الخميس، 27 أغسطس 2026

إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

 إعذار منكري العلو بين الإفراط والتفريط

لا ريب أن إنكار علو الله بالتأويل مقالة بدعة معلظة، وقد تواترت نصوص أئمة السلف على إطلاق الكفر على منكري العلو
وهي في أصلها واردة في الحكم على المقالة وأهلها من حيث الجملة، وورد عنهم تكفير عيني لمن تبين لهم حاله بخصوصه.

إلا أن تحرير محل البحث ينعقد قي السؤال الآتي: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل، وإنما حمله على ذلك ظنه أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا تأويل العلو تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل؟

وبطبيعة الحال البحث هنا بمعزل تام عن رؤوس المتكلمين ودعاتهم المنظرين الذي،يحرمون الايطستدلال بالواي في الإلهيات والنبوات كبشر المريسي والجويني والرازي وأمثالهم من دعاة الكلام المنظرين، وإنما البحث في حق شراح الحديث ممن غلب علبهم جانب الاتباع وتقديم الاحتجاج بالكتاب والسنة إلا أنه شابت أفهامهم بعض الشبهات الكلامية المتوارثة ظنا منهم أنها دل عليها الوحي...

للإجابة على السؤال: يجب الإقرار ابتداء بأن مساحة الإعذار في مسألة العلو ونحوها أضيق بكثير من مساحة الإعذار في مسائل الإرجاء مع اشتراك المسألتين في أصل الظهور؛ لكن امتازمت مسالة العلو بتكاثر الأدلة وتنوعها والتي منها الفطرة ..

نعم
الأصل في تحقيق المناط واحد في كل الأبواب ومطرد، لكن سعة تطبيقه تضيق جدا في مسألة العلو خصوصا والمسائل الظاهرة عموما
ولذا فإن تمثيل بعض العلماء كابن تيمية بمن نشأ في البادية أو كان حديث عهد بإسلام لم يكن على سبيل الحصر الحقيقي للموانع
وإنما سيق لبيان تضييق دائرة الإعذار في المسائل الواضحة قي نفسها لا إغلاق باب الإعذار بالكلية على من سواهم

وأما الجواب عن سؤال: هل يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية دون أن ينطلق من منظومة كلامية بدعية تقدم العقل على النقل؟
فنعم، يمكن أن يقع شخص في تأويل ألفاظ الفوقية بناء على ظن أن هذا التأويل هو عين ما يقتضيه النص الشرعي نفسه وقواعد التنزيه، كما وقع لبعض شراح الحديث المتأخرين الذين توارثوا هذا التأويل تقليدا عن مشايخهم دون تبن واع لأصل تقديم العقل على النقل، ومن غير أن يتبين له أصلا كلاميا مخالفا للوحي، ولم تبلغه الحجة على وجه تقوم به عليه، وليس من رؤوس المقالة والمنظرين لها.
فهذا يعذر في خطئه، ولا يلزم من وقوعه في هذه المقالة أن يُحكم عليه بأنه مبتدع ....

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: (ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه).
فمن ينفي العلو متؤولا ظانا منه أنه يطلب الحق من جهة الرسول معتقدا أن هذا هو اعتقاده -وإن كان ظنه لا يوافق نفس الأمر-: يعذر ولا يستحق التبديع العيني فضلا عن التكفير؛ إذ ليس كل من نفى العلو بالتأويل ينطلق من عقليات قدمها على النص الشرعي.
قال ابن تيمية في منهاج السنة: (أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها. وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين).
وهذا بخلاف من يؤول من غير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما من جهة تقديم العقل الكلامي كالجويني..

وأما الدعوى القائمة على أن المسألة إذا كانت أدلتها ظاهرة، فلا حاجة لإقامة حجة إضافية على الظهور؛ لأن الظهور نفسه يغني عن اشتراط قيام الحجة؛ فهي دعوى مردودة؛ لأن الظهور والخفاء عند المحققين كابن تيمية وغيره ليسا وصفين ذاتيين لازمين للمسألة نفسها بمعزل عن حال الناظر فيها وبيئته، وإنما هما أمران نسبيان إضافيان يختلفان باختلاف بيئة المعين وعصره وما بلغه من العلم، فقد تكون المسألة في غاية الظهور عند طالب علم صغير نشأ في بيئة سنية محضة، وتكون خفية أو محل اشتباه عند عالم متبحر في الفنون الشرعية لكنه نشأ في بيئة كلامية ورث فيها هذا التأويل عن مشايخه دون نظر مستقل.

وكثيرا ما أمثل على نقض مسألة الظهور بمسألة إرجاع الضمير في حديث الصورة إلى الله
فقد كان أمرا ظاهرا في القرون الثلاثة، حتى قال الإمام أحمد. لما قيل له: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته؛ أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وفي رواية قال عنه مبتدع
ومع ذلك أرجع ابن خزيمة الضمير لآدم؛ موافقا بذلك قول الجهمية
فلو كان مجرد الظهور موجبا للتبديع وكافيا لإسقاط شرط قيام الحجة، للزم من ذلك تبديع ابن خزيمة مباشرة بلا نظر، وهذا ما لم يفعله أحد من أئمة أهل السنة، وبقي ابن خزيمة إماما معدودا من أئمة السنة وحفاظ الحديث.

وذكرت ابن خزيمة هنا ليكون شاهدا على أن الوقوع في نتيجة قول الجهمية لا يستلزم التبديع الفوري بمجرد الظهور

ولو طرد معيار الظهور يغني عن الحجة للزم منه هدم قول ابن تيمية الذي يحكي فيه ما عليه السلف والأئمة في قوله: "أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدّون إلا من أهل السنة"
فإن كانت بدعة الإرجاء ظاهرة بحيث تغني عن قيام الحجة، فكيف بقي هؤلاء الفقهاء والعباد معدودين من أهل السنة عند ابن تيمية نفسه ومن يحكي عنهم من السلف؟

إذن لابد من التفريق بين ظهور الدليل نفسه، كوضوح أدلة العلو في الكتاب والسنة وتواترها وبين ظهور الدليل عند المعين بحيث نسأل: هل بلغه هذا الدليل على وجه يقطع عذره، أو نشأ في بيئة أخفت عنه وجه الدلالة وأوهمته أن منطلق التأويل هو الكتاب والسنة؟

والحكم على المعيّن لا يتعلّق بمجرد ظهور المسألة في نفسها، وإنما بتحقيق قيام الحجة المعتبرة في حقه، مع النظر في موانع الحكم، ومن ذلك مدى بلوغه الدليل وفهمه وقيام موجب العلم عليه.

ولذا عندما نناقش الإعذار  في مسألة العلو نناقشه من هذا الجانب، وليس من جانب الدفاع عن إنكار العلو، ولا من جانب الدفاع عن الأشعرية، وإنما هو من جانب تقرير ضابط الحكم على لمعين
فكون إنكار العلو كفرا وبدعة مغلظة لا يعني بالضرورة أن منكر العلو بالتأويل كافر، والأشكال في إثبات التلازم ...
ولذا قال ابن تيمية في عدم تكفير من ينكر العلو ممن يقدم العقل على النقل قي الاستدلال: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم).
هذا فيمن أول من غير جهة الرسول لكن لا على وجه التكذيب والعناد، فانتفى عنه التكفير إلا أنه مستحق للتبديع العيني .
وهذا بخلاف شراح الحديث كالنووي وابن حجر، فالحق أنهم ليسوا من أهل البدع؛ لأن أصل منهجهم هو الاستدلال بالكتاب والسنة والتعظيم للأثر، وإنما وقعت لهم الهفوة تقليدا فبما ظن ه أنه م أفق للكتاب والسنة

فإن قيل: ألا يعارض ما تقدم إطلاقات أئمة السلف أن من أنكر العلو فهو كافر

قيل: لا تعارض، فنصوص السلف جارية على منهج القرآن والسنة في الوعيد العام والتكفير المطلق للنوع، قال ابن تيمية (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ، وإن كان مخطئا ...)

فإن قيل: ما توجيه قول الدارمي لما قال عن مسألة العلو : (وظَاهِرُ القرآنِ وباطِنُهُ كُلُّه يَدُلُّ على ذلك، لا لبس فيه ولا تأول، إلا لِمُتَأَوِّلٍ جَاحِدٍ، يُكَابِرُ الحُجَّةَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ)

قيل: كلام الدارمي في سياق رده على رؤوس الجهمية كبشر المريسي ممن تبين له مكابرتهم وعنادهم، فالدارمي يصف هنا نوعا مخصوصا من المتأولين، وهو المتأول الجاحد المكابر للحجة مع العلم بها، فلا يصح نقل وصفه هذا إلى كل من وقع في التأويل دون تحقق وصف الجحود والمكابرة في حقه

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق