السبت، 29 أغسطس 2026

استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟

للمتخصصين


استشكل بعض الإخوة: كيف تقوم حقيقة الشرك بمعين ولا يكون مشركا؟ 


قبل الجواب لابد أن نبين أن حقيقة الفعل الشركي أو المقالة البدعية ماهية واحدة لا تتجزأ ولا تختلف باختلاف الفاعلين؛ فصرف العبادة لغير الله شرك أكبر، ولا تختلف هذه الحقيقة باختلاف المعينين 


وأما كيف لا يكون مشركا مع تحقق الوصف الشركي في الفعل الصادر من المعين؟ 


فأظهر ما يبين إمكان الانفكاك بين وصف القول بالكفر  والحكم على قائله هو حال الإكراه، فالمكره على التلفظ بكلمة الكفر يقصد النطق بعينه، وتحققت حقيقة الكفر في القول، والشرع يصف نفس القول بأنه كفر: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ}، ثم يستثني حال المكره من الحكم لا من وصف القول، فإذا صح تصور الانفكاك في الإكراه وهو مانع صح تصوره في غيره من الموانع. 


ومعنى قيام حقيقة الشرك في المعين هنا هو تحقق وصف الشرك في الفعل الصادر من المعين من حيث ماهيته، لا من حيث الحكم على الشخص المعين. 


والسؤال الذي هو حقيقة البحث: هل قولنا: هذا الفعل شرك يوجب تسمية الفاعل مشركا شرعا؟

والمعين الذي نبحث فيه هو من ثبت له أصل الإسلام، وليس النفي في كل  معين، فقد تقوم حقيقة الشرك بمعين ويكون مشركا وقد لا يكون مشركا ..


ولكي نجيب على هذا السؤال

لابد أن نفهم كيف كيفت الشريعة هذه الحقائق إذا قامت بمعين: هل بمجرد قيام حقيقة الشرك في معين يكون قد قام به سبب موجب لتسميته مشركا على أي حال، أو يكون سببا مقتضيا بحيث لا يسمى مشركا إلا بعد إقامة الحجة، لكونه سببا لا يوجب الاسم وحده؟ 


نعم، إذا نظرنا في لغة العرب وجدنا أن من قام به الفعل اشتق له منه اسم فاعل؛ فمن قامت به الحركة سمي متحركا،

لكن في الشرع اختلف الأمر من جهة كون الأسماء تترتب عليها أحكام دنيوية وأخروية، فلا ينزل الاسم المترتب عليه أحكام شرعية على المعين حتى تتحقق شروطه وتنتفي موانعه المعتبرة في الباب. 


فإن قيل: هل إقامة الحجة شرط في الاسم أو في الحكم؟ 


قيل: إن أريد بالاسم مجرد الوصف المشتق من الفعل، فهذه مسألة لغوية والخلاف فيها لفظي، وإن أريد به الاسم الشرعي الذي يترتب عليه حكم الكفر أو الفسق، فالنزاع في تنزيله على المعين. 


والذي تدل عليه الأدلة أنه يمتنع تنزيل اسم الشرك على المعين في مقام الحكم إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. 


ومن ذلك حديث ذات أنواط، فقد خرج جماعة من الصحابة إلى حنين وهم حديثو عهد بإسلام، فمروا بشجرة كان المشركون يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مثلها يتبركون بها، فأنكر عليهم  وشبه قولهم بقول قوم موسى: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة}. 


فلم يقع من الصحابة هنا فعل تعبدي عند الشجرة؛ فهم لم يعكفوا عندها ولم يعلّقوا أسلحتهم، وإنما صدر منهم طلب وسؤال بأن يجعل لهم مثل ما للمشركين، فهو طلب يتضمن الإذن بمعنى شركي، 

ومن الدليل على أن المطلوب من جنس ابشرك الأكبر لا الأصغر قوله :( ويعكفون عندها)، والعكوف في لغة العرب فعل تعبدي وليس مجرد الجلوس، كما أن التشبيه الصريح من النبي بطلب بني إسرائيل يدل على شدة مشابهة مطلوبهم لما وقع فيه أولئك من طلب اتخاذ إله أو معبود، وإنما منع من ثبوت اسم الفاعل وحكمه كونهم حديثي عهد، فكان الجهل متعلقا بحكم الفعل الشرعي، لا بحقيقة ما طلبوه من حيث التصور..

فهم لم يباشروا الفعل الذي كان عليه المشركون، وإنما صدر منهم طلب يطلبون فيه إنشاء مثل ما يفعله المشركون، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعهم فيها.

فالحديث شاهد على أن صدور القول أو الفعل المتضمن لتحويز معنى شركي لا يستلزم بذاته ثبوت الاسم الحكمي على فاعله؛ لأنه سبب مقتض لا موجب. 


فإن قيل: أليس هناك تناقض عندما تثبت قيام حقيقة الشرك في المعين ثم تنفي عنه أن يكون مشركا؟ 


قيل: لا؛ لأن التناقض يقع لو قلنا: هذا الفعل ليس شركا لكن الفاعل مشرك، أو قلنا: هذا الفعل شرك، والفاعل لم يفعل الشرك. 

أما قولنا: هذا الفعل شرك والفاعل ليس مشركا فلا تناقض فيه؛ لانفكاك الجهة. 

فالحكم على الفعل بالشرك من جهة تحقق ماهية الشرك فيه، وعدم الحكم على الفاعل بأنه مشرك من جهة عدم استيفاء شروط الاسم الشرعي في المعين 

ونظيره أن يقال: القول كفري، وقائله المعين قد لا يحكم بكفره.

وهذا لا يعني أن القول صار غير كفري او انتفت حقبقة الكفر قي المعين من حبث الفعل. 


وأما ما يرد من إطلاق بعض النصوص اسم الشرك أو المشركين على أقوام قبل بلوغ الرسالة، فليس ذلك نقضا لأصل التفريق؛ لأن الكلام في تنزيل الأسماء الشرعية على المعين بعد قيام موجب الإسلام في حقه، وهي مسألة تختلف باختلاف حال المخاطَب وبلوغ الرسالة وقيام الحجة. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2026/08/blog-post_29.html


هناك تعليق واحد:

  1. جزاكم الله خيرا شيخنا لقد انتفعت كثيرا بمقالاتكم المؤصلة. ربنا يحفظكم

    ردحذف