فقه كلام السلف في التبديع
ما صحة عبارة (فلان وافق الخوارج لكنه ليس خارجيا مبتدعا) (وافق فلان الأشاعرة لكنه ليس أشعريا مبتدعا) ؟
لا نستطيع الحكم بصحة العبارة أو عدم صحتها إلا بعد النظر في حقيقة الموافقة
فالموافقة لفظ مجمل لا يجوز تنزيله على حكم واحد حتى يُنظر في متعلَّق الموافقة نفسها، لا في مجرد وقوعها.
تنقسم الموافقة إلى أربعة أقسام بحسب اختلاف هذا المتعلَّق:
1-الموافقة في المنظومة الاستدلالية ذاتها على وجه يتحقق فيها علم المعين بمخالفتها للكتاب والسنة بحيث يكون تعطيل النص عند التعارض وتقديم العقل عليه هو أصل طريقته في التلقي، لا مجرد نتيجة عرضت له في مسألة بعينها.
فهذا يكون مبتدعا، ويدخل في ذلك الجويني والرازي والآمدي ووو
2-الموافقة التفصيلية في جملة المذهب، بأن يأخذ المعين بمذهبهم على وجه التفصيل والاطراد، بحيث تتسق عنده جميع فروع المذهب اتساق من يتبنى المنظومة كاملة، فهذا أيضا يكون مبتدعا عينا، فلا بتصور الانفكاك بين الأخذ،بجميع فروع المذهب العقدي المبتده واطراد المنظومة الاستدلالية البدعية، لكن يمكن إدراك الانفكاك في الأخذ ببعض فروع المذهب وعدم الاطراد.
3-الموافقة الجزئية في مذهبهم غير المطردة
كأن يوافق في تأويل جملة من الصفات لا على سبيل الموافقة الكلية لهم في المذهب
وهذا القسم بين احتمالين في حكم المعين:
الأول: أن ينطلق من نفس المنظومة البدعية مع علمه أنه يقدّم الدليل العقلي أو الذوقي على الدليل الشرعي، فهذا مبتدع؛ لتحقق العلة وهي علمه بمخالفة مصدر تلقيه للكتاب والسنة، وإن قلّت مسائله الموافقة.
الثاني: أن ينطلق مما ظنه موافقا للدليل الشرعي نفسه، فلا يكون منطلقه في ظنه من العقل أو الذوق أصلا، وإنما ينطلق من تعظيم النص والاعتماد عليه، فهذا لا يُبدَّع مباشرة؛ لتخلف العلة، وإن وافقت نتيجته نتيجة أهل الكلام، ولو انتسب إلى الأشعرية
فالحكم على الفرقة بالبدعة لا يستلزم تنزيل حكمها على كل معين وافقها في بعض أقوالها أو انتسب إليها
وكون المخالف متبعا للنص في ظنه لا يمنع من وصف القول بالخطأ أو البدعة، وإنما يمنع من التسرع في تنزيل حكم التبديع على عينه قبل النظر في حاله وقيام الحجة وانتفاء الموانع.
4- الموافقة في مسألة واحدة عن نظر في دليل شرعي بعينه كحال ابن خزيمة في حديث الصورة؛ فموافقته لم تصدر عن تقديم كلامي، ولا عن اطراد مذهبي، وإنما عن فهم ظنه هو مقتضى النص، وهذا لا يستلزم تبديع المعين بمجرد هذه الموافقة، وإنما ينظر في حاله، وما قامت عليه الحجة فيه، وما يعترض ذلك من الشبه والموانع.
وبهذا يمكن أن نفهم لماذا لم يبدع الأئمة ابن خزيمة، ولم يبدع علماؤنا النووي وابن حجر ولا كثيرا من شراح الحديث والمفسرين...
فهؤلاء العلماء وقعت منهم موافقات غير مطردة لأهل الكلام إلاأنها صدرت عن تعظيم النص الشرعي لا عن تقديم علم الكلام عليه، فتخلفت علة التبديع المباشر وإن قامت صورة الموافقة.
وقياس هذا على البدع المخففة أولى، فإذا كان هذا التفصيل جاريا في البدع المغلظة كتأويل الصفات، فهو في البدع المخففة كإرجاء الفقهاءأولى بالجريان
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».
فتأمل قوله: «دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة»، وقوله: «ما كانوا يعدون إلا من أهل السنة»،
فإن قيل: ما ذكرته من تفصيل منقوض بالواقفة واللفظية فهم ليسوا في الأصل جهمية؛ لكن لما وافقوا الجهمية؛ حكم عليهم أئمة السلف بأنهم جهمية، ولم يكتفوا بمجرد قولهم: إنهم وافقوا الجهمية
قال الإمام أحمد: «الجهمية على ثلاث ضروب: فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله، وتقف، وفرقة قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ فهم عندي في المقالة واحد».
وقال: «الواقفة واللفظية؛ جهمية».
ومن حيث التعيين؛ قال الإمام أحمد في يعقوب بن شيبة لما وقف: «مبتدع صاحب هوى».
والجواب عن هذا الإيراد من أوجه:
الوجه الأول: مسألة خلق القرآن وقعت في زمن المحنة، وهي مسألة ثنائية الطرفين لا تحتمل توسطا حقيقيا، فالقرآن إما مخلوق وإما غير مخلوق، وكان الوقف نفسه ينظر إليه من أئمة السنة كموقف تحايلي مراوغ يخفي وراءه الموافقة الباطنة على قول الجهمية مع تجنب التصريح، ولهذا غلّظ أحمد فيه تغليظا خاصا، فجاءت إطلاقاتهم على وجه التحذير.
الوجه الثاني: كما وردت عن السلف روايات أطلقوا فيها القول يأن الواقفة جهمية جاءت أيضا عنهم روايات بالاستفصال، وبوجود نصوص الاستفصال نفسها عند الأئمة تكون هي الحاكمة على المطلق
قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم".
فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه.
وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم".
فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف:
الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع.
الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع.
الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي
وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم".
فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره.
فإطلاقات الأئمة كقولهم"الواقفة جهمية"، "شر من الجهمية"، إنما تحمل ابتداء على الصنف الثالث وهو المتكلم المنظِّر، لا على كل من وقف بإطلاق؛ لأن هذا هو الغالب على من كان يخاصم في هذه المسألة بالذات في تلك الحقبة، فجرى الإطلاق مجرى الغالب، لا لأن الاستفصال ساقط الاعتبار.
الوحه الثالث: من بدعه الأئمة بعينه كيعقوب بن شيبة والكرابيسي وغيرهما فمحمول على أنه تبين حاله عندهم وقيام الحجة عليه، كما قال ابن تيمية:( وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد عام حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيانةالصادرة عن ابرسول، إنما يثبت حكمها في نظيرها) مجموع الفتاوى (28/213)
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق