الأحد، 31 أغسطس 2025

مناقشة دعوى الشريف حاتم العوني في اعتبار الاحتفال بالمولد من المصالح المرسلة

 

انتشر كلام الشريف حاتم العوني في تقريره أن الاحتفال بالمولد النبوي يمكن اعتباره من باب المصالح المرسلة إذا كان لمجرد التذكير بالسيرة النبوية، وإذكاء محبة النبي ﷺ في القلوب، دون اعتقاد فضيلة خاصة ليوم المولد.
وقد وجد هذا الرأي قبولًا عند بعض من كان يعتقد بدعية الاحتفال، بسبب ضعف تأصيلهم الأصولي.

قال العوني:"صورة يكون فيها المولد من المصالح المرسلة، وذلك إذا كان بقصد استثمار تاريخ هذا الحدث الجليل، للتذكير بسيرته صلى الله عليه وسلم، أو لإذكاء جذوة محبته صلى الله عليه وسلم في القلوب، من غير اعتقاد فضيلة خاصة لليوم، تجيز تخصيصه بعبادة أو باعتقاد لا دليل عليه".

والرد على هذه الدعوى من أوجه:

أولًا: هناك تشابه بين المصلحة المرسلة و البدعة الإضافية من بعض الوجوه، وهو ما قد يوقع في الخلط ويستغله بعض الناس لتمرير البدع والتلبيس على العامة.
ولذا لابد من ييان الفرق بين المصلحة المرسلة والبدعة:

• المصلحة المرسلة: هي المنفعة التي لم يشهد الشرع باعتبار عينها ولا بإلغائها، لكن جنسها ملائم لتصرفات الشريعة، وقد اعتبره الشارع في الجملة، ولم يرد دليل خاص يصادمه في عين المسألة.
• فمثلا جمع القرآن، المنفعة منه وهي حفظ القرآن   وصيانته اعتبرها الله في الأحكام الشرعية، إلا أنه لم يرد دليل خاص على اغتبارها في جمع القرآن، واعتبارها في ذات الجمع ليس هناك دليل يصادمه  ويمنع من اعتبارها فكان جمع القرآن من المصالح المرسلة  وكذاك تأليف الكتب وبناء المدارس والمسابقات الشرعية ووو

• وأما البدعة: فهي ما أُحدث في الدين مما لم يأت به النبي ﷺ، سواء قصد به التعبد مباشرة، أو جُعل طريقًا يضاهي الطريقة الشرعية.
• وليست البدعة خاصة بما يقصد به التقرب والتعبد كما يتصور بعضهم!!!

أوجه التشابه بين المصلحة النرسلة والبدعة:

• كلاهما أمر محدث.
• أن جنس الوصف فيهما قد اعتبره الشارع.

أوجه الافتراق:

• المصلحة المرسلة لا تعارض دليلا شرعيًا خاصًا، بخلاف البدعة فإنها تصادم الشرع وتعارض دليلاً خاصًا. قال ابن تيمية في "المجموع":"المصالح المرسلة: أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه".

• في البدع: عدم الفعل مقصود شرعًا، أما في المصالح المرسلة فالأمر على العكس.

• المصالح المرسلة وسيلة لحفظ مقصد من مقاصد الشارع، وضروري من الضرورات الخمس، بخلاف البدع فهي إحداث في الدين وهي تؤدي إلى هدم الدين.

تطبيق هذا على الاحتفال بالمولد:

• لا شك أن جنس المنفعة معتبر: محبة النبي ﷺ والتذكير بسيرته والاقتداء به.

• لكن اعتبار هذه المنفعة في عين الاحتفال بالمولد يصادمه دليل خاص، وهو:
• ترك النبي ﷺ للاحتفال مع قيام المقتضي وزوال المانع.
• ترك الصحابة لذلك، مما يعد إجماعًا منهم.
وهذا يدل على أن الاحتفال معارض للدليل الخاص، فيخرج من كونه مصلحة مرسلة إلى كونه بدعة محدثة.

وهناك أوجه مصادمة أخرى للشرع:

• أن المشروع في يوم الاثنين هو الصيام، لا اتخاذه يوم احتفال. فترك المشروع والانشغال بغيره مخالفة للشرع.

• جعل المولد احتفالًا متكررًا على جهة التعظيم يجعله في معنى العيد، والعيد شريعة توقيفية تحتاج إلى دليل خاص.

• التزام الناس بالاحتفال لما اعتقدوا فيه من "المصلحة" هو في حقيقته التزام بما لم يشرعه الله، فيفتح باب البدع.

والخلاصة:
• الاحتفال بالمولد ليس وسيلة شرعية صحيحة لمقصد شرعي معتبر، بل هو إحداث في الدين.

• ولو سلّمنا جدلًا أن فيه مصلحة (كتذكير السيرة والمحبة)، فإن فيه مفسدة راجحة، وهي:

• الابتداع في الدين، ولازمه اتهام النبي ﷺ بأنه لم يبلّغ هذه "المصلحة".

• فتح باب الغلو فيه ﷺ بما يرفعه فوق منزلته.

ودفع المفاسد الراجحة مقدم على جلب المصالح، فكيف إذا كانت هذه المصلحة موهومة أصلاً؟

وأخيرا:
يتضح مما سبق أن تنزيل العوني للمصلحة المرسلة على الاحتفال بالمولد غير صحيح؛ لأنه لم يراع القيود والضوابط الأصولية. والخلل في التصور أنتج خللاً في الحكم، فكان قوله خطأً ظاهرًا.

وقد سبق أن ناقشت شبهات أخرى لأصحاب القول بجواز الاحتفال بالمولد في مقال مستقل منشور على الشبكة، ولم نعرض هنا إلا واحدة من جهات الخطأ في تقرير العوني، مع أن وجوه بدعية الاحتفال بالمولد كثيرة.

✍️ كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 29 أغسطس 2025

مناقشة كلام د #سعيد_الكملي في تجويز #الاحتفال_بالمولد عبر تدريس السيرة والتذكير بها

مناقشة كلام د  #سعيد_الكملي في تجويز #الاحتفال_بالمولد عبر تدريس السيرة والتذكير بها


قال د. سعيد الكملي: (نقول: ما موضوع الاحتفال؟ وبأي شيء يُحتفل؟

فإذا كان الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم بأن تُدرس سيرته، ويُذكَّر بأيامه، ويُنشر دينه، ويُدعى غير المسلمين إلى الإسلام وفق دعوته وما يرضاه هو صلى الله عليه وسلم لو كان حيًّا، فهذا احتفال حسن.

وأما إذا كان الاحتفال مشتملًا على ما يسخطه صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يُحتفل بالنبي صلى الله عليه وسلم بما يبغضه).


#المناقشة:


#أولًا: انطلق الشيخ من مقدمة غير مسلَّمة، وهي أن *الاحتفال بالمولد في أصله مشروع أو مباح*، ثم بنى حكمه على مضمون الاحتفال: هل هو على وفق الشرع أو لا؟

بينما البحث الصحيح يجب أن يبدأ من *أصل مشروعية الفعل نفسه*: هل الاحتفال بالمولد –من حيث هو– ثابت في الشرع أو أنه من جنس البدع المحدثة؟

فإذا لم يثبت أصل المشروعية، سقط التفريع على الكيفية أو الموضوع.


# ثانيًا: مناط البدعة في المولد

الاحتفال بالمولد قائم على *تخصيص زمن معين للتعظيم والعبادة*، وهذا التخصيص من خصائص التشريع التي لا تكون إلا لله تعالى.

ولا فرق في هذا بين أن يكون موضوع الاحتفال *ذكر السيرة النبوية* أو غيرها من الموضوعات، لأن حقيقة البدعة تكمن في تخصيص زمن للتعبد أو التذكير دون دليل شرعي.


* نكتة المسألة: أن تخصيص هذا اليوم مظنة اعتقاد أنه أفضل من غيره، وأن ذكر السيرة فيه أفضل من ذكرها في سائر الأيام.

* والمعلوم أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على فضل الشهر أو اليوم بذاته. ولو سلمنا جدلًا بفضل الزمن، فهذا لا يستلزم فضل العمل فيه.


إذن: التخصيص بذاته هو عين المحظور، مهما كان موضوع الاحتفال.


#ثالثًا: شبهة التذكير بالسيرة


لو قيل: الباعث هو **التذكير والمحبة**.

قيل: التذكير بالسيرة مشروع في كل وقت، ولا يحتاج إلى تخصيص يوم بعينه. بل التخصيص يناقض هذا المقصد، لأنه يربط الذكرى بزمن مخصوص، فيُفهم منه التعظيم أو الموافقة لأهل الاعتقاد الفاسد.


وإذا قيل: المناسبة تدعو للتذكير.

فالجواب: المناسبات ليست سببًا شرعيًا للتخصيص، لأن التخصيص المتكرر ينشأ منه اعتقاد الفضل، وهو مفسدة عظيمة.


#رابعًا: الموازنة بين المصلحة والمفسدة


قد يُقال: فيه مصلحة التذكير بالسيرة وإذكاء المحبة.

فنقول: هذه المصلحة –إن وُجدت– تقابلها مفسدة عظيمة، وهي:


* الابتداع في الدين.

* اعتقاد الفضل في غير ما فضل الله.

* فتح باب الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم.

* اتهام النبي صلى الله عليه وسلم –بلازم القول– بأنه كتم شيئًا من الدين ولم يبلّغه.


وهذه المفسدة أرجح من المصلحة المتوهمة، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فكيف إذا كانت المصلحة موهومة أصلًا؟


#الخلاصة


الاحتفال بالمولد –مهما كان مضمونه– هو في حقيقته **بدعة محدثة**، والتقرب إلى الله بها مما **يسخط الرب ويغضب النبي صلى الله عليه وسلم**، لأنه لم يشرعها لأمته ولم يرضها لهم.


---


✍️ د. أحمد محمد الصادق النجار 


---

http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/08/blog-post_29.html

الأربعاء، 27 أغسطس 2025

للتاريخ وفضح التآمر على الدعوة السلفية إمارة كُنَر الإسلامية (1990–1991)

للتاريخ وفضح التآمر على الدعوة السلفية
[إمارة كُنَر الإسلامية (1990–1991) ]

🔹شهدت الساحة الأفغانية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات حالة من الانقسام الحاد بين الفصائل، خصوصاً بعد انسحاب القوات السوفيتية. فقد كانت الصراعات قائمة بين قادة مثل حكمتيار (الحزب الإسلامي)، وبرهان الدين رباني، وأحمد شاه مسعود، وغيرهم. في خضم هذا التناحر برزت تجربة مختلفة في ولاية كُنَر بقيادة الشيخ جميل الرحمن رحمه الله، حيث أسس إمارةً إسلامية اتسمت بقدر من الاستقرار والنزاهة مقارنة ببقية المناطق.

🔹لم يكن الخلاف مع الشيخ جميل الرحمن مجرد "نزاع على السلطة"، بل كان صراعاً عقدياً ومنهجياً بين السلفية التي تبنّاها الشيخ، وبين تحالف الفصائل ذات المرجعيات المختلفة كالإخوانية وغيرها.
وقد قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في كتابه "مقتل الشيخ جميل الرحمن "  : " فقد أخبرني بعض إخواني في الله أنه كان في بعض المعسكرات وسمع بعض الأفغان يقول : إذا انتهينا من الشيوعيين سنبدأ بالوهابية."

وهذا يكشف أن الصراع كان بالأساس ضد المنهج السلفي الذي جسّدته إمارة كُنَر.

🔹أعلن الشيخ جميل الرحمن إمارة كُنَر الإسلامية عام 1990م، مستنداً إلى منهج السلف الصالح في تطبيق الشريعة، ورافضاً إدخال الفكر الحزبي إلى المشروع الإسلامي.
وقد جاء إعلان الإمارة نتيجة فراغ سياسي وأمني، إذ لم تكن "الحكومة المؤقتة" التي شكّلتها بعض الفصائل تملك أي سلطة فعلية على الأرض.

🔹وعندما ضغطت الأحزاب على الشيخ لإجراء انتخابات، وافق أخيراً وأقيمت الانتخابات، ففاز بها الشيخ وأُعلن أميراً لإمارة كُنَر. لكن النتيجة لم ترضِ الأحزاب، فبدأت المؤامرات والتحريض ضده بسبب منهجه السلفي.

يذكر الشيخ مقبل الوادعي: "...(...الأحزاب السبعة تمالأت والحمد لله عندنا وثائق قدر مجلد صغير وصلت هذه الوثائق في اليوم الثامن من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وألف (8 ربيع أول 1412?). وبعد ذلك اتضحت الحقيقة، وعرف الناس أنه أمر متواطأ عليه بين الأحزاب كلها، وبين الإخوان المفلسين وإلا فما معنى المقابلة التي نشرتْها جريدة (الصحوة) لا بارك الله فيها مع (حكمتيار) وتسأله عن ولاية (كنر)؟ فيقول: (إن بها عملاء لأعداء الإسلام). ..."

وقد ظهر ذلك جلياً في مقابلة نشرتها جريدة الصحوة مع حكمتيار، حيث وصف ولاية كُنَر بأنها تضم "عملاء لأعداء الإسلام".

🔹وقد كان للدكتور عبد الله عزام دور في عدم إيصال المساعدات إلى الشيخ جميل الرحمن، والتشويش عليه، وقد عقّب الشيخ الألباني رحمه الله على ذلك قائلاً:

"عبد الله عزام مع الأسف يعني مع أنه عنده اتجاه سلفي ، لكنه مغلوب بالإخوانية أي نعم ، يعني الحزبية هذه من الصعب أن الإنسان يتخلى عنها ."

🔹وفي أجواء التحريض الإعلامي ضد الإمارة، عاش شاب مصري يُدعى عبد الله الرومي في صفوف الحزب الإسلامي (حكمتيار)، وكان يعمل صحفياً في مجلة الجهاد الصادرة عن مكتب الخدمات في بيشاور.
أُقنع الرومي بأن الشيخ جميل الرحمن هو العقبة الوحيدة أمام إقامة "دولة إسلامية" بقيادة الحزب الإسلامي، وأنه يفتت الصف الأفغاني.
فتمكّن القاتل صباح يوم الجمعة من دخول بيت الشيخ بحجّة السلام عليه، فجلس ينتظر حتى يفرغ الشيخ من اجتماعه. وبعد أن انتهى الشيخ من مجلسه جلس في ساحة البيت مترقبًا وقت الصلاة، فإذا بالقاتل يدنو منه ويطلق عليه الرصاص الغادر.

لقد توهّم هؤلاء أن بقتل الشيخ ستنطفئ جذوة الدعوة السلفية، تلك الدعوة المباركة التي ما زالت تُحارَب إلى يومنا هذا على أيدي الماتريدية الصوفية المتعصبة للمذهب الحنفي.

كان الخلاف بين الشيخ جميل والفصائل الأخرى خلافًا عميقًا في العقيدة والمنهج، لا مجرد خصومة سياسية. فقد أبى الشيخ المزايدات الحزبية والانتماءات الضيقة، وتمسك بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح. وكونه قد انتسب في بداياته إلى صفوف حكمتيار لا ينفي أن الخلاف العقدي قد ظهر لاحقًا، حين تكشّفت الممارسات المخالفة للشريعة.

وقد شهد المشايخ الثلاثة: الألباني وابن باز وابن عثيمين رحمهم الله، بصفاء دعوته ونبل مسعاه، فما كانوا يومًا ضد الشيخ أو ضد منهجه السلفي، بل أثنوا على جهوده ودعوا إلى الصلح وحقن الدماء..

إن إعلان الإمارة لم يكن مؤامرة خارجية ولا إملاءً سياسيًا، بل كان قرارًا ذاتيًا اتخذه الشيخ بعد أن مكّنه الله من أرض كنر، ليقيم شرع الله ويُظهر السنة. وكل من عايشه يشهد بزهده واستقلاله ووضوح دعوته، بعيدًا عن دهاليز المخابرات ومكائد السياسة.

د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/08/19901991.html


الثلاثاء، 26 أغسطس 2025

أصول النظر في اللحوم المستوردة


 


🔹 عندنا أصلان معتبران: 


• الأصل في اللحوم التحريم حتى يثبت ما يبيحها. 


• الأصل في ذبيحة المسلم والكتابي الحل، ففعل المسلم والكتابي محمول على الصحة والسلامة، ما لم يُعلم أنه وقع على وجه غير مشروع.


     

🔹وعند النظر في اللحوم الواردة من الدول المنسوبة إلى أهل الكتاب، فإن الانطلاق يكون من الأصل الثاني لا من الأول. 


🔹 وبناءً على ذلك، فإن أحوال اللحوم المستوردة تكون على ثلاثة: 


• ما عُلم بعينه أنه ذُبح على الطريقة الشرعية ومن كتابي → فهذا جائز باتفاق. 


• ما عُلم بعينه  أنه لم يُذبح على الطريقة الشرعية، أو ذبحه غير كتابي → فهذا محرم باتفاق. 


• ما جُهل حاله → وهو محل الخلاف، وينقسم إلى حالين: 


• إذا جُهل حال المذكي، ولم يغلب على البلد أهل الكتاب، حُرِّم اللحم؛ لقوة الشك في السبب المبيح.

      

• إذا جُهلت طريقة الذبح مع كون الذابح كتابيًا، فهنا يتجاذب المسألة الأصل والظاهر: 


• فالأصل: الحل، لأن الذبيحة صدرت من أهلها، والأصل في فعلهم الصحة  ولم يعلم أن هذا اللحم بعينه ذبح بطريقة غير شرعية 


• والظاهر: ما ثبت من وقائع كثيرة أن الذبح في تلك البلاد يجري بغير الطريقة الشرعية.


🔹الترجيح 

غير أن الذي أميل إليه أن كثرة الوقائع والمشاهدات ولّدت ظاهرًا راجحًا يُغلب على الظن أن القوم لا يلتزمون بالتذكية الشرعية. وهذا الظاهر مستنده الحس والمشاهدة، وهو معتبر شرعًا. ومن ثمّ، فإن الشك في السبب المبيح قائم، وإذا وجد الشك في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل الأول: الأصل في اللحوم التحريم.


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 22 أغسطس 2025

#اللحوم_المستوردة

#اللحوم_المستوردة 


✍️ بقلم د. أحمد محمد الصادق النجار 


أثير في ليبيا جدل واسع حول اللحوم المستوردة، خاصة القادمة من البرازيل، وكان من أسباب ذلك أن الجهة التي تبنّت التحقيق في المسألة لم تكن محل ثقة عند كثير من الليبيين؛ لصدور فتاوى سابقة عنها اتسمت بالتعميم وعدم الانضباط.

فلما أصدرت حكمًا عامًا بالتحريم على جميع اللحوم المستوردة، وجعلت كل من يأكلها كمن يأكل جيفة، جاء الاعتراض والإنكار. إذ إن مثل هذه القضايا لا يُعالج بالتعميم، وإنما بالتحقيق العلمي الدقيق، مع التفريق بين الشركات والبلدان، ومخاطبة المسؤولين مباشرة لإيضاح الحقائق. 


الأصل الشرعي في الذبائح واللحوم 


مذهب أكثر العلماء أن الأصل في الذبائح واللحوم: التحريم حتى يثبت تذكيَتُها على الوجه الشرعي. فإذا حصل شكّ: هل ذُبحت بطريقة صحيحة أم لا؟ فالأصل الحرمة. 


فالشك معتبر في المنع من الأكل، لما في صحيح مسلم:(وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل فلا تأكل،فإنك لا تدري أيهما قتله).

قال النووي عند شرح الحديث:[فيه بيان قاعدةٍ مهمةٍ وهي أنه إذا حصل الشكُّ في الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه،وهذا لا خلاف فيه]شرح النووي على صحيح مسلم13/116

وقال ابن العربي المالكي:[...فإذا ورد الشكُّ في الصائد والذابح بقي على أصل التحريم]أحكام القرآن2/35.

وقال ابن دقيق العيد: «إن الأصل التحريم في الميتة، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل، وكذلك إذا شككنا أن الصيد مات بالرمي أو لوجود سبب آخر يجوز أن يحال عليه الموت لم يحل» [إحكام الأحكام (2/288)]. 


فإذا وردت شبهة قوية على اللحوم المستوردة من البرازيل وغيرها 

فإننا نمنع من أكلها إلا لمن علم أنها ذبحت بطريقة يجوزها الشرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ولا تحل الفروج والذبائح بالشبهات]مجموع الفتاوى32/190.


الاعتراض بقاعدة "الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل" 


قد يقال: إن الله أباح ذبائح أهل الكتاب، فالأصل الحل.

والجواب: نعم، هذا أصل معتبر، لكن الأصول قد تعارضها القرائن والوقائع والظواهر القوية التي مستندها الحس. 

والواقع اليوم في جملة من المذابح الأوروبية والبرازيلية قائم على: 


• التدويخ بالكهرباء أو الصعق بالمسدس قبل الذبح.

• ضعف أو غياب الرقابة الشرعية الفعلية، والاكتفاء بتواقيع شكلية من بعض المراكز الإسلامية.

• أن الذابح قد يكون مسلمًا، أو كتابيًا، أو وثنيًا، أو حتى ملحدًا، ولا يُتحقق من حاله.

• 

ولما راسلت الرئاسة العامة لإدراة البحوث الغلمية والإفتاء بالسعودية الدعاة والروابط والهيئات في دول الكفر جاءت الأحوبة في مجملها صادمة في طريقة الذبح وفي كون الذابح لا يدرى عنه هل هو مسلم أو كتابي أو وثني أو ملحد؟ وبعض ابذابحيين يكون وثنيا...مما يبقى الشك ويقويه في موافقة ذبحها للطريقة الإسلامية..

وبناءً على ذلك: إذا وُجدت شبهة قوية في اللحوم المستوردة، فإنها لا تُباح إلا بعد التحقق من أنها ذُبحت بطريقة شرعية. 

ومع ذلك لا يمكن أن نقطع بالحكم ولا أن نجعل من يأكلها في حكم من أكل الجيفة إلا عند ما تيقن أو غلب على ظنه أنها لم تذبح بالطريقة الشرعية


تغليب جانب التحريم عند الشك

من القواعد المقررة أنه إذا اجتمع فيما أصله التحريم سببان أحدها مبيح والآخر محرم يغلب جانب التحريم؛ لموافقته الأصل... 


ولا يتعارض ذلك مع ما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: إِنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَ بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا، أَفَنَأْكُلُ مِنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَمُّوا اللَّهَ وَكُلُوا». فالمسألة هناك متعلقة بذبيحة مسلم قد يترك التسمية جهلًا أو نسيانًا، 

والمسألة مبحوثة في مذابح عصرية في دول كفرية قويت فيها الشبهة في أصل السبب المبيح: هل وقع الذبح الشرعي أصلًا أم لا؟

وغلب على هذه الدول الإلحاد واللا دينية...

ومسألة التسمية إذا تركت جهلا أو نسايا من مسلم فيها خلاف معروف في حكم أكل ذبيحته...


الخلاصة

الصحيح أن الأصل في ذبائح النصارى الإباحة، لكن مع الشكوك القوية القائمة في كثير من اللحوم المستوردة اليوم، وخاصة من بعض الدول كالبرازيل، فالواجب التوقف حتى يثبت أنها ذُبحت وفق الطريقة الشرعية، ولا نعمم فنجعل كل من أكلها فهو آكل للجيفة، فمن ثبت عنده أن شركة معينة تذبح بالطريقة الشرعية فله أن يأكل ولا شيء عليه.ط، وإلا فلا.

http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/08/blog-post_22.html

الخميس، 21 أغسطس 2025

التناقض بين الخطاب والواقع عند بعض الجماعات ذات النزعة #القطبية أو المتأثرة بها كالصحوية

 

التناقض بين الخطاب والواقع عند بعض الجماعات ذات النزعة #القطبية أو المتأثرة بها كالصحوية
✍️ بقلم د. أحمد محمد الصادق النجار

( الكلام هنا على الجماعات لا على الحكومة السورية، فهي حكومة لها ولاية شرعية)

زعم بعض المنتسبين لهذه الجماعات أن من حرر سوريا إنما كان على خلفية قطبية…!
وقالوا: إن المنهج الذي "يدك حصون الصهاينة ويربي الأبطال" هو منهج #سيد_قطب…!
فهل سيثبتون على ما زعموه، أو أن خطابهم سيُصيبُه ما أصابهم من التناقض والتأتأة؟

إن المتأمل في خطاب هؤلاء يدرك حجم التناقض الصارخ بينهم وبين ما يظهرونه من دعوى الثبات على المنهج والمبدأ، فقد رأيناهم في بلادنا على صورتين متضادتين:

– في التنظير:
• يصفون #الحكومات بالردة بحجة الاستبدال، أو بإسقاط حكم الطائفة الممتنعة عليها.
• ويهاجمون كل من يخالفهم في "منهج سيد قطب" أو غيره من الشعارات التي يتبنونها.

– في الممارسة العملية:
• إذا فُتحت لهم أبواب التمويل من الحكومة، أو مُكِّنوا في أرضها من بعض المناصب، أو وُعدوا بالمكاسب، انقلب خطابهم فجأة من العداء والتكفير إلى المدح والتزكية.
• وكأن معيار “الثبات على الحق” عندهم ليس صدق المعتقد، وإنما حجم ما يُغدَق عليهم من منافع، أو رفع شعار الأسلمة...

والخلاصة:
أنهم يتخذون من الشعارات الكبرى – كالحاكمية، ومحاربة المشروع الصهيووني، وحكم الطائفة الممتنعة – أدواتٍ للتهييج والتعبئة، فإذا تبدلت الظروف وصرفت لهم الميزانيات ، تغيّر الخطاب فجأة من حدّة العداء إلى نعومة الدفاع والتسويغ.

الموقف الشرعي من #التطبيع

• التطبيع محرّم شرعًا، لأنه نوع إقرار بالاحتلال وتنازل عن حق ثابت للأمة، فضلًا عن مخالفته لقطعيات الشريعة.

• لا يجوز تسويغه بحجج "المصلحة"، أو "وقف العمليات العسكرية"، أو "الاعتراف بالقيادة الجديدة"، أو "التفاوض حول الجولان".

البديل المشروع

إذا اقتضت الضرورة، فالمشروع هو الهدنة المشروطة المؤقتة – كما فعل النبي ﷺ في صلح الحديبية – دون اعتراف بشرعية الاحتلال، ودون إقامة علاقات طبيعية معه.

✍️فالتطبيع لا يصبح حلالا مهما كانت الضغوطات لكن إذا أُجبر الناس قهرًا وفق ما يقتضيه فقه الضرورة، فيدخل في باب الإكراه، وحكمه يختلف:
• الدولة تعذر بقدر الضرورة بعد التحقق من دخولها تحت فقه الضرورات..
• ولا يسقط ذلك عن الأمة واجب رفض الاحتلال والسعي لتحرير الأرض بالضوابط الشرعية.

الأربعاء، 13 أغسطس 2025

مناقشة موقف الشيخ فيصل قزاز من النقد زمن الحرب


مناقشة موقف الشيخ فيصل قزاز من النقد زمن الحرب

بقلم: د. أحمد محمد الصادق النجار –

يُثار هذه الأيام سؤال مهم: هل يجوز نقد القيادات المقاومة زمن الحرب، خاصة إذا كان القتال مع الكفار أو أن هذا النقد يُضعف الصف ويُعد خيانة أو نفاقًا؟؟
وقد عبّر الشيخ فيصل قزاز عن موقف مانع من النقد وجعله من باب الخيانة والنفاق، معتبرًا أن هذا النقد لا يُعرف في تاريخ المسلمين إلا من الخونة والمنافقين.

قال:"لا يعرف في تاريخ المسلمين أن حربًا قامت بين المسلمين والكفار ووقف عالم من علماء المسلمين ينتقد المسلمين والحرب قائمة، بل لا يعرف هذا إلا من الخونة والمنافقين...

وإذا أردنا مناقشته:
.أولا: من حيث التأصيل الشرعي

النهي عن نقد المسلمين زمن الحرب ليس حكمًا مطلقًا عند علماء أهل السنة، بل هو مقيّد بحال تحقق الجهاد الشرعي واستكمال شروطه وانتفاء موانعه، مع رجحان المصلحة في السكوت
• أما إذا كان القتال فاقدًا لشروطه الشرعية، أو محققًا لمفسدة أكبر، فإن بيان الحكم الشرعي يصبح واجبًا، ولو في زمن الحرب، بشرط أن يكون بأسلوب منضبط يراعي المصلحة ويدرأ المفسدة.

والواقع أن الشيخ فيصل ومن على شاكلته يتكلمون عن أحكام الجهاد الشرعي الذي وُجد سببه وتحقّق شرطه، بينما يتحدث السلفيون عن قتال وُجد سببه لكن لم يتحقق شرطه الشرعي...

ثانيا: من حيث الاستقراء التاريخي

الاستقراء الذي يذكره الشيخ فيصل غير مكتمل؛ فالتاريخ الإسلامي شهد حالات نقد وتصحيح زمن الحرب إذا كان القتال غير مستوفٍ لشروطه.
ومن ذلك ما جرى زمن اجتياح التتار لدمشق، حيث خرج كثير من الناس يستغيثون بالأموات، فأنكر العلماء ذلك رغم أن العدو على الأبواب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولِما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا..."

فهذا المثال يدل على أن النقد زمن الحرب قد يكون مشروعًا إذا كان الهدف إصلاح المسار وتصحيح الفعل قبل المضي فيه.

ومن هنا، فإن من ذمّ الإقدام على قتال لم تكتمل حقيقته الشرعية، لم يذمه لأنه قاتل الكفار أو شارك في جهاد مستوفٍ لشروطه، بل ذمه؛ لأنه أقدم على فعل ناقص الشروط، ترتّب عليه ضرر عام ومفسدة راجحة لا تقرّها الشريعة...

وأما رميه لمخالفيه بتهم التخذيل والخيانة والنفاق فهو تعد ظاهر ولم يراعِ المعنى الذي اعتبرته الشريعة في النهي عن التثبيط والتخذيل في جهاد وجد سببه وتحقق شرطه، وهو:التأثير السلبي المباشر والراجح على سير الجهاد في ساحة المعركة.[انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (12/217)]
فما كان ضرره على الجهاد في ميدان القتال عظيماً، مُنع منه شرعاً.
أما ما كان ضرره مرجوحاً ومصلحته راجحة، أو كان الشروع في القتال خطأً لعدم تحقق شرطه الشرعي – ولو كان جهاد دفع – فإن التصحيح واجب؛ حماية للأرواح والمصالح الشرعية.

والذي يؤسفني -حقيقة- الحال الذي وصل إليه الشيخ فيصل قزاز بسبب خصوماته مع بعض المشايخ، فضيع البوصلة...

http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/08/blog-post_13.html