الثلاثاء، 28 يوليو 2026

مباهلة في تبدبع النووي وتكفير السيوطي!!!

 مباهلة في تبدبع النووي وتكفير السيوطي!!!

من أكثر ما يبعث على الأسف أن تتحول المجالس والمنصات العلمية إلى ساحات مباهلة يتداول فيها: هل النووي مبتدع أو لا؟ وهل أبو حنيفة مبتدع أو لا؟ وهل السيوطي كافر مرتد أو لا؟

فمجرد طرح هذه الأسئلة على هذا النحو يكشف خللا في منهج الاستدلال وتنزيل الأحكام قبل أن يكشف خللا في المباهلة نفسها على هذه المواضيع.

وهذه الجرأة سبب في تشويه منهج أهل السنة عند كثير من الناس، حتى وجد خصومه كعبد القادر حسين وأمثاله مادة يطعنون بها في المنهج السلفي نفسه، ويصورونه على أنه منهج لا يعرف إلا التبديع والتكفير، مع أن هذا في الحقيقة مخالف للأصول التي قررها أئمة أهل السنة.

ولا خلاف بين أهل العلم المعتبرين السلفيين في أن النووي والسيوطي وقعا في أخطاء عقدية ومسائل خالفا فيها مذهب السلف، كما لا خلاف في أن أبا حنيفة رحمه الله قد نُقل عنه ما انتقده أهل العلم، لكنهم مع ذلك لم يسقطوهم ولم يجعلوا تلك الأخطاء سببا لإهدار مكانتهم العلمية

فالإشكال ليس في وصف القول أو الفعل بأنه بدعة أو ضلال إذا دل الدليل على ذلك، وإنما الخلل هو توهم أن كل من وافق المبتدع في بعض مقالاته فقد شاركه في الحكم الذي أطلقه السلف على أهل تلك المقالة بمجرد ذلك، دون تحقيق مناط ذلك الحكم في حقه.

وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه محمد بن شمس وأمثاله، حيث استدلوا بإطلاقات السلف في تبديع أهل البدع أو تكفير أصحاب المقالات الكفرية، ثم نزلوها على أعيان معينين جاؤوا بعدهم دون تحقيق المناط، مع أن تنزيل الأحكام على الأعيان باب مستقل غير باب بيان حكم الأقوال والأفعال، وهو من باب تحقيق المناط لا من باب معرفة الحكم الكلي.

والغريب أن من يكثر من إطلاق أحكام التبديع والتكفير يقع غالبا في تناقض منهجي؛ إذ يبدأ بالاستدلال بإطلاقات السلف ثم ينتهي إلى تنزيلها على كل من وافق أوصافها في نظره، دون مراعاة للفروق التي راعاها السلف أنفسهم، ودون اعتبار لاختلاف الأحوال والأشخاص، فيصبح تحقيق المناط غائبا، مع أنه لب الاجتهاد في هذا الباب.

وهنا نسأل: هل مجرد وجود إطلاق عن الإمام أحمد في ذم مقالة معينة أو الحكم المطلق بكفر قائلها يقتضي أن كل من وقع فيها بعده يدخل في حكمه بعينه، دون تحقيق مناط؟وما الدليل على تحقق المناط في النووي والسيوطي؟

والعجيب أن كثيرًا من هؤلاء يحتجون بكلام السلف في ذم البدع، لكنهم يغفلون عن منهج السلف في تنزيل تلك الأحكام على الأعيان،
لأن إطلاقات السلف أحكام عامة على أوصاف، لا أحكام على كل من ظُن دخوله فيها، أما تنزيلها على الأعيان فهو اجتهاد آخر يحتاج إلى تحقيق المناط، ولا يلزم من صحة الحكم الكلي صحة تنزيله على كل فرد يدعى دخوله فيه، حتى يثبت أن هذا المعين قد استوفى الوصف الذي علق عليه الحكم، وانتفت في حقه الموانع المعتبرة.
فالخطأ ليس في الاستدلال بإطلاقات السلف، وإنما في القفز من الحكم الكلي إلى تنزيله على معين دون تحقيق مناط الحكم في حقه.

ومن هنا فإن من الخطأ اختزال النووي في بعض تأويلاته، أو السيوطي في بعض أخطائه؛ فإن الأمة لم تعرفهم بهذه الزلات، وإنما عرفتهم بما قدموه من خدمة للعلم والسنة والفقه، مع بقاء وجوب بيان ما أخطؤوا فيه ورده بالدليل.

فبهذا يتحقق العدل الذي أمر الله به، وتسلم أصول أهل السنة من الغلو في التبديع والتكفير، كما تسلم من التفريط في إنكار البدع والمخالفات.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

هناك تعليق واحد: