- التأله والتعبد لفظان مترادفان: حقيقة واحدة قوامها ما في القلب من كمال المحبة والذل والخضوع، ويلزم عنه شرعا ظهور مقتضاه على الجوارح.
- العبادة اسم جامع لهذه الحقيقة، واسم لأفرادها أيضا، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].
والعلاقة بين الأصل وأفراده علاقة تلازم لا تجريد، فمتى تحقق التأله في القلب وانتفى المانع، لزم ظهوره على الجوارح، وانتفاء جميع الأعمال الظاهرة مع انتفاء المانع دليل على انتفاء الأصل نفسه.
- التأله ليس مجرد اعتقاد ذهني بربوبية المعبود، وإنما هو غاية الذل والمحبة والانقياد، ظاهرا وباطنا.
ولهذا كان اعتقاد مشركي العرب في آلهتهم هو السبب الذي حملهم على صرف العبادة لها، لا نفس عبادتهم؛ فهم لم يعتقدوا استقلال آلهتهم بالربوبية، وإنما شفاعتها وتقريبها إلى الله، كما في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].
وهنا سؤال: لماذا خص المشركون الصنم بالسجود دون الغني وزعيم القبيلة مع اعتقاد القدرة في الجميع؟
والجواب: نوع الاعتقاد يفسر لماذا خُص الصنم بالتعبد، لكن هذا يثبته باعثا وداعيا وليس هو عين التأله، وهذه نكتة الخلاف مع الأشاعرة والمتصوفة
فحتى لو فرضنا جدلا أن المشركين يعتقدون في آلهتهم النفع الجزئي المستقل عن الله فليس هذا هو التأله، وإنما هذا هو الاعتقاد الباعث على التأله والداعي له، وهو شرط لوجود الفعل في الخارج وليس مناطا للشرك في النصوص الشرعية
فالشرع علق الشرك بالفعل كصرف سجود التعبد لغير الله
ولم يعلقه باعتقاد النفع في الآلهة، وإنما ذكر اعتقاد النفع باعثا وداعيا...
فافهم هذا بوركت
ولو أن رجلا اعتقد في ولي ميت أنه ينفع ويضر دون أن يسجد له أو يدعوه، لكان مشركا في اعتقادة لا عابدا لغير الله ولا متألها له، حتى يقترن الاعتقاد بصرف شيء من العبادة.
- تنقسم الأفعال من حيث كونها تعبدا في نفسها من غير قرينة أو لا إلى قسمين:
الأفعال المحضة كالسجود التعبدي، ودعاء العبادة، والذبح قربة، والنذر، والطواف، فهذه الافعال عيّن الشارع جنسها ابتداء فصرفها لغير الله شرك بمجرد وقوعها دون حاجة لقرينة.
والأفعال المشترك كالقيام والانحناء، فهذه تحتمل التعبد وغيره، فلا تتعين تعبدا إلا بقرينة تخرجها عن معناها العرفي، كالاقتران بدعاء عبادة أو استغاثة، أو مبالغة تنفي كل تفسير معتاد.
والقرينة تعمل في تعيين جنس الفعل لا في كشف ما في القلب مباشرة.
- والحكم بأن الفعل عبادة حكم على جنسه لا على كل من وقع منه؛ فالحكم على الفاعل المعين يفتقر إلى استيفاء شروط التكليف وانتفاء الموانع كالإكراه والجهل والتأويل السائغ.
وبهذا يتميز قول أهل السنة عن الإرجاء الذي يُخرج الأعمال الظاهرة عن مسمى العبادة أصلا.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق