الرد على #عبد_الله_الخليفي
(لولا شفقتي على أتباعه الصغار وحبي في الله لإخواني في سوريا والجزائر ما اشتغلت بالرد عليه، فلا يعرف بشيء في فنون العلم الشرعي)
أرسل إليّ أحد أتباع عبد الله الخليفي مقطعا له في الرد على مقالي الأخير حول إطلاق السلف وصف صاحب سنة على من فيه بدعة، وقد بدعني فيه، وأما تكفيري فمحل بحث عنده، فيمكن أن يكفرني بعد البحث عينا..
جرأة غريبة!!
والخليفي فيما يظهر أنه لا يحسن فهم المقالات التي تكشف غلوه، فضلا عن أن يحسن فهم إطلاقات السلف ومناطات كلامهم، ومن لا بضاعة له في أصول الفقه ومقاصد الشريعة كيف له أن يفهم حقيقة الإطلاق ومقييداته ابشرعية؟!!
المقال الذي يرد عليه الخليفي بينتُ فيه بوضوح أن وصف صاحب سنة قد يجتمع في كلام المتقدمين مع إثبات مخالفة بدعية في الشخص المعين، ونصصت بصريح العبارة أن هذا لا يعني التسوية بين جميع البدع، ولا أن كل مبتدع يسمى سنيا.
فما الذي أفهمه الخليفي أتباعه ومحبيه؟
أفهمهم أني أسوي بين البدع كلها، حيث يقول: "قد يجتمعان: يكون الإنسان مرجئا ومن أهل السنة، شيعيا ومن أهل السنة، وعلى قياسه قدريا ومن أهل السنة، وأشعريا ومن أهل السنة"،
ويقول واصفًا مقالي: "أقام هذا المقال على قياس بشر المريسي، وهو أن الخلاف في القدر والإيمان ومسائل التفضيل كالخلاف في مسائل الصفات".
مع أني قلت في المقال بصريح العبارة: "فالآثار حجة على أصل إمكان الجمع بين إطلاق صاحب سنة ووجود بدعة في المعين، وليست حجة على التسوية بين جميع أنواع البدع في هذا الحكم، ولا على كل معين"
فلا أدري ما الذي اضطره لهذا الخلط؟ والعجيب أنه مع طعنه في الدكاترة بأنهم أصحاب مذكرات، وتبديعه لي، وتلميحه بأني ربما أُكفَّر، لم يستطع أن ينقض محل الدعوى، وإنما ناقش دعوى أخرى لم أقل بها أصلا في هذا المقال.
وحتى أوضح للقارئ الكريم ولأتباعه، أقول: محل النزاع ليس: هل كل مرجئ سني؟ وهل كل أشعري سني؟ وهل كل من وقع في مخالفة أصل فإنه بطلق عليه صاحب سنة؟ ولا محل النزاع في التسوية بين بدعة إرجاء الفقهاء وبدعة الأشاعرة، هذا كله من تخبطاته
وإنما محل النزاع: هل دل كلام أئمة السلف واستعمالاتهم على أن الشخص المعين قد يوصف بأنه صاحب سنة مع إثبات مخالفة بدعية فيه؟ أو لابد أن تجتمع فيه خصال السنة كلها حتى يوصف بأنه صاحب سنة؟!!
فأتى الخليفي بدعاوى أخرى وأصبح يرد عليها، وهي التي أشار إليها بسؤاله الاستنكاري: متى يكون الإنسان مرجئا مبتدعا، ومتى يكون مرجئا سنيا؟
فكأن الفكرة التي يريد إيصالها لأتباعه أني أقول: كل من وقع في بدعة فهو سني، وأن بدع الجهمية والمرجئة والقدرية والأشاعرة في رتبة واحد،. وأنا لا أقول بهذا.
ما هي الدعوى محل البحث ؟
الدعوى التي أقول بها: وصف صاحب سنة عند المتقدمين قد يثبت للشخص مع وجود مخالفة بدعية فيه، فلا يلزم من ثبوت المخالفة نفي وصف السنة عنه من كل وجه.
فإذا أراد المعترض إبطال هذه الدعوى، فعليه أن يجيب عن الآثار على محل دلالتها، لا أن يرد على قاعدة أوسع لم أدّعها.
ومن قال: قد يوجد في السني بدعة جزئية لا تخرجه عن كونه صاحب سنة: لا يلزمه أن يقول: كل مبتدع سني.
(تنبيه: الأصل من أصول أهل السنة لا يجب أن يكون كليا أو بابا كاملا. وإنما قد يكون جزئية بعينها باعتبار اشتهار المخالفة فيها)
ومن قال: قد يجتمع في المعين وصف السنة ووصف المخالفة من جهتين مختلفتين: لا يلزمه القول بتساوي السنة والبدعة في المعين من كل وجه، ولا تساوي البدع في أنفسها.
وأما قوله: متى يكون الإنسان مرجئا مبتدعا ويكون مرجئا سنيا؟
فجوابه:
مقالات مرجئة الفقهاء مقالات تخالف أصول أهل السنة وإن كانت أخف من مقالات المتكلمين، ومع ذلك ليس كل من ثبتت فيه مقالة من مقالات إرجاء الفقهاء يكون مرجئا بمعنى مبتدع، وإنما قد يكون مرجئا بمعنى وقع في بدعة الإرجاء، ولا يلزم من الوقوع: الإخراج من دائرة أهل السنة.
وهذه ليست دعوى مستحدثة، فابن تيمية يقول عن المرجئة: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة، حتى تغلّظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة"
فإن كان هذا الكلام مقبولا عند المعترض، فقد انتهى أصل النزاع، وإن أراد رده، فعليه أن يرد كلام ابن تيمية نفسه ويجعل الخصومة معه؛ لأن كلامه يتضمن: طوائف دخلت في قول المرجئة، وليست مجرد موافقة عابرة، ومع ذلك كانوا يعدون من أهل السنة، ثم تغلّظ الأمر عليهم على مراتب، مع العلم أن شيخ الإسلام يُبدّع فرقة المرجئة كفرقة قائمة بذاتها.
فتبين أن الدخول في بعض قول طائفة بدعية كالمرجئة لا يستلزم مباشرة سلب وصف السنة عنه من كل وجه.
إلا أن #الخليفي له رأي آخر، حيث يقول: "أما أمثال أبي حنيفة وأصحابه فهؤلاء لا يُقال فيهم إرجاء، بل هم المرجئة الذين أصلا يُقاس عليهم".
وإقحامه لأبي حنيفة وأصحابه في هذا الموضع لا يغير محل النزاع؛ لأن البحث ليس في الحكم التفصيلي على أبي حنيفة الذي نعتقد سنيته، وإنما في القاعدة التي يقررها الخليفي: هل مجرد الدخول في قول المرجئة يستلزم خروج المعين من السنة؟
وكلام ابن تيمية صريح في أن طوائف من أهل الفقه دخلوا في قول المرجئة مع بقائهم معدودين من أهل السنة.
ومادام أن ابن تيمية يعد طوائف من أهل الفقه ممن أخذوا بمذهب مرجئة الفقهاء من أهل السنة، فننتظر من #الخليفي وجماعنه أن يعلنوها صراحة أن ابن تيمية مبتدع؛ لأنه يدافع عن المبتدعة، كما بدعني وبدع غيري، وقد قال هو بنفسه: "أما مسألة أنك دخلت في حيّز الابتداع، هذه ما فيها نقاش... أنت خرجت من السنة، هذه لا نقاش فيها"، فليُطبّق هذا الإلزام على ابن تيمية نفسه إن كان مطردا عنده.
مناقشة الآثار الثلاثة
الأثر الأول: قلت في مقالي السابق: قال أبو داود السجستاني في ورقاء بن عمر: "صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء". وهذا من أوضح الآثار؛ إذ جمع أبو داود في وصف واحد بين إثبات كونه صاحب سنة والإخبار عن وجود الإرجاء فيه، فلم يقل: "ليس بسلفي، بل هو مرجئ"، ولا: "ليس بسلفي لكنه كذا وكذا".
وقد نقله غير واحد من العلماء...
قال الخليفي معترضا: فلو فرضنا أن هذه الرواية ثابتة، فيكون ورقاء قد وقع في موافقة المرجئة في بعض مقالتهم.
والرد عليه:إن ما فرضه جوابا هو نفسه محل النزاع!
فلم أقل: "ورقاء من المرجئة من كل وجه"، ولم أقل: "كل المرجئة من أهل السنة"، وإنما استدللت بقول أبي داود لأثبت إمكان اجتماع الوصفين في الشخص المعين.
فقول الخليفي "قد وقع في موافقة المرجئة في بعض مقالتهم" إقرار.منه بأن وقوع ورقاء في بعض مقالات المرجئة لم يمنع أبا داود من وصفه بأنه صاحب سنة، وهذا عين المطلوب.
وكون أبي داود جمع بين "صاحب سنة" و"فيه إرجاء" لا يعني أن أبا داود جعل الإرجاء من السنة، ولا أن كل مرجئ سني، وإنما يعني أن وجود هذه المخالفة لم يمنعه من إطلاق وصف صاحب سنة عليه، والتفريق بين "فيه إرجاء" و"هو مرجئ" هو عين التفريق بين الوقوع في المقالة والانتساب التصنيفي إلى الطائفة.
أما قول الخليفي إن الإرجاء عدة مقالات (إخراج العمل من مسمى الإيمان، وعدم الزيادة والنقصان وعدم الاستثناء): فصحيح، لكن لما كان الإرجاء جنسا تحته صور متعددة، فقول أبي داود "فيه إرجاء" لا يحدد وحده أي مقالة، ولا درجتها، لكن يبقى أن في الرجل نسبة إلى مقالة من مقالات الإرجاء المبتدعة، وأن أبا داود مع إثباته هذه النسبة لم يمنعه ذلك من وصفه بأنه صاحب سنة، وهذا هو القدر الذي يهمنا في أصل الاستدلال.
وأما استدلاله بأثر مسعر بن كدام أن الإمام أحمد قال: "أرجو أن لا يكونوا مرجئة"، ولم يقل: "هو مرجئ" فهذا يدل على التفريق نفسه، فالرجل يقول قول أهل السنة في الإيمان إلا أنه خالف في الاستثناء، فهل جعله أحمد مرجئا مباشرة؟
لم يفعل، وإنما قال بصيغة الرجاء المتحفظة، وهذا يدل على أن الموافقة الجزئية لمقالة طائفة لا تستلزم بمجردها الانتساب إليها.
ومن أخطر ما في رده قوله: "من قال كذا فهو جهمي، وجهمي تساوي كافر"، وقوله: "مرجئ تساوي مبتدع، كقولك يهودي ونصراني تساوي كافر".
والرد عليه من وجهين:
الوجه الأول: عبارات السلف في التغليظ على الجهمية لها سياقاتها، وليس كل من وافق الجهمية في مسألة واحدة فهو جهمي من كل وجه؛ إذ لا يلزم من الاشتراك في وصف جزئي الاشتراك في جميع الأوصاف المقومة للماهية أو الطائفة.
فإذا قال السلف: "من قال كذا فهو جهمي"، فهذا يحتمل أن يكون حكما على المقالة بأنها من مقالات الجهمية، أو حكمًا على قائلها بحسب حاله بأنه دخل في مسمى الجهمية في هذا الباب بعينه؛ لكن لا يجوز نقل هذا إلى قاعدة كلية لم يقل بها أحد: "من وافق الجهمية في أي جزئية فهو جهمي، وجهمي تساوي كافر".
الوجه الثاني، وهو الفيصل في هذا القياس: قياسه مرجئ بـيهودي ونصراني قياس فاسد من أصله؛ لأن الكفر الذي يلزم من وصف يهودي أو نصراني قائم.على نصوص قطعية مجمع عليها في تكفير أصحاب هذين الوصفين، فلا يحتاج إطلاقهما إلى نظر أو تفصيل، أما لفظ مرجئ فهو وصف اجتهادي، لا نص قطعي فيه بالتكفير، بل ولا بالتبديع الشامل بذاته، وتندرج تحته صور متفاوتة الحكم، فقياس ما لا نص قطعي فيه ولا إجماع على ما اجتمعت الأمة على تكفير أصحابه: قياس مع الفارق المؤثر.
وأما قوله: "من قال كذا وكذا فهو مرجئ، والمرجئ مبتدع" فخطأ ظاهر؛ لأن مدلول مرجئ ليس واحدا في كلام جميع السلف، فألفاظ الأئمة ليست قوالب رياضية ثابتة لا تتغير دلالتها بالسياق.
الأثر الثاني: قلت: نقل ابن الجنيد عن يحيى بن معين في بيان اصطلاح أبي نعيم الفضل بن دكين: "إذا أثنى على رجل فقال: هو جيد، فهو شيعي، وإذا قال عنه: كان مرجئًا، فهو صاحب سنة لا بأس به". وهذا الأثر يدل على أن كون الرجل عند أبي نعيم فيه إرجاء لم يكن مانعا من إبقائه في دائرة صاحب السنة.
قال الخليفي: إن أبا نعيم شيعي معروف، وإنه يُطلق مرجئ على من قدم عثمان على علي.
والرد عليه: أثر أبي نعيم لا يصح إسقاطه بمجرد القول إن أبا نعيم كان شيعيا، ولا بمجرد حمله على نوع من الإرجاء غير مشهور، فالذهبي لم يفهم من كلمة مرجئ إلا المعنى العقدي المعروف، ولذا علق عليه بقوله: ( هذا قول دال على أن يحيى كان يميل الى الارجاء، وهو خير من القدر بكثير). [ميزان الاعتدال (٣/ ٣٤٩)].
ولا شك أن حمل كلام ابن معين على أن مقصوده بالمرجئ من وقع في الإرجاء أولى من حمله على أن ابن معين كان بميل إلى الإرجاء
ومع أن الذهبي يحتمل هذا الاحتمال إلا أنه لم يخرج ابن معين من دائرة أهل السنة.
وعلى كل حال لا يلزم من كلام ابن معين أن يكون مائلا إلى الإرجاء؛ إذ الكلام محتمل، وقد ذكر ابن الوزير احتمالًا آخر في تفسيره.
فقد استدرك في إيثار الحق ص 368 على الذهبي بقوله:( قلت وَهُوَ يحْتَمل ان ابْن معِين يَعْنِي أَن الْفضل كَانَ يُسَمِّي الرَّجَاء ارجاء تحاملا على أهل السّنة أَو عدم معرفَة بِالْفرقِ بَينهمَا كَمَا هُوَ عمل كثير من الْمُتَأَخِّرين)
الأثر الثالث: قلت: قال العجلي في الحكم بن عتيبة: "كان صاحب سنة وأتباع"، ثم قال: "وكان فيه تشيع". فهذا شاهد آخر على إمكان اجتماع وصف صاحب سنة مع إثبات مخالفة معينة في الشخص نفسه.
قال الخليفي: إن التشيع اليسير (تقديم علي على عثمان) كان شائعا في زمن الحكم بن عتيبة في الكوفة، فتُسومح معهم فيه.
والرد عليه: كون لتشيع مراتب صحيحا، لكن الذي لا يستطيع الخليفي دفعه أن العجلي جمع في ترجمة الرجل الواحد بين وصفه بصاحب السنة وإثبات التشيع فيه، وهذا هو أصل الاستدلال، وهو باق على التقديرين: فإن قال الخليفي: إن التشيع المذكور هنا كان مما يُتسامح فيه، أو لم يكن مانعا من إطلاق وصف السنة في ذلك السياق، فهذا لا يهدم الاستدلال، بل يثبت أن وصف صاحب سنة لا يستلزم انتفاء كل مخالفة أو نسبة عقدية عن المعين.
وإن قال: بل كان بدعة، لكنه من البدع الخفيفة، فقد أقر بأن وجود المخالفة البدعية لا يستلزم في كل صورة سلب وصف السنة عن المعين.
وأما قول الإمام أحمد: «هذا الآن شديد»، فلا يدل بمجرده على أن كل من قال بهذه المقالة يُبدّع عينا على كل حال، وإنما يدل على اشتداد حكم هذه المقالة في ذلك السياق، ولا يصح جعله ناقضا لأصل إمكان اجتماع وصف السنة مع وجود مخالفة معينة في المعين.
ومما سبق يتضح أنه ليس النزاع في أن كل مبتدع سني، ولا في أن كل بدعة لا تؤثر، وإنما النزاع في دعوى التلازم: هل كل من ثبتت فيه مخالفة بدعية لزمه أن يسلب عنه وصف صاحب سنة؟
والآثار المذكورة تدل على عدم هذا التلازم، فمن أراد نقضها فعليه أن يثبت أن المخالفات المذكورة لم تكن بدعا في حق أولئك الأعيان، أو أن وصف صاحب سنة في تلك النصوص لم يكن يراد به الوصف العقدي محل النزاع.
أما مجرد القول بأن البدع متفاوتة، أو أن الموافقة الجزئية لا تستلزم الانتساب إلى الطائفة، فلا ينقض أصل الدعوى.
فإن قيل: فهمنا هذا في موافقة فبعض مقالات بدعتي الإرجاء واتشيع القديم، فكيف بالموافقة في بعض مقالات الأشاعرة؟
قيل: مناط تبديع المعين ليس مجرد الوقوع في المخالفة، ولا في ظهور المخالفة أو عدم ظهورها؛ لأن الظهور وعدم الظهور أمر نسبي، وإنما في مناط تبديع المعين الذي ثبت له أصل السنة وينطلق فيما يظن أنه موافقة للكتاب والسنة لا خلافها لابد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهذا عام لم يقصره أحد من المحققين على المخففة دون المغلظة.
وابن تيمية نفسه طبّقها في مسألة إنكار صفة العجب في قصة القاضي شريح، فلم يُخرجه من الإمامة رغم أن إنكار الصفة من جنس ما تبنى عليه بدعة التعطيل المغلظة.
وطبق ابن تيمية هذه الآلية نفسها على ابن خزيمة رغم موافقته للجهمية في إرجاع الضمير إلى آدم في حديث الصورة، بل مع تنصيص الإمام أحمد وإسحاق على أن من أرجع الضمير إلى آدم فهو مبتدع، فلم يُخرجه شيخ الإسلام من زمرة أهل السنة
فالمعيار الحقيقي إذن ليس هل المسألة مغلظة أو مخففة؟ بمعزل عن كل اعتبار، مع أن غلظة المسألة نفسها ترفع سقف ما يقبل كعذر، فلا يُقبل فيها من ضروب التأويل ما يُقبل في غيرها مما هو أخف منها.
فإن قيل: هل تسوي في العذر بين إنكار العلو وعدم زيادة الإيمان ونقصانه؟
قيل: لا أسوي بينهما، فوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة، وتواترها، أعظم من وضوح مسألة الزيادة والنقصان، لكن ذلك لا يجعلنا نلغي الإعذار بالكلية، وإنما يجعل شروط العذر أضيق، فإنكار العلو عند متأخري الأشاعرة قائم على أصل كلامي وهو تقديم القواطع العقلية على ظواهر النصوص، وهذا الأصل بعينه هو علة التبديع المباشرة، لا مجرد النتيجة، لكن بقيد أن يعلم المعين أنه ينطلق منه.
فالذي غلظ فهمه على الخليفي وأتباعه أن تجويز اجتماع الوصفين في إرجاء الفقهاء لا يستلزم تجويزه بنفس السهولة في إنكار العلو، لا لتناقض في الأصل، وإنما لتفاوت تحقق الشروط والموانع المعتبرة بين البابين.
وقد تناقض الخليفي مع نفسه، فالموطن الذي ينقض فيه الخليفي أصل موقفه بيده، ولم يتنبه له: قوله في ختام كلامه : "ألفاظ التعديل منها ألفاظ تطلق ومنها ألفاظ تقيد... فقد يقول إنسان: فلان من فقهاء الحديث، يقصد أنه ليس من أهل الرأي، ولا يقصد تفكيك عقيدته"
والكلام يطول، وهناك ملحوظات أخرى على مقطعه الصوتي ...
كتب الدكتور أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق