هل اللي يشتغل في مسائل فقهية أو اجتهادية، أو يحذّر من جماعات وفرق يُعدّ بالضرورة مُهمِلًا لقضايا الأمة الكبرى، وما هو أشد خطرا، تاركًا لفقه الأولويات؟
وهل اللي يكتب مقالات متعددة في مسألة كإخراج زكاة الفطر طعاما
ولا يتكلم في المنظمات الغربية ونحوها يكون مقصرا؟
الجواب: لا
لأن الذي يتكلم في المسائل الجزئية قد لا يكون أهلا لأن يتكلم في القضايا العامة، إما من جهة ضعف الآلة وإما من جهة عدم الإحاطة بواقع القضايا...وقد تكون الحاجة في محيطه لبيان المسائل الجزئية أعظم من حاجتهم لبيان غيرها...
والمهم أن كون المسألة قي نفسها أخطر لا يلزم أن يكون الكلام فيها مقدما في كل زمان ومكان...
وقد أفرد كثير من علماء الأمة عبر تاريخها مسائل جزئية بالتأليف، مع مناقشة المخالفين تفصيلًا، من غير أن يُعرف عنهم الكلام في التنصير أو في نقض الفلاسفة، ولم يُعدّ هذا قدحًا في علمهم، ولا تقصيرًا في حق الأمة.
ومع وضوح هذه المسألة
فقد ظهر في الآونة الأخيرة طرحٌ يزعم أن كثيرًا من المشايخ والدعاة قد اختلّ عندهم ميزان الأولويات، وأنهم انشغلوا بالجزئيات عن القضايا الكبرى، ...
وهذا طرحٌ غير دقيق؛ إذ يقوم ضمنيًا على فكرة أن الاشتغال بمسائل فقهية أو اجتهادية، أو التحذير من الجماعات والفرق، يساوي إهمال القضايا الكبرى والانشغال عما هو أخطر!!!.
ويكفي في نقضه أن الشريعة لم تجعل أبواب الدين ومسائله متزاحمةً على وجهٍ يلزم منه أن الاشتغال ببعضها يؤدي إلى إهمال غيرها، بل هي أبواب متكاملة، يقوم بعضها ببعض.
كما أن الشريعة لم تجعل أهل العلم سواءً في تناول جميع المسائل، بل اقتضت الحكمة تنوّع تخصصاتهم؛ فمنهم الفقيه، ومنهم المفسّر، ومنهم من يتصدّى للنوازل الفكرية والقضايا المعاصرة.
وعليه، فاشتغال بعضهم بالفقه بحسب تخصصه لا يُعدّ تقصيرًا في غيره من الأبواب؛ لأنه مخاطب أن يتكلم فيما يحسنه
كما لا يُلام المفسّر على عدم اشتغاله بالفقه التفصيلي، ولا المتصدّي للنوازل على عدم التفرغ للتدريس الفقهي؛ لأن توزّع الجهود في الأمة ليس خللًا، بل هو من تمام الكفاية فيها.
ومن القصور في هذا الطرح: تجاهل وجود عدد كبير من العلماء والدعاة يتناولون: قضايا التغريب، والتحديات الفكرية، فأهل العلم يكمل بعضهم بعضا ...
ثم إن الكلام في قضايا الأمة ليس مناطُه مجرد الإكثار من الحديث في الجزئيات، ولا يُقاس بكثرة المقالات في مسائل بعينها – كالمسح على الجوربين – تكرارًا وتفصيلًا؛
وإنما مناطه الحقيقي: تحقّق الأهلية العلمية، والقدرة على الاستنباط الصحيح، مع فقهٍ دقيقٍ للواقع وإدراكٍ لتعقيداته...
وكم تكلم أناس في القضايا العامة فضلوا وأضلوا!!!
كتب د أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق