السبت، 5 سبتمبر 2026

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

ما أحوج طلبة العلم اليوم إلى تعلم تفاصيل عقيدة السلف، حتى لا تختلط عليهم المفاهيم، فيصبحوا في نهاية الأمر على مذهب المتكلمين وهم لا يشعرون.

يسأل بعض الإخوة: هل من فسر قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بـ قصد إلى السماء، كالبغوي وابن عثيمين وغيرهما، هو نفسه من فسره بأنه تعلقت إرادته سبحانه بخلق السماوات، كالزحيلي وغيره؟

وجوابي
قد يشكل هذا على من لم يدرك حقيقة مذهب أهل السنة في باب الصفات، ولم يحط بأصول مذهب الأشاعرة، فيحسب أن التعبيرين متساويان من جهة المعنى واللوازم العقدية، وليس الأمر كذلك، وهو جهل بحقيقة المذهبين.

فالتعبير بـالقصد إذا صدر من سني يراد به إثبات فعل اختياري يتعلق بمشيئة الله وقدرته، بخلاف التعبير بـتعلق الإرادة، فهو اصطلاح كلامي يفسر به حدوث الآثار وتجدد تخصيص الممكنات مع القول بقدم الإرادة، ونفي قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بذات الله تعالى على الوجه الذي يثبته أهل السنة.

فأي دارس لعقيدة السلف وعنده خلفية جيدة بمذهب الأشاعرة ولو قليلا سيقف طويلا عند لفظ #التعلق؛ إذ هذا التعبير يقوم على أصل كلامي كبير، وهو نفي حلول الحوادث بذات الله.

والمقصود هنا ليس مجرد لفظ التعلق من حيث هو لفظ، وإنما المقصود هو البناء الكلامي الذي يجعل تعلق الإرادة تفسيرا لإيجاد  المخلوقات، مع نفي أن يكون هناك فعل اختياري متجدد قائم بذات الله تعالى.

فمصطلح #التعلق هو أداة #الأشاعرة في تفريغ #الأفعال_الإلهية من حقيقتها، فالأفعال عند جمهورهم هي التعلق التنجيزي للإرادة والقدرة بالممكنات.
فهم لا يثبتون فعلا قائما بذات الله عز وجل، وإنما يجعلون الفعل هو عين المفعول البائن أو مجرد التعلق الحادث.
مع اختلاف بينهم في مسألة التكوين.

فأهل السنة كابن عثيمين رحمه الله وغيره ممن فسر "استوى إلى السماء" بـ"قصد إلى خلق السماء"، يثبتون فعلا حقيقيا لله قائما بذاته.
بينما من فسّر "استوى إلى السماء" بـ"تعلق الإرادة" لا يثبت فعلا قائما بذات الله، وإنما يرجع الأمر كله إلى مجرد تعلق صفة الإرادة بالسموات، مع كون الفعل هو عين المفعول.

وهذا الفرق بدهيّ عند أهل التخصص في هذا الباب، ولا يشكل عليهم.

والخطأ هنا في تفسير الاستواء مرتبط بكارثة عقدية نبهت عليها في مقالي السابق مما هو موجود في التفاسير الكلامية، وما انتخب منها في بعض التفاسير المعاصرة والمختصرات،

وهذه الكارثة لن يجدوا جوابا عنها يستقيم مع أصول أهل السنة
وهي في تفسيرهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بأن الإيجاد لا يكون بقول الله المتجدد الحقيقي، وإنما يكون بمجرد تعلق الإرادة والقدرة، بما يستلزم نفي أن الله يقول قولا متجددا متعلقا بمشيئته واختياره عند كل تكوين على الوجه الذي يثبته أهل السنة من الصفات الاختيارية. وبما يستلزم أيضا نفي فعل الخلق القائم بذات الله المتجدد.

فتخيل أن تجد تفاسير قديمة كتفسير البيضاوي الكلامي وتفسير الرازي وتفاسير معاصرة كتفسير طنطاوي وغيره
تتداول بين الناس تقول بأن إيجاد المخلوقات يكون فقط بتعلق القدرة والإرادة، وليس بقوله كن عند كل تكوين،
هذه هي حقيقة مذهب جمهور الأشاعرة في أفعال الله سبحانه، فهم لا ينفون لفظ "كن"، وإنما يؤولونه إما بكونه تمثيلا لسرعة نفاذ القدرة والإرادة دون امتناع، أو بكونه تعلقا للكلام النفسي الأزلي، نافين بذٰلك صفة القول المتجدد الحقيقي بصوت وحرف بحسب مشيئته سبحانه واختياره عند كل تكوين.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/09/blog-post_05.html


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق