الخميس، 31 مارس 2022

 المواءمة بين دعاة الاجتهاد ودعاة التقليد المذهبي


لما كان الأمر يحتمل تقريبا ومواءمة بما يحقق مقصد الشارع في الاجتماع والائتلاف، ويتحقق معه حفظ الدين في ضروريات وحاجياته وتحسينياته

صح لنا محاولة الائتلاف ونزع فتيل الحرب بين من لم يفهم الاجتهاد على وجهه السديد ولا التقليد المذهبي على وجهه الصحيح.

هذه المواءمة تقوم على تحديد مجال الاجتهاد ومحله ومجال التمذهب ومحله

فالاجتهاد محله من ملك آلة الاجتهاد، ويكون غاية ونتيجة، وتقوم عليه الفتوى، فالإفتاء يجب شرعا أن يكون بما غلب على ظن المفتي أنه مراد الله سواء كان ذلك بالنظر الكلي أو الجزئي

فمجال إعمال الاجتهاد: الفتوى والوصول إلى مراد الله ممن هو أهل للاجتهاد.


وأما التمذهب والتقليد المذهبي فيكون وسيلة وسلما، ومحله من لم يملك آلة الترجيح، ويصح الإفتاء به  عند من لا يغلب على ظنه حكم يخالف ما عليه المذهب.

فمجال إعمال التمذهب: التدرج في سلم التعليم، ونقل قول المذهب .

ونكون بهذا قد جمعنا بين التمذهب والاجتهاد من الزاوية التي ظن أنهما لا يتلاقيان فيها، وبهذا الجمع نكون قد أعملنا التمذهب فيما يتحقق معه حفظ الدين، وكذلك أعملنا الاجتهاد والأخذ بخلاف ما عليه المذهب بالنظر إلى أقوى الدليلين: فيما يتحقق معه أيضا حفظ الدين؛ إذ إن الدين يحفظ من جهة السير على أصول صحيحة استدلالية يذهب معه العبثية في الاستدلال والتعلق بالأضعف، ويحفظ أيضا من جهة التسليم والامتثال لما ترجح أنه مراد الله يذهب معه اتباع الهوى وعدم تحقيق العبودية لله.


خاطرة

كتبها

د. أحمد محمد الصادق النجار 

أستاذ مساعد بكلية علوم الشريعة / المرقب

#فقه_الممكن وخطر غيابه

 

#فقه_الممكن وخطر غيابه

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أما بعد, فيقصد بفقه الممكن: تنزيل الحكم على الواقع وفق القدرة والاستطاعة وما يجلب خير الخيرين ويدفع شر الشرين.

فالأحكام الشرعية تبنى على معرفة الواقع تفصيلا وما كان في المقدور وما ليس في المقدور؛ إذ الشريعة لا تكلف العبد إلا ما كان في طاقته ويقدر عليه.

قال ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 376): (  أن كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط أو الوجوب إنما هو في حال القدرة والسعة لا في حال الضرورة والعجز؛ فالإفتاء بها لا ينافي نص الشارع ولا قول الأئمة، وغاية المفتي بها أنه يقيد مطلق كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها، ومطلق كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم؛ فالمفتي بها موافق لأصول الشرع وقواعده، ولقواعد الأئمة، وبالله التوفيق).

ومما يدخل تحت هذا الفقه: قواعد الضرورات والمشقة, وقواعد دفع الضرر، واحتمال ضرر لتفويت ضرر شر من, إلى غير ذلك.

وعندما يُغفَل عن هذا الفقه: يُطلب من العبد ما هو فوق الممكن وما هو خارج عن طاقته ولا هو في وسعه، أو لا يطلب منه ما في وسعه وإمكانه .

مع التنبه إلى أن العبرة قي الإمكان: الإمكان الشرعي لا الحسي، فقد يكون الفعل ممكنا حسا لكن يترتب عليه مفسدة أكبر، فلا يكون الفعل ممكنا شرعا.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " فالشرع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية" منهاج السنة النبوية 3/49

وهذا الفقه شبه غائب عن المؤسسات الدينية عندنا -في الجملة- وفي كثير من الفتاوى المتعلقة بالشأن العام, والتعامل مع القضايا الكبرى والحكومات والمجتمع الغربي, والتعامل مع المخالف والجماعات والفرق...

وهو خلل منهجي استدلالي وتنزيلي، يؤدي إلى مفاسد كبرى، ويوجب بعدا بين الحكم الشرعي وتحقيقه في الواقع.

كما أن غيابه سبب لترك الرجوع إلى الأحكام الشرعية، ويقود الناس إلى العلمانية، وقد ينتهي الأمر إلى الإلحاد, كما هو سبب لتسلط الأعداء وضعف الأمة.

والعجب ممن يذكر الأحكام المطلقة ويظن أن هذا هو الصدع بالحق وعدم الخوف في الله لومة لائم, وما يدري أنه أخطأ وترتب على خطئه مفاسد كبرى قد تذهب بالضرورات الخمس أو ببع

ضها.

[أمثلة واقعية على إغفال #فقه_الممكن]


طلب مني بعض الأخوة أمثلة توضح المقصود من فقه الممكن وتجلي الفرق بينه وبين الإستسلام والهوان؛ لوجود من رد على المقال من غير أن يتصوره ولجأ إلى الطعن في النيات والمقاصد والاتهام بعدم فقه الواقع...


تقدم بيان أن فقه الممكن يقوم على الأمر بالواجب المقيد بأصول الشريعة ومقاصدها لا بالواجب المطلق، فلا واجب على المعين إلا ما كان في مقدروره ووسعه.

ومما يدخل فيما ليس مقدورا للعبد ما ترتب عليه مفسدة أكبر.


فمثلا: الحكم المطلق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الوجوب

فلو فرضنا أن إنسانا يغلب على ظنه أنه لو أنكر على شارب الخمر الذي يراه أمامه سيقتله

فهنا فقه الممكن لا يوجب على العبد النهي عن المنكر؛ لأن مفسدة الإنكار أعظم، والإنكار ليس في مقدوره شرعا

فلو أن مفتيا ألزمه بالواجب المطلق لم يصب الشرع، وقد يدخل في معنى حديث (قتلوه قتلهم الله) لما أمروه أن يغتسل من الجنابة فمات لجرح به أو نحوه.

فهذا مثال يوضح المقصود من فقه الممكن ..


ومن ذلك أيضا: الهدنة والصلح مع الكفار، فالأصل فيه المنع

لكن لو ضعف المسلمون وترتب على عدم الهدنة ضرر أعظم فهنا يأتي فقه الممكن ...

قال القرطبي: "قال السدي وابن زيد: "معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم، ولا نسخ فيها. قال ابن العربي وبهذا يختلف الجواب عنه، وقد قال الله عز وجل ((فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم))

فإذا كان السلمون على عزة وقوة ومنعة وجماعة عديدة وشدة شديدة، فلا صلح.... وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لنفع يجتلبونه أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه.

وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم، وقد صالح الضمري وأكيدر دومة، وأهل نجران، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة" [تفسير القرطبي (8/39-41)


والغريب أن مجلس البحوث ومن نحا نحوه ومن تبرع بالدفاع عنه لا يراعون هذا الفقه في الوقائع المتعلقة بالشأن العام فتراهم يأمرون بالأحكام المطلقة التي هي ليست في وسع الناس بالنظر إلى ضعفهم وواقعهم

وخذ هذه الأمثلة:

قولهم:

-(لا يجوز الصلح مع الدول المتحالفة مع المجرمين إلَّا بعد إلزامِها بجبر الضررِ).

فيقال لهم: هل هذا مقدور عليه؟ وهل هو في الإمكان؟ وإذا لم يفعل المخاطَب لعجزه أو لمصالح أعظم رآها أيكون آثما؟

وإذا لم تفعل الدولة أيجب على الرعية أخذ حقهم؟ وإذا لم يفعلوا أيأثمون؟

-(الصلح يكون بعد بيان الحقوق لأصحابها والتنازل عنها بطيب نفس لمن أَراد)

فيقال لهم: هل هذه أحكام الصلح حال اختيار وقوة الدولة أو أحكام اضطرار؟ وهل هذا مقدور عليه, وهل هو في الإمكان؟

- (وأخيرا فإنّ مجلسَ البحوثِ وهو يتابعُ ذلك كلّه، لَيَدعُو علماءَ الإسلامِ ودعاتَه والهيئاتِ العلميةَ والإعلاميةَ، وكلّ مَن له غَيرةٌ على هذا الدِّينِ، وأهله إلى أن يبيّنوا للمسلمين وجوبَ مقاطعة حكومة الإمارات ، وحرمةَ الاستثمارِ فيها، أو الاتجارَ معها، أو عن طريقِ موانيها ومـطاراتِها).

فيقال لهم:  هل وازنتم بين المصالح والمفاسد؟ وهل نظرتم للضرر الذي يصيب شعب الإمارات ونوعه ودرجته؟

وهل إذا لم يستجب علماء الإسلامِ ودعاته والهيئات العلمية والإعلامية يأثمون؟ وهل لهم أن يجتهدوا في تقدير المصالح والمفاسد ويخالفوكم؟


فمثل هذه الإطلاقات وغيرها لم ينظر فيها إلى حال المسلمين وواقعهم وما هو في مقدورهم وما ليس في مقدورهم, ولا راعوا تعارض المصالح وأن حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود؛ إذ كان في تحصيل المفقود رفع للموجود وإذهاب لبعض الضرورات الخمس أو لجميعها.

فهم ينطلقون من أحكام مطلقة لها واقعها ومناطاتها وينزلونها على حال وواقع آخر.


وللأسف أن بعض من تصدر للحكم على الواقع يرى أن هذا من الخور والضعف والتخذيل

وما التفت إلى ما يجر إليه تعنته وعدم فقهه من ويلات وحروب وفتن على المسلمين ..


ولم يميز هؤلاء بين تنازل لدفع مفسدة أعظم ورفع ضرر أكبر، وبين تنازل تكون مفسدته أعظم، وهذا هو الفرق بين فقه الممكن وبين الإستسلام والهوان.

ولو أن هؤلاء انطلقوا من موازنة بين المفاسد لا الأحكام المطلقة لما كتبت كلمة وكان الفيصل في ذلك من كان أدرى بالواقع...


وإذا كانوا هم يعترفون في واقعنا أنه مشروع لا يتمثل في أشخاص، فليبنوا أحكامهم على واقع عالمي من غير ربطه بأشخاص يحركون بها عواطف الناس.


وأخيرا: المقصود من بيان خطأ المجلس ومن وراءه ما تدعو إليه المصلحة العامة من أن يكون منطلق النظر دفع الضرر الأعظم بالممكن والميسور ، لا أن يكون المنطلق الأحكام المطلقة مع عدم القدرة على تطبيقها.


وللأسف يحاول بعضهم أن يجر البحث إلى تحالف باشاغا مع حفتر، مع أن نقدي على منهجية استدلالية تنزيلية عامة عند المجلس وغيره لها أبعادها، وليس نقدي متوجها على هذه الحادثة بعينها.


 

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

 

الخميس، 24 مارس 2022

حكم الزينة والفوانيس فرحا بقدوم رمضان

 [حكم وضع الزينة والفوانيس في البيوت

استبشارا بقدوم رمضان]

(جائز)


أفعال العباد المحدثة بحسب نظر الشرع لها ثلاثة أقسام:

1-فعل تعبدي, فيأمر الشرع بعدم الإحداث؛ لأن الأصل في التعبد التوقيف, ومقصد الشرع فيه عدم تجاوز المشروع المحدود.

2-فعل عادي محض, فيُجّوز الشرع الإحداث؛ لأن الأصل فيه الإباحة, ومقصد الشرع فيه التوسعة والتيسير.

3-فعل عادي فيه شائبة تعبد من جهة التشريع, فيمنع الشرع الإحداث؛ لفعله على وجه لا يعقل معناه؛ فكان تشريعا.


وعليه فمن فعل الزينة لرمضان على وجه التعبد؛ فهذه بدعة حقيقية؛ إذ إنه يكون قد تعبد الله بما لم يشرعه, فخالف الأمر  وناقض المقصد الشرعي.

ومن فعلها على وجه العادة والفرح من غير أن يفهم انضمامها إلى صيام رمضان ولا أنها سنة ولا أنها صفة ملازمة للمشروع ولا ما يخرجها عن أصل العادات المحضة إلى التشريع, ولا يكون فيها تبذير, ولا يصاحبها أمر محرم كموسيقى؛ فلا حرج, وهي من جملة العادات التي الأصل فيها الإباحة, ومقصد الشارع فيها التوسعة.

وهي أشبه بما يخصصه الناس من أكلٍ في رمضان؛ بمقتضى العادة.

ولا يظهر لي إعمال باب سد الذرائع هنا؛ لأنه لا أحد يفهم من وضع الزينة أنها من شعائر رمضان ولا جزء مما شرعه الله في شهر رمضان.

ولا بأس باستعمال الفوانيس وإن كان أصلها عبيديا؛ لزوال علة الخصوصية, وانتفاء تعظيم الزمن لذاته.

ومع ذلك فاستقبال رمضان بالتوبة والرجوع إلى الله هو الذي ينبغى أن يشتغل به المؤمن ويحرص عليه.

كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مساعد في كلية علوم الشريعة\ المرقب- ليبيا

الاثنين، 28 فبراير 2022

الفرح بانتصار كافر على كافر

 

الفرح بانتصار كافر على كافر

سئلت عن موقف المسلم من الحرب الواقعة بين #روسيا و #أوكرانيا

وقد كنت عزمت على عدم الكلام فيها إلا إذا سئلت؛ لأنها حرب بين كافرين تورطا في قتل المسلمين ...

على المسلم ألا يتعاطف مع أحدهما ولا يميل إلى واحد منهما، فالكفر ملة واحدة ..

فالفرح بنصر أحدهما على الآخر لا يشرع؛ لما يلزم منه من الفرح بظهور الكفر، ويستثنى من ذلك إذا كان الفرح لهزيمة من كان ضرره على المسلمين أشد، أو لما فيه نفع الإسلام وظهوره؛ فيكون الفرح هنا بالنظر للمصلحة ودفع شر الشرين ، وهذا تشهد لهذا كليات الشريعة ومقاصدها.

ومما يستأنس به ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت: فأقمنا عنده -النجاشي- مع خير جار في خير دار فلم يلبث أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه فوالله ما علمنا حزناً قط هو أشد منه فرقاً من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي الملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه فجلعنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائراً فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضهم لبعض من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر لمن تكون؟ قال الزبير وكان أحدثهم سناً أنا فنفخوا لهم قربة فجعلها في صدره فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس فحضر الوقعة، فهزم الله ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه فجاءنا الزبير يليح لنا بردائه ويقول: ألا فابشروا فقد أظهر الله النجاشي، قلت: فوالله ما علمنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي.

وأما فرح الصحابة بغلبة الروم على الفرس؛ فلأن الروم أهل كتاب فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس؛ لاشتراكهم في النبوة، وكان ذلك في مقام غيظ كفار قريش؛ ولأن ظهور الروم كان توطئة لإظهار الإسلام وانتصار المسلمين على كفار قريش.

فالفرح هنا يرجع إلى الفرح بما فيه نفع الإسلام وظهوره وما يكون سببا لغيظ الكفار, ففي جامع الترمذي ٥/٢٥٤ قال ابن مكرم: (وكانت قريش تحب ظهور الفرس؛ لأنهم وإياهم ليسو بأهل كتاب ولا إيمان ببعث)

والمقصود هنا: أن الفرح لا يكون لمجرد غلبة كافر أو لمصلحة ترجع إلى الهوى، وإنما يجب أن يكون الفرح لنفع الإسلام ومصلحة المسلمين، بما لا يترتب عليه مفسدة أعظم.

ولا يجوز للمسلم أن يعين أحد الكافرين على الآخر إلا إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين، فتكون إعانته لتلك المصلحة الشرعية لا لمصلحة الكافر.

وأما مشاركة مسلمي أوكرانيا في القتال مع الجيش الأوكراني الكافر فهذا يرجع إلى تقدير المصلحة ودفع أعظم الضررين.

 

السبت، 15 يناير 2022

 

هل لبس الصليب كفر بإطلاق؟

كما ادعاه الشيخ محمد أبو عجيلة,  ونشرته قناة التناصح عنه

إن لبس الصليب محرم بالإجماع؛ لأنه شعيرة من شعائر الكفر, لكن هل لبس الصليب كفر بإطلاق؟

في مطلع الجواب عن هذا السؤال نورد ما بوبه البخاري في صحيحه, قال البخاري في كتاب الصلاة من صحيحه باب رقم (15): "بابٌ، إن صلى في ثوبٍ مصلَّبٍ أو تصاوير؛ هل تفسد صلاته؟ "

فهذا التبويب منه يبين لنا أن مجرد اللبس ليس كفرا وإلا لما تطرق أصلا لحكم صلاته, وقد رجح ابن حجر (فتح1/ 577): عدم فساد الصلاة, وإنما للكفر مناط آخر وهو تعظيم الصليب والرضا به وبدين الكفار لا مجرد اللبس, فليس الكفر راجعا لذات اللبس.

فعندما يأتي ويطلق القول بأن لابسه كافر -وإن نفى تكفيره للمعين- فقد أقدم على التكفير بما ليس بمكفر في ذاته, وفتح باب شر على المسلمين, وسلك مسلك الخوارج في إطلاق الكفر على ما ليس كفرا في ذاته.

قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 552): (فصل مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان:

أحدهما  مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم؛ فهذا العمل الذي هو من خصائص دينهم إما أن يفعل لمجرد  موافقتهم -وهو قليل- وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا أو الآخرة، وكل هذا لا شك في تحريمه، لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرا بحسب الأدلة الشرعية).

ويجب التنبه إلى أن من أطلق عليه الكفر كبعض فقهاء المالكية قيده ببلاد المسلمين؛ لأنه لما لم يكن كفرا في ذاته وإنما هو دليل على الكفر كان لا يفهم ممن لبسه في بلاد المسلمين إلا الموافقة والرضا بدين الكفار

وهذا المسلك أيضا غير صحيح؛ لأنه يحتمل أن يلبسه جهلا فيعذر, أو على وجه اللعب فيحرم عليه ولا يصل إلى التكفير.

فيجب عدم المسارعة بإطلاق لفظ الكفر والتكفير, وتربية الشباب على هذا, وإنما يجب تربيتهم على ما كان فيه تفصيلا على التفصيل وتحقيق المناط الكفري, وإلا ضاع الشباب في التكفير وما يترتب عليه من مفاسد.

كتبه أحمد محمد الصادق النجار

 

الجمعة، 14 يناير 2022

الخلاصة في انتقادات الشيخ محمد أبو عجيلة وإصرار قناة التناصح على بث حلقاته

 

الخلاصة في انتقادات الشيخ محمد أبو عجيلة

وإصرار قناة التناصح على بث حلقاته

في وقت نحتاج فيه إلى تحرير العلم وتحقيقه وإنصاف أهله وفق منهجية صحيحة بعيدة عن التعصب وردات الفعل رجاء اتحاد الكلمة ومعرفة مواطن الخلاف والإجماع وتحقيق المناطات يخرج علينا الشيخ محمد أبو عجيلة بترهات وتناقضات لا تمت للعلم المحقق بصلة, فتراه يهمز هذا ويطعن في هذا ويتكلم في النيات والمقاصد بحجج واهية, فالصفة الغالبة لانتقادات محمد أبو عجيلة الذي يخرج على قناة التناصح هي تجاوز ما يقرره أهل العلم من توقير العلماء وحفظ مكانتهم, وصاحَبَ ذلك مغالطات مضادة للأمانة العلمية وتخليط في القواعد وعدم إدراك لأصول أهل السنة ومناطات الكفر والبدعة, وطعن في جملة من أئمة الهدى, وعيب في العقيدة الصحيحة, فأساء بذلك لنفسه وللقناة التي يخرج عليها قبل أن يسيء لغيره.

ولو كان عندي وقت لكتبت ردا عليه ورتبته على خمسة أقسام: قسم في تحرير القواعد التي خلط فيها, وقسم في تراجم الأئمة الذين طعن فيهم, وقسم في مسائل انتقدها على الأئمة قد ضل فيها وسلك فيها مسلك الخوارج, وقسم في بيان العقيدة الصحيحة وما تميز به أهل السنة عن المتكلمين,وقسم في بيان ضابط البدعة والسنة وموطن خلله فيه.

فهذه الأبواب هي مواطن الخلل في جميع حلقاته التي ملأها جهلا وعدوانا وظلما.

ومن ضعف تصوره وقلة حكمته وهوسه بالرد: أن زعم أنه لا يتأتى محاربة غلاة التجريح إلا بالطعن في أكابر؛ بدعوى أن الأتباع جروه إلى ذلك, ولو أنصف لعلم أنها حجة ساقطة, ولو كان كل إمام تعدى أتباعه يطعن فيه لما تركنا مالكا ولا الشافعي ولا أحمد, بل ولا تركنا عليا رضي الله عنه

وإذا كانت حجته هذه حجة صحيحة لطعنا في علمائه بسبب قلة فهمه وتعديه على الأعلام وأصول أهل السنة.

ومن أوابده في آخر حلقة -أرسلها لي أحد الإخوة يستنكر ما فيها-: أن جعل هذه الحلقة في الطعن في شيخ فاضل وإمام نحسبه كان على هدى وتقي وورع قد أفضى إلى ربه وهو الشيخ صالح اللحيدان؛ بدعوى أن الأتباع جروه إلى ذلك, فأي علم وإنصاف وباعث هذا الذي استند إليه؟!

ومن طوامه أن زعم أن الشيخ صالحا ولي القضاء إلى أن مات ولم ينكر على حكامه.

وهذا مع ما فيه من الكذب, فالشيخ صالح معروف بصدعه بالحق, وقد منع في زمن الملك عبد الله من الخروج على قناة المجد؛ لصدعه بالحق

إلا أن القاعدة في هذا الباب أن من تولى أمرا فلم يستطع الإصلاح فإنه يبقى ويقلل المفاسد ما استطاع؛ ذلك أنه إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة وإن سمي ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر. ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة؛ أو لدفع ما هو أحرم وهذا. [انظر: مجموع الفتاوى (20/ 57)]

فباب السياسة الشرعية يقوم على جلب المصالح ودرء المفاسد, ويقوم أيضا على تقليل المفاسد وتخفيفها إذا لم يتأت جلب المصالح, فمن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه, فيوسف عليه السلام ولم يكن يوسف تولى في دولة كافرة ولم يمكنه أن يفعل كل ما يريد لكن فعل ما يقدر عليه من العدل.

ولله در ابن تيمية القائل في مجموع الفتاوى (20/ 55): (...بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم؛ ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها. ودفع أكثره باحتمال أيسره: كان ذلك حسنا مع هذه النية وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدا. وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد)

وحتى في باب السكوت عن المنكرات, فقد يسكت العالم عن منكر خوفا من فوات مصلحة أعظم, قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/ 58): (ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر. فالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يبيح وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح وعند التعارض يرجح الراجح - كما تقدم - بحسب الإمكان فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله وإما لظلمه ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر. فالعالم في البيان والبلاغ كذلك؛ قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما إلى بيانها).

فأنى لمن لم يحط بأصل باب السياسة الشرعية ومقاصده وباب المصالح والمفاسد أن يدرك هذا؟!

وادعى أيضا أن تكفير علماء السعودية للقذافي هو من باب إرضاء الحكومة السعودية لا أنه ارتكب ما يستوجب تكفيره!!

فما أجرأه على الكلام في النيات, فالحكم على النيات والمقاصد منكر في الشريعة, ومخالف لقواعدها, وفيه تعدٍّ على الناس, وتجنٍّ عليهم, وهو من التسرع في الحكم على الناس, ومنكر أيضا عقلا وعرفا.

واتهمهم أنهم يفهمون الكتاب والسنة في باب السياسة على فهم عروش الحكام!!

وذهب مذهب الخوارج في أن المولاة بإطلاق للكفار كفر أكبر!!

ولا أدري كيف لهذه القناة -قناة التناصح- التي تدعي العدل والإنصاف وتوقير العلماء أن تسخر حلقات لانتقاص علماء أحياء وأموات من غير أن تراعي -على أقل- تقدير المفاسد المترتبة على ذلك من افتراق الكلمة ونحوه

بل وتراها تنشر  على لسان أبو عجيلة وغيره إطلاقات كفرية؛ بدعوى الصدع بالحق, وقد ناصحناها علنا وأبت إلا المسير على ما هي عليه, والله المستعان

ولا يفوتني أن أتعجب من المقدم للبرنامج وكأنه لا يعرف الشيخ صالحا اللحيدان, وجماعة من كبار العلماء, فيطعن فيهم أمامه بما لا يصح أن يكون طعنا ويؤتى بالتناقضات وأصول فاسدة وهو ساكت, بئست الحزبية هذه, وعند الله يجتمعون مع خصومهم.

كتبه ناصحا د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 7 يناير 2022

الجمع بين الصلوات بسبب المطر

 

الجمع بين الصلوات بسبب المطر

 عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء, قال أيوب: لعله في ليلة مطيرة أخرجه البخاري

 

شرع الله الجمع بسبب المطر؛ حفاظا على الجماعة في المسجد واهتماما بها, وهذا يدلنا على أن الصلاة جمعا في المساجد أولى من الصلاة متفرقة في وقتها في البيوت.

ومن مقاصد مشروعية الجمع بسبب المطر: التخفيف والتيسير على عباد الله, وهو مقتضى رحمته سبحانه

ولو لم تراع هذه الرخصة لأدى ذلك إلى حرج ومشقة, فاقتضى ذلك استثناء مواطن الحرج, فشرع الجمع بين الصلوات بسبب المطر

وإذا كان الله سبحانه قد اعتبر جنس الحرج في رخصة الجمع للمطر, فلا فرق بين جمع الظهر والعصر وجمع المغرب والعشاء؛ لأن التعليل بعذر الحرج يقتضي تجويز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بجامع الحرج.

وليس كل مطر يقتضي جواز الجمع , وإنما المطر الذي هو مظنة إيقاع الناس في الحرج.

كتبه أحمد محمد الصادق النجار