هل تعد دورة المسجد النبوي من الاحتفال بالمولد؟
استشكل بعض الإخوة الدورة المعلن عنها في المسجد النبوي والتي عنونت بالدورة العلمية الأولى في السيرة النبوية وموعدها من 5-22ربيع الأول
ألا يعد هذا من الاحتفال بالمولد النبوي؟
وقبل الجواب عن هذا الاستشكال نسأل أسئلة يتضح بها البيان وهي:
هل هذه الدورة تقام على أنها مظهر من مظاهر الاحتفال بالمولد وتعظيم الشهر أو هو نشاط تعليمي وقع في هذا التوقيت لأسباب إدارية لا علاقة لها بتعظيم الزمن نفسه؟
هل صرحت الجهة المنظمة بأنها لإحياء ذكرى المولد؟ هل اختير الشهر لخصوصية المولد أو لجدول دراسي؟
مجرد وقوع نشاط تعليمي في هذا الشهر لا يدل بذاته على تعظيم الشهر أو إحيائه
ولا يكفي الاشتراك في الزمن والموضوع لإثبات اتحاد الحكم؛ إذ لا بد من ثبوت القصد الذي به ينتقل النشاط من كونه درسا في السيرة إلى كونه احتفالا بذكرى المولد.
فتنظيم دورات ومحاضرات عن السيرة في شهر ربيع الأول له صورتان مختلفتان تماما في الحكم، وخلط الصوفية بينهما هو أصل الإشكال في استدلالهم:
الصورة الأولى: أن تضع مؤسسة تعليمية أو مركز دعوي خطة سنوية لتغطية موضوعات متنوعة (فقه، عقيدة، سيرة، تفسير...) فتقع موضوعات السيرة ضمن هذه الخطة في ربيع الأول لمجرد كونه ترتيبا إداريا..فهنا لا يوجد قصد لتعظيم الشهر ذاته بشعيرة أو عيد أو معنى ديني مخصوص أو اتخاذه مناسبة دينية
لاسيما وأن القائمين على هذه الدورات يرون بدعية الاحتفال بالمولد النبوي، فكيف يقال إنهم خصصوا هذا الوقت تعظيما للشهر وإحياء لذكرى المولد؟!!
الصورة الثانية: أن يُقصد الشهر بعينه، فتُقام فيه المحاضرات والدورات بقصد إحياء ذكرى الميلاد، وتتكرر سنويا بنفس الشهر لنفس القصد، ويصر على وقوعها فيه تحديدا؛ لأن معناها مرتبط بكونه شهر المولد.
فهذه الصورة هي الممنوعة والتي تدخل في البدعة في الدين؛ لأن خصوصية الشهر أصبحت سببا مقصودا لإنشاء النشاط، لا مجرد ظرف لوقوعه.
فإذا أُنشئ النشاط ابتداء لاتخاذ ذكرى المولد مناسبة دينية مخصوصة في زمن معين، فهنا انتقل من مجرد درس في السيرة إلى إنشاء مناسبة لها وصف ديني مستقل
وهذا يختلف عن نشاط تعليمي مستقل عن مناسبة المولد، وإن وافق وقوعه شهر ربيع الأول دون أن يقصد به أصلا إحياء ذكرى المولد أو تخصيص الشهر بالتعظيم.
ومن القرائن المهمة في معرفة القصد: هل كان اختيار الشهر لخصوصه سببا مقصودا في إنشاء النشاط، أو أن اختياره مجرد ظرف تنظيمي؟
إن كان الجواب نعم يمكن نقله عن زمنه، بحيث إنه لا فرق أن تقام دورة السيرة في ربيع الأول أو في أي شهر آخر كان ذلك قرينة قوية على أن اختيار الشهر تنظيمي لا مقصود لخصوصه، ولا علاقة له بتعظيم الشهر لذاته..
وإن كان الجواب لا، بحيث يكون الشهر متعينا مقصودا؛ لأن المقصود إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم في شهر بعينه، فلا معنى لنقله عن هذا الشهر
فهذا هو عين ما بني عليه حكم المنع؛ لأن خصوصية الشهر أصبحت سببا مقصودا لإنشاء النشاط وتكراره لا ظرفا عارضا.
وبتطبيق هذا الضابط على الدورة العلمية: لم يظهر من إعلان الدورة اسم يُضيفها إلى المولد أو الاحتفال، ولا اقترنت بمظاهر احتفالية، وإنما جاءت بصيغة الدورة العلمية المتخصصة ضمن برنامج تعليمي، فهذه القرائن الظاهرة ترجّح كونها من الصورة الأولى.
فإن قيل: حتى لو لم يسموها مولدا، لماذا اختاروا السيرة تحديدا في ربيع الأول؟
قيل: اختيار موضوع السيرة في شهر ربيع الأول من الأفعال المحتملة ولا يثبت وحده قصد الاحتفال بالمولد، كما أن اختيار موضوع فقهي في شهر معين لا يجعله شعيرة لذلك الشهر؛ وإنما العبرة بسبب التخصيص والقرائن الدالة على القصد.
فلو ثبت أن اختيار السيرة كان بسبب كون ربيع الأول شهر المولد، وأن المقصود من ذلك إحياء ذكرى المولد واتخاذ الشهر مناسبة دينية مخصوصة دخل ذلك في الصورة الثانية محل المنع.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه الدورة وما أنكرته على د #سعيد_الكملي ما سئل عن #الاحتفال_بالمولد، فقال: (نقول: ما موضوع الاحتفال؟ وبأي شيء يُحتفل؟
فإذا كان الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم بأن تُدرس سيرته، ويُذكَّر بأيامه، ... فهذا احتفال حسن.
وأما إذا كان الاحتفال مشتملًا على ما يسخطه صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يُحتفل بالنبي صلى الله عليه وسلم بما يبغضه).
قيل: الفرق واضح، فكلام الكملي منصب على تجويز الاحتفال عبر تحسين محتواه، فجعل تدريس السيرة من باب إحياء ذكرى المولد وتخصيص الشهر بالتعظيم ...
فهو يجعل الاحتفال بذكرى المولد أصلا ثابتا، ثم يبحث في محتواه: هل هو حسن أم سيئ؟
أما دورة المسجد النبوي فلا يظهر من عنوانها أو إعلانها أو وصفها ما يدل على أن المقصود منها إحياء ذكرى المولد، وإنما هي دورة علمية، ونشاط تعليمي شهر ربيع الاول ظرف له.
وفي الرد على د. #سعيد_الكملي أقول:
محل المنع في الاحتفال بالمولد ليس نوع المادة المقدمة فيه، وإنما إنشاء مناسبة دينية مرتبطة بذكرى المولد وتخصيص زمن لها باعتبارها مناسبة مخصوصة
ويكون التكرار السنوي من القرائن الدالة على هذا القصد.
فالاحتفال بالمولد ليس مجرد نشاط يقع في هذا الشهر، وإنما هو نشاط أُنشئ ابتداء لإحياء ذكرى المولد واتخاذها مناسبة دينية مخصوصة،.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق