البعد عن دين الله وضعف التدين

إلى غير ذلك...

وهذه الأمور محرمة شرعا, وإذا حرم الرب شيئا حرم الطرق المفضية إليه, وإلا عُد هذا تناقضا, فكيف يحرم شيئا ويبيح الطرق المفضية إليه؟!!

فحكمته سبحانه وعلمه يأبيان ذلك.

أضف إلى ذلك: أن الفوضى العامة التي تخشى من المظاهرات والتي في الغالب أو الكثير لا تفارقها: تذهب بالضرورات. فتتعرض الأنفس للقتل, والأموال للنهب, والأعراض للانتهاك إلى غير ذلك, بينما المطلوب للمتظاهرين في الغالب متعلق بالحاجيات والتحسينيات, وليس من الفقه في شيء: الدعوة إلى حفظ الحاجيات والتحسينيات مع ضياع وذهاب الضرورات؛ إذ إن الضرورات أرفع قدرا, ولا تقوم الحاجيات والتحسينيات إلا بقيام الضرورات, فهما مكملات, والمكمل متى ما عاد إلى الأصل بالنقض والبطلان فإنه يلغى.

وأشير إلى أن من يقول بجوازها: يخرج عن إجماع العلماء على مر العصور؛ إذ إن الجور والظلم وترك أداء الحقوق كان موجودا في كثير من الأمراء, ومع ذلك نجد أن العلماء لم يخرجوا في مظاهرات يطالبون بأداء الحقوق, فتركهم مع وجود المقتضي وعدم المانع يدل على التحريم.

ولا أظن أن أحدا ينكر أن المظاهرات طريقة محدثة أخذت من الغرب ودساتيرهم, وبدل أن تكون البيعة على الكتب والسنة صارت التعاقد على ما في الدساتير الغربية!!

وليعلم أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست علاقة تعاقد على أداء الحقوق, وإنما هي بيعة لا يجوز نكثها ونقضها وإن قصر الحاكم في حقوقه, كما وردت بذلك النصوص, وقد قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (35/ 16): ( وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله. ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم؛ وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم؛ ولا يزكيهم؛ ولهم عذاب أليم. رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل؛ ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لآخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا؛ فإن أعطاه منها وفى؛ وإن لم يعطه منها لم يف} ).

 

فإن قيل: المتظاهر يريد رفع للظلم, ورفع الظلم مطلوب شرعا.

قيل: المتظاهر لرفع الظلم فاعل لمأمور به على وجه يقع فيه مضرة ومفسدة، مع إمكان فعله على وجه آخر لا يلحق فيه مضرة ولا تقع فيه مفسدة، وليس للشارع قصد في وقوعه على الوجه الذي يلحق به الضرر دون الآخر, كما فصل ذلك الشاطبي في الموافقات.

ففاعل التظاهر الذي لا يقع إلا بمفسدة إما أنه قصر نظره عن الفعل المشروع في الإنكار بما لا يقع معه مفسدة, وإما أنه قاصد للإضرار, وكلاهما ممنوع .

فإن قيل: في المظاهرات مصلحة. فتجد أن الحاكم يستجيب للمطالبات.

قيل: الواقع يكذب أن تكون المصلحة راجحة وكثيرة, وإنما هي في حقيقة الأمر: نادرة وقليلة, وحتى الاستجابة –إن وقعت- تقع بعد وقوع المفاسد, إذ لا توجد في العادة مفسدة عارية عن المصلحة جملة؛ إلا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبة المفاسد وكثرتها، ولم يعتبر ندور المصلحة وقلتها, وهنا يخرج الفعل عن أصل مشروعيته وهو الإباحة.

والخلاصة: أن المظاهرات محرمة؛ لكونها تفضي غالبا أو كثيرا إلى المفاسد, ولا يتحقق بها المطلوب على وجه لا تقع معه مفسدة, ولا يصح تعليق حكمها بالمصالح, وليست طريقة مشروعة للإنكار, فلا تجوز مع الحاكم أو نوابه.


مناقشة ما استدل به مجوزوا المظاهرات من قواعد ومقاصد

يحتج بعض إخواننا بـ:

1-المظاهرات وسائل, والوسائل لها أحكام المقاصد.

فهنا اشتملت هذه الحجة على مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة, ونتيجتها: المظاهرات لها أحكام المقاصد, فيختلف حكمها بحسب المقصد.

لكن الذي خفي على هؤلاء: ما ضابط الوسائل التي لها أحكام المقاصد؟ وبعبارة أخرى: هل كل وسيلة لها أحكام المقاصد؟

فمثلا: الإصلاح بين الزوجين مقصد حسن, فلو أن رجلا أخذ بإطلاق القاعدة فجعل السحر وسيلة لهذا المقصد, فلا يشك مسلمان أن هذا لا يصح, والغاية لا تبرر الوسيلة.

فكما أن الوسيلة لها أحكام المقاصد فأيضا الغاية لا تبرر الوسيلة, ولا تعارض بينهما.

إذن يجب أن تكون الوسيلة غير منهي عنها شرعا إما بنص جزئي كنصوص تحريم السحر, أو بالنظر إلى قواعد الشريعة, فليس النهي عن الشيء محصورا في المنصوص, بل يكون في المنصوص عليه وفيما يؤخذ حكمه من قواعد الشريعة وكلياتها ومعانيها.

والمظاهرات من منعها منعها من جهة كونها تفضي غالبا أو كثيرا إلى مفاسد, وهي صورة من صور الإنكار العلني المحرم, ومن جوزها لم ير أنها وسيلة منهي عنها, فرجعنا إلى النقطة الأولى وهي كونها منهيا عنها أو لا, وبالتالي فلا يصح الاستدلال بقاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد؛ لأن استعمال هذه القاعدة فرع إثبات كون الوسيلة غير منهي عنها, وهذا هو أصل البحث.

والمظاهرات عند المانعين منهي عنها؛ لأنها تفضي غالبا أو كثيرا إلى المحرم, وهي صورة من صور الإنكار العلني المحرم.

2-المظاهرات تعتريها الأحكام الخمسة, فقد تكون واجبة وقد تكون محرمة وهكذا...

فهنا أجرو المظاهرات مجرى الفعل غير المنهي عنه من حيث هو , ولهذا تلحقه الأحكام الخمسة بحسب ما يعرض له, وهذا لا يسلم به المانعون فرجعنا إلى أصل البحث.

وعليه فلا يقال: تعتريها الأحكام الخمسة؛ لأن كون الفعل تعتريه الأحكام الخمسة فرع إثبات كونه غير منهي عنه في نفسه.

فمثلا: لا يقال: الخلوة بالأجنبية تعتريها الأحكام الخمسة؛ لأن الفعل منهي عنه, بينما يقال ذلك في النكاح والأكل والشرب ونحو ذلك.

والمظاهرات عند المانعين منهي عنها؛ لأنها تفضي غالبا أو كثيرا إلى المحرم, وهي صورة من صور الإنكار العلني المحرم, فنظروا إلى كليات الشريعة.

3-المظاهرات لم يأت نص بتحريمها, فتكون جائزة أو تعتريها الأحكام الخمسة.

فحصروا التحريم في المنصوص, وهذا مسلك خطير يلزم منه حصر المحرمات فيما ورد به النص دون غيره, ولا يقول به فقيه أصولي, فالمحرمات تثبت بالملفوظ وتثبت بالقياس الجزئي والكلي.

4-المظاهرات تحقق مقصد الشارع في حفظ الضرورات الخمس.

فهنا أيضا انطلقوا من كون المظاهرات فعلا غير منهي عنه, وحكموا عليه بأنه يحقق مقصد الشارع, ولا يسلم المانعون بذلك, وإنما يرون أنه منهي عنه ولا يحقق مقصد الشارع, فرجعنا إلى أصل البحث؛ إذ إن المانعين انطلقوا من كونه وسيلة إلى تعطيل أو وقوع حرج في الضرورات الخمس؛ لأنها سبب لقتل الأنفس والتعدي على حقوق المجتمع والتضييق عليهم في معاشهم, كما يشهد به الواقع, فصار كون المظاهرات تحقق مقصد الشارع في حفظ الضرورات الخمس مجرد دعوى لا يشهد لها الواقع.

5-مصلحة الناس ضيعها الحكام فاستدعى ذلك تجويز المظاهرات.

فهنا انطلقوا من كون المظاهرات غير منهي عنها من جهة, ومن جهة أخرى أن الحاكم ضيع الضرورات الخمس جملة وتفصيلا, فتراهم منعوا من إقامة الصلوات ومن رفع الأذان وحرموا الناس من صلاة الجمعة والعيد, وألزموهم بالربا والزنا, وقتلوا الأنفس المسلمة بغير حق إلى غير ذلك.

وغفلوا أن المصالح متفاوتة في نفسها, وكذا المفاسد, وأن الشريعة تأمر باحتمال أدنى المفسدتين, وترى تقديم المصالح الضرورية الأصلية على المكمل لها.

ولذا ترى المانعين يقولون: إن أصل الضرورات الخمس موجود واقعا, وما يفعله الحكام من استئثار وظلم يجب أن يكون إنكاره بما لا يرفع أصل الضرورات الخمس, ومتى ما كان الفعل ناقضا لأصل الضرورات الخمس فإنه ينهى عنه.

ولما كانت المظاهرات وسيلة إلى رفع أصل الضرورات الخمس أو كانت نتيجتها أكثر ضررا فإنها تمنع, وانطلقوا من أن المصالح المكملة إذا رجعت إلى المصالح الأصلية بالنقض ألغيت, ورجعوا أيضا إلى احتمال أدنى المفسدتين, وهذا ما أمرت به الشريعة مع الحاكم المسلم الفاسق, ولم تناد بطلب الحقوق منهم طلبا يؤدي إلى منكر أعظم.

هذا هو النظر المقاصدي, لا التمسك بكون الشريعة تحفظ الضرورة الخمس من غير مراعاة لتفاصيل هذا الحفظ ودقائقه.

وعندما تمنع المظاهرات ليس من باب تثبيت الاستبداد والسيادة للبشر, وإنما هو من باب تعطيل المفاسد وتقليلها, والنظر إلى مصلحة الأمة, والمحافضة على المصالح الضرورية الأصلية.

والعبث كل العبث أن نبطل المصالح الضرورية الأصلية بمصالح دونها ومكملة لها.

قال القاضي عياض (( جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق, ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك, بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك )).

فجُلُّ من تكلم عن المظاهرات خرج عن أصل البحث, وتمسك بقواعد ومقاصد لا تفيده في الحكم.

والله أعلم

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار


 

الأربعاء، 19 أغسطس 2020

حقيقة الهدنة الجائزة مع الكفار تخالف حقيقة التطبيع المعاصر

حقيقة الهدنة الجائزة مع الكفار تخالف

حقيقة التطبيع المعاصر

الهدنة الجائزة تخالف التطبي ع المعاصر في الموضوع ولزوم العقد وجوازه, فعقد الهدنة مع الكفار ليس موضوعا على التأبيد, وأما التطبيع المعاصر  مع الكفار فهو موضوع على التأبيد, فاختلفت الحقائق, ولذا لا يصح حمل التطبيع على الهدنة والصلح؛ لاختلاف الحقائق, وإذا اختلفت الحقائق تغايرت الأحكام.

ومن جهة أخرى, التطبيع لازم, وأما الهدنة فليس من شرطها أن تكون لازمة.

وتفصيل ذلك: أن الهدنة تجوز مطلقة ومقيدة إلا أن المقيدة بمدة تكون لازمة يجب الوفاء بها, وأما المطلقة فلا تكون إلا جائزة الإمضاء والفسخ لا لازمة, ويرجع في ذلك للمصلحة.

قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (2/ 877): (وعامة عهود النبي - صلى الله عليه وسلم - مع المشركين كانت كذلك مطلقة غير مؤقتة، جائزة غير لازمة، منها عهده مع أهل خيبر، مع أن خيبر فتحت، وصارت للمسلمين، لكن سكانها كانوا هم اليهود، ولم يكن عندهم مسلم، ولم تكن بعد نزلت آية الجزية، إنما نزلت في " براءة " عام تبوك سنة تسع من الهجرة، وخيبر فتحت قبل مكة بعد الحديبية سنة سبع. ومع هذا، فاليهود كانوا تحت حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن العقار ملك المسلمين دونهم).

وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا في جواز الهدنة المطلقة, وصورتها: أن تقيد بالمشيئة وجواز الفسخ فيقال مثلا: نعاهدهم ما شئنا.

وقد منعها جماعة؛ لأنها تفضي إلى ترك الجهاد بالكلية, كما ذكر ذلك ابن قدامة في المغني.

فكيف يكون الحكم في السلام الدائم, والعقد اللازم؟!!

ثم لو فرضنا جواز الهدنة مع الكفار على التأبيد فمن شرط جوازها: عدم الشرط الفاسد, والتطبيع اشتمل على شروط فاسدة, منها: استيطان اليهود في بلاد المسلمين, وبقاء أراضي المسلمين في أيديهم وتحت حكمهم...؛ مما يدل على أن حكمه التحريم.

فهذا يوضح لنا حكم التطبيع المعاصر, ومخالفته للإجماع, ومناقضته للشرع.

والأصل في مثل هذه العقود المتعلقة بالأمة الإسلامية ومقدساتها أن تصدر من إمام المسلمين وخليفتهم أو نائبه فإن لم يكن فمن مجموع ولاة الأمور بعد استشارة علماء الأمة وتقدير المصالح على ألا يكون على التأبيد ويكون جائزا لا لازما حال عجز الأمة وضعفها.

وأما هل التطبيع كفر أكبر ؟

فيقال: التطبيع نوع موالاة, لابد من التفصيل فيه, فإن كان الباعث عليه نصرة دين الكفار وتمكنيه وحب له فلا شك في كونه كفرا أكبر.

وأما إذا كان الباعث عليه الدنيا والوجاهة والبقاء في السلطة فهو محرم وجرم كبير.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار


الاثنين، 10 أغسطس 2020

حكم مشاركات الأقليات المسلمة في #الانتخابات.

 حكم مشاركات الأقليات المسلمة في #الانتخابات.

لما كان توصيف الانتخابات بأنها اختيار من الناخب لمن يصلح أن يكون منتخَبا كان الواجب عند تعيين هذا الطريق أن يختار الأصلح ولا يجوز له أن يختار ما يتوافق مع هواه؛ لتقديم المصلحة العامة على الخاصة, فإن كان المنتخَبون كفارا فعليه أن يشارك ويختار من هو أخف ضررا على المسلمين؛ تحقيقا لمصلحة المسلمين, هذا إذا كان لمشاركته أثر ويحقق المصلحة.