السبت، 27 يناير 2024

حكم سحب البطاقة المصرفية من التجار بمبلغ أقل مما في البطاقة

يسأل بعض الإخوة عن حكم السحب من التجار بمبلغ أقل مما هو موجود في البطاقة

[ربا، لا يجوز]

لابد من تكييف العلاقة أولا  بين صاحب البطاقة والتجار أصحاب آلة نقاط البيع
ثم ننزل الحكم الشرعي

تكيف العلاقة بين صاحب البطاقة والتجار على أنها علاقة بيع (صرف) إذا كان مقصود صاحب البطاقة بمبادلة مال نقدي مقبوض حقيقة بمال مقبوض حكما العوض والتربح.........
بأن يكون المال الذي في البطاقة عوضا عن المال الذي يعطيه التاجر، ويحصل التاجر منه ربحا
ويمكن تكييف بعض صورها على أن العلاقة علاقة قرض إذا لم يكن المقصود منها المعاوضة ولا التربح، وإنما كان المقصود هو الإرفاق والإحسان، ويكون المقرض هو صاحب البطاقة، والتاجر مقترضا...

فعندما يذهب صاحب البطاقة إلى التاجر ويعطيه البطاقة المشحونة ب 900 دينار مثلا على أن يعطيهم التاجر 880 أقل مما في البطاقة
فهنا العقد
إما أن يكون عقد صرف بين صاحب البطاقة والتاجر بالنظر إلى أن البطاقة تقوم مقام النقد، والتاجر قد قبض المال حكما وأما صاحب البطاقة فيقبضه حالا نقدا، وكان المقصود ابتداء المعاوضة والتربح، كما هو الواقع كثيرا في مكاتب الصرافة ...
وإذا كانت عقد صرف والعملة واحدة فهنا يجب التماثل والتقابض، وإلا كان ذلك من ربا البيوع، ويستثنى منه الخصم التي يتم من المصرف بقدر أجور الخدمات الفعلية لا العمولة الزائدة التسويقية التي يأخذها المصرف من التاجر الذي عنده آلة نقاط البيع...

وإما أن يكون عقد قرض؛ لوقوع الضمان على التاجر بعد أن دخل في حسابه وثبوته في ذمته، ولكونه يرد بدله لا عينه،
ولم يكن المقصود المعاوضة والتربح
فهنا وجب رد المثل بلا نقص إلا بما تقتضيه الخدمات الفعلية من البنك لا مازاد؛ لأن الزيادة تكون في مقابل الضمان والقرض، وهذا لا يجوز
وليست هي من قبيل ضع وتعجل، لأن النقص مشروط ابتداء، وليس هو مقابل الزمن.

وخلاصة العملية أنه يخصم من حساب صاحب البطاقة المبلغ ويقيد باسم التاجر ويثبت في ذمته، والقيد في الحساب يعد قبضا في العرف، فيتحقق به التقابض الحكمي، وليس الإشكال في التقابض...
ثم يعطي التاجر صاحب البطاقة من جيبه مبلغا نقديا أقل من المبلغ الذي قيد في حساب التاجر من مال صاحب البطاقة...

أين المحذور؟

المحذور أن العملة واحدة ولم يحصل التماثل سواء كيفت على أنها قرض أو صرف، وهذا لا يجوز

ثم هناك محذور آخر وهو إذا استعمل حامل البطاقة ماكينة نقاط البيع -التي تكون عند التاجر- للسحب النقدي؛ بأن يأخذ من التاجر نقدا
فهنا توجد عدة محاذير شرعية منها:
١-الكذب والتدليس؛ لأنها تسجل على أنها نقاط بيع وشراء لسلعة، بينما هي في الحقيقة مبادلة نقد نقد.
ومن ضمن شروط العقد التي اطلعت عليها: أنه يمتنع على التاجر قبول أية بطاقة تقدم إليه للحصول على مبالغ نقدية إلا بإذن كتابي من البنك.
وإذا كان كذلك فلا يجوز للتاجر مخالفة شروط العقد، ولا يجوز لصاحب البطاقة إعانته.
٢-في نقاط البيع يأخذ البنك عمولة من التاجر لأجل التسويق له؛ زيادة على الخدمات الفعلية
فيأتي التاجر ويحملها على صاحب البطاقة
ولما كُيفت المعاملة على أنها صرف أو قرض لم تجز هذه الزيادة ودخلت فيها شبهة الربا.

ولأجل هذه المحاذير:
لم يصح تجويزها مع اختلاف العملة بأن يعطيه دولارا
ولم يصح تجويزها ولو أعطاه المبلغ كاملا من غير نقص.

وأما تكييف المعاملة في السحب من التاجر عن طريق أجهزة نقاط البيع بأنها وكالة بأجر
فتكييف غير صحيح؛ لأن التاجر ليس مأذون التصرف في استعمال الجهاز لأجل السحب
وليس وكيلا للبنك في هذا التصرف...
ولأن العقد عقد صرف لا عقد وكالة؛ لتحقق صورة الصرف في هذه المعاملة.

وحتى نصحح المعاملة ونسهل على الناس ونرفع عنهم الحرج
يجب أن يكون التعامل مع صاحب البطاقة والتاجر بالشيك المصدق أو بالتحويل المباشر عن طريق المصرف لا الآلة
ثم يعطيه التاجر دولارا وليس دينارا مع التنبه لمسألة التقابض بأن يكون حقيقيا أو حكميا.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار
أستاذ مساعد بكلية علوم الشريعة- المرقب

http://abuasmaa12.blogspot.com/2024/01/blog-post_27.html

السبت، 13 يناير 2024

هل حديث المسيء صلاته اقتُصر فيه على ذكر الواجبات في الصلاة دون السنن؟

هل حديث #المسيء_صلاته اقتُصر فيه على ذكر الواجبات في #الصلاة دون السنن؟

قد وجدتُ عامة الفقهاء يستدلون على وجوب الفعل أو عدمه بوروده في #حديث_المسيء أو عدم وروده, ويجعلون الصارف عن وجوب الفعل عدم ذكره في حديث المسيء؛ط.
وقد دل على مفهوم الحصر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مقام تعليم من قصر في الواجبات اقتضى ذلك أن يعرفه واجبات الصلاة، ولما عرفه ما أساء فيه وما لم يسئ
دل ذلك على حصر الواجبات فيما ذكر وانتفائه عما لم يذكر.

وإذا نظرنا في حديث المسيء وجدنا أنه لم يذكر بعض الواجبات المتفق عليها كالنية؛ مما يدل على أن المفهوم قد يعارضه ما هو أقوى منه فيقدم الأقوى
ويكون الأصل فيما لم يُذكَر في حديث المسيء, هو: عدم الوجوب, لكن يستثنى من ذلك: إذا ورد الأمر بالفعل في حديث آخر, وكان أقوى دلالة وأرجح.
فلا يكتفى في نفي وجوب الفعل بعدم ذكره في روايات حديث المسيء, بل يحتاج مع ذلك إلى نفي المعارض الراجح.

إذا تقرر هذا: لم يختلف عامة الفقهاء في وجوب الأفعال التي ذُكرت في حديث أبي هريرة في الصحيحين, وهي: القيام إلى الصلاة, واستقبال القبلة, والتكبير, وقراءة القرآن والركوع, والاطمئنان له, والرفع من الركوع والاستواء والاعتدال له, والسجود والاطمئنان له, والرفع من السجود والاستواء والاطمئنان له,  ففي صحيح البخاري (8/ 56, 136) بلفظ: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما (وفي لفظ: حتى تعتدل قائما) ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا (وفي لفظ: حتى تستوي وتطمئن جالسا )، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا (وفي لفظ: حتى تستوي قائما )، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»

وإنما وقع الاختلاف فيما زاده الرواة في حديث رفاعة, ومنه:  إقامة الصلاة للمنفرد, والافتراش, والتحميد والتكبير إذا لم يكن يحفظ القرآن, وتكبيرات الانتقال, وقول سمع الله لمن حمده, ومد الظهر إلى غير ذلك

والعبرة في وجوب ما لم يذكر في حديث أبي هريرة: صحة الزيادة وسلامتها من الشذوذ والنكارة, ورجحان دلالتها على مفهوم حديث المسيء.

ولنمثل بزيادة الإقامة:
جاء في جامع الترمذي (1/ 333) حدثنا على بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن يحيى بن على بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقى عن جده عن رفاعة بن رافع بلفظ« إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم... »
وأخرجه في موضع أخر بالسند نفسه لكن بالفاء وليس بالواو: « ثم تشهد فأقم... »
وأخرجه أبو داود في سننه (1/ 228) عن شيخه عباد بن موسى الختلي به، وذكر لفظ الحديث بالفاء وليس بالواو
وكذلك ابن خزيمة في صحيحه (1/ 274) ذكره بالفاء وبنفس سند الترمذي, والبيهقي في سننه الكبرى (2/ 532)  وبنفس سند أبي داود.
والمقصود بالتشهد هنا: التشهد الذي يكون في الإقامة, ومن العلماء من حمل التشهد على الأذان, فيجمع المصلي بين الأذان والإقامة, وقال الشوكاني في نيل الأوطار (2/ 306): (ثم تشهد " الأمر بالشهادتين عقيب الوضوء لا التشهد في الصلاة كذا قال ابن رسلان وهو الظاهر من السياق؛ لأنه جعله مرتبا على الوضوء، ورتب عليه الإقامة والتكبير والقراءة كما في رواية أبي داود. والمراد بقوله وأقم الأمر بالإقامة)
هذه الزيادة: « ثم تشهد فأقم... » تفرد بها  يحيى عن على بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقى, ولم يذكرها غيره من الرواة كإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عند أبي داود وابن ماجه, ومحمد بن إسحاق عند أبي داود وابن خزيمة, ومحمد بن عمرو عند الطبراني في المعجم الكبير, وداود بن قيس عند عبد الرزاق في المصنف, وعبد الله بن عون عند الطبراني في المعجم الكبير.
ويحيي بن علي ذكره البخاري في التاريخ الكبير(8/ 297), وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل(9/ 175) وابن حبان في الثقات (7/ 612) وقال عنه في مشاهير علماء الأمصار (ص: 221): (وكان متقنا) وقال ابن القطان: (مجهول) إكمال تهذيب الكمال (12/ 349), وقال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص: 594): (مقبول من السادسة)
فمثله لا يحتمل منه هذا التفرد.
وعليه فلا تكون الإقامة للمنفرد واجبة, ولا الأذان, فعن علقمة قال صلى عبد الله بن مسعود بي وبالأسود بغير أذان ولا إقامة. أخرجه ابن ابي شيبة في المصنف
- وعن الأسود وعلقمة قالا: " أتينا عبد الله يعني ابن مسعود في داره فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ قلنا لا فقال: قوموا فصلوا فلم يأمرنا باذان ولا اقامة " رواه مسلم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " إذا كنت في قرية يؤذن فيه ويقام اجزأك ذلك " اخرجه البيهقي في السنن الكبرى
لكنهما مستحبان, ففي السنن الكبرى للبيهقي (3/ 99) عن  الجعد أبو عثمان اليشكري قال: " صلينا الغداة في مسجد بني رفاعة وجلسنا، فجاء أنس بن مالك في نحو من عشرين من فتيانه، فقال: " أصليتم؟ " قلنا: نعم، فأمر بعض فتيانه فأذن وأقام، ثم تقدم فصلى بهم "

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2024/01/blog-post_13.html


الثلاثاء، 9 يناير 2024

قاعدة أخف الضررين


اعترض علي أحدهم لما استعملت قاعدة #احتمال_أخف_الضررين لدفع أعلاهما في الأحوال الاستثنائية العارضة

بأن استعمال هذه القاعدة يكون عندما نكون بين مفسدتين لا مفر لنا من فعل إحداهما...

فأقول:

تقييد قاعدة #احتمال_أخف_الضررين لدفع أعلاهما بما إذا كنا بين ضررين لابد لنا من فعل أحدهما وليس له بديل جائز

تقييد صحيح عند الإطلاق

بمعنى إذا كان البديل الجائز كافيا في إزالة الضرر الأكبر استغني به عما فيه ضرر أخف...

فلا يكتفى بترك الضررين او المفسدتين إذا وجد بديل لا يكفي في دفع المفسدة الكبرى؛ لأنه لا يتحقق بالترك دفع المفسدة الكبرى، والمطلوب إزالة الضرر وفق المستطاع 

وإذا تأملت في أدلة القاعدة وجدت ذلك جليا واضحا..

فالفقهاء والمقاصديون متفقون على أنه لابد في قاعدة أخف الضررين من لزوم فعل أحد الضررين

لكنهم يختلفون في تحقيق المناط في الوقائع إذا وجد البديل الجائز من جهة كفايته في دفع الضرر الأكبر أو لا


وتوضيح ذلك: 


قاعدة احتمال أخف الضررين لدفع أعلاهما مقيدة

بلزوم فعل أحد الضررين

فلا يصح استعمال هذه القاعدة إلا إذا كان لابد من ارتكاب أحد الضررين، فيرتكب الأخف والأقل مفسدة.

وهذا يبين لنا أن محل القاعدة إذا اجتمع في الفعل محرمان لا يمكن ترك أعظمهما وإزالته إلا بفعل أدناهما. 


وهنا يأتي سؤال إذا وجد #بديل جائز عن فعل أخف الضررين، فهل يصح لنا استعمال قاعدة ارتكاب أخف الضررين؟ 


وجوابه أن ينظر في هذا #البديل الجائز، هل يكفي وحده في تحقيق المقصود الشرعي ودفع الضرر الأكبر أو لا؟

فإن كان يكفي في دفع #الضرر_الأكبر اكتفي به ولم يجز فعل الضرر الأخف؛ لأن الأصل في الضرر أنه لا يزال بما فيه ضرر

وأما إذا كان لا يكفي لدفع الضرر الأكبر واحتيج معه إلى فعل الضرر الأخف جاز فعل الضرر الأخف

لأن المطلوب هو دفع الضرر الأكبر، ولا يتحقق دفعه بالبديل الجائز.

وهذا كله يجري على قاعدة:"#الضرر_يزال"

فسواء أزلناه بالفعل الجائز إذا كان يكفي لإزالته، أو أزلناه به وبارتكاب الضرر الأخف إذا لم يمكن إزالته إلا بذلك، وهي حالة استثنائية عارضة. 

لأنه في الحالة الطبيعية يكتفى بالفعل الجائز في إزالة الضرر، ويكون كافيا لدفعه. 


ومن ذلك: السماح بمشاركة المخالف في رد مفسدة الطعن في منهج السلف ومحاربة الدين

ذلك أن الطعن في منهج السلف ومحاوله محوه مفسدة يجب أن تزال

فإن لم يكف في الواقع استعمال الطرق الجائزة في دفع هذه المفسدة واحتيج معها إلى استعمال طرق فيها مفسدة إلا أن هذه المفسدة أقل من المفسدة الكبرى التي يجب إزالتها

جاز استعمالها، وهي حالة استثنائية عارضة. 


إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم 


كتبه

د أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 5 يناير 2024

هل يصح تعليق مسألة #الخروج_على_الحاكم المسلم الفاسق على تقدير المصالح والمفاسد؟

 #فقه_عقيدة_أهل_السنة


هل يصح تعليق مسألة #الخروج_على_الحاكم المسلم الفاسق على تقدير المصالح والمفاسد؟ 


استقر أمر أهل السنة على المنع من مجرد الخروج، وأن الخروج خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومشاققة له..

وعللوا المنع بدرء الفتنة..

وتعليلهم المنع بدرء الفتنة هو تعليل بأمر لازم لا ينفك عن الخروج والقتال، فالتعليل هنا من باب بناء الحكم على المفسدة وليس من باب تعليق الحكم على المفسدة يدور معها وجودا وعدما. 


وأقرب هذا المعنى بمسألة المنع من شرب الخمر؛ تعليلا بالمفسدة، فالتعليل بالمفسدة الحاصلة للعقول هو تعليل بأمر لا ينفك عن الخمر، فالمنع من الخمر إنما شرع لكون الخمر مُذهبا للعقول ويوقع في العداوة، فهذا يسمى بناء الحكم على المفسدة 

وليس هو من تعليق الحكم على المفسدة بحيث يدور معها وجودا وعدما. 


فالفساد الحاصل من الخروج بني عليه المنع وشرع لأجله، فكان النهي عن الخروج رفعا للفساد الحاصل منه.

ولهذا قال ابن تيمية:(...وإن كان فيهم ظلم. كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال واقتتال ولا فتنة. فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما) منهاج السنة(٤/٥٢٩) 


فكما تلاحظون أن ابن تيمية بنى المنع من الخروج نفسه على الفساد الحاصل في القتال والفتنة، ولم يعلقه به، وكذا ابن عبد البر وغيرهما من الأئمة

(وانتبه للفرق بين البناء والتعليق.) 


فالمصلحة المترتبة على المنع من الخروج مقصودة للشارع، وتتعلق بحفظ الضرورات، ولذا شدد أئمة أهل السنة في المنع من ذات الخروج. 


فالمنع من ذات الخروج على الحاكم الفاسق اشتمل على:

١-المعنى المناسب للتشريع، وهو: المفسدة الحاصلة من القتال.

٢-المصلحة المترتب على تشريع المنع من الخروج وهي: حفظ الضرورات.

٣-الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على المعنى المناسب وهو: نفس الخروج على الحاكم، فيدور الحكم عليه وجودا وعدما.

فإذا وُجد الخروج وجد معه المعنى المناسب وهي المفسدة، ووجودها مع الخروج وجودا ملازما لا ينفك، وهو بحسب الواقع يقيني.


فتبين لنا عدم صحة تعليق الحكم على المصلحة وجودا وعدما..


ولا يصح أيضا تعليق الحكم على المصلحة والمفسدة من جهة عدم انضباط تقدير المصالح والمفاسد. 


واعلم أن منع ذات الخروج بإطلاق: أصل من أصول أهل السنة 

خلافا للمتكلمين ومن تأثر بهم الذين يجعلونه فرعا من الفروع ويسوغون فيه الخلاف

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (كان من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورهم كما هو من أصول أهل السنة والجماعة) مجموع الفتاوى(٢٨/١٧٩)


كبف تعامل بعض السلف مع بعض أعيان من يرى السيف؟ 


سأمثل بمثال واحد 


الحسن بن صالح بن حي عُرف بالزهد والورع وقوة الحفظ إلا أنه كان يرى الخروج، ولم يكن خارجيا

قال الذهبي عن الحسن بن صالح "كان يرى الخروج على أمراء زمانه؛ لظلمهم وجورهم، ولكن ما قاتل أبدا"،

وقال "هو من أئمة الإسلام لولا تلبسه ببدعة" 


فذمه أئمة لرأيه:

ذكر الذهبي في السير أن الحسن بن صالح ذكر عند الثوري ، فقال : ذاك رجل يرى السيف على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- .

وقال أبو معمر : كنا عند وكيع ، فكان إذا حدث عن حسن بن صالح أمسكنا أيدينا ، فلم نكتب . فقال : مالكم لا تكتبون حديث حسن ؟ فقال له أخي بيده هكذا -يعني أنه كان يرى السيف- فسكت وكيع .

وعن أبي صالح الفراء: سمعت يوسف بن أسباط يقول: كان الحسن بن حي يرى السيف. [تهذيب الكمال (6/ 177)]

وقال أحمد بن يونس يقول: لو لم يولد الحسن بن صالح كان خيرا له، يترك الجمعة، ويرى السيف، جالسته عشرين سنة وما رأيته رفع رأسه إلى السماء ولا ذكر الدنيا. [تهذيب الكمال (6/ 177)]

وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستتيب من [أتى] الحسن بن حي [تهذيب التهذيب (1/ 398)]

وقال بشر بن الحارث: كان زائدة يجلس في المسجد يحذر الناس من ابن حي وأصحابه. قال: وكانوا يرون السيف [تهذيب التهذيب (1/ 398)] 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 26 ديسمبر 2023

اسم الفسق عند المعتزلة

اسم #الفسق_عند_المعتزلة

إن من الأمانة العلمية ومقتضى العدل والإنصاف نسبة القول إلى أصحابه على وفق ما يعتقدون، فمن الظلم تقويل القائل ما لم يقله.
وهذا ما دعاني لتحقيق القول في مذهب المعتزلة في اسم الفسق، فأرجو من الله أن أكون قد وفقت في ذلك.

الفسق اسم من أسماء الدنيا، وليس حكما في الآخرة
وهذا باتفاق الفرق
وهو قسيم لاسم الإسلام واسم الكفر عند الطوائف خلافا للخوارج، فليس عندهم إلا إيمان وكفر.

فإن قيل: الفسق وإن كان قسما لاسم الإسلام والكفر إلا أنه في نفسه كفر أكبر عند المعتزلة.

قيل: لا، فالفسق عند المعتزلة ليس كفرا، لأن الكفر عندهم اسم لمن تجري عليه أحكام الكفر كالمنع من الصلاة عليه والدفن في مقابر المسلمين...
قال القاضي عبد الجبار المعتزلي:(... لأن الكفر صار بالشرع اسما لمن يستحق إجراء هذه الأحكام عليه) شرح الأصول الخمسة ١٤١

ولأن الفسق عندهم لا ينافي التوحيد ولا يمنع من الثواب على الطاعة
ولذا ينتفع الفاسق بثواب ما فعل من طاعة عند الموازنة، فالكبيرة تحبط الطاعة وتوجب التخليد في النار إلا أن مقتضى العدل -على من استقر عليه مذهبهم- أن ينتفع بثواب الطاعة في تخفيف العذاب، فلا يعاقب على ما ساوى ثواب الطاعة، فهم يقولون بالإحباط مع الموازنة، ولهذا كان عذاب الفاسق في الآخرة أخف من عذاب الكافر
قال القاضي عبد الجبار:(ما وقع منه من طاعة وإيمان أفسده بفسقه وأحبط له بمعاصيه، فإنما أتي فيها من قبل نفسه...ومع ذلك فإنه لولا إيمانه لما خف عقابه، فيصير ثواب إيمانه مسقطا من عقابه ما يوازيه ويستحق الزائد) المختصر في أصول الدين ٣٨٣
وقال:(والكلام في الموازنة فإن أبا هاشم يثبته ويقول به، وصورته: أن يأتي المكلف بطاعة استحق عليها عشرة أجزاء من الثواب، وبمعصية استحق عليها عشرين جزءا من العقاب، فإن الله يعاقبه بعشرة أجزاء، فأما العشرة الأخرى فإنها تسقط بالثواب الذي استحقه على ما أتى به من الطاعة...، وهذا هو الصحيح من المذهب) شرح الاصول الخمسة ٦٢٥

فلو لم يكن موحدا وينتفع بثواب طاعته ما خفف عنه العذاب إذا ارتكب كبيرة
وهذا يفيدنا أن رفع اسم الإسلام عندهم لا يوجب أن يكون الفسق كفرا؛ إذ لو كان كفرا ما انتفع بثواب طاعته في تخفيف العذاب.
وحتى نفهم مذهبهم لابد أن ندرك أنهم يرون أن فعل الكبيرة لا ينافي التوحيد، ولا بمنع من فعل الطاعة والثواب على فعلها؛ لأن الفاسق الذي يطيع الله قد أطاع الله على الوجه الذي كلف به، فكان ارتكابه الكبيرة غير مانع من الثواب.
وبهذا يتضح لنا أن ارتكاب الكبيرة ليس كفرا عندهم بحيث إنه لا يصح معه فعل الطاعة مطلقا ويمنع ثوابها. انظر المجموع في المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار ٣/٣٩١

والخلاصة: أن اسم الفسق مغاير لاسم الإسلام والكفر، وأن وجود الفسق لا يمنع من ثبوت أحكام الإسلام ولا يمنع من الانتفاع بثواب الطاعة على وجه يخفف العذاب الدائم
إلا أن وجود الفسق قادح في العدالة وموجب للتخليد في النار
قال القاضي عبد الجبار المعتزلي:(إن الإيمان عبارة عن خصال الخير إذا اجتمعت سمى مؤمنا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم مدح فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلقا أيضا؛ لأن الشهادة وسائر خصال الخير موجودون فيه ولا وجه لإنكارها) شرح الأصول الحمسة ٧٠٧

كتبه 
د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2023/12/blog-post_26.html
إن هذا العلم دين
فانظر عمن تأخذ دينك

السبت، 16 ديسمبر 2023

هل الطائفة المنصورة المقاتلة موجودة في عصرنا الآن؟

#الطائفة_المنصورة


ما هي الصفات اللازمة التي لا تنفك للطائفة المنصورة؟ 


جاء في حديث المغيرة عند البخاري ومسلم بلفظ:( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله..)

من غير ذكر يقاتلون ولا التقييد ببلد...

وأخرجه الدارمي بزيادة لفظ (يقاتلون)

وأخرجه البخاري من حديث معاوية وفيه قال مالك بن يخامر قال معاذ: وهم بالشام

قال معاوية هذا مالك يزعم أنه سمع معاذا يقول: هم بالشام.

وأخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة بلفظ:( لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)

واخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله بلفظ:( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا...)

وأخرجه مسلم عن ثوبان وسعد بن أبي وقاص بدون ذكر يقاتلون ومن غير تقييده ببلد...

وأخرجه مسلم عن عقبة بن عامر بلفظ:(لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاعرين لعدوهم...)

وأخرجه أبو داود الطيالسي من حديث زيد بن أرقم بدون ذكر يقاتلون ومن غير تقييده ببلد...

وكذا احمد من حديث أبي هريرة... وأبو داود الطيالسي من حديث عمر..

وأخرجه أبو داود من حديث عمران بن حصين بزيادة يقاتلون

وأخرجه أبو داود الطيالسي من حديث معاوية بن قرة بلفظ:(إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين...)

وأخرجه ابن ماجه بدون زيادة (إذا فسد أهل الشام..)

إلى غير ذلك من الروايات...

واخرجه عبد الله بن أحمد من حديث أبي أمامة وفيه لعدوهم قاهرين وأنهم ببيت المقدس

وجاء في رواية سعد بن ابي وقاص عند مسلم:(لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق..)، واختلف في تفسيرها، فخصها بعض العلماء بأهل الشام، وعمم غيرهم... 


وخلاصتها:

روايات مطلقة بدون ذكر القتال وأهل الشام، وروايات فيها ذكر القتال دون أهل الشام، وروايات فيها ذكر أهل الشام دون القتال... 


والوصف اللازم الذي لا ينفك هو: هو قيامهم بأمر الله وأنهم على الدين الحق ظاهرين عليه.

وأما الأوصاف الأخرى فقد توجد في وقت دوت وقت، فهي ليست صفات لازمة، ولذا لم تذكر في كل الروايات... 


وكونها طائفة وعصابة وقوم يدل على قلة عددهم، وجاء وصفها بأنها منصورة وظاهرون على الحق، وقائمة بأمر الله ومستقيمة عليه

وهذا يدل على أنهم قائمون بالدين الصحيح ومستقيمون عليه، ولذا أظهر الله حجتهم ونصرهم على مخالفيهم... 


على من تنطبق هذا الأوصاف؟ 


تنطبق على أهل الحديث، ولذا فسر الأئمة حديث الطائفة المنصورة بأنهم أهل الحديث:

قال ابن المبارك:(هم عندي أهل الحديث)

وقال الإمام احمد:(إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟)

وقال ابن المديني:( هم أصحاب الحديث)

وقال البخاري:(يعني أصحاب الحديث) 


وليس المقصود بأهل الحديث حقبة زمنية معينة ولا من اشتغل بعلم الحديث، وإنما المقصود كل من يعتقد عقيدة أهل الحديث

فقد يكون مفسرا أو فقيها أو محدثا أو طبيبا أو مهندسا أو أو...

ولذا قال القاضي عياض في شرحه على مسلم:(وإنما مراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث)

مع التنبيه على مصطلح أهل السنة عند القاضي عياض ...

فتنزيلها على غير أصحاب من اعتقد معتقد أهل الحديث ممن شاركهم في بعض الصفات غير اللازمة من الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. 


وأما تقييدها بأهل الشام في بعض الروايات فهو من باب التمثيل، ولكونهم في آخر الزمان عندما ينزل عيسى يكونون في الشام...

وليس كل من كان في الشام يكون من الطائفة المنصورة ولا كل من قاتل العدو يكون منها، بل لابد أن يكون قائما بأمر الله على معتقد أهل الحديث ومنهجهم... 


وقد دلت الروايات المطلقة والواقع على أن منهم من يكون في الشام ومنهم من يكون في غير الشام؛ وقد جاء في البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحبة إلى جحرها)

قال ابن حجر في الفتح:( لا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الارض..)

ويشهد لهذا أيضا اختلاف العلماء في تفسير رواية أهل المغرب...


وهنا يأتي سؤال: هل القتا ل في المعارك من الصفات اللازمة التي لا تنفك عن هذه الطائفة؟ 


والجواب: لا، فالنصر التي وصفت به هذه الطائفة أعم من النصر في المعارك، فقتا ل العد و بالسلاح ليس وصفا لازما وإنما يكون في أوقات دون أوقات

ولذا جاءت روايات مطلقة من غير أن تقيد بالقتال وقهر العدو.

وقد أثبت الواقع وجودهم مع عدم وجود قتال. 


هل الطائفة المنصورة المقاتلة موجودة في عصرنا الآن؟ 


توجد كأفراد وليست كطائفة 

فإذا وجد قتال للكفا ر من أفراد تحققت فيهم الصفات اللازمة للطائفة المنصورة، فهؤلاء الأفراد من الطائفة المنصورة

لكن لا يوجد طائفة الآن مجتمعة تقاتل يمكن أن يقال عنها هي الطائفة المنصورة؛ لتخلف الصفات اللازمة للطائفة المنصورة.

ولكنها ستوجد في آخر الزمان عندما ينزل عيسى عليه السلام في الشام...

قال الشيخ الألباني:(الطائفة المنصورة بالحجة فهذه موجودة دائما على وجة الأرض، أما الطائفة المنصورة بالقوة المادية فهذا قد و قد...

الطائفة المنصورة بالقوة غير موجودة اليوم ولذلك يسيطر الكفر في كل البلاد إذا عرفنا هذه الحقيقة وخلاصتها أن هناك أفراداً يمكن أن يقاسوا على بعض أفراد أصحاب الرسول مع قياس الفارق الذي ذكرناه لكن لا يوجد هناك طائفة أي أصحاب بعضهم مع بعض يمكن قياسهم على أولئك الأصحاب...) 


والمسلم عليه أن يحذر من تنزيل النصوص الشرعية على واقع لم تتحقق فيه مناطاتها  

فيدخل في الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.


وكوننا نؤيد من قا تل الكفا ر ونقف معهم حال قتا لهم لا يعني ذلك أن ننزل الأحاديث على كل من قا تل.....

فهل ح ز ب الله لكونهم قاتلوا الي ه و د يكونون من الطائفة المنورة؟!!


اللهم اهدنا

كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 15 ديسمبر 2023

أحكام_الوقوع_غير_أحكام_الشروع

 


■قاعدة صحيحة متعلقة بجلب أعلى المصلحتين ودرء أعلى المفسدتين

■وهي تدخل في إحدى جهاتها تحت قاعدة:"يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء"

ويعبر عنها أيضا" ما لا يجوز في الابتداء يجوز في البقاء" 


■فأحكام الابتداء قد تكون معلقة بشروط، وهذه الشروط قد لا يلتفت إليها بعد الوقوع ولا يمكن استصحابها؛ لذهاب محلها من جهة ولما يترتب على اعتبارها من مفسدة أكبر من جهة أخرى

●فيصبح ما لا يجوز الابتداء به يجوز البقاء عليه؛ لتعلقه بأحكام أخرى، كأحكام الضرورات... 


○إلا ان هذا مشروط بما لا يترتب على البقاء مفسدة أكبر من المفسدة التي نخشاها من عدم الدوام والاستمرار.

•كما لو ترتب على ذلك إخلال بجانب من الضرورات من غير أن يعارضه ما هو أعلى منه من المصالح الضرورية


■والخلاصة أنه يغتفر الإخلال ببعض الشروط في البقاء ما لا يجوز ذلك في الابتداء إذا كان يترتب على عدم البقاء والاستمرار مفسدة أكبر

وذلك بقيد أن يكون الفعل في أصله مشروعا لكن اختلت فيه بعض الشروط. 


■فيجب أن يلاحظ أنه إذا كان تغيير أحكام البقاء يترتب عليه مفسدة أكبر من بقائه حكم ببقائه؛ درءا للمفسدة الأكبر.

والعكس بالعكس 


■فلا وجه لإنكارها في جها د الدفع بإطلاق، ولا يصح أيضا اعتبارها فيه بإطلاق من غير نظر إلى المفسدة الأكبر.


□ولا مكان للعاطفة غير المنضبطة.... 


■فجها د الدفع يشترط في وجوب مشروعيته ابتداء القدرة الشرعية التي من مكوناتها ألا تكون مضرة الفعل راجحة

فإذا ما وقع هجوم الأعدا ء

انتقلنا إلى أحكام الوقوع وتسامحنا فيما صاحب الابتداء من خلل

بقيد ألا يترتب على البقاء مفسدة أكبر من المفسدة التي نخشاها من عدم الدوام والاستمرار. 

ودفع المفسدة الأكبر يكون بحسب الوسع والإمكان.


□كلامي تنظيري لا تنزيل على واقع معين.


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار