يزعم بعض المدافعين عن د. محمد الحسن الددو أنه لا دليل على تحريم هذه الهيئة المحدثة: التجمع الجماعي للنساء تحت النافذة، مع رفع القوارير من بعيد، ودون تحقق من وصول النفث إليها.
ثم يستدلون على جوازها بعموم النصوص الواردة في مشروعية النفث في الرقية، كحديث اللديغ الذي هو من أصول الاستدلال بالنفث في الماء .
وفعلهم هذا نظير من يزعم أنه لا دليل على تحريم اجتماع الناس على الذكر بصوت واحد، ثم يستدل على الجواز بالنصوص المطلقة الحاثة على الذكر.
ووجه الخطأ أن كلا الاستدلالين مبني على نقل مشروعية الأصل إلى هيئة مخصوصة لم يدل عليها دليل.
فإن قلت: الرقية بابها اجتهادي.
قيل: على القول بجواز الاجتهاد في بعض وسائل الرقية وكيفياتها التي لا تخالف الوارد، لكن شرطه:
١-أن يتحقق القارئ من وصول النفث إلى المحل الذي يقصد رقيته، كما هو المستفاد من صفة الرقية الواردة في السنة، كحديث اللديغ وحديث عائشة رضي الله عنها لما قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه، نفث في كفيه بـ {قل هو الله أحد} وبالمعوِّذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه)
واستمرار اتصال النفث بالمحل المرقي في جميع ما ورد من صفات الرقية مع عدم نقل صورة يخالفه: قرينة قوية على أن هذه هي الكيفية المشروعة، فلا يصح إلحاق صورة لم يتحقق فيها هذا الوصف بما ورد به النص إلا بدليل، وأما القول بأن النفع من الله لا من الريق، فمُسلَّم، لكن هذا لا يمنع أن يكون الله تعالى قد جعل هذا الاتصال سببا شرعيا لتنزل الشفاء كما هي عقيدة أهل السنة؛ ولذلك لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المجرد دون نفث، ولا بالنفث في الهواء دون تحديد محل.
٢-ألا يفضي إلى الغلو، فإن ما يفضي إلى الغلو في الأشخاص لا يسوغ استحداثه في هذا الباب؛ لأن باب الرقى من المواطن التي يظهر فيها تعلق العامة بالأشخاص، فتجري فيه قاعدة سد الذرائع.
ولم يكتفِ هؤلاء بهذا، بل استحسنوا بأذواقهم فزعموا أن هذه الهيئة إن لم تنفع فلا تضر.
وغفلوا أن القضية ليست طبية: هل يضر النفث في الماء أو لا؟
وإنما هي قضية تمس العقيدة؛ فهذه الهيئة تفتح بابا لتعظيم الشخص نفسه والغلو فيه، فتدخل بذلك تحت باب سد الذرائع،
وقاعدة سد الذرائع معتبرة في أبواب الاجتهاد كما تعتبر في غيرها عند تحقق مناطها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور مع كون الصلاة في أصلها عبادة مشروعة لكنها منعت لكونها تفضي إلى مفسدة عقدية.
ومقام العقيدة من مواضع المبالغة في الاحتياط عند السلف على حسب مقتضى مجموع النصوص الشرعية
حيث يُكتفى بإمكان المفسدة العقدية دون تحقق غلبتها الفعلية؛ نظرا لخطورة المآل.
وأؤكد هنا أننا لا نتكلم عن مشروعية أصل النفث في الرقية، وإنما نتكلم عن هيئة بعينها، ولا يصح إلحاق ما لا يتحقق فيه وصول النفث بما تحقق فيه وصوله.
فإن قيل: الاجتماع الجماعي ورفع القوارير ليس هيئة تعبدية تحتاج إلى توقيف، وإنما هو وسيلة تنظيمية، والوسائل التنظيمية أصلها الإباحة ما لم يثبت فيها محذور شرعي.
قيل: هذا أقوى ما يمكن أن يستدل به الددو في هذا المقام
وجوابه: أن الوسيلة التنظيمية المباحة هي التي لا تغير من صورة الفعل التعبدي نفسه كاستخدام مكبر الصوت لإسماع الذكر لجمع كبير، أما هنا فالتغيير وقع في نفس الصفة المشروعة، فبدل نفث مباشر متحقق الوصول كما وصفته السنة، صار الفعل نفثا في الهواء أو باتجاه قارورة بعيدة دون تحقق، وهذا ليس تنظيمًا لوسيلة الأداء، وإنما هو تحويل لصفة الفعل من نفث متصل إلى نفث منفصل مجرد، مع ما يفضي ذلك إلى الغلو في الشخص نفسه.
وأما حسن الظن بالنية، فهذا أمر لا يمنع من نقد الفعل نفسه؛ فالنية الحسنة لا تصحح هيئة تفتح بابا للغلو.
والخلاصة
الأصل في المنع: أن الهيئة غير ثابتة، ولا يصح إلحاقها بالوارد؛ لأنها غيرت الكيفية المأثورة.
ويؤكد المنع: أن الوصف الملازم للرقية في النصوص هو اتصال النفث بالمحل المرقي، وهذا غير متحقق في هذه الصورة.
ويزداد المنع قوة: لما تفضي إليه الهيئة من فتح باب الغلو في الشخص، فيعمل فيها أصل سد الذرائع.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق