..مراجعة أصولية لمناط التفريق بين حضرة الحاكم وغيبته في مسألة الإنكار العلني
يتفق الجميع على وجوب إنكار الظلم والمنكر، وحرمة السكوت عنه، سواء صدر من الحاكم أم من غيره، كما يتفق السلفيون على وجوب المحافظة على أصل السمع والطاعة، وحرمة كل ما يفضي إلى إضعافه أو إثارة الفتنة والفوضى العامة.
وإنما وقع الخلاف عموما في الوسيلة المشروعة للإنكار على الحاكم، وهل يُفرَّق فيها بين الإنكار في حضرته والإنكار عليه في غيبته؟
يتفق السلفيون على أن الإنكار العلني بالتسمية التي تتضمن طعنًا أو تفضي إليه لا تجوز، وليست من منهج السلف في شيء
ووقع خلاف من بعضهم -وهم قلة- في الانكار العلني بالتسمية التي ليس فيها طعن ولا تفضي إليه...
وقد بينت الصواب في هذه المسألة، ومنشأ الغلط عند من جوزها كفتوى عامة وتقعيد عام..
والذي بُني عليه المنع من الإنكار العلني بالتسمية حال الغيبة أن المعنى المناسب هو الإفضاء إلى نقض أصل السمع والطاعة وإثارة الفوضى، لا مجرد الحضور أو الغياب بذاتيهما.
فالحضور والغيبة ليسا مناطين مستقلين، وإنما يجتمع مع كل واحد منهما أوصاف أخرى؛ كون الإنكار علنيا، ومتضمنا للتسمية، وحال الغيبة أو الحضرة، فهذه الأوصاف مجتمعة هي التي تقوّي مظنة الإفضاء أو تضعفها.
فما الوصف المؤثر الذي فرَّق به السلف بين ضورة الإنكار العني في حضرته والانكار العلني في غيبته؟
والجواب: أن الإنكار في حضرة الحاكم يكون خطابا موجها إليه في مجلس معلوم، له سياقه وأطرافه، بخلاف الإنكار في غيبته فإنه يكون خطابا موجها ابتداءً إلى العامة، ويُنقل غالبا مجردا عن سياقه الكامل، فتكون مظنة توظيفه في تأليب الناس على الحاكم وإضعاف أصل الطاعة أقوى وأغلب.
ولذلك تختلف مخاطبة الحاكم مباشرة عن مخاطبة الجماهير بشأنه، وإن اتحد أصل الإنكار.
ويؤيد هذا الفرق أن الشريعة ندبت إلى مواجهة السلطان بالحق في حضرته، كما في قوله صلى الله علبه وسلم:( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)
ومن حكمة أن هذا من أفضل الجهاد: ما اشتمل عليه من تعريض النفس للخطر في مواجهة السلطان مباشرة، وهذا المعنى إنما يتحقق في خطاب الحاكم في حضرته؛ إذ تكون المخاطرة راجعة إلى المتكلم نفسه، وليس محل المنع هنا مجرد ما يلحق المتكلم من الضرر، فإن احتمال الضرر الشخصي لا يمنع مشروعية كلمة الحق في مواضعها، وإنما محل المنع ما يغلب أن يفضي إلى ضرر عام يمس جماعة المسلمين أو أصل الطاعة الذي هو أثر توجيه الخطاب
إلا أن هذا الأصل وهو كون خطر الحضرة فرديًا محصورًا إنما يصح في الصورة التي تبقى فيها مواجهة مباشرة بين المتكلم والحاكم، فأما إذا انقلب المجلس نفسه إلى جمع يتأثر بالخطاب ويتحرك به، فإن الخطر حينئذ يعود جماعيًا لا فرديًا، ويلتحق حكمه بحكم الخطاب الموجَّه للعامة، على ما سيأتي بيانه.
وثبت أيضا عن السلف الإنكار على الولاة في حضرتهم عند الحاجة، ولم يُعرف عنهم اتخاذ الإنكار العلني عليهم بالتسمية في غيبتهم منهجًا عاما، وهذا يدل على أنهم اعتبروا فرقًا مؤثرًا بين الصورتين، وإن لم ينصوا عليه بلفظه.
ومع ذلك-وافهم هذا التقرير السلفي- فإن القول بأن الحضرة مظنة لانحصار الخطاب وانتصار خطره على الفرد لا يعني أن ذلك وصف ثابت في جميع الأزمنة، بل هو حكم أغلبي نشأ عن طبيعة وسائل التواصل في عصر السلف؛ إذ كان مجلس الحضرة ينتهي غالبًا بانتهاء المجلس، ولا يتجاوز الحاضرين إلا في نطاق محدود.
أما في عصرنا فقد يتحول الإنكار الواقع في حضرة الحاكم بسبب التصوير أو البث المباشر أو النشر المتعمد إلى خطاب جماهيري واسع، فتزول عنه خصوصية المجلس وخطورة على الفرد، ويلتحق حينئذ من جهة الأثر بحكم الخطاب الموجَّه إلى العامة.
ولهذا احتيج في تنزيل الحكم على صور الإنكار العلني في الحضرة في زماننا إلى تحقيق المناط في كل واقعة بالنظر في قوة مظنة المصلحة أو المفسدة، لا بمجرد وصف الحضور الذي كان معتبرًا في زمن السلف من جهة ما اقترن به من الأحوال.
ولا يقال: إذا كانت الحضرة قد أُعيد النظر في مظنتها بعد تغير الوسائل، فلماذا لا يعاد النظر كذلك في الغيبة؟
قيل: الأصل في البابين واحد، وهو أن الأحكام تدور مع مظانها الغالبة، لا مع تحقق المفسدة في كل صورة جزئية.
إلا أن مظنة الإفضاء في الغيبة لا تزال أقوى وأغلب؛ لأن الخطاب فيها يوجَّه ابتداءً إلى الجمهور لا إلى الحاكم، وتبقى صورته الذهنية متوقفة على نقل الناقلين وفهم المتلقين، وهو ما يجعل احتمال استغلاله في تأليب العامة وإضعاف أصل الطاعة قائمًا على وجه الغلبة، وإن اختلفت الوسائل.
أما الحضرة فإن خصوصية مجلسها كانت في الأزمنة السابقة تحد من انتشار الخطاب وآثاره، فلما زالت هذه الخصوصية في كثير من الصور المعاصرة، لم يعد مجرد حضور الحاكم كافيًا للحكم بالجواز، بل صار ذلك متوقفًا على النظر في تحقق المصلحة أو غلبة المفسدة في كل واقعة.
كتب: د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/07/blog-post_11.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق