ما حكم أخذ المعلم لراتبه خلال فترة اعتصامه عن العمل؟
أصل الاعتصام لا يجوز؛ لما يترتب عليه من الضرر المتعدي وتعطيل مصالح العباد.
أما مسألة أخذ المعلم لراتبه خلال فترة اعتصامه عن العمل، فتتخرج على عدة أصول وأحكام، كأحكام الإجارة، وطبيعة العلاقة بين الدولة وموظفيها، وتأصيل قاعدة تصرف الدولة في الأموال العامة منوط بالمصاحة الشرعية..
ولكي يتبين لنا حكم الراتب من جهة فقهية تأصيلية يحسن النظر إلى زاويتين:
الزاوية الأولى: التأصيل الفقهي لمسألة الإجارة والعمل؛ فالإجارة عقد معاوضة مالية، مناط استحقاق الأجر فيه هو بذل المنفعة أو التمكين منها، والمعلم يكيف فقها على أنه أجير خاص؛ لكونه يستأجر مدة معلومة لعمل معين، والأجير الخاص يستحق أجرته بتسليم نفسه وتمكين المستأجر من منفعته في الوقت المحدد. والمعتصم امتنع عن تقديم الخدمة التعليمية باختیاره، وهذا يوجب انقطاع الأجرة عنه في تلك المدة؛ لأن الأجرة مقابل العمل، وبامتناعه ينقطع استحقاقه للأجر عن تلك المدة من حيث مقتضى عقد الإجارة المجرد، فمن هذه الزاوية لا يستحق المعلم الأجر عن مدة امتناعه، ويكون أخذه له محرما
لكن النظر من هذه الزاوية لا يكفي وحده للحكم بتحريم أخذ الراتب، وإنما لا بد في الحكم النهائي من النظر أيضا هل طرأ طارئ يمنع من التحريم؟
وهذا ما نبحثه في الزاوية الثانية
الزاوية الثانية: تكييف تصرف الدولة في المال في ظل الضغط الممارس عليها من قِبل المعتصمين، فسلطة الدولة في صرف المال مبني على الأصل المقرر شرعا وهو أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة الشرعية
فإذا قامت الدولة بصرف الرواتب مع علمها التام بوقوع الاعتصام واستمراره، وعدم اتخاذها قرارا بإيقاف الصرف أو خصم تلك الأيام، فهنا تكون الدولة بوصفها ولي أمر المال العام وصاحبة الحق إذا رأت المصلحة أو رأت ترك المحاسبة بناء على تهدئة الوضع أو اعتبارات سياسية، فإن مالها لا يحرم على المعلم آخذه من حيث الأصل.
أما فيما يرجع إلى كون الطالب هو المتضرر الأكبر، فهذا الضرر يجبر بالاستدراك المستقبلي للمناهج متى أمكن ونحو ذلك مما تراه وزارة التعليم ...
والحاصل
بما أن الجهة الإدارية المختصة لم تحجز المال وصرفته للمعلمين، فإن ذمة المعلم تبرأ ولا يلزمه رد ما تقاضاه من مرتب ما دامت الدولة لم تطالب به ولم تعتبره كسبا محظورا، ولا يلززم المعلم أن يقف أمام المدرسة وقت الدوام ليحل له المال.
لكن ذلك لا يعفي المعتصمين الراضين من إثم الاعتصام نفسه، لما ترتب عليه من إضرار واعتداء على حقوق الآخرين؛ فالتقصير في حقوق المعلمين لا يسوغ لهم الاعتداء على حقوق الطلاب ومستقبلهم.
كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق