تفكيك دعوى التلازم بين إثبات الوجه واليد وإثبات الأعضاء والجسمية
زعم أحد #الأشاعرة في منشور له على الفيس أن الخلاف في إثبات اليد والوجه لله تعالى يرجع إلى كيفية تصور حقيقة الذات الإلهية ولوازم إثبات الصفات لها؛ فإن تصورت ذات متحيزة ذات حجم، لزم أن تكون اليد والوجه أعضاء مركبة منها، وإن تصورت ذات غير متحيزة، أمكن إثباتهما صفتين قائمتين بالذات على وجه التأويل أو التفويض.
ومكمن الإشكال في هذا الاستدلال أن صاحبه المعطل جعل الصورة المشاهدة في الأعيان المخلوقة قيدا ذاتيا في مدلول اللفظ اللغوي، فظن أن لفظ اليد مثلا لا يدل إلا على عضو لحمي مركب قابل للانفكاك والتجزئة،
ومعلوم أن هذا انتقال غير مبرهن من أصل المعنى اللغوي إلى كيفية الشاهد المخلوق.
وبهذا يكون قد جعل تصوره الخاص لمعنى الصفة حاكما على دلالة النصوص، بدلا من أن يعرض تصوره على دلالتها.
قال ابن الزاغوني في الإيضاح: (فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي ولم يعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوا وجارحة ذات كمية وكيفية، فهذا لا يلزم من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه..)
فمرد الخطأ هنا عند الأشعري المعطل للصفات الذاتية الخبرية هو عدم التفريق بين أصل المعنى الذي يدل عليه اللفظ، وبين حقيقة الصفة في الخارج وكيفيتها؛ فإن الاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم التماثل في الحقيقة والكيفية، كما أن ثبوت معنى في حق المخلوق مقترنا بخصائص مخلوقة لا يقتضي أن تكون تلك الخصائص لازمة له في حق الخالق سبحانه.
والغريب أن الأشعري نفسه يثبت لله تعالى الذات والعلم والحياة والسمع والبصر، من غير أن يجعل مجرد اقتران هذه المعاني في المخلوق بخصائص الأجسام المخلوقة دليلا على امتناع ثبوتها لله، ثم يخص اليد والوجه بهذا الاعتراض، مع أن محل النزاع هو ثبوت الصفة وما يزعم أنه لازم لها، لا مجرد اقترانها في الشاهد بخصائص المخلوقين.
وبهذا يظهر أن نفي الصفات الثابتة بالنصوص لمجرد توهم لزوم خصائص المخلوق لها هو تعطيل لها، وإن أثبت النافي غيرها من الصفات؛ إذ لا يكفي في التفريق بين الصفات إثبات بعضها ونفي بعضها الآخر، بل لا بد من دليل يبين وجه التفريق.
وأما زعم بعضهم أن مذهب أهل الحديث والسلف هو إثبات صفات أعيان تتألف منها الذات الإلهية، وأن المعطل عندهم هو من ينفي هذا التأليف، فلم يقل أحد من السلف إن الذات مركبة من أعيان مؤلفة، وإنما نصوصهم صريحة في نفي الحد والكيف والتشبيه، وتصوير مذهبهم بالمصطلحات الفلسفية الكلامية كالتركيب والتأليف جناية على مقالتهم وإلزام لهم بما تبرؤوا منه صراحة.
كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق