الجمعة، 17 يوليو 2026

هل مطلق الخضوع عبادة؟ رد على بعض إلزامات حاتم العوني في كتابه الهزيل «مفهوم شرك العبادة»

 هل مطلق الخضوع عبادة؟

رد على بعض إلزامات حاتم العوني في كتابه الهزيل «مفهوم شرك العبادة» 


ذكر حاتم العوني في كتابه (ص 26) ما نسبه إلى خصومه من أهل السنة في تعريف العبادة، فقال إنهم يقولون: «مادام أن الله هو الخالق الرازق المدبر فهو المستحق لأعمال فيها خضوع وتذلل نسميها العبادة». 


ثم بنى على هذا الفهم ثلاثة إلزامات:

الأول: أن كل خضوع عظيم وتذلل كبير يكون عبادة، فيَلزم أن من ذل لطاغية جبار فقبَّل قدميه يكون عابدا له كافرا.

الثاني: أن أي عمل لا يظهر فيه خضوع وتذلل لا يكون عبادة، كالوضوء وغسل الجنابة.

الثالث: أن كل مخلوق كان سببًا في رزق مخلوق أو نفعه أو ضره يستحق نصيبا من العبادة، فيكون ذل الولد لأبويه عبادة لهما. 


والرد عليه: 


هذه الإلزامات مبنية على تصوير غير صحيح لمذهب أهل السنة، فأهل السنة لا يجعلون مطلق الخضوع حقيقة العبادة، ولا يقتصرون على الخضوع الظاهر مع الاعتقاد بالربوبية فقط، بل يحررون العبادة بضابطها الشرعي الدقيق. 


ولذلك ينبغي تقرير ثلاثة أصول قبل الجواب عن الإلزامات: 


الأصل الأول: وسأخصه في بيان حقيقة غاية الخضوع التي بها تتحقق العبادة عند أهل السنة 


ليس كل ذلٍّ عبادة، ولا كل خضوع وإن عظمت صورته: يكون عبادة. 

والخطأ الذي وقع فيه العوني أنه تصوّر غاية الخضوع على أنها مجرد التذلل الظاهر في أعلى درجاته، ثم ظن أن هذه الغاية الظاهرة متى وُجدت كانت عبادة بذاتها.

وهذا تصوير غير دقيق؛ فالخضوع المعتبر شرعًا هو الخضوع التعبدي (التأله) لا مجرد الذل الظاهر.

والتأله في اصطلاح السلف ليس مجرد الاعتقاد الذهني باستحقاق المعبود للعبادة، ولا مجرد إرادة القلب المجردة، وإنما هو حقيقة تعبد القلب للمألوه، المتضمنة لكمال المحبة وكمال الذل والانقياد له. 


وبهذا الأصل يُفرَّق بين نوعين من الخضوع:

١. الخضوع التعبدي: وهو الخضوع الذي تحقق فيه التأله بحقيقته المتقدمة، وهذا لا يكون إلا لله وحده.

٢. الخضوع غير التعبدي: وهو الذي مهما بلغت صورته الظاهرة من الشدة لم يتحقق فيه التأله، سواء كان مشروعًا كبر الوالدين، أو جبليًا كذل المقهور. 


الأصل الثاني: وسأخصه في بيان أن العبادة أعمّ من صورة الخضوع الظاهر 


العبادة عند أهل السنة هي: كل ما شرعه الله على جهة التعبد والتقرب إليه، سواء ظهر فيه خضوع بدني أم لم يظهر، وأما باعتبار أفرادها الشرعية فكما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية، اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. 

فمدار العبادة على كون الفعل مشروعًا على جهة التعبد، مقصودًا به التقرب إلى الله، لا على مجرد ظهور هيئة الذل البدني. 


ولا بد هنا من التفريق بين حقيقة العبادة وطريق الحكم على الأفعال؛ فحقيقة العبادة عند أهل السنة هي التأله لله، وهو بعينه ما يُعبَّر عنه بغاية الذل مع غاية المحبة

وأما الحكم بالشرك فيتعلق بالفعل الذي جعله الشرع عبادة مختصة بالله كالسجود والدعاء والذبح والنذر إذا صُرف لغيره، ولو لم يستحضر الفاعل التفصيلي لمعنى التأله، كمن سجد لصنم تقليدًا لآبائه.


الأصل الثالث: وسأخصه في بيان طريق معرفة تحقق العبادة في الأفعال الظاهرة 


لا يلزم من كون التأله أصلا في حقيقة العبادة أن يُشترط إقامة الدليل على وجوده الباطن في كل معين؛ فإن الشرع جعل أفعالا معينة من خصائص العبادة، كالسجود والدعاء والذبح والنذر، فالحكم عليها يكون بجنس الفعل الذي جعله الشرع عبادة، لا بتفتيش ما في القلوب. 


وهذا هو الذي يميز مذهب أهل السنة عن مسالك المرجئة الذين يردون أحكام الظاهر إلى مجرد الاعتقاد الباطن. 


وأما ما لم يجعله الشرع شعارًا خاصًا للتأله من صور الذل والخضوع العام  كذل المقهور وبر الولد فمرجعه إلى القرائن الظاهرة الدالة عرفًا وسياقًا على اقتران الفعل بالتأله أو عدمه، لا إلى مجرد الصورة الحسية للفعل. 


نعود إلى الجواب عن الإلزامات: 


الإلزام الأول (الذل للطاغية):

هذا الإلزام مبني على تسوية باطلة من العوني بين الذل التعبدي وذل المقهور، مصدرها ظنه أن غاية الخضوع الظاهر هي غاية الخضوع المعتبرة شرعًا، وقد تقرر في الأصل الأول أن ذل المقهور وإن بلغ في صورته الظاهرة أقصى مبالغ التذلل، كتقبيل القدمين إلا أنه لم يبلغ حقيقة التأله؛ لأنه ذلٌّ صادر عن خوف من البطش لا عن تأله وتقرب. 


الإلزام الثاني (عدم وجود خضوع في الوضوء وغسل الجنابة):

هذا الإلزام من العوني يفترض أن كل عبادة لا بد أن تشتمل على هيئة خضوع بدني ظاهر، وهذا غير صحيح؛ فقد تقرر في الأصل الثاني أن العبادة أعم من ذلك؛ إذ مدارها على صدور الفعل ابتغاء التقرب إلى الله، لا على مجرد الصورة الحسية للذل. 

والوضوء من جنس ما حدد الشرع كونه عبادة؛ لأنه امتثال لأمر التطهر تقربا إلى الله، وإن لم يشتمل على هيئة الذل البدني الظاهرة، فعبادته تثبت بجنسه، لا بمجرد صورة الخضوع. 


الإلزام الثالث (ذل الولد لأبويه):

هذا الإلزام يجري على المنهج نفسه الذي بُني عليه الأول، فبر الولد بوالديه، وإن بلغ غاية الطاعة والإكرام في صورته الظاهرة، إلا أنه ذلٌّ ناشئ عن محبة فطرية وإحسان معلوم السبب كالتربية والرحمة، ولا يبلغ تعظيمًا من جنس التأله؛ فهو كذل المقهور لم يبلغ حقيقة التأله وإن بلغ الغاية في مظهره. 

والفارق ليس في مجرد وجود سبب الإحسان، فإحسان الله على عبده أعظم من إحسان الوالدين، وإنما استحق الله وحده التأله لكمال ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، ومن ذلك عموم إحسانه وإنعامه، 

بخلاف إحسان الوالدين المحدود الذي لا يبلغ هذه المرتبة أصلا،  ولو كان برهما تألهًا لهما لكانت طاعتهما مطلقة، كما أن مقتضى التأله لله يوجب تقديم طاعته على كل طاعة، فلما نهى الشرع عن طاعتهما في معصية الله علم أن برهما طاعة لله، لا عبادة لهما، قال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 15) 


ولا أدري كيف خفي على العوني أن هذه الإلزامات ساقطة من أصلها؛ لأنها مبنية على نسبة مقدمة إلى أهل السنة لا يقولون بها؛ إذ لا يصح إلزامهم بلازم مقدمة لا يلتزمونها. 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق